بعد أن تركته فيروز ذهبت إلى منزل خالد ووجدان لزيارة صديقتها خلود. تشعر أنها أهملتها لفترة ولم تعد تتحدث معها كما في السابق. كانت خلود في تلك الأثناء تهاتف عصام. هي تحبه كثيرًا، ولكن دائمًا ينظر لها على أنها طفلة، فهو متيم بسمر التي رحلت عنهم. "أيوه مين معايا؟ "أأأأه خلود، افتكرتك، خير يا خلود في حاجة عشان تتصلي بيا في ميعاد زي ده؟ "انتي محضرتيش جنازة قرايبك ليه؟ مش بتحبيهم." وضعت يدها على صدرها
ثم تحدثت بصوت أشبه بالهمس: "لا هما مش قرايبي، كنت بسألك على ريحان، هو هيفضل محبوس كتير؟ على فكرة سمر دي زبالة أساسًا، إزاي تفكروا إنه ممكن يقتلها؟ دي هوا." استمعت إلى زفرته الحادة لتستطرد حديثها بدلال: "إيه يا باشا؟ هو انت طلعت زي ريحان ولا إيه؟ مش بتحب اللوك لوك الكتير. لا اتعود، صاحبك من يوم ما اتجوز فيروز وهو بيستحمل كتير." صوتها بدأ يعلو، لم تعد تلك الطفلة التي تختبئ من الجميع في أي مناسبة. فرد عليها بأسلوب مزيف:
"مين معايا؟ مش معقول تكوني انتي بنت الأستاذ خالد والست وجدان، ولا حد عطاكي حبوب شجاعة؟ مالك يا خوخة يا صغنونة، ياللي بتتكسفي مني." أخذت تلف إحدى خصلاتها على إصبعها بغرور وترد عليه برقة: "أنا هي خلود يا عصام باشا، بس انسي خلود الطفلة وفتح عينك ولو لمرة واحدة على خلود الآنسة الشابة، ليه كلكم بتعتبروني طفلة؟ ديما تبصوا للمخلص." أصيب بالاشمئزاز، تلك ليست خلود الصغيرة، ترى ماذا أصابها؟ ليتصلب جسده ويرد عليها بجمود:
"أه فاكرة يا خلود لما كنت بقولك إزيك تجري تستخبي مني؟ عمومًا إحنا شكلنا المفروض نتقابل، يمكن لما تشوفني ترجعي خلود الصغيرة تاني." دلفت فيروز في هذه الأثناء بعد عدة طرقات على الباب ولم تسمعها خلود من شدة انجذابها لعصام على الهاتف. كانت تقف مولية ظهرها للباب، تهز رأسها بسعادة: "ماشي يا عصام، كلامك صح. إحنا لازم نتقابل، وأوعدك هتشوف خلود جديدة حلوة زي ما بتحب، هتنسيك سمر وقرفها، باي باي يا حبيبي."
كانت فيروز تستمع إلى خلود بذهول، وفي هذه الأثناء التفتت خلود لتصدم من وجودها. فابتلعت ريقها: "فيروز! "بصي أنا هفهمك كل حاجة، بس أهدي عليا، أنا بحبه من زمان وهو عمره ما حس بيا، على طول سمر الله يجحمها خاطفة مني الأضواء." قاطعتها فيروز وهي تقبض على يديها بعنف تريد الصراخ عليها: "أه يا خلووووود! بتكلمي مين؟ عصام؟ اللي ريحان أكيد محذرك منه! تعرفي عصام ده عمل إيه في ابن خالك؟ سحلوه قدام عينينا كلنا عشان خاطر سمر."
ولم تستطع فيروز التحكم في أعصابها فمسكت ذراع خلود بقوة: "فيروز أبوس إيدك، ماما هتسمعنا وهتيجي تجري، أنا مش عايزاها تعرف وتغير نظرتها فيا، وبابا كمان هو مش ناقص، ارحميني أنا فعلًا بحبه." دلفت وجدان للغرفة لتسحب خلود أمامها وتصيح بوجهها بصرامة: "انتي اتجننتي يا خلود بتكلمي شاب من ورانا؟ طب ليه؟ متعرفيش إنه ممكن يضحك عليكي؟ إيه ما سمعتيش عن سمر واللي جرى ليها؟ عايز تقهريني؟
هنا تذكرت وجدان ما صار لشقيقتها غفران قديمًا، ولولا الظروف ما كانت زوجة الآن، ولديها منزل وعائلة. نظرت فيروز إلى خلود باحتقار واشمئزاز: "الهانم دخلت لقيتها بتكلم عصام، وبتقوله لازم نتقابل، ومصممة إنها بتحبه. أه ممكن تكوني بتحبيه، بس هو لأ يا خلود، هو بيحب سمر، وإنتي عارفة." جذبت وجدان خلود من خصلات شعرها بعنف وصاحت تحت نظرات فيروز التي ندمت أنها أخبرت وجدان: "طول عمري ربيتك على الاحترام، عايزة الناس تقول عليا إيه؟
الكلام ده كبير أوي على سنك، ولعلمك أبوكي هيعرف لأني مش هسكت." ثم استطردت بقسوة وهي تدفع خلود خارج الغرفة: "واتفضلي دلوقتي اطلعي بره عند أبوكي، ولما تبقي تعرفي تبقي شجاعة وتتكلمي معاه وتعرفيه قلة احترامك لنفسك، ابقي ساعتها أوافق."
انسابت دموع فيروز بانكسار على صديقتها وشعرت أن قلبها تمزق من شدة الألم الذي ألحق بها، فاستندت على باب الغرفة وتوجهت إلى باب المنزل تخرج منه غير مهتمة بتلك الصغيرة التي أشعلت النار حولها. والذي كان من حسن حظها أن ما زال الوقت باكرًا بينها وبين عصام، وأن ليس هناك الكثير من العائلة يعلمون بهذه المكالمة. ***
جلس عصام أمام خلود يكرر نفس حديثه المعتاد، أنه لا يستطيع الزواج بها لأنها صغيرة أمامه، وأنها لو كانت سمر ما زالت موجودة لتزوجها. جرحها، وبكل بساطة، رغما عنه، لأن والدتها أرادت ذلك. حيث التقت به وهي تعالج مرضها، كانت والدته هي الأخرى تعاني من نفس المرض، ولكنها ماتت. لتشعر وجدان بالوحدة من بعدها، تحاول الهروب من هذا المرض اللعين، لكنها خشت يومًا ما أن يلحق بها الموت. قبل أن يأتي لابنتها عرض زواج جيد، والأمل في حماية
ابنتها كان ابن خالها ريحان، الذي خرج من السجن للتو. وهنا طلبت منه المساعدة لإقصاء عصام عن خلود. وبالفعل حدثها في أمر العشر سنوات التي بينهما، ليسقط من نظرها كل شهامة تخيلتها فيه. أيضًا لعبت وجدان على صحتها حتى تترك خلود عصام من أجل صحة والدتها. وبالفعل أوصى ريحان عصام أن يبتعد عن خلود. كل هذا تم بعد خروجه من محبسه. علمت خلود بكل ما دار من خلفها من والدها وهو يتشاجر مع والدتها ويتهمها أنها تلاعبت بسعادة ابنتها. تقسم
أن تخرب حياة ريحان.
*** "أهلاً يا خوخة يا صغنن." تذمرت خلود وهي تصافح ريحان: "محدش يقولي يا صغنن يا ريحان، ومتزعلش مني أنا استحالة أقولك يا أبيه." قطب ريحان جبينه قائلًا: "مالك يا خلود؟ متغيرة معايا ومع فيروز من ساعة ما خرجتي؟ تعالى صوتها بحدة: "علشان انت وهي دمرتوا سعادتي. خلتوني لعبة وخللتوا عصام يبعد عني، ريحان أنا بحب عصام من زمان." جز ريحان على أسنانه قائلًا:
"بس هو مش بيحبك، والدليل إنه سابك وبعد أول ما طلبتي منه، يعني ما صدق. وبعدين فيروز ملهاش دعوة، هي نصحتك زي ما تكون أختك." لمعت الفكرة الشيطانية برأسها لتبخ سمها اللعين في أذنها: "طب كانت تنفع نفسها الأول ولا كانت تعمل بنصيحة بابي؟ ولا حلال ليها تروح تقابل فادي من ورا العيلة؟ والله أعلم عمل معاها إيه؟ وحرام عليا اللي حبي برئ."
جحظ ريحان بعينيه في صدمة عارمة هزت كل كيانه لتتأكد شكوكه فورًا من فرط ابتعاد فيروز المستمر عنه. ليفرغ غضبه في خلود الواقفة أمامه، يصفعها بكلتا يديه صفعة تلو الأخرى بدون وعي وكأنه يتخيل فيروز أمامه: "اخررررررسي." "أنا رجل أستحق أن تمنحيني قلبك بدون ذرة رعب منك، كيف تخونين ثقتي بك؟ وتحرميني من قلبي؟
لو كان معي يومًا ما لمنحته الأمان الذي تسعين إليه منذ سنوات، دائمًا تنفرين من دفئه، دائمًا تعقدين مقارنات فاشلة بيني وبين غيري، تفترضين في القسوة والخيانه، ولكن لدي الأمان فقط، أريد البوح بكل ما يجول بخاطرك."
ظهر من يوقفه عن حده وهو يصفع خلود. ظهر عصام الذي صرخ دون خجل عن رغبته بالزواج منها، ليندهش ريحان كيف لعصام الذي كان يعشق سمر ويريد الزواج منها حتى بعد ما كان فادي يريد الرحيل عنها تاركًا قطعة منه في رحمها، والذي كان عصام على أتم الاستعداد بالتكفل بابن الزنا ومواجهة المجتمع معها حتى لا يحطون من قدرها وتتعامل بوَضاعة. وكان مصرًا عليها لدرجة أنه كان سيكون بموضع حقير له. لكن ماذا سيفعل الآن؟
يتحدى صديقه الأقرب، والذي يضعه بمقام الأخ الأكبر ويتقدم من خالد والد خلود وتحت مرمى بصر وجدان التي نهرته بعينيها. "أنا عصام الدين البسيوني، طالب إيد خلود بنت حضرتك." كانت فيروز بالأعلى تتابع ما يحدث في الحديقة لتفهم أنه قام بصفع خلود بسبب إصرارها على عصام، ولكن ما لفت نظرها هو توقيف عصام له. لتهبط إلى الأسفل لتستوعب الموضوع أكثر، ولكن هيهات. استمعت إلى صوت والدتها وهي تتحدث بعصبية وتدرك أمرها وتدرك ما تنوي فعله. ***
"إيه يا ماما اللي انتي هتعمليه ده؟ ماما أرجوكي بلاش، انتي ابعدي عن الموضوع ده تمامًا، أقسم لك ما حد قرب ليا، انتي عايزاني أخسرك؟ قالتها فيروز وهي ترمق صفا بخوف وصدمة لتجدها تجيبها بقسوة أكثر: "مش هقدر أسكت المرة دي، لازم أتصرف في الموضوع ده، وبعدين اتفضلي انتي دلوقتي خدي جوزك وسافروا، الحياة قدامكم حلوة، متحاوليش تتأخري في الحصول على السعادة."
ثم خرجت صفا دون أن تنطق بأي كلمة أخرى رافضة أن تستمع إلى رد فيروز عليها لتبتلع ريقها بألم وتتجه خارج الغرفة. تجد والدتها للمرة الأخرى تستكمل محادثتها التليفونية، تهز رأسها ببطء وكأنها أعجبت أنها وصلت لمبتغاها: "برافو، انت كده تمام، مش عارفة أقولك إيه، تعبّاك معايا ديما، بس كان لازم نشوف حل للأسطورة اللي مش بتخلص، ومتخافش أنا هحميك." لتنهي المحادثة تجد فيروز ترمقها بنظراتها. فتقترب من أذنها تهمس بخبث:
"عايزاكي أول أما أتأكد إن تم المراد تاخدي ريحان وتسافروا بعيد، ومتخافيش عليا أنا مش هعمل حاجة، أنا هضرب الظالمين بالظالمين." أومأت لها فيروز برأسها وهي تعض على شفتيها بألم، تنجرف دموعها أمامها لتجد صفا تهدر بها في غضب: "داري دموعك وحزنك ده، مش عايزة حد يعرف أنا ناوية على إيه، مش هسمح لحد يمنعني المرة دي، انتي كنتي هتضيعي بسببه وبسببك هضيعه."
مسحت فيروز دموعها سريعًا ثم هبطت إلى الأسفل تتذكر اليوم المشؤوم الذي ذهبت فيه إلى منزلهم وقابلت فادي. تلك المقابلة التي لم تكن تعلم أنها ستفتح على نفسها بها أبواب جهنم. ***
وجدته يهرع نحوها يسألها كتلميذ عما دار بمنزلها مع فادي. تلتمع عيناه بشغف وهو يريد أصل الحكاية، رغم أنه يعلم جيدًا من تاريخ علاقتها معه أنها لا تخبره كل شيء. هكذا هي الحكايا، بعضها يجب أن يبقى رهينة المجهول حتى التأكد من رد فعل الشخص المقابل. ابتسمت بتوتر وسردت له كل ما حدث بعد أن طلبت منه أن يعاهدها على الهدوء وعدم الانفعال المتسم به. وبعد ما انتهت شعر أنها أجبرته أن ينكث رأسه أمام الجميع. تملكه إحساس خضوع ما تبقى له
من كبرياء. هو الوحيد الذي يستحق لمسها، لا الآخر. كان هذا حقه وحده، يلعن اليوم الذي دلف فيه المحبس. كانت تحت رعايته، كانت في رقابته، كان الراعي لها، وهي نكرت كل هذه الحقوق. ولكن هو الآن رفض تملكه لها. لم يكن هذا ما يبحث عنه فيها. أخبرها ذلك. تتساءل فيما بينها، عن ماذا يبحث إذا؟
***
نهضت ببطء حتى لا يطول الأمر بينهم وهو كان شاردًا رافضًا لوجودها. خرجت من المنزل، أخذت تمشي في الطرقات لا تعلم إلى أين تذهب. جلست على إحدى المقاعد بعد ما ألمتها قدماها من السير. كان في هذا الجلوس الراحة وهي وحدها. نظرت حولها لتجد المكان سيمتلئ بالناس، لتجذب حقيبتها وتنهض للرحيل. لتتفاجأ بريحانة تقترب منها. نعم، فهي استمعت لما دار بينها وبين ريحان، ولا يهمها ابنها بقدر ما أهمتها فيروز. وجلوس فيروز بهذه الطريقة ذكرها بنفس جلستها منذ 27 عامًا.
نظرت ريحانة إليها ببشاشة: "خذي يا فيروز، البسي ده الجو برد عليكي، متبقيش تخرجي مرة تانية من بيتك من غير ما تتقلي، انتي عايزة تاخدي برد ولا إيه؟ إحنا ما صدقنا ريحان يخرج." تشبثت فيروز بالمعطف وهي تدثر جسدها كله به. ثم كادت أن تسرد ما حدث لريحانة التي جلست بجانبها. لكن ريحانة نظرت إليها بحزن:
"أكيد اتخانق معاكي، ما هو مش هتخرجي بالشكل ده بالساهل، ما هو أبوه عملها معايا قبل كده، بس أنا دفعته تمن شكه فيا واتبهدل يا عيني." صمتت فيروز ولم تجد ما تقوله، فهي تعترف من داخلها أنها مخطئة. ابتلعت ريقها بصعوبة ثم هتفت بألم: "أنا غلطت لما قابلت فادي من غير ما أعرف حد فيكم، وريحان عنده حق في كل حاجة، وأنا مرحبة بعقابه، أنا حطيته في موقف مخزي." عقدت ريحانة ما بين حاجبيها تسألها عما تنوي فعله:
"طب مش هتعملي أي حاجة بعد اللي قاله ليكي من شوية؟ مش هتدفعي عن حياتك معاه؟ طب ما هو كده هيتكسر أكتر، انتوا الاتنين بتأكدوا الكلام." هزت فيروز رأسها رافضة، تتعالى شهقاتها ودموعها تهبط على وجنتيها: "لا مش هينفع، هو قالي مش انتي اللي كنت بدور عليكي، أكيد هو كان عايز واحدة زي حضرتك وزي زينب، بنت ملهاش أب زي ناشد." ضغطت ريحانة على أزرار هاتفها لتأتي برقم ريحان وهي تنظر إلى فيروز بأسف:
"سامحيني يا فيروز، بس أنا لو سكت واستنيت واحد منكم يقدم خطوة قبال التاني، قطر العمر يفوتكم ويدوس على رقابكم، إشارة واحدة منك أرن عليه ولا لأ؟ بكل عناد وكبرياء هزت فيروز رأسها بالرفض. لتذهب ريحانة بصمت وتدخل فيروز في نوبة بكاء عالية. التفت إليها نظر الجميع من حولها، لتتحكم في نفسها وتحاول تهدئتها. تقوم من على المقعد تسير أمامها، وهي لا تعلم إلى أين تذهب. ***
عادت ريحانة إلى المنزل وقبل أن تعود هاتفت ريحان وأخذت تسبه وتلعنه على ما فعله مع فيروز. لتتفاجأ بتغيره، وكأنه بدل جلده، تحول إلى آخر، أكثر هدوءًا وعقلانية، يضرب بما قرره منذ قليل بعرض الحائط. لتجد ريحانة أمامها ابنها ليس نفسه الذي تعودت عليه، وجدته منصاعًا لها ينفذ كلماتها، حتى لو اجتثت عنقه. لم يتركها ويهرب كعادته. أخذ يهاتف فيروز ليعرف مكانها بعد ما ذهب للمكان الذي أخبرته به والدته، ولكن دون جدوى فقد انقطعت كل وسائل الاتصال بينهما.
*** على الجانب الآخر كانت صفا ذاهبة إلى ناشد. وما أن وصلت تذكرت لحظة ولادة ابنها. حيث كانت هناك بهذا المنزل. تذكرت وجه ناشد وهو عليه أثر الفاجعة. لم يصدق أن يكون له طفل معاق، لدرجة أن الجميع كان متعاطفًا مع الطفل عدا هو. ولكن هو الآن بدا إليها وهو جالس على مقعده في الحديقة كشخص متسامح في غرابة، ومظهره أكثر غرابة. ***
عند خلود وعصام، تقدم إليها رسميًا في منزلهم. طلبه كان كالصرخة الحادة في أذنها، جعلتها تنتبه منتفضة، ترفض قطعًا: "أنا مش موافقة يا عصام." *** عودة إلى صفا وناشد. عقدت حاجبيها باستنكار، كيف لها أن تفعل الشيء الذي برأسها وهو بهذه الحالة. مر ما يقارب من الخمس دقائق ولم يفتح عينيه ليراها، كادت أن تذهب ولكنها وجدته يقف أمامها بوجه خالي من التعابير وبهدوء لا يطمئن. لكنها ابتسمت بارتعاش قائلة بدلال مصطنع:
"ازيك يا ناشد، معدش ليا حد غيرك، فيروز اتجوزت وفي مشاكل بينها وبين ريحان بعد ما طلع، الظاهر عرف إن فادي اعتدى عليها. ممكن تقبلني عندك؟ ابتسم ناشد بخبث ثم سحبها للداخل بصمت تام جعل الرعب يدب في قلبها الخائف. فارتسمت ابتسامة خفيفة من شدة الرعب قائلة: "إيه يا ناشد، هو انت ساكت ليه؟ اتغيرت أوي، كلنا اتغيرنا صحيح، الضنى غالي لما بنعرف إن السوء لمسه مش بنبقى على حد. لو مضايق من وجدي أمشي." "هو دخول الحمام زي خروجه؟
من امتى حسيتي إننا ملناش غير بعض؟ يا ما اترجيتك وبوست الأيادي، وانتِ لأ. يا ناشد كان غلط لما وافقت عليك زمان." ابتعدت صفا قليلًا ثم نظرت إليه وهي تحاول تجميد الدموع في مقلتيها تهتف بارتجاف: "يعني إيه مش هعرف أخرج من هنا؟ عادي يا ناشد، أنا فعلاً دخلت بمزاجي، وهخرج برضه بمزاجي، وانت مش هتقدر توقفني، شفت سهل إزاي؟ أمسك حجابها بضراوة يرفع رأسها إليه وعيناه تلتمع بمويض شيطاني مروع:
"يعني طليقتي جاية بعد سنين طويلة ليا في بيتي، يبقى ليه؟ أكيد عايزاني أردها، طبعًا ما أنا ناشد البيسي، شكلك نسيتي ورجعتي تفكري نفسك أذكى مني." ثم نزع عنها حقيبتها ليخرج زجاجة الكحول المطعمة بالسم القاتل والتي قامت بتحضيرها في إحدى معامل ريحانة. ليقوم بإسقاطها على الأرض: "خططك دي مش هتنفعك، بل بالعكس دي كانت هتودي عيلة الجمال كلها في داهية، الكلب اللي حاول يبيع ناشد عشانك، الكلاب بتنهش في كدته دلوقتي."
نظرت إلى أسفل قدمها ثم رفعت بصرها إليه وقد امتلأت الدموع بعينيها تهتف بأسى: "انت بتعمل معايا كده ليه؟ فادي كان بيعتدي على فيروز، وانت كنت عارف، ومحاولتش تحمي بنتك، انت أب انت؟ قتلت ابنك زمان، ودلوقتي بنتك." تعالت ضحكاته الشيطانية وهي تنظر إليه بكره: "أولادي وأنا حر فيهم، مالكش دعوة بيهم، ودلوقتي هتكملي عيشتك معايا ونقول للكل حتى فيروز إنك رجعتي ليا؟ ولا تروحي ووقتها متزعليش من اللي هيحصل؟
هزت رأسها بهستيريا ترفض أن تبقى معه، ولكنها تعلم ناشد جيدًا. فصاحت بقلق: "هعمل اللي انت عايزة، بس متأذيش حد منهم وخصوصًا فيروز، أنا غلطانة ياريتني كنت سمعت كلامها، كان عندها حق، انت عمرك ما هتخلص." اتسعت ابتسامة ناشد الشيطانية ثم هتف وهو يغمز لها بإحدى عينيه: "كده يبقى اتفقنا، أنا عمري ما هأذي بنتي، إيه رأيك تعملي إزازة زي دي لفادي؟ وأهو نخلص من اللي أذى بنتنا سوا كعمل مشترك، ونبدأ من جديد."
جذبها نحوه بضراوة لتقف في مقابلته مباشرة، تشعر أنه اجتاز المسافات بينهم ليقترب من أذنها يهمس كفحيح الأفاعي. *** يسأل عنها الجميع بلهفة. كان في نظرها فتى شجاعًا، وهي كانت تشعر أنها الملكة في حضوره، وهذا حدث عندما وجدته بأول مرة في حياتها. انتهى بوقتها شعور اليتم الذي دومًا تشعر به وتغار من صديقاتها. تتنفس ريحانة بقسوة وتغيم عيناها بحزن ثم يقين لديها أنه لن يجدها: "ابعد عنها يا ريحان."
كانت حكاياتها هكذا، رحلت مثل فيروز ولم تخبر عنها أي أحد. ولكن هناك يد لجأت إليها وهي الملكة ياسمين. ترى لمن ستلجأ فيروز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!