الفصل 10 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل العاشر 10 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
18
كلمة
2,410
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال. في ذلك الوقت، كانت ابتهال واقفة في الشرفة. عندما كانوا جالسين، سأل جبران عن ابتهال وأبلغته زوجته أنها واقفة في الشرفة. كاد أن يذهب إليها، لكن أوقفه عمران وقرر هو أن يذهب إليها بنفسه.

ذهب إليها عمران، وجدها واقفة تنظر من الشرفة. وقف عمران خلفها بصمت لثوانٍ، يراقب ملامحها من الخلف، حجابها يتحرك مع نسمات المساء، ونظرتها غارقة في عالم بعيد. لم تكن تلاحظ وجوده حتى قال بهدوء: "بتحبي الهوا كده؟ ولا بتهربي من الجو اللي جوا؟ التفتت إليه ببطء، لم تبتسم، ولم تنطق، فقط نظرة عينيها كانت كافية لتخبره كم هي مرهقة من الداخل. اقترب منها قليلًا، وأسند ذراعيه على حافة الشرفة بجانبها: "الناس مستنياكي تحت."

"وليه مستنياني؟ "علشان تبقي وسطهم. علشان تفتكري إنك مش لوحدك." "بس أنا فعليًا لوحدي، حتى لما أكون وسطهم." تنهد عمران، وحاول أن يحتفظ بهدوئه، وكأنه يزن كلماته بعناية: "ابتهال، إنتي عارفة إن ده مش حقيقي." "حقيقي جدًا، إنت بس مش شايف." سكتت لثوانٍ، ثم نظرت له نظرة مباشرة: "هي (وفاء) كويسة؟ تفاجأ بالسؤال، لكنه حاول إخفاء توتره بابتسامة خفيفة: "آه، جدًا. مهذبة، وبتعرف تتكلم." "شكلك اخترت صح." "بس أنا ما اخترتش."

رمشت بعينيها، لم تفهم. أكمل بهدوء: "كل حاجة بتحصل دلوقتي، ليها سبب. وإنتي السبب." "أنا؟ وأنا مالي؟ كاد أن يسألها عن ياسين ويتحدث معها، قاطع حديثهم فردوس. "إيه يا عمران، روحت تناديها؟ وقفت جنبها." "عمي باعتني عشان أناديكم." لم تجبها ابتهال، ولكن تحركت لمكان جلوسهم، وتحرك خلفها عمران. "إحنا كنا جايين، يلا بينا." توجهوا جميعهم لغرفة الجلوس. وأثناء دخولهم، ابتسمت وفاء وتحدثت بعفوية لابتسام:

"رغم إن فردوس وابتهال أخوات، إلا إن ابتهال أقرب لكِ في الشكل واسمها قريب ليكي. أكيد هي الأقرب لكِ، صح؟ رفعت ابتسام وجهها تلقائيًا ونظرت نحو ابتهال، التي قابلتها بنظرة ثابتة، ثم حرّكت رأسها للجانب الآخر، لكن ملامحها ظلت واضحة أمام عين أمها. لسبب لا تعرفه، بدأت ابتسام تدقق في ملامح ابنتها... كأنها تراها لأول مرة. جبهتها، عينيها، ذلك الميل الطفيف في الابتسامة حين لا تكتمل. وفاء استكملت الحديث بنبرة خفيفة:

"وياترى بقى، واخدة طبعك كمان زي الشبه كده؟ قاطعتها فردوس بسرعة، في محاولة لاستعادة الأضواء: "لا لا، أنا شبه ماما أكتر." ردّت وفاء بابتسامة خفيفة: "في الطبع؟ ممكن... لكن من ناحية الشكل، لا... ابتهال أقرب." نظرة ابتسام لم تغادر وجه ابتهال، وكأن عقلها يكتشف شيئًا لم يره من قبل. قالت بهدوء، بدون أي خلفية عاطفية، فقط ملاحظة ناعمة: "فعلاً... خدودها، عينيها... في حاجات قريبة مني." ما قالته لم يكن بتأثر، ولا دفء...

لكنها كانت المرة الأولى التي تعترف فيها بشيء يخص ابتهال من غير مقارنة، ومن غير مبرر. ابتهال لم ترد، لكنها سمعت واحتفظت بالجملة دي جواها، وتظاهرت أن الحديث لا يعنيها. جلست وفاء بتلقائية بجوار ابتسام، وقالت بابتسامة ناعمة: "واضح إن عندك شخصية قوية يا طنط." ابتسام رفعت رأسها بشيء من الفخر: "الحمد لله... بحب أكون واضحة." وفاء هزت رأسها: "باين... وكمان عندك قدرة على الحسم... تعرفي تميّزي كل واحدة من ولادك بطريقتها."

ابتسام ضحكت: "كل واحدة ليها طبعها... وأنا بتعامل مع اللي يستاهل." قالت الجملة بمنتهى العفوية... لكن وفاء التقطتها بخبرتها: "آه طبعًا، بس ساعات اللي "ما يظهرش" احتياجه... يكون محتاج أكتر من اللي بيطلب." ابتسام ردت بجفاف بسيط: "اللي عايز حاجة يقول." وفاء، بابتسامة متماسكة: "مش دايمًا." "فيه ولاد... بيصمتوا احترامًا. أو خوفًا من المقارنة. بس وجعهم ما بيختفيش... بالعكس، بيزيد بصمتهم." سكتت لحظة، ونظرت لها نظرة شبه عابرة:

"أوقات في بيت واحد... بنت تبقى دايمًا في الحضن، والتانية واقفة على الباب." ابتسام تغيرت ملامحها، وقالت بهدوء، لكن فيه شكة ضيق: "كل واحدة بتاخد مكانها بطريقتها." وفاء، وهي تقوم، قالت بنبرة باردة ناعمة: "أحيانًا المكان بيتاخد... وأحيانًا بيتمنّع." شعرت ابتسام أن هناك شيء خلف حديث وفاء. هل حكى لها عمران شيئًا أو جبران؟ نظرت ابتسام للجالسين وتحدثت بمرح مصطنع: "دكتورة وفاء، هو انتي جاية تحللينا ولا إيه؟

"لأ خالص، هو الكلام بيجيب بعضه. عمومًا لو اتضايقني من كلامي أغيره، مع إنّي شايفه إنه كلام عادي. أو يمكن عشان عندي حالة بتعاني من التفرقة في التربية وواخدة كل تفكيري." "وياترى البنت دي ليها أخت بنت برضوا؟ قالتها ابتسام بإستهزاء. فهمت وفاء تلميح ابتسام، لكنها أنكرت. جلست وفاء بهدوء، ترفع فنجانها من على الطاولة وتتكلم بنبرة دافئة، لكنها محسوبة: "بالعكس، كانوا بيقارنوا البنت بأخوها دايمًا لأنهم بيفضلوا خلفه الأولاد،

وبيفضلوا يقولوها: 'شوفي أخوكي نجح إزاي؟ '، 'اتعلم إزاي؟ بس محدش بيسألها: 'وإنتي محتاجة إيه؟ '، 'حاسة بإيه؟ '." تنهدت بخفة، كأنها بتحكي عن حالة مشهورة في عيادتها، لكن الحقيقة أنها بتتكلم عن اللي شايفاه في البيت ده بالضبط.

"للأسف، الأهل ما بيقصدوش، بس بيكونوا سبب في شرخ كبير. شرخ بيكبر مع الأيام. وفي الآخر، الأخوات يبقوا مقاطعين بعض، أو يمكن بيكرهوا بعض فعلًا. مش عشان هما وحشين، بس لأن حد زمان خلى كل واحد فيهم يحس إنه أقل." سكتت ثوانٍ، ثم نظرت قدامها، وقالت بنبرة أهدى: "الأهل لما بيموتوا، فيه اللي بيسيبوا ورث... عقارات، فلوس، دهب... بس فيه نوع تاني من الورث... ما حدش بيكتبه في عقود، لكن بيعيش جوه الولاد. حب الأخوات لبعض."

نظرت لابتسام بسرعة خاطفة، ثم كملت: "كل حاجة ممكن تنهار... البيت، الفلوس، العلاقات. بس اللي ما بيتهزش هو الأخ اللي بيحضن أخته، والأخت اللي تمسح دمعة أختها من غير ما تتكلم." ابتسام كانت ساكتة، بس وشها اتغير. مش ضعف، لكن فيه حاجة اتحركت جواها، حاجة مش مألوفة ومش مريحة. وفاء أنهت كلامها، بهدوء. "ربنا لما بيرزق الأم بطفل بتسعى الأم أنها تنجب طفل تاني، مش عشان تقارن بينهم لأ عشان يكونوا سند لبعض ومحدش منهم يتربى لواحده."

كلام وفاء عامل زي مرآة فجأة اتفتحت في وش كل واحد فيهم... وكل واحد شاف حاجة ما كانش عايز يواجهها. سقطت كلمات وفاء بهدوء، لكن وقعها كان كصفعة خفيفة على وجه الحقيقة. ساد الصمت في الغرفة. صمت غريب، مش مريح، لكنه ما كانش جارح. كل واحد منهم انسحب لداخله... انشغل بحواره الشخصي، بأسئلته اللي ما اتقالتش. لكن عند ابتسام، كان الأمر مختلف. حديث وفاء... سقط عليها كـقلم حاد انزلق من يد الزمن وارتطم بوجهها. لم يكن مؤلمًا...

لكنه كان كافيًا ليفتح شقًّا صغيرًا في جدار قناعتها. نظرت وفاء بهدوء لوجوه ابتهال وفردوس، ثم نظرت إلى ابتسام. الشرود على ملامحهم كان كافي. هي لم تكن بحاجة لاعتراف، ولا لكلمة "عندك حق". كانت فقط تريد أن تصل رسالتها. وقد وصلت. بعد انتهاء حديثها قررت الانسحاب وتنتظر أن يتواصلوا هم معها. "عن إذنكم يا جماعة، أنا اتأخرت ولازم أمشي." تحدثت والدة عمران:

"خليكي شوية كمان، اليوم ضاع بسرعة ومالحقتش أتكلم معاكي ولا أعرف اتعرفتي إزاي على عمران." "معلش يا طنط، خليها مرة تانية، أنا لازم أمشي دلوقتي." "طيب، عمران يوصلك؟ "لأ، أنا هعرف أمشي لوحدي." وبالفعل تركتهم ورحلت. وبعدها انصرفت ابتسام مع أبنائها. حاولت فردوس كسر الصمت بالحديث عن وفاء، ولكنها لم تستطع لأن والدتها كانت شاردة طول الطريق. فالتزمت الصمت. جلست ابتسام في غرفتها تعيد حديث وفاء مرارًا وتكرارًا داخلها.

وظلت تعيد الماضي أمامها مرة أخرى، وتأكدت أنها صنعت فجوة كبيرة بين بناتها. فجوة لم تستطع غلقها مهما فعلت. ظلت تتذكر ملامح ابتهال أمامها مرة أخرى، ووقفت أمام المرآة لتقارن بين وجهها ووجه ابنتها، لكنها لم تستطع تذكر ملامح ابتهال جيدًا. لهذه الدرجة لم تنظر في وجه ابتهال أو تعلم عنها شيئًا. في غرفة ابتهال. ظل هاتفها يرن مرة أخرى بذلك الرقم المجهول. أخذها الفضول هذه المرة لتعلم هوية المتصل، فأجابت على الهاتف. "ألو."

"أخيرًا رديتي." "عمران؟ "آه أنا." "خير؟ إحنا كنا عندكم النهارده." "حبيت أطمن وصلتوا بالسلامة." "آه الحمد لله." "مكملناش كلامنا النهارده." "إحنا مافيش بينا كلام من زمان يا عمران." "لأ فيه، بس مكنش كمل." "كل حاجة انتهت من زمان يا عمران، والعتاب مش هيفيد بحاجة. إنت ارتبطت وأنا كمان ارتبطت، يعم كلامنا خلاص معدش ليه لازمة." "طيب خلينا نتقابل وبعدها قرري كل حاجة."

"مش هيفيد يا عمران، صدقيني، غير إنه هيفتح حاجات اتقفلت من زمان." "بس أنا مافيش حاجة جوايا اتقفلت يا ابتهال، وواثق إنك إنتي كمان زيي." "ماتقفلتش إزاي؟ أمال الدكتورة الحلوة الجميلة اللي كانت قاعدة النهارده واتعزمنا عندكم عشان نتعرف عليها تبقى إيه؟ "مش زي ما إنتي ما فاكرة. بصي، أنا بكرة هعدي عليكِ ونتكلم." "لأ يا عمران، لا بلاش تفتح لي حاجة أنا بالعافية قافلاها."

"بس أنا مش قافلها. أنا من ساعت ما بعدت وأنا كل يوم أقول بكرة، بس بكرة ما كانش بيجي." صمت قليلاً وأكمل بعدها: "أنا عارف، أنا عارف إني غلطت وإنك دفعتي التمن لوحدك، بس ما ينفعش تنتهي كده." "إنت عايز إيه يا عمران؟ "نتقابل بس لو نص ساعة، عشان خاطري وعشان الماضي اللي لسه جوانا يا ابتهال." صمتت ابتهال عاجزة عن الرفض، لكنها أيضًا لم تكن تملك القبول. انكمشت أصابعها حول الهاتف، كأنها تمسك شيئًا خافتًا... شيئًا مؤلمًا، لكنه حي.

صوته، طريقته، كلماته اللي خرجت متكسرة، كلها فتحت نوافذ مغلقة جواها من سنين. في لحظة، عادت مشاهد كثيرة لمخيلتها... ضحكته، خلافاتهما الصغيرة، رسائله، وصوته وهو بينادي اسمها كأنه بيدوي في قلبها. لكن فوق كل ده، عادت لحظة الانكسار... اليوم اللي اختار فيه يرحل... ويسيبها تصارع وحدها. هي اتعلمت تكتم. اتعودت تمشي مستقيمة رغم الانحناءات اللي جواها. بس دلوقتي... كلامه رجّ المشي جواها، رجّ الجدران اللي بنتها عشان تعيش.

كانت تشعر أن جدارًا قد بدأ يتشقق... أن القرار اللي ظلت متشبثة به، بدأ يتسلل الشك إليه. عيناها امتلأت بالدموع، لكنها لم تبكِ. مجرد وجع صامت... كأن روحها بتقول: "ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما حاولت أنسى؟ لكن رغم كل شيء... رغبة واحدة كانت واضحة جواها: أن تسمع صوته... للمرة الأخيرة. أن تنهي الحكاية بيدها... مش بموته داخلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...