خرج الطبيب في هذه اللحظة ليطمأنهم عليها. ريحان كان شارداً في حديث والدته، حقاً لقد أتته الفرصة لتمنعه عن تنفيذ عمل إجرامي قد يندم عليه. نادته والدته من بعيد لكي يأتي ويرى فيروز. "يالا جاي." "أنا هستغل الفرصة لصالحي، الحمد لله إنها جت على قد وقعتها. وديني يا ناشد لأخلي الكلاب تبلعك أنت وفادي الكلب، ولا سمر الملعونة." اطمأن الجميع عليها وتركوهما بمفردهما. لتنظر له وهي تعض على شفتيها بخجل منه.
"سورى بس منظر الكلاب صوتهم خوفني. وأنا كنت سرحانة في حب." احتلت ابتسامة جانبية على ثغره تسخر منها، قبل أن يردف ويصارح فيروز لما شاهد هذا المشهد المخيف. "قدرى إنك تبقي جبانة، مع إن تربيتك مع ناشد تقول إنك متعودة على كده. عموما ظهورهم وصوتهم كان له سبب، بصراحة أنا كنت قاصد. أهو بجرب معاكي نوع جديد."
عقدت ما بين حاجبيها، وانتفضت تقف على قدميها رغم الألم الذي ينهش جسدها. تثور في وجهه تعاتب ريحان، فهي بحياتها تكره أسلوب الترهيب والخوف، لأنها دوماً ضعيفة، وهي لا تستحق منه كل ذلك. هنا فهمت مغزى نظرات الشفقة في عيني زيدان الجمال الرجل الجبروت. "انت كنت قاصد!! لسه عايز تاخد حقك من ناشد فيا؟ يعني بتتعامل معايا بالمثل. تمام، واضح إن مفيش فايدة فيك. أنا غلطانة إني رجعت. انت ما تستحق أني أسامحك." *** على الجانب الآخر
عند سمر وفادي. "لو فاكرني هسكت تبقي غلطان يا فادي، أنا مش هسيب فيروز تتبهدل أكتر من كده. انت إيه يا أخى شيطان؟ سيبها في حالها وشوف حالك." تحدثت سمر بغضب ووعيد ظهر في نبرتها العصبية. زفر فادي بحنق شديد يشعر بالاختناق. "انتي إيه اللي غير رأيك؟ مش كنتي موافقة وشجعتيني على اللي بعمله؟ أنا قلتلك خليكي بعيد، قلتي لا أنا معاك يا حبيبي، مفيش نقطة رجوع." ابتسمت وهي تلوى ثغرها بسخرية وعينيها تطلق شرارات الغضب والشر في آن واحد.
"لا، في رجوع لما أروح أقول لريحان إني حامل في ابنك، لما أقلب الترابيزة فوق دماغك وسامر أخويا كمان يعرف. قابل بقى هيحصل فيك إيه." شعر بلحظة أنها على أتم الاستعداد أن تفضح نفسها أمام الجميع في مقابل انحناء رأسه لها. "هو أنا بتهدد من واحدة زيك ولا إيه؟ بقي يا مفضوحة عايزة تفضحي نفسك عشان أتجوزك؟ وبعدين أخوكي مين اللي نام مع ثريا بنت الحسب والنسب؟ لو هي خدت حقها ابقى خديه أنت."
تعالت ضحكات سمر ومن ثم شردت في الفراغ مطولاً وقالت. "لازم تعرف يا فادي إن كلنا بنشرب من نفس الكاس. سامر كان لازم يشرب زي ما سقي غيره، وأنت بتسقيني المر رغم إني مليش ذنب." هنا تحدثت عن شقيقته التي تم اغتصابها على يد رجال ناشد والذي كان يود أن تعيش هي وجنينها. "أختي لو كانت موصومة بالعار ولكنها رفضت."
"انتي لازم تموتي انتي وابنك زيها، ليه عايزة تحتفظي بيه وأنا عايز أخلص منك ومنه. أنا معييش فلوس أقدر أعيشكم بيها. أختي كانت أشرف منك." بعد هذه الكلمات تراجع في حديثه ودفعها لفعل شيء يخلص منها فيه ويبقى لابنها أب غيره وتعيش في مستوى أفضل. "بس جاتلي فكرة، اسمعي فيه حاجة لو عملتيها يا سمر ووقعتي ما بين ريحان وفيروز وخلتيها تسيبه، أنا ساعتها هكتب عليكي وأعترف بابني."
استغربت أمره في الإصرار على الوقيعة بين ريحان وفيروز، ترى هو المال السبب في ذلك. "وأنا مش هقدر، وأنت كمان مش هتقدر تمنعني إن أقول لريحان. أنا لو عايزة ريحان كنت أخدته من سنين، وأنت آخر شخص أصدق وعوده يا فادي." واستطردت وهي تقترب من أذنه تهمس كفحيح الأفعى، لدرجة أن همسها جعل أذنه تضطرب. "لو فكرت تقتلني في سيديهات بكلامنا مع حد لا يخطر على بالك، أول ما هيجرى ليا حاجة هتكون عند ريحان، وساعتها محدش هيرحمك."
وبلحظة واحدة حشرجة غريبة خرجت من صوتها، حتى أنها شعرت أن هذا الصوت لا ينتمي لها، صوت خافت لم يكن يوماً ما لها، وكأنه بحركته هذه جلب الموت لها، يسحب منها أنفاسها. *** عودة إلى ريحان وفيروز. خرجت من الغرفة وتركته ليتذكر كلمات والدته عن السيدة المستبدة ويتذكر في نفس الوقت دفء صوت مها جدته. "أنا مها، أنا هنا." "نادي باباك خليه يجي يا ريحان عشان عايزة." قلق تسرب إليه فانحنى ليقبلها وهو يهمس لها. "مش حابب أسيبك يا أنا."
"عايزة زيدان وريحانة وكل عماتك حتى زينب وزينات." مضت دقائق، لم يسمعها. فهي صوت وطأة قدمي ريحانة وهي تركض نحوها، لتشعر مها بأنفاس ريحانة بالقرب من أذنها، ربما توصيها بوصية. ذكر بها اسم سيدة تدعى شكران، مما جعل ريحانة تنظر أمامها بأعين عنيدة، وكأنها تحارب تلك التي ذكر اسمها. *** دَلفت إليه والدته ريحانة ومسكت يده بلطف وهي تتجه نحو خارج الغرفة. "ها بقى يا ريحان تحب أتكلم لك معاها ولا ندخل أبوك في الموضوع يحله هو؟
على فكرة هو نفسه يدخل ما بينكم، متفكرش إني جبرته يجي هنا." شعر ريحان وكأنه بحاجة إلى تدخل والده، ولكن فكر قليلاً. "أهم حاجة الهانم تاكل كويس، ومش عايزها تقعد معانا وأنا بتكلم معاكم. ممكن تبعديها عني الفترة دي يا أمي؟ لأنها محولة الموضوع لضفتها." هزت رأسها وأذعنت لمطلبه. "تمام، يلا بينا ندخل لبابا وأنا هقولهم صفا مامتها هتحضر القعدة معانا، وهي هتفضل بعيد، متخافش شكلها هي كمان مش عايزة تقعد معاك." ***
دلفوا إلى الداخل ليتفاجأ ريحان بتشبث فيروز الشديد بزيدان. وما إن رأته حتى انتفضت وخرجت مسرعة كأنها تغيظه. "هي فيروز هنا من امتى يا زيزو؟ بس برافو عليك قدرت تكسب البنت في صفك. أنا كمان مستغربة، بقي زيزو اللي كل ستات العيلة يحبوه فيروز لا؟ أنت بصراحة تتحب بسرعة." نهض من على كرسيه وابتسم على سخرية ريحانة. "هو أنا مطلوب مني إن كل ستات العيلة يقعوا تحت تأثير مني؟
أنا حتى لو كلهم وقعوا الملكة بتاعت قلبي أهم يا ريحانة قلبي، ومحدش غيرها ياخد قلبي. لأنها بتاعتي أنا وبس يا رينو." حاول ريحان الخروج لتوقفه ريحانة. "لا حضرتك مش هتخرج من هنا إلا لما تتكلم مع أبوك، إيه انت غيرت من مغازلة أبوك ليا؟ طب ما تتعلم يا بجم، بدل ما أنت مش عارف تكمل في حبك." هز رأسه نافياً ليقاطعه زيدان. "هوووس، إيه يا ريحان مش عايز تتكلم مع أبوك وتحكيله إيه اللي حصل ليك؟ بتتصرف من دماغك ليه؟ كبرت عليا ولا إيه؟
اسمع لما أقولك أنا هفضل الكنج." نظرت ريحانة إلى زيدان بتدقيق في تعابير وجهه لتجد ريحان يرد. "لا علشان أنت الكنج، أنا مش قادر أبقى حقير في نظرك أكتر من كده، عايزني أقولك شفت صور وسيديهات ودبرني يا وزير؟ أنت لو في مكاني هتتصرف لوحدك." استغربت ريحانة نظرات ريحان لوالده. "كده برضه يا ريحان كل اللي بتقوله ده يزعلنا كلنا وأبوك بالذات، ينفع كده؟ أبوك زمان كان بيتصرف من دماغه لأن مكنش له أب، أنت بقى إيه؟
شعر ريحان بحزن زيدان لتستطرد ريحانة. "طيب روح بقى صالح فيروز لوحدك وابقى قابلني بعد قعدتها مع أبوك إنها توافق. أنا آسفة يا زيدان، الظاهر إني كنت غلطانة ومش واخده بالي." رفع ريحان بصره نحو الأعلى يكتم دموعه ومن ثم أنزله أسفل ليجد نفسه يرفع يده في استسلام كما كان صغيراً حين يعاقب. يمد له زيدان يده بفرحة.
"شيل الهموم من على أكتاف ابنك يا بابا، احضني جامد زي زمان، أنا طول عمري قوي بيك، ولما ببعد ببقى ضعيف، كأنك سحر يا زيدان يا جمال." هنا شعرت ريحانة بأنها فعلت شيئاً كبيراً عندما أعادت علاقة ريحان وزيدان إلى قديمها. ***
أما عن صفا، ذهبت إليها فيروز وشرحت لها الأمر برمته ومدحت زيدان بكل صفاته. لتشرد صفا في حالها. كان لديها أموال ومنزل ولكن كانت غير كافية لتناسيها إحساسها المرير بالإهانة على يديه وطلاقه منها بمنتهى البساطة هكذا بعد ما قام بتدمير ما بينهما وهو ابنها. حقيقي أن ما بينهما لم يكن حباً ولكن كان أفضل من رجوعها إلى أهلها الذين قاموا بطردها. لم تتفاهم هي وابنتها مع أي أحد قط ولم ترتاح. بقيت زوجة وكأنها لم تتزوج، لأنه كان
زواجاً تقليدياً أو لو نقل بالإكراه، ولم يكن في مخططها الإنجاب منه، فهي تريد الحرية ولا تريد قيوداً، متمثلة في ناشد. ولكن منذ إنجاب فيروز وهي صغيرة وكأن ولادتها أضاعت كل أحلامها بلحظة. وعندما جاء صبي ووضع بينها وبينه في كفتي ميزان ربحت كفته وخسرت هي كل شيء. ولكن الصبي أصيب بعيب خلقي ليشعر ناشد أن أمواله ستضيع هباء ومكانته في عمله الإجرامي ستفقد. أما عن زوجته افتقدت حياتها عند موت صبيها. وفوق كل هذا لم تكن مرتاحة
الضمير أن تركت طفلة كفيروز تهزم، فقررت الهروب بأي ثمن. فلقد تحققت مخاوفها وسرعان ما هربت بعد طلاقهم. عاشت ستة أشهر لا يعلم عنها شيء، ستة أشهر تحيا سعيدة بدونه، وربما تريد أن تسمع خبر أسعد وهو قتله.
*** عودة إلى سمر وفادي. كان يحاول التفكير بشكل صحيح بعد ما قام بخنقها بسبب استفزازها له وتهديدها. "خلاص يبقى هتغدى بيكي يا سمر قبل ما تتعشي بيا. على آخر الزمن سمر الخضري تهددني؟ والله الوحيد المستفاد من قتلك هو ريحان." ***
أراد زيدان الجمال الراحة بعد تعب من خمسة عشر عاماً، يشعر أن حواسه كلها مشدودة بسبب خسارته في عمله ويسأل نفسه متى سينتهي كل هذا. ولذلك اتخذ من المكان الجديد الذي يجلس فيه مع ابنه كرحلة، وهذا كان بقرار مديرة قلبه. ريحانة هي الوحيدة التي رأت أن هذا الأنسب له، بالطبع رغم أهمية المشروع الجديد والأمال المعلقة عليه، إلا أن زيدان لم يصل بعد إلى الراحة النفسية التي تؤهله إلى التعامل السوي مع الجميع. يعرف جيداً أن خسارته
لانحرافه نحو اليسار، حيث ظهرت أمامه جميع الإشارات الحمراء التي تمنعه، ولكنه كان متطلعاً دائماً لمكانة خاصة في العمل. حاول ألا يعطي للموضوع تصوراً مادياً، ولكنه اندفع بجشعه وطمعه الذي أدى إلى خسارة كل شيء، ليعيد بإصلاح كل ذلك مع ابنه الذي أفهمه أنه عليه ألا يخسر فيروز، وألا يأخذها بذنب والدها، مثل ما فعل بوالدته عندما ارتبط بها. سرد له كل شيء ليتعرف ريحان على الشخصية التي حاولت تدمير زيدان الجمال، السيدة المتمثلة في
دور الأم، ليقرر من بعدها أن يمنح الفيروز كل شيء، الفرصة والحب، والاحتواء والتقدير، ويتغافل عن كل الأشياء المستحيلة التي تبتر هذا. وبالفعل بعد عشائهم المثمر ونصائح والده التي كان يشتهيها منذ فترة عاد إلى الغرفة التي تجلس هي بها وحيدة شارده ليحاول إثارة العبث من حولها بذكائه.
"منزلتش ليه يا هانم تتعشي معانا؟ هو إحنا هنسك ولا حاجة؟ كل الحكاية هحطلك دوا أصفر في الأكل ونعيش ليلة حمرا سوا ونور سوا. ولا أقولك خلينا في الضلمة." اتسعت حدقة عينيها بذهول. "حمرا في عينك، الليالي دي أنا مليش فيها. شكلك كنت بتقضيها مع سمر أو مع غيرها. ولا عشان أنا بنت ناشد أبقى متعودة ديما؟ عموما تصبح على خير. ولا أقولك يارب تصحى على مصيبة شبهك." استوقفها وجذبها برفق قائلاً.
"أنا عمري ما لمست غيرك سواء بقصد أو من غير قصد، تعرفي ليه؟ يمكن عشان حاسس إنك هتكوني بتاعتي. شعور جميل لما تكون ملكي." "وأنا ملكك وننام ونقوم على مصائب شبهنا." أردف بكلماته ومن ثم انتقلت شفتيه حول شفتيها ينثر قبلات متفرقة. تبتعد عنه ببطء وهي تتنهد. "مش كنت من شوية الحشرة بنت ناشد؟ اللي عمري ما هتعدل. مش من فترة قلت عليا إني اسم على غير مسمى. إيه هو مفعول سحر زيدان الجمال للدرجة دي عالي؟
ياريت يستمر وتكون فيك ذرة واحدة منه، إنما أنت مفيش." أغمض عينيه وهو يهز رأسه بهدوء. "معاكي حق، هو ساحر سحر أمي بس للأسف ابن الوز مش عوام. يمكن طبيعة شغلي هي اللي عملت فيا كده، أنا مش ببقى في وعيي لو حد لمس حاجة من حاجتي." رفعت يدها إلى وجهه بتردد. "أنا مش حاجة يا ريحان، أنا بشر من لحم ودم، بغلط كتير، بس مش قصدي أهينك ولا قادر على جرحك. إحنا ممكن ننسى كل حاجة ونفتكر نفسنا وبس. سامحيني أرجوكي."
تناول يدها من على وجهه قائلاً. "مش هتندمي في يوم يا فيروز على علاقتنا دي؟ انتي شايفة إنها كل يوم بتصعب وتنهار وأنا مش بنكر إني عنيف ومش بوزن الأمور. ساعديني أتجاوز دا كله." هزت رأسها. "هندم لو بعدنا عن بعض، أنا لما اتصلت بيا عشان تصالحني كنت طايرة من الفرح، بس يا خسارة كنت عايز تقتلني مش تعيشني معاك أحلى أيام. اللي حلمت بيها من يوم ما سبتك." جذبها من خصرها.
"وأهو رزقك حلو، معملتش فيك حاجة وبابا وماما البركة جم، أظن يا فيروزتي مفيش أحسن من كده. ناخد فرصتنا بقى، وتعيشي أحلى أيام. وأوعدك مش هحاول أجرحك تاني." كادت أن تتملص منه ولكن ثبتها في قبضته بإحكام لينتزع منها قبلة تمض بها جراح قلبه ومن ثم تركها لتتنفس. "مش قلت إحنا مش هننفع لبعض، إيه الجنان اللي بتعمله ده، بتعلقني بيك أكتر ما أنا متعلقة؟
آه لو تفضل كده على طول، شكلك أنت اللي شربت حاجة صفرا. ياريتك تشربها على طول عشان أنسى بيك كل هموم الدنيا." تعالت ضحكاته وهو يتحسس رقبتها. "انحرفتي يا فيروز، هو ده الكلام. شكلها الليلة يا ريحان يا جمال، وأخيراً وداعاً للعذوبية، وعقدتي هتتفك، آه يا فرحتك فيا يا ريحانة، ولا البت زينبو. ولا الزفت نور." مطت فيروز شفتيها.
"تؤتؤتؤ، مخك بلاش يروح بعيد، مفيش حاجة قبل الفرح يا ريحان باشا، وبعدين أنت بكده تفضحنا عمال تضحك كده افرض ماما دخلت زعقت. وبصراحة هقولهم إنك مغتصب." نظر حوله يبدي الخوف عليه في اصطناع. "ماما!!! مش هي بتنام بدري؟ وأبويا وأمي زمانهم بيعملوها في الأوضة اللي تحت، ما أنا عارف بيحبوا يبقوا تحت عشان محدش يسمعهم. عقبالنا لما ننزل تحت." قهقهت فيروز.
"يعني هما تحت وانت عايز تبقى فوق، والله اللي يعيش معاكم يبقى غلبان خالص، بس طنط ريحانة عندها حق، عمو زيدان جان في نفسه. مش زيك كده بارد." حملها ريحان بقوة وقذف بها في الفراش ومن ثم انقض عليها. "بقي زيدان الجمال جان في نفسه؟ طيب شوفي بقى ريحان هيعمل إيه. البارد هيبقى سخن موهوج زي الفرن." ***
ذاب الملح الشرس الذي كان بينهما وكانوا على استعداد للتلاقي، ولكن يحدث ما لا يحمد عقباه. أثناء رحلتهم استمعوا إلى طرقات عالية. ليبتعد عنها وهو يقطب جبينه ليرد على الطارق. "مين." "افتح يا ريحان أنا ماما." زفر بحنق قائلاً. "معلش يا ماما ممكن وقت تاني." استصعبت ريحانة الأمر من الخارج وأردفت قائلة. "مش هينفع يا ريحان أخرج."
نهض من جوار فيروز وأمرها أن تدلف إلى المرحاض وتتناول المئزر وفتح الباب ليتفاجأ بوجه عصام أمامه خالي من أي تعابير. "ريحان باشا مطلوب القبض عليك." "مطلوب القبض عليه!!! نطقتها بذهول ليستدير إليها يرمقها بنظراته ومن ثم عاود النظر إلى عصام ليسأله بثبات هو أبعد ما يكون عنه، ولكن حاول التحكم وضبط نفسه أمامها وأمام والدته. "ضيفة دي عصام يا ريحانة هانم؟ وأنت يا عصام مبسوط دلوقتي بالمقلب اللي عملته فيا؟
ابتسمت ريحانة هازئة منه قائلة. "حاولت أضيفه بس زي ما أنت شايف، قعدت أقولك ابعد عنها وعن أفعالها الرخيصة هتأثر كلها علينا، وأهي خربت بيتك، قعدت تقولي دي زوبعة فنجان وإنسانة تافهة، وأهي راحت عند اللي خلقها، لكن سعادتنا مش هترجع زي ما كانت." نظرت فيروز لوجه ريحان المرهق وعيناه الزائغة والتي تهرب من أي التقاء لهما لتردف بخوف. "إيه هو السحر اتقلب على الساحر؟
كانت هيئته مشعثة، كل من يراه يعتقد أنه كان يقضي أمسية رائعة. هيئته جعلت عصام ينطق بثبات بعد تفكير طويل حيث خرجت الكلمة عصية عليه. "آسف." ناظره الجميع بصدمة هل حقاً ريحان متهم؟ لتتعالى صرخات فيروز. "آسف!!! أنت مفكر إنه قتلها بالبساطة دي؟ هو إيه اللي حصل في الدنيا عشان يتوجه ليه اتهام كبير زي ده." لم تدرِ بنفسها إلا وهي تسحب إلى الأسفل حيث تعلى غضبها وانفعالها لتسقط على الأرض في حالة إغماء. ***
أخذوا ريحان إلى النيابة العامة ومن خلفه والدته ووالده، وهي بقيت بمفردها مع والدتها تحاول إفاقتها مما حدث لها. أخذتها تهزها بخفة وهي تقول. "فيروز فوقي يا فيروز، محدش هنا والبيت بعيد مش عارفة أجيب حد يفوقها، أعمل إيه يا ربي؟ منك لله يا عصام، معطاش فرصة لريحان يطمن عليها." فاقت فيروز بصعوبة. "إيه يا ماما؟ ريحان أخدوه مني خلاص، استحالة ريحان يقتلها، ليه ناشد مش راضي يسيبني في حالي؟
طب ياخدوني معاه، أنا مش هقدر أعيش من غيره." جلست صفا على حافة الفراش قائلة. "يا بنتي إذا كان أبوكي ما رحمش أخوكي هيرحمك انتي؟ إحنا لازم نعرف إيه اللي خلاهم يتهموه هو بالذات، البنت كان مشيها مش حلو، هو كان هددها؟ حاولت فيروز الاعتدال في جلستها وهي تمسح دموعها وتتحدث بصوت متعب مبحوح. "طب هي فين طنط ريحانة؟ أكيد راحت معاه، بصي يا ماما مفيش قدامنا غير زينب ونور هما اللي هيقدروا يخرجوه منها، أنا خايفة من سامر."
ردت صفا بفتور. "كلهم راحوا ورا ريحان وسابونا لوحدنا، الظاهر انكتب علينا نبقى أغراب حتى وانتِ متجوزاه، تعرفي مين اتصل عليا من شوية؟ فادي." تنهدت فيروز بعمق ثم أردفت وقد لمعت عينيها بوميض شيطاني لا يناسبها. "أنا حاسة إن عصام هو اللي قتلها، عصام يوم ما جه قدام الكلية مش عشاني كان عشان يراقبها، عصام بيحبها بس هو عارف إنها غلطت." جحظت صفا بعينيها ثم تلهفت قائلة. "انتي بتتكلمي بجد يا فيروز؟
انتي لازم تقومي دلوقتي وتروحي النيابة وتقولي كل اللي حصل ده، وما يهمكيش حد، بس أنا برضه مستغربة." أومأت لها فيروز بسعادة ثم مدت يدها لتفتح درج الكوميدينو بجوارها تخرج منه الأوراق والمستندات والصور المفبركة لها مع فادي لتعطيها لأمها وهي تقول بحماس. "أيوة بجد وده كمان بيدين فادي اللي انت مستغربة اتصل بيكي ليه، واحد من الاتنين يا ماما قتلها، إيه اللي هيجيب صور فادي معايا في بيت سمر؟
أخذت صفا تتعالى ضحكاتها ثم أردفت وهي تربت على كتف فيروز. "لا ده كده انتي مرات ظابط بصحيح، واضح إن جناية القتل دي متخطط ليها ومترتب ليها صح، بس إحنا لازم نتعب مع فادي حبتين، اللي زي ده استحالة يقع بسهولة." عقدت فيروز ما بين حاجبيها بحيرة ثم أردفت. "يعني هنعمل إيه؟ أنا استحالة أبقى معاه بأي شكل من الأشكال ولو ثانية واحدة، معنديش استعداد إن ريحان يخرج مش طايقني، يا ماما." هزت صفا رأسها بتفهم.
"أنا هقولك، أنا هقوله إني مش هقابله بيكي إلا لو اعترف ليا بنواياه نحيتك، هل عايزك عشان أبوكي عايز كده ولا عايزك انتي، ولو عايزك انتي يبقى حلال فيه الموت على إيدين ناشد." ***
بعد سبع ساعات انتظار في التحقيق قبل أن ينطق وكيل النيابة أمره في حبسه على ذمة التحقيق. لو فكر بكل الأدلة المهدرة لحقه لن يقترب منها يوماً ما وسيبقى بعيداً عنها، بل لن يتحرك خطوة من مكانه نحوها. داهمه صداع شرس، وهو يخرج من مكتب وكيل النيابة ليجلس على أول مقعد يصادفه. لم يسمع من والدته التي أمطرته بعبارات المواساة والتشجيع والصبر على البلاء بكل لغة تتقنها سوى أصوات جوفاء لا معنى لها، ولا حتى انتبه إلى عدد الأشخاص الذين
التفوا حوله. أخذه الصداع خلف الأسوار حيث كان الألم غير محتمل حتى بدأ يمسد جانب وجهه من ناحية عينه حتى أذنيه، يفكر ماذا ستفعل عند إفاقتها. هو لم يتركها عمداً ومع ذلك تناسى أن يسأل عنها فور خروجه. يتذكر نظراتها، ها هو يدفع الثمن، وسيكون الضحية الأولى من ضحايا سمر. ظل موجوعاً لساعات دون انقطاع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!