سارت مع زيدان، ولكن فجأة تحركت للخلف. امتد مشهد الكابوس أمامها بشكل مهيب كئيب، وعشرات الرجال يسحبون فادي، وجسده أمام مرمى نظرها. بات أمامها كتمثال حجري صم، تصلب أمام عينيها على وضع شرس، يقسم لها بعينيها أنه سيجعلها في وضع الصارخة دائمًا، وعليها الاستعداد لقتال آخر هو الذي سيحسم نهايته. بينما يقف خلفهم زيدان، وآثار ما افتعله بفادي بادية على وجهه، حيث أصبح هزيلًا يسير ببطء كأنه يزحف. لو لم يحالفه الحظ لكان فادي اقتاد منهم الاثنين. تسارعت أنفاسها في تيه ورعب. سريعا توجهت لتبطئ ذراع زيدان، الذي كان يبدو لها مثل المسكين عندما شعرت أنه يكاد يسقط أمامها.
كانت زينب بالأسفل تعبث في هاتفها لتسمع صوت أمها الممتعض قائلة: "خليكي كده في الموبايل بتاعك وأنا أعصابي متوترة وأبوكي رافض إني أطلع. انتي إيه يا شيخة؟ خلي عندك دم وحسي بينا شوية، ده وقته." أنهت زينب رسائلها مع آخر رسالة بعثتها لنور وابتسمت ابتسامة خفيفة: "والله يا ماما مفيش حاجة هتنفعني قدام غير نور. مش انتي رفضتي تطلعيه وبعتيه ورا طنط صفا؟ أنا بقى بطمن عليه. أظن من حقي، كفاية بقى." ردت ريحانة بامتعاض:
"هنشوف. شكله كده مقدرش على صفا. أنا عارفة هي كمان سابت بنتها ورايحة تهبب إيه عند ناشد. والله أنا تعبت ونفسي أطفش من الكل." لترى الاثنتان هبوط فادي وهو مكبل بالحديد، لتهتف زينب بفرح: "أكيد فيروز نازلة دلوقتي ومعاها بابي. يلا يا مامي نروح نشوفهم. بابا مش هيقدر ينزل الأدوار دي كلها لوحده. إلا هو طلع إزاي من غير أسانسير؟ ذهبت زينب نحوهم لتجد فيروز تبكي بحرقة ودموعها الحارة تغمر وجهها، لتنظر إلى والدها المتعب وتهتف بدهشة:
"مالها فيروز يا بابا؟ فيه إيه؟ أوعى يكون الزفت ده عمل فيها حاجة. لا مستحيل يكون حصل حاجة. بس انتي لابسة ليه البالطو بتاع بابا؟ تعالي." دخلت فيروز السيارة تحت نظرات ريحانة الخائفة، لتتحدث وهي تمسح دموعها: "مفيش يا جماعة حاجة حصلت. أنا أغمي عليا وهو استنى لما أفوق. فضلت كتير لغاية ما فوقت، وبعدها جه عمو زيدان ولحقني. أرجوكم بلاش ريحان يعرف."
في هذه اللحظة جاء نور مع صفا، التي ما إن رأتها حتى انتفضت بهلع. ليخرج زيدان من السيارة ويبعد نور عن المحيط حتى لا يرى وضع فيروز المرذل. تحدثت صفا بغضب: "علشان تبقي تيجي هنا لوحدك. قولنالك ميت مرة متعمليش حاجة من ورايا، وانتي مفيش فايدة. انتي مفكرة نفسك ذكية أوي؟ افرضي الكل اتخلى عنك." همست زينب بفضول وهي تمعن النظر بمعطف أبيها: "برضه البالطو بتاع بابا لبساه ليه يا فيروز؟ فين بلوزتك يا حبيبتي؟
للدرجة دي يعني لو بابا مكنش جه كان ممكن تضيعي مننا. مامتك معاها حق." نظرت فيروز إلى ريحانة لتفهم سريعًا أنها لا تريد التحدث بتلك النقطة، تهتف ريحانة لزينب بصرامة: "ما تسكتي بقي يا زينب. وبعدين مش ده نور اللي ملفلفاك حوالين نفسك؟ ما تقومي تطمني عليه، وتشوفي لا يكون ناقص منه إيد ولا رجل." أخذت زينب هاتفها بامتعاض مردفة بتذمر: "أوف أنا خارجة وهروح معاه في عربيته وهسيبكم. مش فاهمة فيها إيه لما أطمن؟
هو أنا يعني مش زي أختها؟ خرجت زينب من السيارة لتهمس صفا باستفهام: "البالطو علشان هو قطع هدومك صح؟ متزعليش، والله هرجعلك حقك. صحيح نور منعني النهارده، بس محدش هيقدر يمنعني بعد كده وهتشوفي." أومأت لها فيروز، وبعدها عادوا جميعًا إلى المنزل لتجد ريحانة تخرج من السيارة وهي تحتضن فيروز قائلة:
"حبيبتي أنا عارفة إنك تعبتي أوي علشان تجيبي براءة ريحان ولسه تتعبي. بس ارجوك سيبني أنا أتصرف وأحكي لريحان مكانك وفي وقت أنا اللي هحدده." عقدت فيروز ما بين حاجبيها باستنكار ثم هتفت بغضب: "تحكيله مكاني إيه ده؟ حضرتك ملكيش دعوة. أنا فاهمة هعمل معاه إيه كويس. أنا ما غلطتش، جايز كان يبقى حظي وحش ومفلتش، بس برضه فداه." ابتعدت ريحانة عن فيروز قليلًا وتحدثت بنبرة رجاء:
"خليني أنا يا فيروز. ده ابني وأنا اللي مربياه. في أوقات معينة بيبقى مينفعش الكلام معاه، وللأسف انتي دايما بتتكلمي في الوقت الغلط. افهميني." لتتدخل صفا بينهم وترد بإصرار حتى تنجح خطتها في قتل ناشد: "أيوه يا فيروز. ريحانة لازم تساعدك، وبلاش عناد. انتي إيه؟ عايزاه يسيبك؟ انتي بتحبيه وعملتي كل ده علشانه. اتصرفتي غلط. هي هتحاول تدرجله الموضوع." تنهدت فيروز بقلة حيلة ثم أردفت:
"حاضر. بس أنا عايزة أشوفه بكرة. اتصرفوا. أنا ما شفتوش من يوم ما اتسجن، حتى يوم ما اتقبض عليه أغمي عليا. أشوفه وهرتاح بعدها." ابتسمت ريحانة بفرح لنجاح إقناعها ثم أردفت وهي تتجه نحو الدرج: "أنا هنام بقى. تصبحوا على خير. معلش زيدان شكله مش مظبط. أقيس له الضغط والسكر وأنا كمان. اليوم كان طويل أوي. انتوا كمان حاولوا ترتاحوا." ربتت صفا على كتف فيروز قائلة: "مش هتاكلي وتحكي ليا اللي حصل ليكي كله؟
انتي آخر مرة أكلتي فيها امبارح. كمان عايزة أحكي. زينب عندها حق لازم نعرف. وشكل زيدان مش يطمن." هزت فيروز رأسها بالرفض: "لا يا ماما مليش نفس لا لأكل ولا حكايات. اطمني يا ماما. عمو زيدان تعب من كتر ما ضرب الزفت فادي. طنط ريحانة عندها حق، إحنا لازم ننام." أومأت لها صفا لتتجه لغرفتها هي أيضًا تستعد للتفكير في خطة للخلاص من ناشد. ***
عند سامر، شقيق سمر، التي كان قتلها بمثابة حالة استفاقة ووعي له، ليعيد حساباته مرة أخرى. وبالفعل ذهب إلى المكان الذي يختبئ فيه والده، ليجد والدته تجلس معه وكأن الموقف برضاها. نظر إلى حالة سامر والده بعد ما أخبره بقتل سمر، ليجد دعوة صريحة منه للتعاطف معه. هل سيتعاطف معه؟
لا وألف لا، وقطعًا لن يفعلها مجددًا. الأمر ما عاد يشكل فرقًا بالأساس، خاصة بعد نهاية تؤامه. نقل نظراته بينه وبين والدته، ثم عاد يسترجع ثباته الانفعالي حتى لا يفتك بهم، مؤكدًا لهم: "معدتش فارقة من بعد موت أختي. إحنا أصلًا اتعودنا على كده. تقدروا تقولوا كنا متأقلمين على عدم وجودكم في حياتنا."
حقا هم ليس لهم أية فضل عليه ولا على شقيقته مثل ريحانة وزيدان، بل ولا يذكر أنهم اهتموا لأمرهم، وكأنهم أبناء علاقة محرمة، كأنهم لقطة، وكأن زيجتهم خاطئة.
تركهم وذهب إلى من افتعل بها الخطأ ليصلح خطأه، ولأنه محرم عليه دخول منزلها، دلف من الشرفة بعد عناء، فقد وصل به الحال حد الجنون. وجدها نائمة هادئة، ملامحها أصابته بالندم. كل ذلك افتعله بها وهي كانت عاشقة متيمة به، ولكن هو لم يشعر بها. مد يده ليلتمس إحدى خصلاتها بطرف أصابعه، ثم أخذ يقترب منها وهو غير واعٍ لما يفعله، حتى اقترب من جبينها وقبلها. لتستيقظ بفزع حتى كادت أن تصرخ، ليشير إليها بأصابعه حتى تهدأ، فأومأت له ودموعها تغمر وجهها. لتؤثر به ودموعها لم تتوقف، ليتركها سامر مبتعدًا عنها قليلاً ليتأمل ارتعاشها الشديد من الخوف منه وصوتها المبحوح
وهي تتحدث من بين شهقاتها: "سامر!!! انت بتعمل إيه هنا؟ جاي تقتلني زي ما سمر اتقتلت؟ طب أنا ذنبي إيه؟ أنا والله بعيد عن نور وريحان من زمان، وعلاقتي بزينب اتقطعت." ما زال شعور الندم يلاحقه بعد كلماتها، يندم أنه جاء لها بهذه الطريقة، ليحاول استعادة رشده فيتقدم للخروج من النافذة مثلما دخل. هل الحب له وقت وعمر محدد؟ ومن يستطيع التحكم بإحساسه وإحساس الآخر، سواء في إفراط المشاعر أو اقتضابها؟ هل الحب وهم أم حقيقة؟
لكي يكون حقيقة، لا بد من تجربة حقيقية يخرج منها المحب بالعديد من الندوب التي كلما رأيت أثرها على روحه أدركت حقيقة شعوره جيدًا. لا يوجد قواعد أو مسلمات للحب ولا قوانين وضعها عشاق لشكل العلاقات، حتى الآن لا توجد إشارات عقلية تحدد من تحب ومتى وأين.
لأن الأمر بيد الله وحده مقلب القلوب، يقلبها كيفما يشاء، وكما يقولون مكتوب على الجبين منذ الولادة، فلو ظننتم أنكم إذا أعدتم الزمان للوراء ستتعدل اختياراتكم للأصح والأفضل، فأنت لم تعِ الحياة جيدًا، ولم تفهم شيئًا مما يدور حولك من تجارب بشرية، لم ترى أدلة كافية، لم تتعظ بأي عبرة شكلت أمامك. *** كانت تقف العاملة في مصنع ريحانة أمام وكيل النيابة تدلي بشهادتها الكاملة:
"آخر مرة كانت إعادة الكشف لاحظت باب الشقة مفتوح. فضولي خلاني أدخل، بس اتسمرت في مكاني. مكنتش عايزة ابني يشوف المنظر. لقيته اتسحب من ورا ضهري لغاية ما لقيت المرحومة سمر مرمية على الأرض. وأنا اللي بلغت على فكرة، بس مقدرتش أستنى. كنت خايفة على ابني كان شوية وهيصرخ. أنا ما اتكلمتش إلا لما عرفت إن الظابط ريحان متهم، بس مش هو. أنا فاكرة شكل اللي كان بيبقى داخل وأنا داخلة العيادة كويس." ***
بعد زيارته لها في غرفتها والهلع الذي أصابها، قررت السفر للساحل. ويالا العجب، فهو هناك أيضًا حيث كان المنزل مضاءً وصوت التلفاز بالرغم من أنه كان منخفضًا إلا أنها سمعته، ولكن إلى الآن لم تستطع تمييز من بالداخل. وكلما خطت خطوة إلى الداخل ازدادت الرؤية وضوحًا. ارتسمت بسمة تلقائية على وجهها ولم تخف منه. لتأتيها كلمات على الحصري القيرواني في ديوانه الشعري الذي كان من ضمن الدواوين التي تقرأها لتبتعد عن ذكرياتها الأليمة:
يا ليلَ الصبِّ متى غَدُهُ أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ رقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه أسفٌ للبيْنِ يردِّدهُ فبكاهُ النجمُ ورقَّ له ممّا يرعاه ويرْصُدهُ تذكرت أول مرة دلفت من هذا الباب وأول نظرة إلى تلك الحجرة التي جمعتهم. اندهش لرؤيتها، وما إن جاء يبرر وجوده هنا حتى تصاعد رنين هاتفه ليرد دون النظر إليها:
"ألو. أيوه يا بابا. اسمعني كويس. أنا في مكان بعيد ومش راجع إلا لما أكون إنسان نضيف، بعيد عن العك بتاعك. كفاية عليا أختي اللي راحت." ليرد عليه صوت آخر غير والده: "حضرتك تقرب حاجة لصاحب الرقم ده ومراته؟ إحنا ساكنين هنا جديد ومش نعرفهم كويس. هو حضرتك ابنهم؟ أصل إحنا فجأة لقينا... ولم يكمل حديثه حيث قاطعه سامر وهو ينظر بتمعن إلى شاشة الهاتف ليتأكد أن الرقم رقم والده: "آه ده رقم والدي. هو فيه حاجة؟
أكيد هو اللي كلفك تكلمني. قوله سامر معدش موجود. مات زي ما سمر ماتت. بلاش الملعوب الحقير بتاعه." نظر الرجل إلى الجثتين الهامدتين صوبه وابتلع غصة مريرة قائلاً: "البقاء لله حضرتك. الموضوع مش هزار. وهو فيه أب وأم هيمثلوا الموت علشان ابنهم يرجع؟ أرجو ياريت تيجي بسرعة لأن فيه تحقيقات دي جريمة قتل الاتنين قتلوا بعض." جحظ سامر بعينيه بعدم تصديق ثم صاح باستنكار: "انت بتقول إيه؟ ثم انهار على ركبتيه:
"ثريا أهلي كلهم ماتوا يا ثريا. ليه أنا بيحصل معايا كده؟ أنا بقيت وحيد، ومليش حد. ممكن يكون ده ذنبك وذنب ابني اللي أجبرتك تسقطيه صح؟ انحنت إليه واحتضنته بشدة تحاول التهوّن عليه. *****
على الجانب الآخر، عند فيروز، لم تنعم بنومها فقد راودتها الكوابيس. شاهدت في منامها أنها تسير في مكان، يوجد به جميع أفراد العائلة، إلا فئة قليلة لا تعلم بالتحديد هويتهم، ولكنهم يحيطون بزيدان، وكأن ما يحدث هو مناسبة، كافتتاح مصنع جديد لريحانه أو شركة جديدة لزيدان. في الظاهر يبدو الأمر جيدًا، وفي الباطن تشعر فيروز أنه سيتم تحطيمها على يد أحدهما، حيث وجدت نفسها بين فادي وناشد، إلا إذا كان لديها قاعدة قوية تحميها منهم. حيث
أنها الآن تدعي فيروز الجمال، ولكنها لا تملك سوى حفنة من الاطمئنان وليس الدائم. هي تحب أن تبقى في هذه العائلة، وتكره الرجوع إلى ناشد. نظرت من بعيد وجدت طاولة بيضاوية عليها مفرش صوفي باللون الأحمر الصارخ، حتى الأطباق بنفس اللون والجميع ملتف حول المائدة يتناولون الطعام بحماس لا تفهم سببه. تبحث هي بيأس عن ريحان وتشعر بتشنج رقبتها كأنها تبحث عنه طوال اليوم، لدرجة أنها اعتادت على هذا التشنج، لتشعر بمن يمتد يده من الخلف
ليلوي رقبتها.
انتفضت بقوة من نومها حتى وقع الكأس الزجاجي الذي كان بجوارها ليتهشم إلى ذرات صغيرة. هرعت إليها والدتها صفا تثبت كتفيها وتربت عليه ومن ثم صاحت باستهجان: "مالك يا فيروز؟ اتخضيتي كده ليه؟ قلت لك احكيلي، يمكن أقدر أشيل عنك الحمل، بس مش عارفة ليه مصرة تخبي عني اللي حصل. هو حصل إيه؟ هزت فيروز رأسها نافية ثم أردفت بصعوبة: "أنا كويسة، مفيش حاجة. ما تتخضيش. ليه مش مصدقة إنه ما لمسنيش؟
أنا بس جالي كابوس. مش متخيلة إني مش بشوف ريحان المدة دي كلها." ربتت والدتها على ظهرها بحنان، ولكنها ما زالت قلقة. تستجمع خصلات شعر ابنتها خلف ظهرها لتجد العرق بين ثنايا ظهرها: "مالك يا فيروز؟ وإيه العرق ده كله؟ ما هو خارج بكرة زي ما زيدان وريحانة قالوا لينا. انتي أكيد اتأثرتي لما سمعتي حادثة سامر وسمر." ارتعدت أوصال فيروز عند ذكر والدتها حادثة سمر وسمر، لتشعر صفا بخوف ابنتها: "إيه اللي حصل يا فيروز؟
أهم ارتاحوا وريحونا، عقبال ابنهم وفادي وناشد. ما تخافيش حاسة إن كلهم نهايتهم قربت. بكرة هنضحك على الأيام دي." ابتلعت فيروز ريقها بقلق ثم أردفت وهي تلهث بشدة: "ما فيش يا ماما أنا بس حلمت حلم وحش أوي، وريحان مكنش موجود رغم إن كلكم كنتم موجودين، حتى فادي وناشد. تفتكري ريحان هيحصله حاجة؟ نظرت إليها صفا بشك: "يعني اللي عامل كل ده حلم؟
عادي يمكن كلنا كنا متجمعين وهو خارج من السجن، ده حلم مش حقيقة. عمر ما ناشد ولا فادي هيكون ليهم وجود تاني." أومأت لها فيروز ثم خرجت من الغرفة هاربة من نظراتها، تردف بنبرة تحاول أن تكون متزنة: "أنا خارجة أغير جو في الجنينة، علشان حاسة إني مخنوقة. ياريت يا ماما متجيش ورايا. إلا هو عمو زيدان فين؟ عربيته مش موجودة ليه؟ رفعت صفا إحدى حاجبيها باندهاش قائلة في نفسها: "هي البت دي فيها إيه؟
أكيد الزفت فادي عملها معاها، وهي مش راضية تقول. طب هتعمل إيه مع ريحان؟ ويا ترى زيدان عارف؟ شكله عارف." ***
اعتذار إلى الذي أخبرني يومًا ألا أفتح نوافذ قلبي وعقلي وجرأتي أمام أحدهما، أن أجمعي ثباتك وألا تندفعي ضد التيار. ها أنا اندفعت بجنوني ضد التيار وكدت أن أسحق ريحان. كنت أفتعل ذلك وأنا على يقين أنك ستنقذني باللحظة الأخيرة، ولكن يا أسفاه لم تكن موجودًا في الأصعب. تدافعت ذكريات هذا اليوم في مخيلتها، قطعت هذا وهي تتحسس جسدها من آخر لمسات فادي لها، وتمرر يدها على عنقها التي كاد يقتلعها. نعم هي خرجت من تحت يديه رغما عنه، ولكن، هل له من عودة؟
*** عاد سامر إلى منزل والده ودلف وهو يشعر أن قدميه غير قادرة على حمله من كثرة الاختناق وكأن أحدًا ما يقبض على عنقه. شعور تفسيره الوحيد أنه بقي وحيدًا شريدًا. كيف له أن يتحمل ذلك؟
توقف تفكيره ما إن رأى نعشي والديه على الأرض. ألمه روحه شعر أنها ترحل معهم. آه لو حاولوا الحفاظ عليه هو وشقيقته ما كان هذا الوضع أن يحدث أبدًا. تم إجراءات الدفن في حضور العائلة، فالمتوفى شقيق ريحانة والمتوفية قريبة زيدان. كانت فيروز تقف في الخلف حيث أصر زيدان على جلبها، لا يريدها وحيدة في المنزل. انتهت المراسم وانصرف الجميع الواحد تلو الآخر، لتجد فيروز من يقترب منها والدموع ملتمعة بمقلتيه يهمس إليها بألم لدرجة أنها
انتفضت وتذكرت الكابوس: "اطمني يا فيروز، أنا هجيب حق سمر وحقك علشان فعلا ريحان أنضف مننا كلنا. أسف على كل حاجة صدرت مني، كنت غبي وأديني دفعت التمن." رحل الجميع وتركوها وحيدة. عاد ثريا التي كانت تتابعه من بعيد وتريد
الرحيل هي الأخرى لسببين: لأنه غدر بقلبها من ذي قبل، بعد ما أنعمت عليه بفيض من المشاعر لم تعطيها لجميع أفراد عائلتها وقابلها هو بالتمرد والجحود. ولكنها ترجع السبب لها لأنها دائمًا ترى بنفسها النقص، وكانت تبحث عن الاكتمال عندما رأت عينيه. ولكن أفسد قلبها، بل ربما جعله يتوقف عن حب الأشياء البسيطة، خاصة عندما تأكدت أنه فعل معها ذلك لينال أخرى. شعرت بنصل حاد يغرس في قلبها، وما زالت تعاني من نزيف آخر قطرات منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!