الفصل 9 | من 21 فصل

رواية غيبيات الفيروز الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
15
كلمة
4,252
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

كان الجميع يعرفون شجاعة ريحان جيداً ويدركون مهارته الفائقة في القتال. مقابل ناشد... فناشد مسخ لا يفلح في شيء وليس لديه مهارات قتالية، فهو دائماً يختبئ خلف الحراس ولم يحاول أن يقف رجلاً لرجل أمام أحدهم يوماً ما. زفرت ريحانة بحنق توضح له: -كان لازم تعمل كده، وكانت رايحة معاه علشان تكمل الخطة اللي رسمناها، بس انت اللي وقفتها. إحنا اللي غلطانين، كان لازم نفهم صفا الخطة. تنهد مطولاً ونظر إليهم ثم تركهم ورحل. لينظروا

في أثره ويردف عصام: -ريحان عمره ما هيتغير، عايز كل حاجة تمشي بقراراته، مش هيقدر يتحمل إن غيره يخطط. جاءت في هذه اللحظة زينب بعد ما قابلت شقيقها يخرج مسرعاً وطلبت منه التحدث، ولكن لم يرد عليها. منذ لحظة دخولها أثارت إعجاب عصام لدرجة ملاحظة نور لنظراته. فتوجه مسرعاً نحوها يقول: -شكراً يا عصام باشا. يا ريت تلحقه بدل ما يتهور ويعمل في نفسه حاجة.

اضطر عصام أن يمشي، ولكن أصر على التعرف عليها، وبالفعل عرفته على نفسها فانفرجت أساريره ومضى مسرعاً يحدث أخاه أنه أعجب بها. بعد خروجه استدعى أمير ريحانة في مكتبه لتدارس بعض الأمور، وبقيت زينب مع نور الذي تحول إلى كائن مخيف حين قام بلوي إحدى ذراعيها ولصقها في الحائط يتحدث من بين أسنانه: -عجبك يا سِت زينب؟ قطبت زينب جبينها قائلة: -مين ده؟ همس بجوار أذنها كفحيح الأفعى:

-عصام باشا صاحب أخوكي اللي شكله هيروح يخطبك منه دلوقتي. شهقت زينب قائلة: -ريحان! كانت تنظر نحو الباب لينتفض نور من خلفه فلم يجده، فعلم أنها تراوغه. التفت إليها وجدتها فرت هاربة إلى الغرفة المقابلة. انقض عليها قائلاً وهو يحاوطها: -بتشتغليني يا زينبو؟ انفجرت ضاحكة: -أصل انت تستاهل بقى، أنا هبص لعصام وأسيب نور عينيا. اقترب منها قائلاً: -قلبي ونور عينيه بحبك وبموت من الغيرة، والواد ده شكله غاوي.

ابتسمت له وكادت أن تتحدث ليبلع حروف كلماتها في جوفه وهو لا يستطيع الصبر أكثر من ذلك، فهي له منذ زمن. انتهت قبلتهما وهدأت أنفاسهما لتتعالى شهقاتها من جديد: -ريحااااان! ليبتسم نور بخبث ويقبل عليها أكثر، يقبلها قبلات متفرقة وهي تحاول التملص منها ويقول من بين قبلاته: -ريحان مين! تلاقيه بيدور على فيروز ومش بعيد يكون عايز يعمل معاها كده، بس هو بارد مش زيي، أنا هتجوز على نفسي وأنا واقف. ليسمع من خلفه من يصرخ بغضب قائلاً:

-ده انت ليلتك سودة يا نور النهارده مني. تقدم منهم ريحان بحماس المحارب يود تفريغ غضبه فيهم: -انتوا الاتنين محتاجين تتربوا، إحنا بنواجه حرب كبيرة وأنتم مكبرين دماغكم وعمالين تبوسوا يا سيدي. أظلمت عيناه واختلط ظلامها بظلال الغابة وهو يرمقهم من بعيد وهم يتبادلون القبلات المحرمة.

أظلمت مقلتا نور الحجريتان بالعهود التي قطعها على نفسه بعدم الاقتراب منها وتضييعها بجنونه اللانهائي، هو مغروم بها والجميع يعلم ذلك، يود السكون إليها. رد بصوت رخيم على ريحان: -لو ما اتجوزتش زينب بسرعة هخسرها وهخسركم وهخسر نفسي. ثم تابع بنظرة متفحصة لزينب القريبة منه كمن تختبئ به عن بطش شقيقيها لتتفاجأ من تنبيه: -آن الأوان إن أنا وهي نكون عيلة واحدة، ومحدش يقولي مش وقته وإن في حرب ولازم نكسبها الأول.

لم يرد عليه ريحان، ولكن سلط أبصاره على زينب التي كانت ترتعد كمن تقف أمام والدها وليس شقيقها: -إنتي إيه اللي بتعمليه ده يا زينب؟ مش مكسوفة من نفسك؟ طب هو مجنون، تتجنني معاه؟ افرضي عملتي مصيبة مين هيشيلها غيرنا؟ ولا علشان هو ابن صاحب أبوكي. صاح بها ريحان بعد ما اشتد غضبه عند رؤيتها تبادل نور القبلات. ردت زينب بتوتر وهي تتشبث بكف نور:

-عايزة أتجوز نور يا ريحان وبابا، وأنتم مأجلين الموضوع، مع إن المفروض كان يحصل من قبل ما سامر يرجع، وحرفياً من يوم ما رجع والدنيا بتتعقد. اتسعت حدقة عين ريحان بصدمة من جرأتها وصراحتها، فصاح بغضب وعصبية فيها: -لا ده انتي اتجننتي يا زينب! مش انتي زينب أختي اللي ربيتيها مع أبويا؟ دول بيعتبروني أبوكي وولي أمرك، ده لسه عصام طالبك منه. ردت عليه بكل ثقة:

-أيوه انت فعلاً بابا، لذلك أنا ديماً بقولك يا أبيه، وانت الوحيد اللي هتقنع بابا بارتباطنا. إحنا فعلاً مرتبطين، بس ده كله كلام شرعاً لا، ومن حق أي حد يطلبني للجواز. انتفض نور عندما ذكر اسم عصام وتوجه نحو ريحان يدفعه إلى الخلف: -خد عندك عصام، وأنا مش هلومه، هو مش غلطان. أعجب بيها زي أي شاب، زي ما أعجب بفيروز. فاكر انت وقتها كنت عامل إزاي؟ أهو أنا كنت هولع فيها.

استمع كلا من ريحانة وأمير إلى شجارهما، فذهبوا إليهم ليجدوا الموقف بينهم على جمر من النار وزينب تبكي وترتعش. نظر أمير إلى ريحانة لتأخذها وتخرج. فخرجت بها وهي تبوخها على ما حدث. وقام أمير بإبعاد نور عن ريحان يهدئه قائلاً: -اهدي يا نور، قلت لك ميت مرة الأمور دي مش بتتاخد كده. مينفعش يبقى فيه فرح في ظل الظروف اللي إحنا فيها دي، انت عايزنا نخسركم؟ -أهدي؟ أهدي إزاي؟ انتوا خليتوا فيا عقل؟

دي بتتخطب وأنا واقف مش قادر أقول حتى إنها خطيبتي. وبعدين إحنا مش عايزين فرح، إحنا هنكتب كتابنا. رد أمير بتردد: -أنا من الأول كنت حابب إنكم تعملوا كده، بس ذنبها إيه ريحانة ولا أمك؟ دول ممكن يعملوا فيلم إن إزاي زينب وانت بالذات ميتعملش ليكم فرح. رد نور بدون تفكير: -مقدرش أعمل فرح يا بابا في ظل الظروف دي، ومقدرش أشوفها قدامي بتتخطف وأسكت. أنا عارف إنكم لا يمكن توافقوا على أي حد بدالي. تدخل ريحان بهدوء وجدية شديدة:

-يا نور. هي ليك والكل عارف بكده، حتى عصام أنا فهمته إنك خطيبها. بس مش معنى كده مرة أسمع إنكم بتبوسوا بعض، والمرة دي أشوف بعيني. -خلاص أكتب كتابي، أظن دي حاجة مش ممنوعة، ودي ورقة رابحة للكل، على الأقل لو بوسة زي دي تبقى بحلال ربنا وهي كمان تبقى مرضية. ************************* على الجانب الآخر، أخذت ريحانة ابنتها زينب ورحلت لكي تعنفها على ما بدر منها. هاتف أمير نورا لكي تلحقها من براثن ريحانة، فالكل يعلم غضب ريحانة.

أمسكت ريحانة شعر زينب واليد الأخرى تلوي ذراعها، ثم استكملت تعنيفها: -يا ريت بعد كده لو حب البيه المحترم ابن الأصول يشوفك يبقى يكلمنا وياخد الإذن، لأن مفيش شغل تاني في الشركة. -سامر! نعم، ذلك الملعون جاء زائراً لشقيقه والده وشاهد تعنيفها لابنتها بسبب نور. هتفت زينب باسمه بتذبذب، فابتسم بتشفي قائلاً: -في مشكلة أقدر أحلها يا عمتي؟ التفتت ريحانة نصف التفاته قبل أن تهدر برفض: -شكراً يا سامر.

ثم مالت نحو زينب، تلوح بيدها أمامها بشرح مبسط وابتسامة مصطنعة أن تصعد إلى غرفتها. دَلفت نورا في هذه الأثناء لتجد زينب تفر أمامها بحالتها المبعثرة، تنظر إلى ريحانة ومن ثم إلى سامر، تشعر أنه السبب فيما حل بزينب لتردف: -خير يا جماعة، إيه؟ مالك يا ريحانة متعصبة كده ليه يا ختي؟ ومالها زينب ومين اللي بهدلها إن شاء الله؟ وانت اللي جابك هنا؟ مش عوايدك. ردت ريحانة رد مبسط، فهي لا تريد إثارة الجدل أمام سامر:

-مفيش يا نورا. أنا كويسة وزينب كمان. وسامر كان جاي يسأل عليا ومروح. يلا يا سامر مع السلامة، سلملي على ماما لما تتصل بيك. تضايق سامر من أسلوبها، فهي بالفعل تطرده، ولماذا لأجل نورا صديقتها، وبالطبع لأجل زيدان حيث أنه لا يطيق رؤيته. هز سامر رأسه بعدم ارتياح قائلاً: -حاضر يا عمتي. وزي ما قلت ليك من شوية أي مساعدة أنا موجود، أنا زي ابنك برضه طالما هو قافل على نفسه من ساعة موت جده. سلام.

رحل سامر لتنظر نورا في أثره بضيق، ثم توجهت نحو ريحانة لتتحدث، وما زال سامر لم يخرج من باب المنزل لتوقفها ريحانة تشدد على حروف كلماتها: -مش عايزة حد يعرف باللي حصل النهارده في المكتب، وبالذات زيدان. إحنا اللي فينا مكفينا، وبالنسبة للبلوى اللي فوق واللي عندك هنكتب كتابهم. ***********************************.

بعد مواجهته لنور وأمير وعودته إلى عمله، وبمراجعة حديث أمير تذكر الحادث الذي تعرضوا له منذ فترة بمقارنته بحديث أمير، معنى ذلك أن الأمر مدبر، والحادث كان ارتجالياً، كل ذلك لينتج عنه أن نور كان يتجه إلى القيام بليلة حمراء مع أنثى مما جعل ريحان يبغضه ويبغض الزواج من شقيقته. ولكن تذكر كلمات والدته جيداً وهي تتحدث مع أهل البنت وهي الصديقة المقربة لابنتها:

-مش بدل ما تنتقموا منه وهو مفيش دليل يثبت إنه عملها، كنتم ربيتوها وعلمتوها تبطل تتبلى عليّ ولا الناس. كان ردها صفعة للجميع! ليعلم أن الهمجية ليست سوى استعراض للقوة، حين يحدث العجز عن الهيمنة الفعلية. انتهى من عمله وعاد إلى المنزل: -عامل إيه يا حبيبي؟ ريحان، أنا مش عايزة إياك تربط اللي حصل في المكتب النهارده باللي حصل من فترة. نور بريء وأهل البنت اعترفوا بكده. قالتها ريحانة بحنو وهي تحتضن ريحان. رد ريحان بعتب:

-أنا كويس يا ماما، وفاكر اللي بتقوليه جداً. بس ديماً مفيش دخان من غير نار. البنت اللي اتهمتوا في نفسها بقت أكتر صديقة له وديماً بتزوره. ابتلعت ريقها بصعوبة وأردفت بألم: -يا ريحان دي صاحبة أختك وهي في ضيقة، واحد بقي منه لله ضحك عليها وغرر بيها، ونور بيحاول على قد ما يقدر يرجع ليها حقها. نظر إليها بعبوس: -يعني إيه ومين الزفت ده؟ وهي مش بترفع عليه قضية ليها زي ما رفعتها على نور؟

الكلام مش منطقي يا أمي. الغريبة إنك دافعتي عنه زي ما يكون انتي عارفة مين اللي عمل فيها كده. ثم استطرد قائلاً: -ماما متتخبيش عني حاجة من فضلك، أنا مش بابا هتخافي عليه ليرتفع الضغط ولا السكر، لا أنا ابنك. وبعدين ليه مش بتستغلي مكاني وبتطلبي مني أرجع الحقوق؟ -وأنا معرفش مين اللي غلط معاها، نور رافض يقول هو مين وكل شوية يقولي هتصرف. المهم سيبك انت من نور وزينب، هتعمل إيه مع فيروز؟ صمت وأشاح بوجهه إلى الجانب

الآخر لتتابع ريحانة بمرح: -أه كده أنا فهمت، البت راحت في الوبا. أما أقولها تلحق ترسم نفسها، طالما بترسمنا كلنا، أهو على الأقل تبقى صورتها ذكرى جميلة ليك انت بالذات. جحظ بعينيه، فهو لا يعلم عنها أنها رسامة، وتلك الموهبة قد تفيده مستقبلاً: -يلا قوليلها.. قوليلها كمان تبطل تتأمل في ملامحي لأنها متغيرة، صعب أثبت على صورة. وعيب أوي لما تصيع على ظابط وتقعد تبص ليه علشان ترسمه.

أومأت بلا تردد يذكر، فتابع موضحاً ومحدداً عن أي زمان يتحدث، فكلاهما جنباً إلى جنب ولكن بأرواحهما منذ ثلاثة لأربع أشهر. -قبل ما أسيب هنا وأروح القاهرة في مأمورية، لما جيت قلت لك إني مسافر، وإني مش عارف هرجع إمتى، وهشوفك تاني ولا لا. قالت له: -قلت لك اللقا نصيب. ولقائك بفيروز بعد ما رجعت نصيب. ولازم تتأكد من كده، بلاش تكابر زي أبوك زمان لما كنت نصيبه وكان بيعاند. ***********************

مع نسمات صباح يوم جديد استيقظت فيروز بكسل ونظرت إلى الهاتف وجدته يضيء باسمه، فهبت واقفة: -يا لهوي! هو بيتصل بيا ليه ياربي؟ أنا ما صدقت أخلص منه وينساني بقى. أوف، أكيد طنط ريحانة مش هتهدي إلا لما أكون معاه. أعمل إيه؟ ارتعشت من الرد عليه وهمست بخوف وهي تضغط على زر الإيجاب: -أنا اتصلت عليكي وأنت فتحت السكة وقفلتها تاني. تحب أعملها معاك انت كمان ولا سماح المرة دي؟ أه، انت مش أحسن مني يا أبو الشريط الأحمر.

أومأ بابتسامته اليائسة تتشكل فوق شفتيه، وهو يضيف لكلماتها ما يقصده منها: -كنت بقول إنك حكاية وهتعدي، وفعلاً عدت من يومين... أنا بس مش عارف إزاي أبوكي مر عليه تلاتين سنة وهو حر بالشكل ده؟ صمتت تستمع إليه بانصات، تستند برأسها للحائط خلفها، وأشعة الشمس تضرب عينيها فتظهر لمعة مختلطة بشجن في مقلتيها، لتتحدث تبتلع غصة في حلقها باختناق:

-أنا كنت فاكرة إن كل حاجة عدت، بس عمري ما نسيت كل لحظة مد إيده عليا فيها، ولا قرر يعاقبني علشان دافعت عن ماما أو أخويا الله يرحمه، بس بعد ما مات حسيت إن ولا حاجة عدت. -هي إزاي والدتك ما حكتش ليا حاجة عن موضوع أخوكي ده؟ وإمتى مات وإزاي؟ لا يكون أبوكي قتله، ما هو مجرم ويعملها كل ده وكنت هتروحي معاه؟ أردف ريحان بهذه الكلمات وهو يستشيط غيظاً، كادت فيروز أن ترد عليه لكنه قاطعها بغضب: -بتفكري في إيه لسه؟

واحد قتل أخوكي وكان بيعتدي على أمك قدامك وكان بيضربك. للدرجة دي مفيش كرامة؟ ومتقوليش إنه أب، ده عديم الإنسانية. واستطرد بصوت أفزعها: -ساكتة ليه؟ علشان بتكلم صح؟ أيوه انتي معندكيش كرامة، كنت مفكرة إنك واحدة بتراعي كرامتها، ما أنا كنت قدامك راحة تتفقي مع عصام؟ توترت ثم أردفت برجاء: -كنت عايزة إياك ترجع تشتغل تاني يا ريحان؟ وبعدين ما أنا كنت قدامك وطلبت منك تحميني منه، انت كان ردك إيه؟ فضلت ساكت وسرحان. تحدث بجدية:

-خلصانة، طالما سكت يبقى موافق. نظام سرحاني ملكيش فيه، ولا كلية الفنون الجميلة لحست مخك وبقت تخليكي تتأملي الناس وهي سرحانة؟ تنهدت فيروز بعمق ثم أردفت قائلة: -خمس شهور وأنا بحاول أرسملك صورة ومش عارفة، هل انت حزين ولا مرح ولا عصبي ولا حنين ولا عاقل ولا مجنون؟ ملكش كتالوج. -نعععم. بت انتي بلاش شغل الرسامين المجانين ده. الشغل ده تروحي تلعبيه على أمي، واحدة بتاعت عطور وورد فنانة زيك، أنا لا فهماني؟

ردت فيروز بابتسامة خفيفة: -مش بقولك خمس شهور مش عارفة، وأهو شخصية جديدة ظهرت أهي، مغرور مش مسموح إنك تسمع حد، وأنا هسيبك كده ومش هبرر ليك حاجة. عقد حاجبيه بتعجب شديد ثم أردف بسخرية: -وإيه الشغف في رسمي يا فيروز؟ إيه وشي هيبقي الراعي الرسمي لمشروع التخرج؟ يالا يا بت، ده انتي لسه ما اتخرجتيش و هتعملي عليا رسامة؟ ردت بحرج واضح وظاهر في نبرتها:

-معلش أصل مش معايا فلوس أكمل آخر سنة. وده اللي دفعني إني أشتغل عندكم في شركتكم، بس انت لسه قايل إن أكتر واحدة هتفهمني هي ماما ريحانة. صمت ريحان لعدة دقائق ثم أردف قائلاً: -لا مش هتشتغلي معاها، انتي هتكملي السنة اللي فاضلة وعلى حسابي الشخصي، وممنوع الاعتراض. لو اعترضتي انسى إنك عرفتيني. -للدرجة دي مش حابب تشوفني؟ شهق فجأة! لقد صنعت فيروز من ريحان القوي العضلات قلباً أصبح هشاً لا يريد فقدانها! قلب يريد أن يصرخ...

يبكي... يشهق في لوعة على فقدانها... يود خنق عنق والدها المسخ الذي لا ينتهي أبداً أو يقطع عنقه ليصبح بلا رأس. -انتي عايزة إيه؟ خرجت نبرته كنبرة عجوز يائسة ليشعر أن افتقداها يوماً سيكون كألف عام. كادت أن ترد عليه لولا اقتحام والدتها صفا عليها الغرفة: -أنا عايزة أعرف، طالما الهانم صاحية بدري سايبة البيت يضرب يقلب ليها وعمالة تتساهل في التليفون، انتي بجد بقيتي مملة ومعندكيش ذوق.

قالتها صفا لفيروز ببعض من العصبية بعد ما سمعت أنها تتحدث في الهاتف مع أحد. ردت فيروز ببرود وهي تغلق هاتفها لإنهاء المكالمة عندما سمعت صوت صفا الغاضبة: -ما فيش حاجة في البيت تتعمل، أنا مظبطة البيت كله قبل ما أنام. أنا مقدرة عصبيتك وإنك مفكرة إني بكلم بابا، بس اطمني ده ريحان كان بيستجوبني. ردت صفا بصرامة:

-لا مش مفكرة إنك بتكلمي أبوكي، لأني عارفة إن لا يمكن تجرؤي، بس مش علشان مطلعش أبوكي تردي حتى على ريحان. اتلمي يا فيروز. ابتسمت لها فيروز باستفزاز وأردفت قائلة: -خلاص دلوقتي كمان ريحان ممنوع؟ مش ده ريحان اللي انتي مستعدة إنك ترميني في سكة علشان يوصل لأبويا ويحرقه؟ مالك يا ماما؟ زفرت صفا في نفاذ صبر قائلة:

-يا فيروز أنا عمري ما هرميكي في سكة حد. آه عارفة إنه بيحبك، بس في نفس الوقت متأكدة إن زيدان رافضك، مش عايزة حد يقول صفا بترمي البت عليه. ردت عليها فيروز وهي تتجه نحو المطبخ لتقوم بتحضير الإفطار: -ولا أنا كمان ولا هو، ده حتى رفض إني أشتغل مع أمه، والحجة إني لازم أخلص آخر سنة. قالي يعني مهتم، الظاهر إن دي أوامر زيدان. ثم استطردت بحزم:

-يلا يا أمي تعالي نفطر وهنزل بعد كده أدور على شغل بعيد عنهم طالما ما عدتش لازماهم. وأرجوكي بلاش تعترضي ولا تروحي تقوليلهم. خرجت صفا من المطبخ وهي تهتف لنفسها بإصرار: -برضه هقول يا فيروز، لأني مش ضامنة. حساكي بتكذبي عليا وبتقولي كده علشان تبعدي عن العيلة دي، والحجة كلامه هو اللي عايز كده كان قالي. *** هي لا تكترث لدنيا تعاندهم، هي تصر في كل مرة أن تضع صوب عينيه حقيقة ووعد، عقد وميثاق، يتمثل في قول بسيط:

-أنا جنبك، مهما كنتي مين. انتهزت فرصة خروج والدتها للعمل وذهبت لتقابله: -ها، قولتي إيه؟ مصممة برضه تشتغلي عند أمي وتسيب السنة اللي فاضلة؟ عموماً براحتك، أنا مش بحب أجبر حد على حاجة خصوصاً لو الحد ده غريب عني. صمتت فيروز عدة دقائق بعد ما قاله، كيف يريد استكمال دراستها وبنفس الوقت يعلمها أنها غريبة، بل هو الغريب يهتم ويدعي عدم الاهتمام. قطع تفكيرها صوته:

-كملي يا فيروز، أحسن من شغلك كده مش هتثيري الشك وهيفكروا إنك بعدتي عننا وهيشيلك انتي ووالدتك من حساباته، لكن طول ما انتي قريبة هيبقى صعب يقع. شعرت بسخريته منها فردت بضيق: -ما هو أنا علشان أكمل لازم أشتغل علشان يبقى معايا فلوس. أنا لو عايزة أكمل مش هستنى أمر عسكري لا منك ولا من زيدان أبوك، ولو على البعد هبعد. رد عليها بجمود: -انتي شايفه نصيحتي ليكي أمر عسكري؟

خلاص سميها زي ما تسميها، بس انتي مش قدامك بديل غير كده وهتعمليه غصبن عنك، أنا أقدر. ردت بتعجب: -طب وهتقدر إزاي؟ انت لا أبويا ولا أخويا ولا جوزي. أعتقد دول تلات أفراد ممكن يتحكموا في حياة أي بنت، انت ولا واحد من دول. صرخ في وجهها بغضب: -ملكيش فيه، أنا لما أقول أقدر يبقى أقدر. أنا ممكن أخليكي تعملي اللي في دماغي وانتي كمان راضية ومبسوطة، وبعدين متنكريش إنك فرحانة. شهقت بخوف ثم ردت بنبرة تحمل في طياتها الرعب منه:

-أه فرحانة، وأنا هنكر ليه؟ أنا بس كان نفسي أعرف إيه الغرض من القرارات دي ومين اللي وراها، لأن لو اللي وراها والدك فأنا برفض. تعجب من خوفها المفاجئ منه، لكنها كانت من داخلها تبتسم وتحدث نفسها قائلة بخبث: -بقي بتزعقلي يا ريحان؟ طب قابل بقى، فاكرني أمك ريحانة لما كانت بتخاف من جيمس بوند أبوك؟ لا انسي يا بابا، لا أنا ريحانة ولا انت زيدان. لاحظ شرودها فقال: -تقدري توافقي على القرار وانتي مرتاحة؟

لأ، ده صوت دماغي، وحذاري يا فيروز تلفي من ورايا وتروحي تتفقي مع عصام ولا نور. توترت ليستطرد قائلاً: -وأمي كمان، بلاش تاخديها حجة علشان تتكلمي مع عصام ولا نور ولا أي حد غيرهم. ابتديت أحس لو ليكي سكة مع سامر هتكلميه هو كمان. ثم أكمل بصرامة: -يلا أنا اتأخرت كتير، وانتي كمان بلاش والدتك تاخد بالها إنك بتخرجي من وراها وتسود عيشتك، مش انتي خارجة من وراها برضه؟ نهضت وقبل أن ترحل مدت يدها تصافحه بامتنان:

-شكراً على كل حاجة بتعملها معايا سواء هيكون ليك مصلحة من وراها أو لوجه الله. شكراً على وجودك في حياتي أنا وماما. واللي بتعمله ده هيكون دين في رقبتي. هز رأسه بصمت وشرود، ثم بدأ في الاطلاع على الأوراق التي سقطت من حقيبتها عندما قابلت والدته وعصام ونور للاتفاق، وقامت والدته بإعطائهم له. *******************************

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...