بعد مرور شهر كانت تجلس أمامه على حافة فراش في مشفى، في زيارة سريعة له عندما علمت بمحاولة اغراقه في البحر بعد صعوده إلى اليخت الخاص بوالدها ليتم الهجوم عليه من الخلف و ضربه في مؤخرة رأسه و من ثم قذفه في الماء.
كل هذه الأحداث جعلتها تخشى حقيقة ما تفوه به داوود كبير مساعدي والدها كاعتراف، وهو ثائر ليس بهذيان، أو طيش، أو تخبط وندم على ما فعله، عندما أخبرها أن ما افتعله بريحان تفسير أمثل لمشاعره نحوها والتي تعدت نطاق الحرب مع ناشد. فهو علم بعشقه منذ لحظة المطعم من نظرات ريحان لفيروز ولقاءاتهم المستمرة، يكفي له أن يرى ذلك فيهم ليقسم أنه لن ينجو يوماً من طوفانه وسيدفع رغباته إلى الهلاك بعيداً عنها.
انتهت الزيارة بينهم واختفت مرة أخرى حتى أن والدتها لا تعلم أين ذهبت ليبحث عنها من جديد. جاءه من يخبره أنها تقطن مع والدها، أخذ يفكر ويفكر، أهي رغبتها أم أنها عملية اختطاف لها من ناشد. تجالد بالصبر لا يريد الذهاب إليها إلا إذا كان متأكداً، وبالرغم من ذلك كان يريد تضييق الخناق على ناشد والتخلص منه.
وها قد أتته الفرصة وبنفس الطريقة التي اختارها ناشد في الخلاص منه في عرض البحر، حيث عقد ناشد اتفاقه على تسليم صفقة الكوكايين على يخته. وبالمصادر السرية كانت حفل خطبة فيروز على ابن شريكه لتشتعل الدماء في عروق ريحان ويتأكد أنها مجبورة ليعزم أمره على خلاصها من ذلك الوغد.
قام بالعمل على اليخت كأنه من ضمن طاقم العازفين، وذلك لأنه من ضمن هواياته العزف على البيانو، تخفى في قناع بسيط ونظارة تخفي كامل وجهه، يجلس خلف البيانو يعزف لحناً رومانسياً يتمنى أن يتحول إلى لحن مأتمياً. ولكن سرعان ما تبدل حاله وهو يراها بفستانها البندقي تتراقص مع ذلك الوغد وهو يتحسس مفاتنها. لم يتمالك أعصابه وقرر أن يعطي إشارة البدء في الهجوم، وقد كان.
قاموا بضبط المخدرات ومن ثم القبض على ناشد لتلتفت هي وتنظر له بكل برود، ترفع طرف ثوبها لتنزع السلاح الخاص بها والذي قام ناشد بشرائه إليها وتضع أمام مقدمة رأس ريحان. ناشد يبتسم بشماتة بينما ريحان لا يصدق عينيه مما يراه، لتتفوه هي بكل شر: "سيادة الضابط ريحان، هتسيب بابا حالا وإلا أنت عارف مصيرك البحر بس هتنزله مقتول. المرة اللي فاتت فشلنا، المرة دي على إيدينا هننجح." نظر إليها بصدمة لتتكرر صدى كلمات زيدان له وهو يقول:
"منتظر إيه من بنت تاجر في المافيا؟ كان عنده الفرصة يغير نفسه ومقبلش وضيع خالك والكل." كانت إجابة قلبه هي عشقها، ولكنها إجابة مميتة له وللجميع. ارتعش السلاح بين قبضتها من هول ما رأته أعينها، ها هي النيران تندلع على أرض القارب الكبير تصيب والدها ورجاله بحرارتها القاسية، لنخفي أجزاء منهم في لحظة، حيث حجب ضوئها رؤيتهم عنها، لتجد نفسها وحدها أمامه.
ويعود ويفرد أجنحته أمامها ليريها عقابه ويعود أكثر عنفاً وهي أمامه مجرد مسخ بدأت النار تلتهم قدميها. ينظر إليها بعين القاتل الفاجر الذي حان دوره في الانتقام ورد الطعنات لها، فقد عماه الغضب بعد ما تفوهت به وجرأتها على قتله، تقدم منها كالبارود، وأنفاسها بدت حارة لديه، لاستدراكها أنه قد حان لحظة الهزيمة خاصة عندما نظر لها نظرات قاتمة، تشعر أنه ليس رجلاً واحداً بل هو اثنان، كلاهما بشخصية مختلفة.
ترى هل سيصلح أن يكون رفيق رحلتها أم عدوها الذي سيستولي عليها الآن ويعاملها معاملة الرقيق؟ تعالت أنفاسها الحارة كلما اقترب منها، كانت تلهث وتنهج من غضبه، أخذت تبحث عن شيء يطفئ لهيبه ولكنها انتفضت عندما سمعته يحادث رجاله: "اقتلوا ناشد."
مرت عليها هذه اللحظة ثقيلة مربكة، أرواح ستتطاير أمامها، وأرواح ستثور، دقيقة واحدة أربكتها رغماً عنها، تشتت ذهنها للحظات، وعيناها تراقب الرجل الذي كان سيكون زوجها وهو يختفي بوالدته وشقيقته. وريحان يراقب نظراتها ليعود بنظراته إليها ويمتلكها في قبضته ليعلمها أنه مالكها الأصلي وأنها من الرقيق التابع له والرقيق يعود لصاحبها.
كانت تشعر بجسدها تحت قبضته يعتصر لتصرخ صرخة جعلته ينتفض من مضجعه وينظر إليها نظرة شاخصة ومن ثم يقلبها مكانه ويضعها أسفله ويميل فوقها يحاول الفتك بها بعد ما شاهده منها في حلمه. وما كادت تحاول التملص منه حتى دلفت عليهم زينب التي صعدت بها إلى غرفته وذهبت لترد على اتصال هاتفي من نور وتركتها، فجلست بجواره تتأمله وهو نائم ولا تدري أنه يحلم بها أسوأ أحلامه.
انتفض ريحان من فوق فيروز وابتعد عنها بعد دخول زينب المفاجئ عليهم، لتنهض فيروز ببطء تنظر إلى زينب بخجل تعتقد أنها تظن بها سوءاً. ولكن كان ما يدور بخلد زينب كيف حدث ذلك ومن شقيقها لترتبك فيروز ناظرة إليها وإليه وهو مازالت أباصرة شاخصة: "بقولك يا زينب أنا عايزة أكلم ماما أعرف إني هنا فاتها قالبه عليا الدنيا خصوصاً إني عرفتها إني مش هتأخر وبليز بلاش تفهمي غلط اللي حصل... أوقفتها زينب بحذر: "إنتي بتقولي إيه يا فيروز؟
أنا لا يمكن أسئ الظن وأبني حاجات على مجرد موقف صدر منك أو من ريحان. وبعدين فين موبايلك؟ "مش ريحان صلحُه؟ قالت زينب هذه الكلمات وهي تشير إلى الهاتف الذي بيد فيروز لتبتسم فيروز بسخرية: "موب مين اللي اتصلح؟ الموب يستقبل مكالمات بس لكن مش بيتصل، ويا عالم ممكن تكون المكالمات دي متراقبة، مش اتصلح على إيد ظابط." كادت زينب أن ترد عليها ولكنها ابتلعت كلماتها بذعر حينما سمعت صوت زمور سيارة والدها:
"متتحركيش من هنا ولا تتكلمي، صوتك ما يطلعش بره الأوضة دي. آه ولا نفسك كمان. فهماني؟ إحنا أرواحنا بإيدك دلوقتي. أنا اللي جبته لنفسي." نظرت إليها فيروز بتعجب وذهول: "إنتي مالك بقيتي عاملة كده ليه؟ وبعدين أنا عايزة أمشي حالا يا أما هصوت وألم عليكم الناس وأقول إن أخوكي المحترم حاول يعتدي عليا." قاطعتها زينب سريعاً وأخذتها نحو الشرفة لتريها سيارة والدها قائلة: "طب بصي تحت كده. دي إيه؟
دي عربية بابا. وريحان في فترة علاجه يعني أكيد هيطلع يشوفه، يبقى لازم تستخبي وبسرعة لأن أنا وإنتي هنروح في داهية." أدخلتها غرفة الملابس وأغلقتها بإحكام حتى كادت فيروز أن تختنق. وما إن أنهى زيدان اطمئنانه على ابنه وخرج كانت هي بالغرفة تلعن ريحان وهي تعدو الغرفة ذهاباً وإياباً. وبينما هي تعدو لمحت طيفه فنظرت خلفها سريعاً وتسمرت بذعر ثم ارتجفت عندما اقترب منها: "ريحان. إيه اللي بيحصل ده؟
يخربيت اللحظة اللي فكرت فيها أجي أطمن عليك. إيه المورستان اللي في بيتكم ده وإيه اللي عملته معايا ده؟ كان ينظر لعيناها ويتذكرها في حلمه فيستشيط غضباً ويهمس بنبرة شيطانية: "أنا كنت بحاول أعتدي عليكي؟ طب تيجي إزاي وإنتي اللي جيتي هنا برجلك. وبعدين تعالي هنا إنتي إيه اللي جابك وإيه اللي فكرك بيا؟ ثم استدار حولها يتلمس ذراعيها المكشوفين لدرجة أصابت بدنها بالقشعريرة:
"أنا كنت هكسر دماغك بإيدي لولا دخول زينب. بصراحة بعدك الطويل وقربك المفاجئ بيشككوني فيكي، لدرجة إني بحلم بيكي بتخونيني." ابتسمت بخفة: "لا طبعاً مين قال كده؟ وبعدين مين دي اللي تقدر تخون ريحان الجمال؟ أنا ببعد عشانك وعشانى وبقرب لما ما بقدرش على بعدك كتير." صاح بغضب لأنه لا يريد ضعفها في نقطة عدم تحملها البعد عنه:
"إنتي لازم تكوني أقوى من كده. لسه هتحطي في اختبارات وتحت ضغط كبير وناشد مش هيسيبك في حالك. ممكن نفضل قريبين بالفون." انتفضت بخوف عندما ذكر اسم ناشد وسألته بتوجس خائفة من رده وقد تبين ذلك في نبرتها: "إحنا مصيرنا هيكون إيه يا ريحان؟ تفتكر في يوم هنكون لبعض؟ زوجين عايشين تحت سقف واحد ولا ناشد مش هيخلص وهيخلص علينا؟ رد ليغيظها حتى يكشف ما بداخلها: "وهو ده هيخلص أبداً؟
وحتى لو خلص زيدان موجود وممنوع في حضرته إن ده يحصل. شوفت عينك زينب خبّتك هنا خوفاً منه ومن اللي هيعمله. تعالي غيظها." ودت تكتم مشاعرها ولكنها لم تستطع فقد أخرجتها بحرج وهي تفرك يديها في توتر وارتباك: "أنا آسفة مكنتش أعرف إن الموضوع صعب ومستحيل للدرجة دي. إنت معاك حق، هنكتفي بالتليفونات ولو ناشد كلمني هعرفك أول بأول." نظر لها بحب واضح جعلها تندهش ثم قال باهتمام:
"تعالي نخرج بره. أنا نسيت إنك بتتخنقِ من الأماكن الضيقة. معلش بقي لسه تأثير وقعة البحر معلم على دماغي وما فيش توازن. حتى أحلامي كوابيس." تبعته ليتجهوا إلى داخل الغرفة وقد ظلت صامتة لفترة وتذكرت أنها لم تخبر أمها فسألته: "هو أنا هروح امتى؟ وهينفع أروح الليلة دي ولا لأ؟ أنا غلطانة إني جيت. ياريتني ما جيت. بلييز يا ريحان اتصرف حتى لو كشفتني عادي." وضع ساقاً على ساق وأشعل سيجارة قائلاً:
"لما بابا ينام وخدى عندك بقي ده مش بينام إلا لما الحاجة ريحانة تكيفه، لازم نسمع ضحكهم لآخر القصر وبعدها يناموا. شايفة الشغل مش أي واحدة ترتبط بابن الجمال." ثم استطرد وهو يضع الطعام الذي بعثه ليرسله: "يلا تعالي نتعشى. فرصة عيش وملح وأول لقمة في بيتي وفي أوضة نومي. سجل يا تاريخ. ريحان اللي ملوش في الألوان بقي له في الفيروز." حدثت فيروز نفسها:
"أكيد اللي تتجوز واحد من العيلة دي لازم تكون مجنونة عشان تتحمل جنانهم. يخربيت الحب وسنينه اللي وقعني في عيلة زي دي أوووف." تفاجئت بمن يفتح الباب عليهم ألا وهي سمر ابنة خاله، جائت من الخارج وعلمت بما حدث له فاتجهت على الفور لزيارته. احتضنت ريحان بقوة ليخرجها من أحضانها ويهينها بقسوة: "إنتي إزاي تدخلي عليا الأوضة من غير استئذان وإيه ماما ولا زينب المفروض يبقوا معاكي؟ جرى إيه يا سمر بلاد بره علمتك التحرر؟
نظرت سمر نحو فيروز التي تجاهلتها منذ لحظة دخولها ثم هتفت بتساؤل: "طب ومين دي يا ريحان؟ دي لا أمك ولا أختك ولا حتى مراتك وخطيبتك ومش لونك يا حبيبي. أنا عارفة ذوقك كويس، ستايل وشيك." ابتسم بمكر: "زهقت من الأبيض والأسود قلت أتعامل مع الألوان. أعرفك بفيروز ناشد. أكيد سامعة اسم ناشد كويس من أبوكي. أهي دي بقي اللي هتبقى مراتي." صدمت فيروز وبشدة ليرمقها بنظرة خبيثة جعلتها تشعر بالنشوة. ولكنها تفاجئت من
صوت سمر وهي تنتحب باصطناع: "يعني إنت خلاص هتتجوز يا ريحان؟ وتنساني وتنسى حبي ليك ده أنا عاندت الكل عشانك. ده أخبار بابا وسامر بتوصلك عن طريقي." أومأ لها ببرود تام مما جعل فيروز تظن أنه يستخدمها لمعرفة الأخبار: "ودي كمان بتجيب لي أخبار ناشد أبوها. بس في فرق إني بعشقها لأنها مش بالساهل بتعرفني حاجة. ودلوقتي إنتي دورك انتهى اطلعي بره." صاحت سمر بصوت عال غاضب كي تفتعل فضيحة مثل ما أملى عليها سامر شقيقها:
"لا أنا دلوقتي دوري بدأ. أولاً هقول للسيد الوالد اللي استحالة هيرضي ببنت ناشد. ثانياً هقول لأبو الأمورة يجي يلم لحمه المبعثر في أوضة النوم." لم يتحمل كلمة إهانة واحدة على فيروز حيث قام بصفع سمر بقوة شديدة جعل فمها ينزف دماً. ولكن فيروز لم تنظر للموقف على أنه رد لإهانتها، ولكن أصابها الذعر أن يكون نصيبها مثل سمر يوماً ما. خاصة عندما سحب سمر أمامها ليلقيها خارج الغرفة وهو يحذرها:
"ابقي فكري بس تعرفي واحد من الاتنين حصل إيه جوه الأوضة دي وأنا هقول على عملية العذرية اللي روحتي عملتيها من ورا أهلك." حين ابتعد عنها بجسده العملاق كانت الأخرى بالداخل تحتلها ثورة في أوجها، تتشكل في وضع هجومي غريب، حيث كان وجود سمر الآن أشبه بسهم ضخم اخترقها. تحاول استجماع شجاعتها لتعترضه في تحدي، إلا أن سرعته وقوته بدت قاصمة لها. كل خططها للانسحاب الآن فشلت فشلاً ذريعاً لن يقدم لها سوى فقدان أشياء كثيرة.
حيث كان مرتكزاً عند باب الغرفة بعد رحيل سمر يتقدم نحوها ليحاصرها. إشارة نظر سريعة بينه وبين فيروز التي جمدتها الصدمة ليجدها تحتضن نفسها وهي تحاول أن تهدأ من ذعرها. فنظرت إليه بقلق لم يستطع إخفاءه: "هو اللي حصل دلوقتي خوفك مني يا فيروز؟ فيروز سمر بالفعل كانت مصدر معلومات. بس إنتي مش زيها. سمعتيني بقول عنك إيه؟ عايزك تصدقي." كان يقترب منها ولكنه توقف عند سماعه تقول من بين شهقاتها وبكائها:
"أخويا ديما كان بيقولي إنه بيكرهه ووصاني إني لو كرهت أبعد وأنا كرهت يا ريحان. أنا لا يمكن أكون زي سمر حتى لو في نقطة صغيرة." نظر إليها بصدمة وتنهد بحزن ليصدر كلمات متألمة: "روحي يا فيروز. وزي ما قلت لكِ متجيش هنا تاني. ليه بتعذبيني وبتعذبي نفسك طالما مش مصدقاني؟ صعب إني وأنتي نصدق بعض." حاولت أن تنظر له بهدوء يسبقه العاصفة حتى لا ينفعل عليها كعادته:
"ريحان. أنا خايفة جداً بالطريقة دي أنا ممكن يحصلي حاجات كتير. أرجوك سيبني في حالي. نفسي أرجع هادية زي زمان، نفسي أنام ما أقلقش." ثم استطردت وعيناها تحتد بعاصفة غضب: "وبعدها هاجيلك بنفسي عشان في حاجات كتير لازم نعملها سوا. أنا مش لعبة يا ريحان. ساعات تقول إني شريكة عمرك وساعات مش مناسبة." أنهت حديثها ثم تنهدت بعمق ليتراجع هو عنها ويتركها تخرج من الغرفة لتتجه نحو منزلها تحاول استدعاء النوم وبعمق.
ربما من قلة التفكير والطيش أن نخوض حرباً لا نعرف فيها قدر خصمنا، لكن الأكثر طيشاً هو أن ترمي نفسك فيها دون درايتك لأمورها جيداً، خاصة إذا كان خصمك يتحكم في عقله حقداً لسنوات عديدة. أما أنت فدوافع الإنسانية بداخلك تجعلك أكثر هشاشة أمامه، وذلك تحت عالم يحكمه الذكاء والخبث، فتصبح أنت الضحية الوحيدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!