فاقت ابتهال من شرودها على صوت الموبايل. كانوا أصدقاؤها يرنّون عليها لأنها تأخرت. ردت عليهم ابتهال بسرعة، لتجدها فرصة تخرج بها من ذكرياتها. ـ الو يا منى، أنا طالعة أهو خلاص، وصلت. ـ تمام، بس صاحبة الجيم بتسأل عنك. ـ ليه؟ ـ مش عارفة، هي مستنياكي. ـ طيب، أنا هدخلها الأول وبعدين أطلع أبدأ تمرين. وصلت ابتهال الجيم ودخلت على غرفة صاحبة الجيم وسلمت عليها. ـ اقعدي يا ابتهال، عايزكي في موضوع مهم. ـ اتفضلي.
ـ إنتي عارفة إن كابتن سماح مشيت، صح؟ ـ آه، للأسف. ـ أنا كنت عايزكي تمسكي الجيم بدالها. ـ أنا؟ ـ آه، أنا بشوفك في التمرين، عندك طاقة وحماس كبير أوي من أول يوم جيتي فيه هنا من سنتين. يعني إنتي عارفة التمرين بيمشي إزاي والحركات صح، وكمان بشوفك بتساعدي الناس الجديدة إنها تعمل التمارين صح وبتشجعيهم، فبصراحة مش هلاقّي أحسن منك. ـ بس يا كابتن، أنا بشتغل.
ـ وأنا مش هعطلك، أنا عايزياكي أربعة أيام في الأسبوع من الساعة ٧ للساعة ٩. ها، قولتي إيه؟ وهتاخدي مرتب حلو. وأعتقد ده مش هيأثر على شغلك، لأن منهم يوم الجمعة والسبت، ودول إنتي إجازة فيهم. سكتت ابتهال تفكر في العرض اللي اتقدم لها، ولقيته فرصة عشان تقعد فترة أطول بره البيت. ـ تمام يا كابتن، أنا موافقة. ـ طيب، يلا بقى نطلع نفرحهم.
طلعت ابتهال مع صاحبة الجيم، وعرفت البنات إن ابتهال هي اللي هتكمل معاهم. وهما فرحوا أوي بيها وهنوها، وبدأت في تدريبهم، وبعدها خلصت ووصلت البيت. دخلت البيت لقت مامتها وفردوس قاعدين بيتفرجوا على التلفزيون. تجاهلتهم ودخلت المطبخ، لقت مامتها عاملة سمك. دخلت أوضتها وطلبت أكل دليفري. بعد فترة بسيطة وصل الأكل، وخرجت ابتهال وحاسبت الدليفري وأخدت الأكل منه. وهي في طريقها لأوضتها، وقفتها أمها.
ـ هو كل الأكل اللي جوه ده مش مكفيكي ورايحة تطلبي دليفري؟ ده بدل ما تحطي فلوس الأكل اللي بتحبيه من بره ده في البيت. ـ أولاً، إنتي معاشك على معاش بابا كبير ومش محتاجة أساعدك. ـ ثانياً، إنتي عاملة سمك تونة وأنا مابكلوش. ـ ليه يا صغننة، مش هتبطلي دلع؟ ـ لأ، عندي حساسية منه وإنتي عارفة كده، ومش مشكلتي إنك بتنسيه. ـ بس أختك بتحبه. ـ طيب، المفروض أعمل إيه؟ آكله وأنتحر عشان أبسطك؟
ـ إنتي ماتعرفيش تتكلمي عدل، غورى في داهية من قدامي، سديتي نفسي. تنهدت ابتهال بملل وسابتها ودخلت أوضتها، وهي بتعد الأيام اللي هيعرفوا فيها سبب طلاق أختها إيه. خلصت أكل وخرجت تقعد معاهم عشان تتأكد إذا كانت أختها شافت البوستات بتاعت جوزها ولا لأ. خرجت ابتهال الصالة وراحت قعدت معاهم، وبدأت في الكلام بشكل عام. ـ إيه يا فردوس، مرتاحة في القاعدة هنا؟
ـ أه طبعاً، ماما حبيبتي مريحاني ومش مخليني أعمل حاجة، حتى الولاد هي بتقعد معاهم. ـ لما القاعدة هنا حلوة كده، ماطلقتيش ليه من زمان؟ اتكلمت أمها بعصبية. ـ إنتي جاية تقعدي معاها تعصبيها؟ روحي أوضتك. ـ أنا أاقعد مكان ما أحب، شقتي. ـ مش بتاعتك لوحدك، أختك ليها فيها. ـ أدي بالظبط. ـ طيب إيه رأيك بقى إني هكتبلها نصيبي وهيبقى نصيبها أكبر، يعني لو حبت تتصرف فيها تقدر تتصرف فيها بدون ما ترجعلك، وفلوسك تبقى ترميهالك في المحكمة.
ابتهال من داخلها كانت عارفة إن أكيد في يوم من الأيام هيحصل معاها كده، عشان كده قررت إنها تشتري شقة أول ما أخدت نصيبها من ورث باباها، وبقت تضغط نفسها بأقساط عشان تضمن إنها تلاقي مكان في المستقبل. ـ وإنتي فاكرة كده إنك هتضايقيني؟ طيب اتكلمي في حاجة عدلة. إنتي أصلك ماشوفتنيش شقتي عاملة إزاي دي جنبها ولا حاجة. وغير كده، ياترى بنتك هتجيلها الفلوس اللي هتشترى نصيبي بيها منين؟ ـ أنا هساعدها.
ـ طيب، لما تبقي تجمعى بقى تمن نصيبي، أبقى هاتيه وأنا أمشي. ومن هنا لحد ما ده يحصل، اقعد مكان ما أحب وأقول اللي أنا عايزاه. وبعدين يا فردوس، محدش بيسمع صوتك ليه؟ إنتي مش بتعرفي تتكلمي؟ ـ وأنا أتعب نفسي وأتكلم ليه؟ طالما ماما بتتكلم بالنيابة عني. ضحكت ابتهال بسخرية وتريقة على أختها. ـ إلا صحيح يا فردوس، جوزك، قصدي طليقك، ماتصلش بيكي ولا منفضلك؟ أصل شفت كده على الفيس منزل كام بوست رومانسي وإنه في علاقة.
شحب وجه فردوس ومسكت التليفون وبدأت تشوف البوستات، وحست بغيرة. ليه جوزها عمل معاها كده؟ ليه حب غيرها أكتر منها؟ بصت لأمها بدموع، وأخدتها أمها في حضنها وطبطبت عليها. في الجهة الأخرى كانت ابتهال قاعدة بتكلم نفسها. جربي الوجع لما تحسي إن اللي بتحبيهم مش بيحبوكي وبيفضلوا غيرك عليكي. زمان مكنش فيه حضن بيطبطب عليا، على الأقل إنتي أمك معاكي بتطبطب عليكي.
كانت ابتهال بتبصلهم ومن جواها مش عارفة تفرح لإنها السبب في ده، ولا تزعل على حالها إن محدش حس بيها، إنها مجربتش حضن الأهل ولا الاحتواء ده. سابتهم ابتهال وقامت عشان محدش يشوف في عينيها نظرة الضعف أو الحنين، ولا الدمعة اللي خانتها وظهرت في جفنها. أثناء مرورها من قدامهم، تمتمت والدتها بصوت مسموع. ـ هديتي كده، منك لله. تجاهلتها ابتهال ومردتش عليها. أهم حاجة دلوقتي إنها متظهرش ضعفها ولا تشمتهم فيها.
مرت الأيام واتصالات ابتهال قلت بياسين، وبدأ ياسين يبعت رسايل لابتهال يسهالها عن بعدها عنه. وكان جوابها دايما إنها انشغلت في شغل جديد، بالإضافة إنها على وشك الترقية في شغلها، وهي من ساعة ما نقلت في الفرع ده وهي بتحاول تثبت نفسها بكل الوسائل.
مرت الأيام وعدى شهر، كانت بتتفادى ابتهال إنها تقعد مع أختها أو أمها، بتضيع وقتها في الشغل والخروج مع أصدقائها. وبعد مرور شهرين، وبعد إلحاح كبير من ياسين، قررت تقابله. هي بدأت تحس إنها ورطت نفسها معاه، لأنها مابتحبوش، بس ده الشيء الوحيد اللي هيوجعهم، عشان كده مستحملاه. في أحد الكافتريات، قابلت ابتهال ياسين بابتسامة مزيفة. ـ إزيك يا ياسين، عامل إيه؟ ـ أنا كويس الحمد لله، بس حاسس إنك بتهربي مني.
ـ مش بهرب منك ولا حاجة، بس أنا دلوقتي مركزة في شغلي والجيم، عشان كده بعدت شوية، وبعدين هانت خلاص. ـ طيب، أنا عايز أتأكد إنك لسه عند وعدك. ـ حاضر، بكرة هكلم عمي وأخليه يقابله. ـ متأكدة؟ ـ متأكدة إني هكلمه وأظبط معاه الموضوع. مش سهل. ـ ماشي يا ابتهال، وأنا معاكي للآخر، بس افتكري إني عملتلك كل اللي إنتي عايزاه. ـ فاكرة، ماتقلقش.
انتهت ابتهال من مقابلتها معاه وروحت البيت، لقت مامتها وفردوس بيضحكوا وبييهزروا على غير العادة. ـ السلام عليكم. ـ وعليكم السلام، كويس إنك جيتي بدري. ـ خير؟ ـ عمك عازمنا كلنا بكرة، ومأكد إنك لازم تيجي معانا. ـ طيب، أنا كده كده كنت هروحه بكرة، كنت عايزه في موضوع مهم. ـ موضوع إيه؟ ـ بكرة لما نروح هتعرفي. ـ إيه يا بايرة، جايلك عريس ولا إيه وخايفة تقولي لنحسدك؟
ـ بايرة، هه، أنا بايرة، طيب مش أحسن لما أجلك وأنا جارة خبثي معايا. ـ إنتي إيه، ماتعرفيش تسمعي من غير ما تردي؟ الغيرة دايماً وكلاكي كده من أختك. ـ وياترى بقى هغير منها ليه وعلى إيه؟ ها، تقدري تقوليلي إيه بنتك متفوقة عليا فيه أو أحسن مني فيه؟ أنا بشتغل بدل الشغل اتنين، عندي شقة وعربية ورصيد في البنك، ليه صحاب، عندي كل حاجة، هغير منها ليه؟
ـ عشان عندك عقدة نقص، لأننا بنحبها أكتر منك وإنتي مش قادرة تنسي ده، إننا بنفضلها عليكي. غصب عنها الدموع كانت هتخرج. تصنعت ابتهال الضحك الشديد عشان أمها وأختها يفتكروا دي دموع من كتر الضحك. ـ طيب قولي حاجة عدلة، أغير منها. أغير من حبكم ده لو كان نفعها، إنما أغير من فاشلة ليه؟
وسبتهم ودخلت الحمام وقفلت على نفسها وفضلت تعيط. مهما كانت فاكرة إنها تخطت الماضي، إلا إنها كل مرة بتتاكد إنها لسه مخرجتش منه، مع أول مواجهة بيبان الضعف. ياترى رد فعلهم إيه لما يعرفوا بكرة؟ ياترى عمها عايزهم ليه ضروري؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!