بكل المعاني هو رجل صارم يحقق مأربه مهما كلفه الأمر. أرادت مراقبته فذهبت تشاهد تصرفاته وأفعاله، وجدت أن صوته يرج أركان القسم والحماس لديه لا يوجد مثيل له، وسلاحه الأسود يتوهج على جانب خصره كأنه معزوفة لقتال شرس. تَناسَت أنها تقترب جواره، كانت تقف في فخر وذهول. عيناها تراقب كل ما حولها بحماس وحدة. أسنانها تضغط فوق شفتيها رغماً عنها.
علم بوجودها رغم وضعها للنظارة الشمسية السوداء تغطي أغلب وجهها لتداري فيروزتها عنه، ولباسها المستعار كأنها في أمر شكوى لأي ضابط غيره. أخذ يدها على غفلة عندما كانت تتلصص إلى العاملين بالقسم وتستمع إلى حديثهم عنه. فضغط فوق يدها بأصابعه لتنتفض وتشهق. فابتسم بخبث عندما غمغمت بلهجة حاولت تصنع فيها الثقة هاربة من هذا الموقف الذي باتت فيه:
"أنا كنت جايه أقولك إنّي موافقة، بس لفت نظري إنهم هنا كلهم بيتكلموا عليك وعلى غرورك وقسوتك معاهم." قال بفخر وعيناه معهم، ليس كقائدهم بل أخ: "دول إخواتي." تعلقَت نظراتها به وهو يتحدث بكل ثقة ولا يهتز لأي حديث عنه، فقالت ببطء بسبب حرجها: "وأنا هكذب عليك ليه؟ هستفاد إيه؟ وأنا مالي. أنا أساساً مقصدتش إني أسمعهم، كل ده صدفه. وبعدين متصدقش، أنت حر. أنا كنت جايه أقولك حاجة وخلاص، خلصت." سلط النظر عليها كأنه لا يعرفها:
"انتي مين؟ وإيه اللي انتي موافقة عليه؟ واللي جايه علشانه مخصوص. الظاهر إنك غلطتي في العنوان، لو قصدك على النقيب عصام، ده الدور التاني." لعنت أباها في سرها لأن بسبب وضعها في موقف تختنق له. فهي تعلم جيداً أن ريحان يعرفها منذ أن وضع يده على يدها، ولكن أراد التمثيل: "أنا فيروز يا ريحان. ولا تحب أقولك هنا يا سيادة الرائد؟ غريبة أوي إنك معرفتنيش وحطيت إيدك على إيدي. إيه؟ انت متعود تلمس أي حد؟ لأ، وكمان معرفتش صوتي."
هز رأسه بسخرية ثم قال بخبث وهو يرفع إحدى حاجبيه ويرقصه: "وإنتي إيه اللي ملبسك كده؟ هو انتي جايه حفلة تنكرية يا فيروز؟ وبعدين ليه مفكرة إني مركز معاكي ومع صوتك؟ وإن كان على اللمس، فأنا بلمس كتير." توترت من سؤاله وبشدة ولا تعلم ماذا تجيب عن السبب لارتدائها هذه الملابس: "يعني خوفت يكون والدي مراقبني ويعرف إني جيت هنا، وبالتأكيد هيفهم إني هتحالف معاك ضده. فاتنكرت بالشكل ده. كمان مش عايزة أعملك مشاكل مع العيلة."
كاد أن يرد عليها لولا هبوط عصام من الطابق العلوي وملاحظته وقوف ريحان مع جنس ناعم. ولأول مرة تقدم نحوهما، ينظر إليها بكل دقة: "ريحان باشا، حضرتك عامل إيه؟ في مشكلة ولا حاجة؟ أنا عارف إن الجنس الآخر حضرتك مش بتحب تتعامل معاه، ممكن حضرتك تسيبها ليا، هتصرف."
جز ريحان على أسنانه حيث أن عصام بدقيقة واحدة وضح حقيقة عنه، وهو عدم تألفه مع الجنس الآخر. لتنطلق هي ضحكاتها عالية وتخلع نظارتها عنها والحجاب المربوط حول عنقها حتى تنسدل خصلات شعرها على وجهها، لتجعل عصام في حالة ذهول وانبهار من إخفائها لتلك الملامح الجميلة. كاد ريحان أن يبرحها أرضاً كعادته، ولكن مهلاً، هي الآن تحدته، فليكمل معها التحدي للآخر. وأمر عصام بسيط، سيعلمه أنها من العائلة.
اتخذ عقله كل هذه القرارات، غافلاً عن يد عصام التي امتدت إلى يدها لكي تصافحها. بعد أن انتهى عصام من مصافحتها، ارتفع ببصره نحو عيني ريحان المسلطة عليه ليعلن أنه قد دق ناقوس الخطر. فتنحنح وانصرف سريعاً. "ده ظابط جبار." نظرت نحوه باهتمام، وقد عادت كلمات خلود تتكرر في عقلها: "جبار بيفهم اللي قدامه من نظرة عينيه، ومستعد يضحي بروحه عشان العيلة. ولو معركته مع باباكي مش هيهمه انتي مين."
تسائلت فيما بينها هل من الممكن أن يضحي بها؟ هل الانتصار له ولعائلته يستحق أن يستخدمها ويضحي بها؟ لا تعلم لما، بلحظتها تمنت أن تلتصق به، تريد أن تحاوط ساعده بكلتا ذراعيها ثم تسند رأسها فوق كتفه. عقلها مشتت تفكر في ألف شيء وقلبها يريد أن يبقى معه... هذا الرجل الذي تريد أن تصبح أنثاه بشكل كامل. بعد ذهاب عصام، وجه أنظاره إليها مباشرة:
"مكنش ينفع اللي عملتيه من شوية يا آنسة فيروز. انتي هنا في قسم شرطة مش في النادي عشان تقلعي الاسكارف والنظارة اللي قصدتي تلبسيها قبل ما تدخلي." ردت عليه بابتسامة، فهتف بغضب لأنه قد فهم سبب ابتسامتها، أنها شعرت بغيرته: "خدي بالك، أنا بكلمك زي أختي. لو أختي زينب عملت كده، تصرفي معاها هيبقى وحش أوي. معلش بقي أمي ربتني إن البنات لازم يعملوا حساب لتصرفاتهم."
شعرت أنه يهينها في تربيتها، ولكنها تعجبت عندما لفت نظرها موضع قلبه وهو يعلو ويهبط سريعاً كأنه يدير معركة حربية. لما كل هذه الثورة؟ "آه، وابقي اسألي خلود. مش هي صاحبتك برضه؟ وقبل ما تدخلي عيلتنا عرفتي شخصية كل واحد فينا. لو هنكمل شغل مع بعض، كلامي يبقي سيف على رقبتك." ارتجفت من الخوف قائلة: "أهم حاجة إنك مش تضحي بيا وترجعني لبابا. ممكن أرجع في حالة واحدة، إني أجمعلك معلومات تفيدك، بس أرجوك بلاش تطول عليا."
ظل صامتاً يتعجب من خوفها وطلبها، ولكنها فهمت صمته بالخطأ ولم تتحمل صمته أكثر، فركضت نحو الخارج تربط حجابها القصير حول عنقها وترتدي نظارتها من جديد، ليس لتتخفى، ولكن لتخفي دموعها. لا تستطيع التنفس بشكل طبيعي لأن الأمان اهتز بداخلها. ***
ما بعد مرور ثلاثة أشهر على هذا المشهد. وسط تيار الهواء الشديد قرابة الفجر، استيقظ عند صوت الأذان، يؤدي صلاته كعادته، ثم عاد لنومه. إلا أن اقترب ظهر اليوم، فأيقظه منبه هاتفه ليعلمه أن الساعة الحادية عشر. في طريقه كان له وجهة معلومة، يتردد عليها مرة من كل شهر.
قبر الرجل الذي يعتبره جده لأنه كان متزوجاً من جدته ياسمين، والدة والدته. وعمه الذي انتحر بسبب قلة عجزه في حل مشاكله. هناك جلس لنصف ساعة، ساكناً، مظهره ثابت إلا من دمعة فرت رغماً عنه. بالرغم من أنه لم يكن جده وتنتمي دماؤه له، إلا أنه كان كبيرهم. وعمه الذي ذهب هدراً لم يكن بمثابة العم، بل هو ذاق مرارة اليتم مبكراً بوفاته لأنه يشبه في مرحه كأب روحي له.
غادر نور ليستقل سيارته، يتجه نحو بيت جده، حيث يعيش ريحان هناك منذ ثلاثة أشهر، حيث يجتمع هو وابن صديق والده هناك. وجده ما زال محتفظاً بصفا كمديرة أعمال المنزل أيضاً، هي لم تتخلي عنه بعد طلب ريحانه منها ذلك. دلف نور وجدها تتوسل إليه قائلة: "طب يا ابني، انت النهارده أجازة، مش معقول هتقضي اليوم كله في البيت. روح قضيه مع أهلك، وأنا كمان أرجع لفيروز بدل ما هي لوحدها." جاء صوت نور يحمل بعضاً من الحزن:
"الراجل، جدي ده في حياته ما جمعنا زي ما هو مجمعنا دلوقتي يا ريحان. تعرف إن نفسي أجي أعيش معاك، بس شايل هم أمي، عارف إنها هتتقهر." ثم أكمل بثبات: "روحي انتي يا ست صفا. أنا كمان أجازتي النهارده وهقضي اليوم كله مع ريحان. ولو على الأكل، زينب هتجيبه وتيجي، متقلقيش ولا تشغلي بالك." مسح ريحان دموعه قبل نزولها:
"يا ست صفا، أرجوكي سيبي فيروز على راحتها. مش ضروري تضغطي عليها ترجع لأبوها عشان تساعدني. أنا هعرف أحل المشكلة دي إزاي." تذكرت صفا نظرات ابنتها النارية التي كادت أن تحرقه: "متقولش كده يا ابني، أنا مش بضغط عليها ولا حاجة. هي بس مش عارفة مالها. بعد ما كانت واخدة القرار فجأة، رجعت في كلامها، وبعدها اتلبخنا في موت عمي وجدي." واستطردت وهي تمسح دموعها هي الأخرى قائلة:
"متحملتش حبيبتي تشوف المنظر. أنا اتصلت بيها قبلكم كلكم، ليه معرفش؟ فيروز بتعتبر إن ملهاش أهل، وده جدها كمان. كانت عارفة إن أبوها السبب في اللي وصل ليه." ثم أكملت توضح له أن الحالة التي بها فيروز هي من أوصلتها إليها عندما قالت لابنتها: "عرفتي ليه عايزاكي تحطي إيدك في إيدهم؟ ولو هضحي بيكي هتعمليها يا فيروز؟ أنا وانتِ مديونين للعيلة دي. إحنا ولا حاجة من غيرهم." *** فيروز هي قمراه الأول الذي يريد أن ينجو بها.
في قاعة خالية من الأضواء الكهربائية، متوفر بها الشموع فقط، تحاوطها الأعمدة المذهبة القاعدة من كل جانب، ويفترش الأرض نسيج حريري أحمر لامع كلون الدماء، كان اللقاء بينها وبين والدها. والذي علم به على الفور ريحان ليسرع بالذهاب لها، يريد أن يعلم جيداً هي مع من معه أو ضده.
ذهب مسرعاً، وما إن وصل وجد من يمنعه من الدلوف، ولكن مع البطاقة التي تثبت له أنه من الشخصيات القيادية، تم إفساح الطريق له. والرهبة من تواجده في ذلك الوقت تحديداً، خاصة بعد دفع ناشد مبلغاً وفيراً من المال لاستئجار المكان.
دلف ريحان بخطوات ثابتة، وهي مولية ظهرها له، ترتشف من العصير الأحمر الذي لا يعلم ماهيته، إن كان نبيذاً مسكراً أم هو بطعم الفواكه. كانت تتحدث إلى والدها تستفسر منه ماذا يريد منها وتساومه على عودتها، طالما أمر وجودها في محيطهم قد يسبب لهم الكثير من المها لك.
كاد أن يرد عليها، ولكن تفاجأ بالشبح أمامه، ظل يعرفه جيداً، فهو يشبه زيدان في ظله وهيئته، تلك الهيئة التي كانت تستفزه دائماً. اقترب ريحان منه، وعلى فرش الأرض بالسجاد الحريري لم يسمع لنعليه صوت. تقدم منها إلى أن وصل إلى خلفها، يقرب كف يده من شعرها الحريري يود اقتلاعه من بين يديه، لدرجة تعجب منها ناشد ورفع حاجبيه.
تنتبه فيروز لمن جلس بجوارها وهو يحتضن المقعد بعكس جلوسهم. تشدقت فيروز وهي تتناول العصير عندما وجدته بجوارها، فهو مشهد غير متوقع. ربت على ظهرها باصطناع قائلاً: "صحة يا فيروزة حبيبتي. العصير ده كبير على سنك، المفروض تستأذنيني قبل ما تشربيه. لأ، ومش كده وبس، المفروض يبقى فيه استئذان قبل نزولك من البيت." هزت رأسها بقوة، تشعر أنها بحلم لعدم توقعها مجيئه، قائلة: "لا مستحيل، لا يمكن. طب إزاي؟ أنت بتراقبني يا ريحان؟ طب ليه؟
أنا قلت لك استحالة هحط إيدي في إيدك. الكلام انتهى، وبعدين ملكش فيه، أخرج أشرب أنا حرة." أعجب ناشد بردها على ريحان وأغمض عينيه نصف إغماضة يسأل ريحان: "انت ريحان ابن زيدان صح؟ طيب يا ابني، انت مين عطاك الحق تيجي هنا وتدخل تقطع حديث بنت مع أبوها؟ وبأي حق تقولها إنها لازم تستأذنك؟ وضع ريحان يده في جيب بنطاله الخلفي وأخرج سلاحه وأخذه يلفه ويدوره على إصبعه وعيناه تملأها التحدي نحو ناشد، ثم وضعه على الطاولة قائلاً:
"أولاً، أنا اسمي ريحان باشا، انت نسيت ولا إيه يا ناشد؟ انت لسه قايل ابن زيدان، وزيدان كان باشا وهو كان رئيسك، ما بالك بقى بريحان الجمال." جزت فيروز على أسنانها من عجرته وزفرت قائلة: "بابا مش محتاج يعرف انت مين. مفيش داعي لغرورك ده. الألقاب دي اتمحت من زمان، إيه يعني تكون رائد ولا مقدم، مش هتفرق بالنسبة لينا." رفع حاجبيه باستعلاء وأخذ ينظر لها وإلى ناشد قائلاً: "ويا ترى يا ناشد، انت كمان مش فارق بالنسبة ليك اسمي؟
طب إيه؟ أقبض عليك النهارده ولا خليها في وقت مناسب؟ بصراحة أنا مش مستعجل." تعجبت فيروز من مماطلته وعدم استغلاله للفرصة. لينهض ناشد قائلاً بقوة حاول تسريبها إلى نفسه: "أنا ممكن أصفيك أنا ورجالتي حالاً يا ريحان. وأحسر أبوك عليك وأهرب زي ما هربت من جرايم كتير. أوعى تفكر إنك جامد وهتعمل علينا الحبتين دول."
ثم أشار إلى رجاله بإطلاق الرصاص من كل جانب حتى يستطيع الخروج من المكان وأشار لفيروز أن تتبعه. في حين كان ريحان ساقطاً على الأرض يمثل دوراً أنه قد أصابته طلقة. وفي حين تقدم ناشد إلى آخر الباب، كانت فيروز تقف في حيرة ما بين إنقاذ ريحان والاستسلام إلى تيار والدها. وما إن تحركت قدمها حتى أسقطها ريحان بيده واستخدم سلاحه ليطلقه على رجال ناشد حتى فروا هاربين.
هنا تجسدت حقيقة أمام عيني ناشد أن ابنته كانت ستتبعه لولا ريحان. تجسدت حقيقة أخرى أمام ريحان أن فيروز كانت تنوي أن تتخلى عنه، لذلك أسقطها حتى يذيقها ويلاته أيضاً لتنفيذ وصية والدتها أن يعود بها. فهي من أخبرته أنها ذهبت لتقابل ناشد من خلال استماعها إلى المحادثة بينهم.
انتهجت شفتاه فوق شفتيها بصخب خاص جداً، وامتلكها امتلاك تام، وتشبت بها بخشونة حتى لا يسمح لها بالفكاك، واقترب منها أكثر وضمها نحوه. زفر بحرارة وهو يحبسها بين ذراعيه مصرحاً بنبرة مبحوحة: "فيروز ملكي." رفرفت أهدابها بعجز: "ملكك! مش فاهمه. ليه سيبته يمشي طالما كنت سليم؟ همس بخفوت وهو يستحوذ عليها أكثر: "يمكن مش محتاج أقبض عليه دلوقتي." بدت يائسة، منهكة التفكير، سعيدة لأنها معه وتعيسة لأنها خبيثة اسم والدها: "إزاي؟
إزاي مش محتاج تقبض عليه دلوقتي؟ وليه! ثم انتفضت، رغماً عنها، ونهضت تدور بتيه في أطراف القاعة. انتي سايبني تلات شهور، دلوقتي جيت تشوفني لما عرفت إني هحط إيدي في إيد بابا، وعشان تخلص منه. بعدها غامت عيناها بتشتت. طب لو كان قتلك بجد؟ "ينفع اللي انت عملته ده يا ريحان؟
كان فيها ما كنت تستنى تبلغ القوة تيجي معاك، ولا حتى تبلغ أبوك. كنا هنعمل إيه لو الزفت ده قتلك بجد." قالها نور لريحان بانفعال وغضب شديد بعد ما وصل إلى القاعة. كور ريحان قبضته وأغمض عينيه وهمس بألم: "كل مشاكلي بحب أح لها بنفسي. أنا مليش في جو بابا وماما ده يا نور، وكلكم عارفين كويس. وبعدين ناشد ده بتاعي، قضيتي لوحدي، لازم أسففه التراب." واستطرد وهو ينظر إليها وقد أعماه الغضب:
"وفوق ده كله، كان لازم أكشف الحقيقة المرة بتاعت فيروز هانم اللي كانت جايه تتحد مع أبوها ضدنا، لأ، وكمان كانت راحة وراه بعد ما كانت خايفة منه." تنفس نور بعمق: "اهدي يا ريحان. مش معقولة فيروز هتتحالف مع ناشد ضدنا، أكيد مقابلة بنت بأبوها، بس انت اللي فهمتها غلط. وبعدين ما انت كويس أهو." توجه ريحان نحو الطاولة وقبض على كأس النبيذ مما جعل يده تنزف بغزارة: "ياريت بس الهانم جايه تشرب مع أبوها، عارف يعني إيه تشرب؟
ما هي مش معقولة تكون عبيطة ومش عارفة إيه اللي في الكاس. ده أنا هشرب من دمها." هتف نور بقلق: "قلت لك تهدي يا ريحان، دي بنته ملناش فيه. وبعدين هي جت وعرضت مساعدتها من تلات شهور، أنا معرفش إيه اللي حصل وخلاكم ترجعوا في اتفاقكم." ابتسم ريحان بألم قائلاً: "انت لسه بتسأل يا نور؟ واضحة أوي. الهانم كانت عايزة توقعني، لولا موت جدي اللي بوظ كل مخططها. وطبعاً هي عارفة إني منهار من ساعتها."
تفاجئ الجميع بظهور زيدان، والذي قد أخبره نور. دلف ينظر إلى فيروز باشمئزاز لتحمل نفسها وترحل، فقد استكفت منهم لتعود حتى تحاسب والدتها. تملك زيدان الخوف وهو ينظر إلى ريحان: "أصل اللي انت عملته في نفسك بعد موت جدك وفكرة الانعزال غلط، بس انت طول عمرك صوتك من دماغك. هي شافتك ضعيف، ويمكن انت بينت ليها حبك." ابتلع ريحان الغصة المريرة بحلقه وهتف قائلاً:
"متخافش، أنا مش هحبها. هي بقت عندي زيها زي ناشد. أنا كان ممكن أخليها تمشي وراه، بس قصدت أحتفظ بيها عشان والدتها وكمان عشان أوريها." عبث نور في شعره بتفكير قائلاً: "شوفت يا عمي زيدان، أبوها وصل جبروته لفين؟ إنه بقى يخرج عادي ويظهر رغم إن عليه أحكام، والجاحة إنه هرب من ريحان. حاجة غريبة." ردد زيدان وهو ينظر إلى ابنه بفخر جيداً:
"شكراً يا ريحان إنك طبقت درس واحد من الدروس اللي بحفرها في دماغك من انت و صغير. إن عدوك لازم تسيب ليه الحبل على الغارب." جحظ نور عيناه بذهول ونظر إلى ريحان ببلاهة الذي كان يبتسم لوالده بخبث. هو بعكس البقية يشبه مستر إكس الذي يأتي في الوقت الذي يحلو له... ويغيب في الوقت الذي يحلو له... هو ليس مثلنا...
لا شيء يدفعه للغوص في غياهب الجميع هنا. ربما هم مجرد تجربة علمية من تجربة خلقها للمتعة. الجميع محددون بأقنعة أشبه للذئاب، بينما يوجد اثنان يرتدون قناع الحملان، وهما بالتأكيد من الأناس الذين لا أحد لهم في العالم الخارجي! مثل تلك الفتاة التي تدعي فيروز، والتي اتخذت موقفها بتحفظ معه، وهي مجرد فريسة... هي مجرد وسيلة ليس لها أحد سوى والدتها، وعملت في شركتهم، ولن تصبح مشكلة لهم، ولا على قيد الحياة!
عند والدها. ليس بها جرأة الصيادين ولا ملكة الافتراس من الأساس... هي خُلقت لتُفترس! لن تصمد دقيقتين في خضم الحرب التي ستدور بينه وبين والدها. ابتسم بتسلية عندما خطر بباله أن اللعبة بدأت. اللعبة التي وضع قوانينها وانساق الجميع حوله كما تنساق الحشرات للنيران. اللعبة التي كان وقودها الملل ومحركها المتعة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!