قررت ابتهال أن تقابله لتضع النهاية لتلك القصة التي بدأوها سوياً. لم يكن قراراً سهلاً. لكنها تعبت من الأبواب المفتوحة نصفها، تعبت من الأسئلة التي لا إجابة لها، ومن صوت صمته الذي ظل يلاحقها في وحدتها. "حاضر يا عمران، بكره الساعة ٧ في كافتريا." وفي اليوم التالي، كانت تقف في المكان الذي شهد أول اعتراف، وأول خلاف، وأول وداع. كانت تشعر أن قلبها بين نبضتين: نبضة تحثها على الهرب، ونبضة تقول: "خليكي… لازم تنهيها بإيدك".
ظهر عمران من بعيد، خطواته بطيئة، كأنه بيحسب كل خطوة على جرح. وقف أمامها، لم يبتسم. لم يتحدث فوراً. كان ينظر إليها بنفس العينين… لكن الزمن أطفأ شيئاً فيهما. قالت بهدوء، وهي تمسك بحقيبتها كأنها تتشبث بثقل الواقع: "جيت عشان نخلّص. عايزة أسمع اللي عندك… وأمشي." تحدث عمران بصوت أقرب للرجاء: "تسمعيني بصدق المرادي مش بعين الغضب ولا الوجع؟ نظرت له بثبات: "ياريت تقول أنت عايز إيه وسبب إلحاحك إني أقابلك."
"حاضر. لما كنت هنا آخر مرة اتفقت معاك إني هروح أقابل باباك وأطلبك منه. وفعلاً روحت وكلمته بس رفض. قال لي لو عايز تتجوز حد من بناتي تبقى فردوس لأنها الكبيرة. قال لي: 'انت عايزها تكتئب والناس تقول إنها مش لاقية عريس أو معيوبة'." عمران، وهو بيكتم غصة في صوته: "رده عليا كان صادم… قال لي بالنص: 'إنت داخل البيت وباصص لبناتي بنظرات مش محترمة، وكنت غلطان لما اعتبرتك زي ابني…'." نظر لعينيها، بصوت مكسور بصدق: "تخيلي؟
أنا اللي كنت جاي أطلبك بالحلال، اتهمني إني ببصلك بطريقة مش كويسة، مش بنظرة حب… لا، بنظرة قلة أدب." ابتهال كتمت شهقتها، وعمران كمل بصوت محمّل بالقهر: "حاولت أشرح له، أدافع عن نفسي، أقسمت له إن اللي بيني وبينك أنقى من أي كلام، بس هو ما كانش بيسمع… كان حاكم عليا بالإعدام من غير محاكمة." نزل عينه للأرض، وكأن الذكرى لسه موجعة: "دخلت بابا في الموضوع… يمكن يقدر يقنعه بهدوء أو يطيب الخواطر، لكن اللي حصل كان عكس كده تماماً."
"حصل خلاف كبير بينهم، كلام عالي، تهديد، إهانة… كانوا هيمسكوا في بعض فعلاً." "ومن بعدها… العلاقة بين العيلتين اتقطعت." سكت لحظة، وكمل بنبرة منهارة: "وأنا؟ أنا لقيت نفسي متهم، مرفوض، ومش قادر أوصل ليكي، وما كانش معايا غير سكة واحدة: أسافر، أبعد لحد ما فردوس تتجوز وبعدها أرجع تاني وأطلبك وتكون العلاقات رجعت تاني بين بابايا وبباكي." تنفس بعمق، كأن الكلام كان حجر على قلبه ووقع أخيراً: "بس معرفتش أعيش. ولا نسيت."
"بابا رفض إني أكلمك أو أحكيلك أي حاجة. قال لي لو عملت كده يا إما ابتهال هتثور وممكن باباها يعاند معاها ويعمل خلاف كبير بينكم والوضع أصلاً كان متوتر. ووقتها الوضع هيتعقد أكتر. قال لي سافر وبعد فترة أكلمك وأفهمك كل حاجة. فعلاً سافرت وكنت زي اللي ماشي في ساقية. ما كنتش بعمل غير إني أشتغل وأجمع فلوس."
"عدى كام شهر حاولت أكلمك معرفتش. جالي اكتئاب حاد. سبت الشغل وكنت حابس نفسي في الأوضة اللي قاعد فيها. حاولت أكلمك على النت أو أتصل بيكي، لكن انتي كنتي عاملالي حظر من كل حاجة."
"فضلت شهرين بالوضع ده والفلوس اللي جمعتها بقت تخلص في أكل وشرب وإيجار. فضلت كده لحد ما واحد من الدكاترة اللي قاعدين معايا في نفس الشقة اقترح عليا إننا نعمل مركز طبي كبير. فضل يتكلم معايا ويديني حماس إننا جايين هنا عشان نشتغل ونعمل قرشين وإننا لازم نضغط نفسنا ونحوش فلوس وخبرة ونفتح المركز ده."
"وفعلاً قررت إني أشاركه وبدأنا من الصفر. بقينا نبعت لبابا وباباه فلوس اشترينا قطعة أرض وبعد كده بدأنا نبنيها. في الوقت ده فردوس اتخطبت واتجوزت وبعدها باباكِ توفى. بس كنت أنا بدأت ولو سبت مكاني لحظة كنت هلاقي ١٠ غيري واخدينه. قررت أكمل اللي بدأته وبقيت أتابعك من بعيد. عملت أكونتات فيك على النت وبقيت أبعتلك إضافات. لكن انتي قافلة كل حاجة إنها توصلني بيكي. كان ناقص تكهربي الأكونت. حاولت كتير أوصلك لكن معرفتش."
"وللأسف دخلت في دوامة قروض وديون مش عارف أخلص منها وبقت حبل عمال يلف حواليا. وكل شوية أصبر نفسي وأقول: 'استحمل الحبل بكره هيفك وهترجع'. وبفضل أدعي ربنا محدش يقرب منك ولا انتي تحبي حد. لحد ما ربنا فعلاً استجاب. وانتي ما ارتبطيش." "بس أنت خطبت." "والله أبداً. لا ترتبط ولا فكرت أرتبط من الأساس." "أمال وفاء دي تبقى مين؟ خطيبتي أنا. وغير كده خلاص ارتبطت بياسين وهنتجوز قريب."
عند ذكر ذلك الشخص أمامه تحول عمران واحمر وجهه من الغضب. "ياسين مين اللي ارتبطتي بيه؟ أوعي تكوني فاكرة إني ممكن اسمحلك ترتبط بحد بعد التعب والسنين دي كلها اللي اتمرمطت فيها وبصبر نفسي إني أرجع وألاقيكي في الآخر تروحي لواحد زي ده؟ فوقي يا ابتهال… أنا بحبك ومش هسيبك. ولو وصلت إني أخطفك هعمل كده." "أنا لا خاطب وفاء ولا غيره. أنا من ضغط ماما عليا بسبب العرايس اللي بتجبهملي قولتلها كده." "ومين وفاء دي؟ خطيبتي أنا."
"بكره هتفهمي كل حاجة. إنما وفاء دي مش أكتر من دكتورة شغالة معانا في المركز اللي خلاص فاضل أقل من شهر وهنفتتحه." ابتهال ما كانتش واقفة… كانت متسمّرة. الكلمات كانت بتخبط في صدرها زي موج عالي، كل كلمة بيقولها عمران كانت بترجّ حاجة جواها كانت فاكرة إنها ماتت. نفسها تقوله إنها كانت بتستناه. إنها كانت كل ليلة بتحضن دموعها وتقول: "يمكن رجعته بكرة". لكن في نفس الوقت… كانت موجوعة، من غيابه، من وجع الأيام اللي شالتها لوحدها.
اتجمعت دموع في عينيها، بس ما نزلتش دمعة. الوجع كان أعمق من البكا، كان وجع مكتوم، زي حاجة مدفونه من سنين وبتطلع دلوقتي للنور مرة واحدة. في اللحظة دي، شافت الماضي كله قدامها… موقف أبوها، كلام عمران، سفره، حزنه، كل نظرة كانت بينهم… بس شافت كمان وحدتها… إزاي اتحملت، إزاي وقفت لوحدها لما الكل اختفى، إزاي بنت جدار حواليها علشان ما تقعش. بس الجدار ده دلوقتي بيتشقّق. صوته، صراحته، حرقته وهو بيقول "مش هسيبك"،
خلى قلبها يتشد بين وجعين: وجع الفقد القديم… ووجع الرجوع اللي جه بعد ما كانت خلاص بتقفل الصفحة. هي مش قادرة تسامح بسهولة، لكنها كمان مش قادرة تكرهه. كان جواها صراع رهيب: عايزة ترتمي في حضنه وتعيط زي زمان، لكن في نفس الوقت… في حاجز اتبنى جواها اسمه "الخذلان". مشاعرها كانت خليط معقد: اشتياق، خوف، حب، خيانة، أمل، وجع، كلهم قاعدين على صدرها مرة واحدة.
في اللحظة دي، ما عرفتش ترد… شفايفها اتحركت، بس الكلام ما خرجش، كانت بتحاول توازن قلبها اللي بيصرخ، وعقلها اللي بيحذر. لكن جواها، كانت بتقول: "لو رجعتلك… هتقدر تمسح وجع السنين؟ ولا هتسيبني تاني؟ سكتت ابتهال… بس جواها الدنيا كانت بتتكسر. صوته لسه بيرن في ودنها: "أنا بحبك… مش هسيبك… لو وصلت إني أخطفك هعمل كده." نظرت له… كان واقف قدامها بكل ضعفه، بكل وجعه، بكل حبه. بس كانت شايفة كمان صورته وهو سايبها.
سايبها تواجه الكل لوحدها. سايبها تحارب مشاعرها، وكرامتها، وأهلها. جواها صوتين… بيتخانقوا. صوت قلبها بيصرخ: "هو رجع… هو لسه بيحبك. هو ما خانكيش… ده اتظلم زيك. اللي بينكم مش سهل، مش بيتكرر." وصوت عقلها بيرد بحدة: "رجع؟ بعد كام سنة؟ بعد وجعك وانكسارك؟ فينه لما احتاجتيه؟ فينه لما دموعك نزلت لوحدك؟ فينه لما كنتِ بتقنعي نفسك إنك ما كنتيش مجرد نزوة؟ شدّت نفسها بعيد خطوة صغيرة… لكن عينيها ما سابتهوش.
كانت بتتمنى تمد إيديها وتحضنه… بس حاجة جواها ماسكاها، كأن قلبها مربوط بسلسلة من وجع قديم. كلامه… رغم صدقه، رغم دموع عينيه… ما كانش كفاية. هي كانت محتاجة يسمعها أكتر من كده. كانت محتاجة يداوي جرح ما جاش عليه يوم وهدى. هو قال إنه اتظلم، وإنه اضطر، وإنه كان بيحوش عشان يرجع لها. بس هي كانت هنا… كل يوم بتعيش خذلانه… كل يوم بتحاول تفهم ليه مش كفاية عشان يستحق يفضل.
جواها صوت بينهشها: "لو حبك كان حقيقي، مكنش سابك تواجهي الدنيا لوحدك." وصوت تاني بيهمس بضعف: "بس هو رجع… هو رجع عشانك، ولسه واقف مستنيك." كانت بين نارين: قلبها اللي لسه بينبض باسمه… وعقلها اللي بيقولها: "ما تبقيش غبية، الجرح الكبير ما يتعالجش بوعد جديد." نظرت له نظرة طويلة… نظرة فيها شوق، وفيها وجع، وفيها كأنها بتسأله: "فين كنت لما كنت بانهار؟ فين كنت لما كنت محتاجاك تمسك إيدي؟ لكنها ما نطقتش. كل اللي عملته…
إنها قالت بهدوء: "أنا عايزة أمشي." حاول عمران أن يوقفها لكنها ذهبت مسرعة وتحركت بسيارتها. دموعها طول الطريق لم تتوقف. من المفترض أن تكون سعيدة بذلك الحديث لكن للأسف قد تأخر الوقت. تأخر لدرجة أنها فعلت أشياء جعلتها تكره نفسها. وأخذت في طريقها أطفال أبرياء لم يكن لهم ذنب سوا ماضي أمهم وجدّتهم وجدّهم. وتراكمات داخلها. دخلت المنزل وذهبت لغرفتها مسرعة أن يراها أحد ولكن ابتسام رأتها. وترددت كثيراً تدخل إليها أم لا.
وقفت على باب الغرفة والحيرة داخلها هل تدخل تسألها ما بها أم تتركها. وحسمت أمرها وقررت تتركها لوحدها لحين أن تهدأ. دخلت ابتسام غرفتها واتصلت بعمران وطلبت منه رقم وفاء. "إزيكم يا طنط، عاملين إيه؟ "الحمد لله يا حبيبتي. ممكن تديني رقم وفاء؟ أصلي كنت عايزة أعزمها وكده وعايزة أعرف هي فاضية امتى؟ "مالوش لزوم يا عمتو العزومة دي." "لا ابعتي بس. هقفل معاك وأبعتيلي رقمها." جلس عمران شارداً هل يرسل رقم وفاء لابتسام أم لا.
قطع شروده والده. "مالك سرحان في إيه؟ "طنط ابتسام عايزة رقم وفاء." "اديهولها." "دي عايزة تعزمها؟ "لأ ماتخافش ووفاء فاهمة كل حاجة. دي حجة ابتسام بتقولها عشان تاخد رقم وفاء. ادي ابتسام الرقم لو عايز عقدتك تحل." ابتسم بعدها وترك عمران وخرج. وبالفعل أرسل عمران رقم وفاء لابتسام. ومسك هاتفه وظل يرسل رسائل لابتهال. محاولاً منه جعلها تلين مرة أخرى. ولكن ابتهال لم ترى الرسائل أو ترد عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!