دخلت ابتسام غرفة فردوس وأبلغتها بعزومة عمهم كي يعرفهم على وفاء خطيبة عمران. عندما سمعت فردوس كلام والدتها، شعرت بأن هناك من ينتزع شيئًا من يدها مرة أخرى. شعرت بمن يريد أن يأخذ شيئًا من ممتلكاتها، هي لم تحب عمران، ولكن داخلها نما شعور بأنه أصبح ملكًا لها ولا يحق لأحد أن يأخذ شيئًا منها دون أن تتركه. قاطعت ابتسام شرودها: "ها، هتروحي ولا هتعملي إيه؟ تحدثت بابتسامة خبيثة:
"آه طبعًا هروح، كلنا لازم نروح ونلبس حلو ونشرف ابن عمنا قدام عروسته، ولا إيه." "إنت بتتكلمي جد؟ "آه طبعًا، إيه رأيك ننزل النهاردة نتمشى ونشتري لنا شوية حاجات كده أهو نغير جو ونعمل نيو لوك." "تمام، موافقة. يلا جهزي." انتهت ابتهال من عملها وذهبت لمنزل عمها. بدأ يتحدث معها حول ياسين. "أنا قابلت ياسين النهاردة." "طيب، إيه رأيك أو قالك إيه؟
"بصي يا ابتهال… رأيي إنك خسارة فيه. بس أنا هعمل لك اللي إنتي عايزاه… مش علشانه، لا، علشان ما أسيبكيش لوحدِك… ولا هو يحس إنك مالكيش ضهر." سكت لحظة ثم أضاف بهدوء حاسم: "بس… أنا شرطت عليه يرجع لفردوس حقوقها." شحب وجه ابتهال، وغامت عيناها بالغضب. عن أي حقوق تتكلم؟ فردوس أخذت كل شيء! أخذت حقوقها… وأخذت حقوقي معها. ولما جيت أسترد حقي، قرروا يسرقوه مني تاني! لأ… مستحيل أقبل.
"لا يا عمي، فردوس بقالها 30 سنة واخدة حقوقها وحقوقي كمان." شعر جبران بوخز الألم في نبرتها. كان يدرك جيدًا أنها على وشك الانفجار… وإذا ضغط عليها الآن، فستنفلت الأمور من بين يديه. فليتأنى. "ابتهال… أنا مش برجع لفردوس حقها علشانها." "أمال علشان مين؟ "علشان ولادها. فيه طفلين في النص."
صمتت ابتهال… كأن سهمًا مسمومًا استقر في صدرها. لأول مرة، شعرت بوخزة غريبة… هي لم تفكر في هؤلاء الأطفال قط. مثلما لم يفكر أحدٌ فيها وهي صغيرة. هل تسرعت؟ هل تتنازل عن "حقوقها" لأجل أولاد أختها؟ هل تعيد نفس الدائرة؟ هل تضحي من جديد… فقط لأن فردوس في الصورة؟ لكن هذه المرة ليست فردوس وحدها… بل طفلان لا ذنب لهما. ومع ذلك… إذا تنازلت ولو قليلاً، سيأكلها الجميع حيّة. وأولهم فردوس التي لا تعرف سوى الأخذ.
سحب جبران نفسًا عميقًا، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن يقولها، وهو يراقب ارتجافة يد ابتهال فوق ركبتيها. "ابتهال… أنا مش هظلمك، ولا هطلب منك تتنازلي عن حاجتك. لكن لازم تسألي نفسك سؤال واحد: إنتي عايزة تنتقمي من فردوس…؟ ولا من العيلة كلها؟ رفعت رأسها ببطء، عيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد. "أنا مش بناقش "انتقام". أنا عايزة حقي… اللي اتولد معايا، واتسحب مني يوم بعد يوم."
اقترب منها جبران، جلس بجانبها، وصوته انخفض لكن نبرته كانت راسخة. "أيوه… وأنا موافق إن ليكي حق، ويمكن أكتر من اللي إنتي بتطلبيه. بس لما الحق يدخل في سكة ولاد، الموضوع ما بيبقاش أبيض أو أسود." أطرقت ابتهال برأسها، نظرت للأرض كأنها تبحث عن شيء ضاع منها من سنين… ثم تمتمت بصوت منخفض يكاد يُسمع: "هما فكروا فيّ وأنا طفلة؟ لما كنت بمد إيدي وميبقاش ليا؟ لما كنت بشوف فردوس بتلبس الجديد… وأنا بنلبس بواقيها؟
رفعت نظرها نحوه فجأة، بصوت محمّل بالقهر: "كنت فين يا عمي لما كانت بتتدلع وأنا بتشحت الاهتمام؟ لم يرد جبران… شعر بمرارة في حلقه، وعجز أمام تلك الحقيقة التي يعرفها جيدًا، لكنه لم يملك يومًا القدرة على تصحيحها. "أنا آسف يا ابتهال… والله العظيم آسف. بس أنا دلوقتي بحاول ما أكررش الغلط ده تاني… على الأقل، ولادها ميتربوش على ظلم جديد."
أغمضت عينيها، شعرت بجدار داخلي يتصدع… لكنها لم تنكسر. اعتادت أن تتماسك… أن تبتلع الألم في صمت. "طيب يا عمي… اديني شوية وقت. مش هقرر دلوقتي… بس أوعدك إني هفكر بعقل. وهعمل حساب ليهم." هز رأسه بتقدير، ووضع يده على كتفها بلطف. "أنا وراك مهما كان قرارك… بس كنت محتاج تعرفي الصورة كلها." "صحيح فيه حاجة كمان…" "خير." "بعد بكرة عازمكم عندي عشان أعرفكم على خطيبة عمران." تجمدت ملامح ابتهال، كأن الهواء في الغرفة توقف فجأة.
"خطيبته؟ "أيوه… عايزها تتعرف على العيلة، وتاخدوا انطباع. وجودك مهم…" صمتت… كلمات بسيطة، لكن وقعها كان زي السكين. "خطيبته؟ "… الكلمة دارت في دماغها كأنها صفعة ما اتجهزتش لها رغم معرفتها بأنه خاطب. "طب… وفردوس؟ هتيجي؟ "أكيد. وابتسام كمان." هزت رأسها ببطء، لكنها كانت داخليًا على وشك الانفجار… مش بس عمران ارتبط… لكن كمان لازم تحضر، وتبتسم، وتشوفه بيغازل واحدة تانية… وهي؟ تتفتت من جوّا، من غير ما حد يحس.
"حاضر يا عمي هحضر، أنا لازم أمشي دلوقتي عشان عندي تمرين. نتقابل بعد بكرة بإذن الله." خرجت ابتهال من منزل عمها. شرت بدمعة واحدة تسربت على خدها، مسحتها بعنف. "لأ… أنا هحضر. وهشوف خطيبته وهباركله كمان." ذهبت ابتهال للتمرين وأخرجت جميع طاقتها، وبعدها ذهبت للمنزل وخلدت للنوم مباشرة. مر اليومان بدون أحداث جديدة. كانت فيهم فردوس تتجهز للعزومة لتبدو أجمل من عروسة.
وفي منزل جبران، اندهشت الأم من تلك العزومة، فأخيرًا ستتعرف على خطيبة ابنها، فهي ظنت أنه كان يكذب عليها في أمر خطوبته. في غرفة عمران، كان والده يجلس معه ويحاول إقناعه بموضوع خطوبته بوفاء. رفض عمران في البداية، ولكن عندما عرض عليه وضع ابتهال وفردوس وحقيقة أن ابتهال ممكن أن تصاب باكتئاب يجعلها تنهي حياتها، رضي لقرار والده وقرر أن يساعده.
بعد مرور يومين، ارتدت فردوس تلك الملابس الجديدة ووضعت مكياج هادئ هي ووالدتها. بينما ابتهال اكتفت فقط بوضع كحل وماسكرا لتحديد ملامحها، وملابس بسيطة عبارة عن بنطال وقميص، لكن ألوانهم تناسبت مع بشرتها وأعطتها لمسة رقة. ذهبوا جميعًا لمنزل جبران في سيارة ابتهال. وكانت فردوس وابتسام تتخيلان شكل وفاء وخمنتا أنها طبيبة.
في منزل جبران، قامت والدته بتجهيز سفرة عليها كل ما لذ وطاب من المأكولات، وبعدها أتت وفاء وهي ترتدي ملابس أنيقة ولكن بسيطة. جلست والدة عمران لتتعرف على وفاء وتتحدث معها. وبعدها أتى الجميع ورحب بهم جبران وقام بتعريفهم على بعضهم البعض وأخبرهم أن وفاء تعمل طبيبة نفسية.
جلسوا جميعًا على طاولة الطعام وكان الوضع مشحون بالتوتر بين الجميع. كانت وفاء تنظر للجميع وتحاول ترجمة نظراتهم. كانت ابتهال تحاول إخفاء نظراتها وتنظر في جميع الاتجاهات بشكل عشوائي حتى لا تأتي عينيها بعين عمران. عكس عمران الذي كانت نظراته مثبتة عليها أغلب الوقت وبها لمعة حب لم يستطع إخفاءها. وفاء لاحظت اللمعة الغريبة في عينين ابتهال… وشافت اللي اختفى من عينين عمران لما شافها.
"صحيح يا دكتورة وفاء أو وفاء بقى، إنتي خلاص هتبقي من العيلة." كانت تقولها بطريقة داخلها شماتة في أختها. "أنا دكتورة أمراض نفسية وحاليًا بفتح مركز علاج للأطفال اللي بيعانوا من مشاكل أسرية." تحدثت ابتسام بسخرية: "وياترى بقى بتعرفي تفهمي الأطفال أو هما بيعرفوا يعبروا عن مشاعرهم؟ عمران قال بهدوء: "وفاء بتفهم الناس من أول نظرة." "بلاش تمدحني أوي كده." ثم نظرت لابتسام وأكملت: "مش كل الناس بتحب اللي بيشوفهم على حقيقتهم."
وساد صمت بعد تلك الجملة. بدأت الغيرة تظهر على وجه ابتهال وحاولت تمالك نفسها والتركيز في ذلك الطبق الذي أمامها. بينما ابتسام لم يعجبها ذلك الحديث. "قصدك إيه؟ " قالتها ابتسام بترقب. "ما قصدش حاجة، قصدي إني طبيعة عملي كدكتورة بتخليني أحلل كل الشخصيات اللي حواليا من حركة إيديهم من نظرات عينيهم." "وياترى بقى عرفتي تحللينا؟ "أنا مش جايه هنا عشان أحللكم، أنا جايه أتعرف على أهل خطيبي."
لم تستطع ابتهال تمالك نفسها أو تسيطر على الغيرة التي تنهش قلبها، فقررت الانسحاب بطريقة محاولة منها أن لا يشعر بها أحد. "الحمد لله أنا شبعت، هروح أعمل مكالمة شغل ضروري عن إذنكم." ثم تركتهم ورحلت قبل أن يوقفوها، مما جعل وفاء تتأكد من داخلها أن ابتهال ما زالت تحمل مشاعر قوية تجاه عمران.
انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال. ولكن الغريب الذي استغرب اه جميع الحضور هو رد ابتسام الغير متوقع. انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال. ولكن الغريب الذي استغرب اه جميع الحضور هو رد ابتسام الغير متوقع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!