الفصل 21 | من 21 فصل

رواية غيبيات الفيروز الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
21
كلمة
4,321
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

تضع خلود يديها الاثنين على وجهها بحزن، ما زالت لا تصدق ما حدث. أهي أضاعته بلسانها من بين يديها؟ ذلك الرجل الذي حاولت مرارًا وتكرارًا الوصول إليه. تحاول الآن إقناع نفسها أنها بكابوس ستفيق منه بأي وقت. لا، ذلك ليس حقيقي. أخذت تنتحب بقلة حيلة وهي ترتجف خوفًا من فقدانه بالكامل وللأبد، لأن كل شيء بلحظة انقلب رأسًا على عقب. استمعت إلى تلك الطرقات على الباب بضيق، لتعلم أنه والدها. فهمست بصوت ضعيف: "عايز إيه يا بابي؟

أنا شبعانة، وماليش نفس أكل. وبعدين مامي بعتاك ليه دلوقتي؟ مش دي كانت خطتها؟ إني أجي على قلبي وأمشيه؟ أهو طار." تنهد خالد بتعب ثم زفر بضيق: "افتحي الباب، مش أمك اللي بعتاني. زعلانة أوي إنه مشي ومرجعش تاني؟ طب أهو تحت أهو، ولو ما فتحتيش هنزل أقوله إن آخر محاولة فشلت." ردت عليه بشجاعة لا تعلم من أين أتت بها: "لا متقولوش كده، بابي ممكن تنزل تقوله ينتظرني؟

على بال ما آخد شاور ونازلة وراك فورًا، وبليز بلاش تخلي مامي تضايقه، ممكن يابابي؟ دلفت إلى المرحاض واغتسلت وارتدت ثيابها وهرولت إلى الأسفل. وما إن وصلت إليه حتى رسمت شخصية منافية لما بداخلها. انتفضت عندما استمعت له وهو يصرخ بها قائلًا: "لو فاكرة إن رفضك ليا هيمنعني عنك تبقي غبية، أنا ممكن في لحظة أكسر دماغك، فخليكي هادية كده وافتحي قلبك وقولي اللي فيه من ناحيتي."

قالت ما بداخلها سريعًا وهي تبتعد عنه. ليقترب منها وهو يقلب النظر بها، فتنهد بحزن عندما تأمل عينيها المتورمة من كثرة البكاء ووجهها الشاحب من الحزن: "أكيد مكنتيش هتفضلي كاتمة ده كله في قلبك كتير، تعالي نخرج نكمل كلامنا في الجنينة، ومش هخرج من البيت إلا لما تكون دبلتي في إيدك." هزت خلود رأسها بانفعال ترفض الانصياع له. ليضغط هو على شفتيه بشدة، فهو لم يتحمل كل هذه الأمور الطفولية، فقد مر أسبوع مليء بأحداث مريبة للغاية.

فتنهد بنفاذ صبر: "خلاص همشي أنا يا خلود طالما هتفضلي معاندة كتير، مش فاهمك الصراحة، أنتي يا بنتي مش كان نفسك في كده؟ والله العظيم بحبك، وما كنتش حاسس." نظرت إليه بدقة وظنت للحظة أنه يريد الخداع بها، وقد تبين ذلك في نظرات عينيها، والتي لمعت بالدموع من شدة الحسرة على نفسها. فاقترب إليها في حنان:

"متخافيش، لو كنت عايز أخدعك كنت خدعتك من زمان وأنتي بتحاولي تلمحي ليا، أوعي تفكري إني ما كنتش فاهم، لأ، كنت عارف بس كنت بشفق عليكي." ابتلعت ريقها بصعوبة ثم تقدمت أمامه إلى الخارج، وهي تراقب أفعاله من خلفها من خلال ظله وتتمعن النظر جيدًا خوفًا مما يدور في خلده.

زفر عصام بغيظ من شكها الذي أوجع قلبه. كم تمنى أن تحسن الظن به وتعلم مدى العشق الذي يكنه بقلبه ووجعه الحالي. وندم على اللحظات التي أضاعها معها، لكن نفض كل هذه الأفكار من رأسه، فلم يوجد أي سبب مقنع لما فعله بالماضي وتجاهله لها. أخرجه من شروده صوتها الضعيف وهي تهتف بصعوبة: "فين الدبلة اللي أنت بتقول عليها دي؟ أنا مركزة لكل كلمة قلتها يا عصام، والمرة دي مش هتقدر تضحك عليا. عصام، انت مستعد تتجوزني؟

أشار إلى الطاولة بجانبها ثم هتف وهو يبتعد متجهًا للخارج: "العلبة دي افتحيها هتلاقي ليكي خاتم ليكي جواها، وأي حاجة تطلبيها بعد الخاتم ده أنا تحت أمرك، وعمري ما كنت مستعد للارتباط قد دلوقتي." أوقفه صوتها وهي تصيح بسعادة: "ده انت كنت مجهز كل حاجة بقي، يعني مش جاي تحاول معايا؟ قد كده واثق مني المرة دي عصام؟ أنا موافقة، عمري ما هقولك لأ، إيه رأيك؟

نظر إليها وهو يرفع كتفيه بفخر، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية تدل على سعادته، يهتف بحب: "طب ما أنتي طلعتي بتحبيني أهو، ومش حكاية جبيني لعندك عشان توقعيني، كان لزومه إيه العذاب اللي حصل من أسبوع؟ أكيد كان في سبب." لم تنتبه إلى أول جملته، بل اتجهت إلى الداخل بصمت تام. ليعقد جبينه من فعلتها، لكنه سار خلفها بهدوء ليتذكر باقي جملته عن السبب ويعتقد لأنها أفسدت العلاقة بين فيروز وريحان، ومن ثم حرمت الحب على قلبها. ***

**عودة إلى ريحان وهو ما زال يتأمل فيروز ويحدث نفسه:**

إنها حقًا أنثى صعبة، وأنني ما زلت أحتاج بعض الوقت لترتيبها. مر عامان منذ لحظة رؤيتها تقريبًا. وجدت نفسي يومها وروحي وأفكاري تميل نحو شيء اسمه الفيروز. كان الغرض منها إتمام عملي الرسمي على أكمل وجه، ولكني أطلقت الحرية لخيالي يحلق معها أينما يشاء. فهي تجربتي الأولى مع الحب، ولم أكن واثقًا من نجاحي. ولذلك انفعالي بها منذ لحظة رؤيتها ومحاولة فك شفرات غيبياتها وقراءتها أمر شاق. ولا أحد يعلم كيف كان تأثيرها علي. كان الغرض

منها أيضًا تقديم والدها للعدالة على يدها، بطريقة رسمية. ولذلك خططت تخطيطين. الأول أن يكون حضوري ثقيلًا عليها، وكل مقابلة لنا تكون قوية وفعالة ومليئة بالأحداث. فهي أنثى بعيدة تمامًا عن فكرة المراوغة بها، والمشاهد الخادعة التي يتصنعها الرجال في النساء. فكل ردات أفعالها كانت مترتبة على أفعالي. وأفضل وصف قرأته بداخلي أن كلاً منا مكمل للآخر. الخطة الثانية هو تسريع الحكاية والأحداث بيننا، ولكن هذا نتج عنه أننا كنا بعيدين

كل البعد عن النقاش الاجتماعي، أصبح كل منا يتشبث برأيه دون الآخر.

تململت في فراشها، ولأنها بعيدة عنه فترة، تناست أمر القارورة التي بجوارها فسقطت وتهمشت: "المياه، أنا وقعت المياه، ما أخذتش بالي. ممكن تبعت حد يلم الإزاز ده؟ بس عايزة أقوم آخد شاور الأول، مينفعش حد يشوفني بالمنظر ده. أنتي ما نبهتنيش ليه؟ عجبك منظري طبعًا ونفسك الكل يعرف." قالتها فيروز بضيق ما أن استيقظت وهي تحاول أن تعتدل في جلستها. قام بإقصاء الزجاج بعيدًا عن الفراش بأداة التنظيف وذهب إلى المرحاض لجلب ماء. مد يده

لها بكوب زجاجي وهو يبتسم: "إيه حصلك؟ ما أنتي عارفة إن ديما بحط إزازة مياه جمبي على الكومود، مفيش حاجة اتغيرت في الأوضة من يوم ما سبتيها، أنتي نسيتي؟ لو ناسيه أفكر قلبك حتى بآخر لحظة." التقطت كوب الماء منه بلهفة وأخذت ترتشف منه حتى انتهت، ثم نظرت بجانبها لتجده يجلس وعلامات الإرهاق بادية على وجهه، مما أثار قلقها. فشكرته: "شكرًا يا ريحان، عارفة إنك ما غيرتش حاجة في الأوضة من يوم ما سبتها، بس أعمل إيه؟

غصبن عني. بس أنت شكلك مش مظبوط كده ومرهق من الجري ورايا." ريحان بخبث لا يقبل لوعها: "أنا سؤالي واضح وهو أنتي نسيتي، مش مطلوب منك تقلقي على إرهاق حصل لي. هو أنتي مش عارفة سبب إرهاق جوزك؟ ولا إيه يا فيروز؟ أنا عريس، ومش هبقى مش مرهق من اللي حصل، وإن كان على الجري وراك فده مزاج ليا." لمعت عينيها، ولكنها تذكرت والدتها لتهتف بألم: "أمي وحشتني وحاسة إني مش هشوفها تاني. ريحان، انت تقدر ترجعها؟

أنا خايفة ناشد يقتلها، وفادي مش يرحمها. هو أنا ليه فرحتي مش تكمل؟ حتى معاك مش قادرة أنسى ليلة القبض عليك لما كنت في حضني." أصبح وجهه خاليًا من التعبير، وهي تنظر إليه بتدقيق لتقطب جبينها بعدم فهم، فهي دائمًا تنظر له فتفهمه بسهولة. شردت فيه، ليلاحظ شرودها في ملامح وجهه بالإضافة إلى نظراتها الحزينة، ليقطع شرودها بهمسة حنون: "كده برضه كنتي هتنسيني اللي انتي عملتيه فيا امبارح؟

اطمني على ماما يا حبيبتي، مامتك هربت وأكيد كلها ساعة وهتبقى هنا. بس مينفعش تشوفك كده. عايزها تفرح لما تشوف بنتها سعيدة معايا وتتأكد إنك اخترت صح." اتسعت ابتسامتها عندما أخبرها بهروب والدتها لتقترب منه قليلًا وهي تهتف بتوتر: "لا لا ما بص، أنا هقوم آخد شاور قبل ما هي ترجع البيت، بس متقولش لحد على اللي حصل بينا علشان هيحصل كتير. متقلقش، ومش عايزك تنسي. علشان كل ليلة هفكرك."

ابتسم بخبث على شقاوتها، فهي تعتقد أنه قلق ألا تعاد تلك الليلة، فهي من طلبتها بلسانها، هي من أتت بنفسها إلى قلبه، هي من أتت بنفسها إلى عشقه الذي لن تخرج منه مجددًا. تنهد بعمق ثم ابتسم بمكر قائلًا وهو يفتح باب الغرفة يأخذ الطعام الذي استدعاه إلى جناحهم:

"قولتلهم يجيبولنا الأكل على هنا، أكيد عرسان زينا وفي يوم صباحيتهم مش هينزلوا تحت. كلي يا فيروز، كلي علشان أنتي محتاجة تغذية علشان اللي جاي أصعب. أنتي مش مع أي حد، أنتي مع ريحان الجمال." أخذت منه الطعام وعينيها تتسع تحاول فهم ما يقوله، لتفهم مقصده بسرعة وهو يراوغ لها حاجبيه، لتهتف بسخط: "مبحبش الكلام المتغطي ده، يا تقول نفسك في إيه، يا تسكت خالص. إيه يا رينو، هو الراجل الصلب اللي جواك بتاع مصنع الحديد والصلب تفتت؟

وبقي مايع؟ ابتسم بهدوء ليزيد غيظتها تجاهه. كادت أن تتحدث لكنه لم يتركها تتحدث ليتجه إلى شفتيها مقررًا إنهاء ثرثرتها وهي تظل تفكر في حيلة أن تهرب منه. *** "أياك على الله تحصل الميتين اللي راحت تزورهم، هي واقفة عند أي قبر بالتحديد؟ "هي وقفت الأول عند قبر، تقريبًا ده قبر والدها، لكن ما وقفتش كتير. سابته وراحت عند قبر ابنك."

شعر ناشد بوخزة في قلبه، فهو يحتفظ بذكريات هذا اليوم المؤلم، يوم موت ابنه. ولكن عاد إلى دور رجل الثلج، وتغاضى عن ذلك ليسأل المراقب التابع له: "في حواليكم حد من الناس؟ زيدان ورجالته ظهروا؟ فيروز جت؟ هز غريب رأسه بالإيجاب: "في حركة في المقابر هنا رغم إن ده مش يوم الزيارة، بس في ناس بتلف كتير، وكأن في جنازات بالهبل. رجالة تدخل وتخرج، بس غربًا عنها، هي متعرفهمش، أنا متأكد. كمان مفيش حد منهم قرب منها."

اتخذ ناشد خطواته للذهاب إليها. لطالما الأمر مستتب، اقترابه الشديد منها جعل الدموع تتبخر من عينيها. ليهمس هو بنبرة شيطانية: "اسمعي يا صفا، بما إنك هربتي مني، يبقى لازم تفهمي حاجة. مش كل مرة هتغاضى عن هروبك، بالذات المرة دي. إيه وحشوكو؟ طب ما أنا ممكن أساعدك." اقترب منها أكثر لتكون المسافة بينهما شيئًا صغيرًا للغاية ليتابع بثقة:

"أنتي هترجعي ليا، وعمرك ما هيكون ليكي مكان إلا عندي. ياريت تفضلي حاطة ده في دماغك طول الوقت لأن الوضع بعد اللي حصل دلوقتي هيختلف." توجهت لخارج المقابر وهي تجيبه باشمئزاز: "أنا هطلع بره المقابر ده مهما كان مكان وله حرمته، عشان أعرف أصوت وألم عليك الشارع كله. اطلعلي بره لو راجل يا ناشد، ولو إني أشك في رجولتك." ذهب خلفها وأمسك ذراعها بشدة جعلها تتأوه بقوة ليهتف ناشد بسخرية: "صوتي...

صوتي براحتك، أنا مش بيهمني أي حاجة من الحاجات دي. ها يالا مستنية إيه؟ فرصة أفرجك رجولتي قدام الكل، وإني مش قدي." ابتلعت ريقها بمشقة لتهمس بوجع: "أنت ليه بتعمل فينا كده؟ إحنا عملنالك إيه عشان تعمل معانا كده؟ أنا هربت عشان خايفة على فيروز، عايزة ألحق ألاقي بنتي قبل ما فادي يوصل لها." صفع وجهها بكفيه، وكل ذلك تحت نظراتها المصدومة لما يحدث:

"معملتوش حاجة، كل الموضوع إني بحبكم، وأنتم مش قادرين تفهموا ده. ليه مش ماشيين تحت طوعي زي عيلة زيدان ما هي ماشية؟ ده حتى ريحان اللي متجوز بنتك اتجوزها بعد موافقته." أبعدته عنها لتهتف في سكون وهي تبتعد قليلًا: "مش... مش فاهمة، إحنا مش بنحبك. ناشد، أنت مجنون؟ فرق كبير بينك وبين زيدان، زيدان مكملش في طريقك القذر ده. عايزاني بعد ما قتلت ابني آمن ليك؟

ما إن نطقت بتلك الكلمات لينقض على فكيها بكل قسوة يهتف وقد تحولت عيناه إلى لون الدماء ينظر لها بغضب أرعبها: "مش بمزاجكم، غصبن عنك أو بمزاجك، أنتم بتوعي وليا أنا وبس فاهمة؟ وهطلقها منه، ومش هنفضل في مصر يوم واحد. مش قلتلك هتتمني الموت على إيدي؟

ثم دفعها بخفة بعيدًا عنه. الدفعة التي أنقذتها حيث كانت مصابة بالهدف قبله، حيث كان فادي مختبئًا لهم في سيارة جانبية يريد الخلاص، ولكن شاء القدر أن تخرج الرصاصة من نافذة سيارته لتصيب ناشد في رأسه ليخرج من الحياة للأبد كما دخل لها.

قتل ناشد بدون أي نقاش وبدون فرصة منه للتشبث بالحياة، بدون مشاعر أو أي إحساس. قتله بحبكة شيطانية مثل حبكاته. لعبت دور البطولة في هذه الحادثة صفا. حكاية انتهت على يد بطل وهو فادي، بطل في فنون الانتقام. أخذت صفا تبحث عن القاتل في صمت، حيث كانت الرصاصة مصوبة بشكل مباشر بناشد. أخذت تتلفت حولها لتجد فادي يحمل ناشد. حمل الذي تم إسقاطه بيده. أخذه ليضعه بسيارته ومن ثم أخذها عنوة ورحل قبل أن يتم الوصول إليهم. أخذها في مكان متطرف وحبسها لكي يجلب فيروز وينتقم منه أشد انتقام.

ظلت صفا تبكي طوال الليل من شدة قلقها على ابنتها لتهتف بألم بدا على تعابير وجهها: "آه يا بنتي، البت فيروز كده ضاعت، أنا اللي ضيعت بنتي، أنا اللي ضيعتها. هيلاقيها فين ده؟ يارب ما يعرفلها طريق. لازم أهرب منه هو كمان."

قامت من على كرسيها لتنهج نحو الباب تحاول فتحه كي تخرج وتبحث عن ابنتها لتجد فادي نسخة من الرجل المشبوه الذي كان زوجها مقتولًا بنفس الطريقة ساقطًا تحت قدميها وحوله تجار السلاح الذي كانت تراهم بعينيها يتعاقدون مع ناشد. تتذكر ناشد هو كان قائدهم وكان يقوم بالإضافة إلى توجيههم والإغداق عليهم بالأموال كان يأمرهم بتوزيع نسائهم عليه أو حرمانهم منهم وإهلاك أرواحهم في العمل. جائوا ليقتصوا منها حقهم ويطالبون بدين ناشد منها.

"دين؟ "مش فلوس، زي اللي كان ناشد بيدفعهم لينا. لا أنتي وابنتك من بعدك. خصوصًا بعد ما اتقتل فادي دلوقتي، فادي كان هيبقى بدل ناشد، وأكيد اللي قتله حمى ابنك."

وفي ظل حديثهم معها تفاجئوا بمن يقتحم عليهم الوكر ويسحق أرواحهم لكي يتم الثأر والنيل من جرائم متعددة تمت منذ خمسة عشر عامًا حتى حانت اللحظة الحاسمة. قتل ناشد كان مرتبًا من قبل عصام وريحان، فهم من قاموا بتهريب فادي ليس فقط للنيل من ناشد ولكن النيل من كل رجال المافيا. نظرت صفا إليهم وهم أشلاء جثث هامدة أمام عينيها ثم ارتفعت بعينيها صوب ريحان لتجد الحياة تحلو بعين ريحان، وزيدان يقف بجواره يتحدث، ومع كل كلمة تخرج من فم زيدان، عينيها تكتسي بلون الدهشة، لتعود حياة صفا مثل ما كانت نقية.

"آسف يا حماتي إني سبتك في وسط المستنقع ده. على الأقل عرفنا تجار السلاح دول كلهم كانوا متجمعين فين." تعالت ضحكات زيدان ليهتف قائلًا: "يا ريحان دول كانوا عندها طول الوقت." نظرت إليه صفا بتتمعن وسألته قائلة: "إمتى رتبت للخطة دي يا زيدان؟ أنت رتبت لكل ده حتى قبل ما تقتل فادي؟ هز زيدان رأسه بالنفي:

"ما توقعتش يا ست صفا إنك تكوني بالغباء ده زيهم، اللي قتل فادي إيد كانت عايزة تزيحه وتاخد كل حاجة، بس ما اتجرأت طول ما هو موجود. أما الخطة دي خطة ريحان، هذا الشبل من ذاك الأسد."

نظرت صفا إلى ريحان لتتأكد أنها اختارت صحيحًا لابنتها وأن ابنتها لن تحيا حياة مثل التي حينها هي. عاد الجميع إلى منزل زيدان ليعلن يوم زفاف أولاده ومن العادة أن يقوم والد العروس بتوصية زوجها عليها، ولكن الآن قام زيدان بتوصية نور وريحان على زينب وفيروز حيث اعتبر فيروز ابنته الثانية وعاملها على هذا الأساس. *** **بعد مرور سبعة عشر عامًا** كانت تقف ريحانة في حديقة الفيلا لتجد من يأتي من خلفها بصوته العالي لتتعالى صرخاتها

لدرجة استماع الجميع: "متلبسيش كده تاني؟ البيت مليان شباب. اكبري واعقلي." "انت فاكرني كبيرة؟ أنا لسه صغيرة يا زيدان بلاش تحكم." هز رأسه بصلابة قائلًا: "أيوه كبيرة. ده انتي بقيتي في الكلية دلوقتي، أنتي بس اللي قصيرة." نفخت بضيق قائلة: "لا مش كبيرة، أنا لسه صغيرة. ومتقولش قصيرة يا طويل يا أهبل." لتجده يحوم حولها يجز على أسنانه: "صغيرة!! أمم، طب الصغيرين يضربوا صح؟ وفي حتة معينة." ابتعدت عنه ببطء:

"اياك تقرب مني. زيدان اعقل كده وأنت مضحك الكل علينا." هرعت إليها لتحميها من عصبيته لتجد من يجذبها نحو أحضانه ويميل عليها يستنشق عبير شعرها قائلًا وهو يلتهم شفتيها: "متدخليش بينهم. سبيه يعلمها الأدب، ما البت غتيتة وبتغيظه." لتشهق جاحظة: "زيدان، أنت مش ملاحظ إن حفيدك نسخة منك؟ ده مش بس الاسم، لا دي الطباع كمان. أنا بتعجب بقي ابن نور وزينب يطلع كده؟ طب قول ابن ريحان مثلاً، إنما ابن نور."

تعالت ضحكته وهو لم يمهلها الفرصة تكمل ثرثرتها بل يحاول تشتيت انتباهها وهو يعبث في أزرار كنزتها قائلًا: "وماله عقبال ما فيروز كمان تجيب واحد زيي. أهم حاجة إنهم يبقوا مخلصين زيي، أهم يطلعوا بينجزوا أحسن من ابنك. اللي فضل سنين مش عارف يقولها بحبك." ضربته بخفة على أصابعه التي تثيرها بلمساته إليها: "متتقولش على ابني حاجة، ابني زي الفل، هو عملي حبّتين. وبعدين انت نسيت يا باشا العملية بتاعتك ولا إيه."

قام بسندها على الجدار وهو ينثر قبلاته الناعمة على أجزاء وجهها: "يعني بزمتك أنا ولا ابني؟ بقي ابنك بيدلع مراته زيي كده؟ ولا ده قوة تأثير عطرك عليا؟ تعرفي أنتي برضه مفيش ست زيك." بالفعل، هي لها تأثيرها الذي لا يقارن بامرأة أخرى، والعكس صحيح أيضًا، فهو له السحر عليها: "يا ريت كل الرجالة زيك يا زيزو، أنت معايا ناعم جدًا، ومع الكل قوي، حتى قوتك معايا بعشقها، لأنها جاية من الحنية. حنية محدش يتخيل إنها جوه قلبك يا قلبي."

ليمسكهم نور بالجرم المشهود: "لا، أنتم ما يسكتش عليكم." ليزفر زيدان ويكاد أن ينقض عليه ولكن تمنعه ريحانة قائلة: "طب إيه رأيك تروح تشوف مراتك وابنك وتخليه يعتق ريحانة؟ تركهم نور ورحل إلى زينب التي كانت تفض الاشتباك بين ابنها زيدان وريحانة ابنة شقيقها: "تعالي يا زوزة هقولك كلمة سر زي اللي الأسرار اللي أبوكي هاري أمك بيها. يا ختي دول ولا الشباب." تعالت ضحكات زينب وهي تركض بعيدًا عنه قائلة بمرح:

"لا يا نور عيني، أنت أسرارك غويطة وكل مرة بعيل. كفاية الاتنين اللي مش بنيموني ولا الاتنين اللي في بطني يا أبو نص دسته أشرار." "أنا برضه اللي أسراري غويطة ولا انتي اللي بتقصدي تربطيني بالعيال؟ خايفة لأهرب منك يا زوزة؟ اقتربت منه وهي تحاول نزع رباطة عنقه تميله نحوها: "أحلى ربطة دي ولا إيه يا نور عيني." صعدت ريحانة الصغيرة تبكي إلى والدها الذي كان يريد الهبوط إلى زيدان يعنفه على ما يفعله بابنته: "لا وربنا ما أسكت."

ليجد من تجذبه نحوها: "أنت مش بتبطل عصبية؟ وبعدين ما كل ولد مثل خاله يغير عليها." وعدها كثيرًا أن يكف عن عصبيته: "هبطل بس البنت الواد ده نسخة من أبويا. ويجنن بنتك." زمت شفتيها بتذمر طفولي قائلة: "مش عارفة كلهم طلعوا نسخة منه ما عدا أنت. مش كنت تبقى زيه." فهم ما ترنو إليه فسألها بخبث قائلًا: "وإنتي ليه مبقتيش زي أمي ريحانة؟ ربطاه جنبها على طول." تفاجئت من سؤاله:

"أنا ليا شخصيتي. وبعدين أنا مش من العيلة ولا بحمل جينات العيلة. وأنا كمان ريحان زيدان الجمال اللي عشقتك من أول نظرة وقلت هي دي طرقنا كلها غيبيات بس النهاية انتي مراتي بعشقك بطريقة خاصة. وبقانون خاص." ابتسمت وهي تنهض ببطء تضع يدها على بطنها متعبة من ثقل الحمل تتوجه نحوه لتجده يرمي بأحضانها بكل لهفة لتتأكد أن الجميع مختلف في عاطفته وعطائه للآخر، فغيبيات الفيروز تختلف عن غيبيات الريحانة، ولكنها كلها غيبيات تمر بالعشق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...