الفصل 13 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
20
كلمة
3,061
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

ظلوا جالسين خارج غرفة الطوارئ، والقلق ينهش قلوبهم. كل دقيقة تمر كأنها دهر. كانت أنفاس ابتسام متسارعة، وعيناها معلقتان بباب الغرفة المغلق. وكان عمران يتحرك ذهابًا وإيابًا كأن الأرض تضيق به. وبعد فترة، فُتح الباب فجأة. خرج الطبيب بخطوات هادئة. اندفع إليه عمران وابتسام بسرعة. ـ خير يا دكتور طمنا، ابتهال عاملة إيه؟

ـ للأسف المريضة واضح إن عندها انهيار عصبي حاد. ده اللي سبب لها السخونة ووصلها للحالة اللي هي فيها. إحنا اديناها خافض للحرارة ومهدي وهتقعد معانا يومين عشان نطمن عليها. ـ طيب ينفع ندخل نطمن عليها؟ ـ ننقلها غرفة عادية الأول وبعد كده تقدروا تشوفوها. عن إذنكم. تركهم ورحل. وذهبت ابتسام لتجلس على أقرب كرسي لها وتفكر. ماذا لو لم تذهب اليوم لوفاء ولم تتحدث معها بخصوص ابتهال؟ هل كانت ستظل ابتهال بمفردها إلى أن...

في تلك اللحظة شعرت بفداحة ما فعلته في السنين الفائتة. بينما عمران ظل واقفًا مكانه لم يتحرك، وعيناه معلقتان على غرفة ابتهال. ويتساءل: ما الذي حدث ليجعل ابتهال تصل لتلك المرحلة؟ هل ضغط عليها بشكل مبالغ؟ ولكن مهما حدث، لم يتركها مرة أخرى. نظر لابتسام ووجدها لأول مرة تبكي على ابتهال. اقترب منها بتوجس: أن تكون هي السبب فيما وصلت إليه ابتهال، أو حدث شيء بسببها أوصلها لتلك المرحلة.

ـ هو في حاجة حصلت أو حد قالها حاجة وصلها للمرحلة دي؟ ـ خالص، أنا كنت في مشوار، روحت البيت لقيت عربيتها موجودة ودي أول مرة تحصل. سألت فردوس قالت لي ابتهال مخرجتش من أوضتها. دخلت أطمن عليها لقيتها بالوضع ده. ـ يعني هي من الصبح أو يمكن من امبارح سخنة وتعبانة ومحدش فكر يدخل يطمن عليها؟ افتكروا يطمنوا عليها لما عدى يوم ومظهرتش. بدأ الانفعال يظهر على وجهه. ـ يعني كان ممكن تموت من غير ما حد يعبرها...

تفتكري لو كانت فردوس اللي مكانها واتأخرت شوية في النوم كنت سبتيها؟ أكيد لأ، كان زمانك مكلمة العيلة كلها ومعرفاهم إن فردوس... لكن دي ابتهال مش مهم تتعب تموت عادي... صح؟ لم تستطع ابتسام الرد عليه، وإنما ازداد بكاؤها. فهو محق في حديثه. لم تستطع ابتسام الرد، وإنما ازداد بكاؤها. صوتها المكتوم يخرج كالأنين، وعيناها لا تجرؤان على النظر إليه.

ظل عمران واقفًا، يراقبها للحظات، ثم زفر بقوة وكأن الحديث استنزفه. رفع يده إلى وجهه ومسح عينيه، ثم جلس على الكرسي المقابل لها. قال بصوت مبحوح: ـ أنا مش بقول الكلام ده عشان أوجعك... بس لأن ابتهال خلاص... ما عادش فيها طاقة تستحمل أكتر. سكت لحظة، ثم أكمل: ـ كانت دايمًا بتبان قوية... بس الحقيقة إنها كانت بتتحمل لوحدها. وإحنا كلنا... كنا بنسيبها تغرق. اجتمعت الدموع في عينه ولكنه أكمل: ـ وأنا كمان سبتها تغرق لوحدها...

رغم إني عارف وضعها. رفعت ابتسام عينيها أخيرًا، ونظرت له بتعب: ـ عمران... أنا كنت فاكرة إني بحمي فردوس... بس واضح إني كنت بموت ابتهال بالبطيء. نظر إليها مطولًا، ثم قال بهدوء: ـ ابتهال جوه لو تقدري تعملي حاجة اعمليها. روحي لها... بس مش كأم... كإنسانة عايزة تسند اللي وقعت بجد. في تلك اللحظة، خرج أحد الممرضين ونظر إليهما: ـ المريضة انتقلت غرفتها. ممكن تشوفوها دلوقتي.

توجه عمران وابتسام لغرفة ابتهال، وظلوا جالسين صامتين منتظرين ابتهال أن تستيقظ. بعد مرور عدة ساعات، بدأت ابتهال تستيقظ ولكنها تشعر بوجع بكامل جسدها ورأسها. اقترب منها عمران وابتسام مسرعين حتى يطمئنوا عليها. ـ ابتهال انتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟ نظرت ابتهال لعمران بضعف. ـ أنا دماغي وجعاني أوي وجسمي مكسر. ـ استنى هنادي الدكتور يشوفك. ذهب عمران مسرعًا ليجلب الطبيب. وبعدها ذهب الدكتور معه ليكشف عليها ويطمئن على الحالة.

كانت ابتسام واقفة بجانبها، كانت تبكي ولا تعلم ماذا تفعل. اقتربت منها وأمسكت كفها برفق. مما جذب انتباه ابتهال لها. نظرت لها ابتهال بتعجب من وضعها وضيقت ما بين حاجبيها. ـ هو في إيه؟ الدكتور قالكم إني هموت ولا إيه؟ ـ لأ بعد الشر عنك... أنا بس كنت قلقانة عليكي. سحبت ابتهال يدها من يد ابتسام ثم نظرت تجاه الباب منتظرة عودة عمران.

دخل عمران وخلفه الطبيب واطمأن على وضع ابتهال وأعطاها بعض المسكنات من خلال المحلول المعلق بيدها. ـ ما تقلقيش الوجع اللي في راسك ده من السخونة. إحنا اديناكي محاليل وكل حاجة هتبقى تمام وبكرة آخر اليوم تقدري تخرجي بس تلتزمي بالأدوية. أومأت ابتهال رأسها بنعم. خرج الطبيب وجلس عمران بجانبها. ـ كده تقلقينا عليكي، إحنا كنا هنموت من الخضة. ـ أنا كويسة الحمد لله، هما شوية سخونية بس. ـ انتي مستهينة ليه بالتعب؟

ليه ما كلمتنيش أجي أوديكي للدكتور؟ ليه ماكلمتيش مامتك ولا أختك حتى؟ ـ الموضوع مش مستاهل يا عمران، انت مكبر الموضوع... المهم لما المحلول يخلص أنا هروح مش هستنى لبكرة. ـ لا هنستنى وأنا هبات معاكي كمان. تحدثت ابتسام بقلق: ـ ابتهال مش هيحصل حاجة لو استنينا النهاردة كمان وأنا هبات معاكي. ـ الموضوع مش مستاهل، أنا عايزة أمشي.

ـ اسمعي الكلام، أنا هبات معاكي وهطلب عربية لمامتك تروح وتيجي بكرة على الأقل تجيب لك لبس عشان تروحي بيه. نظرت ابتهال لملابسها ووجدت نفسها ترتدي زي المشفى. ـ أنا هدومي فين؟ ـ مافيش غير بيجامة البيت اللي كنتي لابساها وعمران شالك وجابك بيها. نظرت له بخجل ولم تعلق. ـ بقولك إيه يا ابتهال أنا جعان وما أكلتش حاجة من الصبح وانتي أكيد جعانة. هنزل أجيب لنا حاجة ناكلها وأطلب لمامتك العربية توصلها. ـ لا أنا هبات معاها.

ـ ماينفعش، لازم تروحي على الأقل تجهزي لها غدا وتجيبي لبس. ـ هكلم فردوس تعمل هي. ظل عمران يلح عليها أن تذهب حتى يستطيع أن يجلس معها بمفرده ويحاول أن يقترب منها مرة أخرى. بعد فترة تحت ضغط عمران ولا مبالاة ابتهال، ذهبت ابتسام للمنزل. وذهب عمران وجلب بعض الطعام المشوي حتى لا يؤثر على ابتهال. دخل غرفة ابتهال، كانت تجلس تنظر للفراغ. دخل إليها عمران وجلس أمامها وجلب الطاولة ووضعها أمامها ووضع أمامها الطعام.

ـ يلا بقى عشان ناكل لأني فعلاً هموت من الجوع. ـ هو موبايلي فين؟ ـ بصي أنا بقول إيه وانتي بتقولي إيه، موبايلك في البيت ماتقلقيش هكلم مامتك تجيبه. ـ تمام وكلم الدكتور عشان يكتب لي إجازة عشان الشغل. ـ حاضر ماتقلقيش هنعمل كل اللي إنتي عايزاه. ـ هو مين كلمك؟ ـ مامتك كانت بتكلمني وكانت منهارة من العياط، أنا أول مرة أشوفها بالوضع ده. ـ يمكن افتكرتني مت. ـ بعد الشر عنك، على فكرة هي بتحبك بس مش عارفة تعبر. ـ انت مش فاهم حاجة.

ـ طيب فهميني. ـ مالوش لازوم، يلا ناكل. ـ طيب أنا هأكلك. ـ نعم؟؟ ـ إنتي تعبانة وأنا لازم أساعدك آمال أنا قاعد معاكي ليه؟ ـ أنا عندي برد يا عمران إيدي ما اتكسرتش. 😏😏 ـ مش مهم المهم إنك تعبانة في المستشفى وأنا لازم أساعدك. ـ بقولك إيه أنا شبعت قوم. ـ خلاص خلاص هساعدك بس ماشي. جلس عمران، ظل يناكش ابتهال حتى يجعلها تضحك على مزاحه. بعد ما انتهوا من الطعام، شعرت ابتهال بثقل في رأسها من تلك الأدوية. وضعت يدها على

جبهتها وقالت بصوت خافت: ـ حاسة دماغي تقيلة أوي... اقترب منها عمران بسرعة، وقال بقلق: ـ تعبانة؟ تحبي أنادي الدكتور؟ هزت رأسها نفيًا: ـ لأ، أنا بس محتاجة أنام شوية... الأدوية دي بتخدرني. غطاها عمران بالبطانية برفق، وقال بصوت منخفض: ـ طيب نامي وأنا هفضل قاعد هنا، لو احتجتي أي حاجة ناديني. نظرت له بعين نصف مغلقة، وهمست: ـ إنت لسه زي ما إنت… كلامك كتير… ابتسم وقال بهدوء: ـ بس المرة دي... كلامي له معنى.

سكنت الغرفة بصمتٍ دافئ، وجلست ابتهال تغلق عينيها ببطء، بينما جلس عمران يراقبها، يتأمل ملامحها وهي تغفو كأنها طفلة منهكة… همس لنفسه: "أهو أول خطوة… ولسه الطريق طويل، بس أنا مش هسيبك تاني، ابتهال." مر الليل وكان عمران يجلس أمامها يراقبها إلى أن غفى هو الآخر. ولم يستيقظوا إلا في اليوم الثاني، على صوت والدتها. ـ ها عاملة إيه النهارده؟ ـ الحمد لله، أنا جبت لك لبس أهو وصحيت بدري جهزت لك غدا خفيف.

ـ أنا شبعانة والمستشفى بتجهز وجبات. ـ لا ده أكل بيتي نضيف وبعدين ولا يهمك كلي ده وده. ـ مامتك عندها حق يا ابتهال تفطري الأكل ده يغذيكي ووقت الغدا كلي الوجبة. ـ طيب جبتي التليفون بتاعي؟ ـ آه عمران كلمني وقالي إنك عايزة التليفون شحنته وجبتهولك أهو.

فتحت ابتهال الهاتف وجدت عدد كبير من الرسائل من زملائها يطمئنون عليها. وبعدها وجدت الهاتف يرن. قامت بالإجابة عليهم في العمل وأخبرتهم بوضعها وأخبروها أنهم سيمرون عليها بعد العمل حتى يطمئنوا عليها. وبالفعل مر باقي اليوم في محاولة من عمران وابتسام أن يقتربوا من ابتهال، ولكنها تتعامل معهم ببرود تام، فهي على علم بنية والدتها، ولكن وقت المواجهة ليس الآن ولا في ذلك المكان.

أتى زملاؤها في العمل واطمأنوا عليها وجابوا معهم بعض الفاكهة والحلوى. تحت شعور الغيرة من عمران بوجود بعض الزملاء من الرجال. ظلوا يتحدثون معها واستطاعوا إخراجها من تلك الحالة التي كانت مسيطرة عليها. وبعدها انصرفوا وأخذوا معهم ورقة الإجازة وأخبروها أن تهتم بنفسها وهم سيتولوا عملها في تلك الفترة. بعد انصرافهم أتى الطبيب وكتب لها خروج وهمس لعمران بضرورة عرضها على طبيب نفسي.

وصلوا المنزل وقررت ابتهال أن تستريح في غرفتها، لكن ابتسام طلبت منها أن تتحدث معها في موضوع ما. حاول عمران أن يؤجل تلك المواجهة إلى أن يسأل وفاء عن وضع ابتهال، إلا أن ابتسام كانت متسرعة. أرادت أن تخبر ابنتها أن تعطيها فرصة لتتقرب منها، ظنًا منها أنها بتلك الطريقة تساعدها على الشفاء. لم تعلم أن بذلك جعلت ابتهال تتأكد من ظنونها. ـ ابتهال… أنا عايزة أتكلم معاكي شوية، لو تسمحي.

قالت ابتسام ذلك بنبرة خافتة، تحاول أن تبدو حنونة، لكن فيها شيء من الإلحاح الذي تعرفه ابتهال جيدًا. نظرت إليها ابتهال بهدوء، ثم قالت: ـ أنا مرهقة، وكنت داخلة أستريح. تدخل عمران بسرعة: ـ ممكن نأجل الكلام شوية يا طنط؟ خليها ترتاح، ونتكلم وقت أهدى. لكن ابتسام تجاهلت حديثه، واقتربت أكثر من ابنتها.

ـ مش هاخد من وقتك كتير. بصي أنا عارفة إني غلطت زمان وكنت قاسية عليكي، عايزة تديني فرصة أصلح الماضي ونخلي العلاقة كويسة بينك انتي وأختك. ابتسمت ابتهال وازدادت ابتسامتها تدريجيًا إلى أن تحولت لضحك هستيري. ـ طيب كنتي استنيتي لما تتأكدي إني بقيت كويسة. بس تمام طالما فتحتي الكلام يبقى نكمله. تحدث عمران بقلق من هيئة ابتهال: ـ أهدي يا ابتهال واجلي أي كلام دلوقتي. ـ ابعد عني انت فاهم، مين انت عشان تقولي أهدي وماهدش؟

كنت فين انت... أنت فاكر إني صدقتك بعد الكلمتين اللي جيت تقولهملي؟ أبوكي مانعني ومعرفش إيه. أنت عارف أبويا ميت من امتى؟ كنت فين انت بعدها ها؟ كنت عايش حياتك مفكرتش تسيب لي رسالة حتى مع عمي.... أنت فاكر إن كلامك ده دخل دماغي. سكت عمران، وتراجع خطوة للخلف. كان كأنها صفعت روحه، مش بس كلامه. نظرت إليه ابتهال وعيناها ممتلئتان بالغضب والحزن والخذلان: ـ أنت عارف أنا كنت محتاجاك إمتى؟

مش دلوقتي… مش بعد ما وقعت وبقيت على الأرض! أنا كنت محتاجاك من سنين... لما كنت ببكي لوحدي، لما كنت بكره نفسي وأنا شايفة أمي مش شايفاني، وأنت… ولا على بالك! اقتربت منه خطوة، وصوتها ارتجف: ـ جربت مرة تبعت لي رسالة؟ جربت تطمن؟ كنت بتنام مرتاح وأنت عارف إنك سبتني في وسطهم أتحرق؟! حاول عمران يتكلم، لكن ابتسام قالت بصوت باكي: ـ كفاية يا ابتهال… حرام عليكي، هتتعبى نفسك. نظرت لها ابتهال بنظرة قاسية وقالت:

ـ لا يا ماما، التعب جه منكم، مش مني. طول عمري بحاول أثبت لك إني أستحق، وإنتِ… ولا مرة شفتيني. دلوقتي فجأة عايزة تبقي أمي وتصلحي علاقتي بأختي! فينك من عشرين سنة؟ اقتربت ابتهال أكثر من والدتها، وعيونها تلمع من شدة القهر: ـ كنتي فين لما حرمتيني أدخل الكلية اللي كنت بحلم بيها؟ كنتي بتقولي "مش هتنفعي، دي مش ليكي"... وسمعت الكلام غصب عني… وضيعت حلمي عشان إنتي شايفة إن أختي نفسيتها هتتعب ... وقبل ما ترد، أكملت بصوت أعلى:

ـ وكنتي فين لما كنت بموت من الوجع وعمتي وعمي هما اللي بيشيلوني ويجروا بيا على المستشفيات؟ كنتي حتى بتعرفي إني تعبانة؟ ولا كنتي شايفة إن وجع فردوس أكتر أهمية من وجعي؟! سكتت لحظة، ثم ابتسمت بسخرية: ـ حتى يوم تخرجي… كنت واقفة بتتصوري مع فردوس… وأنا لوحدي… الصور كلها فيها هي، وأنا… ولا واحدة. رغم إن ده يوم تخرجي أنا مش هي. في هذه اللحظة، لم تستطع فردوس التحمل، وتقدمت خطوة وقالت بصوت مهزوز:

ـ ابتهال… كفاية… في إيه ماما عايزة تصالحك. التفتت إليها ابتهال بسرعة، وصرخت: ـ تصالحني؟ ده إنتي طول عمرك واخدة كل حاجة… حتى الحنية… حتى الحضن اللي عمري ما عرفته، كنتوا شايفيني إيه؟ ضيفة؟ بنت درجة تانية؟! تدخل عمران بخوف وهو يرى انهيارها يتصاعد: ـ ابتهال كفاية، هتتعبى نفسك… بلاش كده. صرخت من بين دموعها:

ـ لأ يا عمران… لازم أتكلم… أنا اللي ساكتة بقالي سنين، أنا اللي كنت بضحك في وشهم، وقلبي بينزف، كنت بقول "أنا قوية"، بس الحقيقة إني كنت بتكسر كل يوم بصمت! ثم نظرت لوالدتها وقالت بمرارة: ـ عايزة نتصالح؟ تحبي أقولك إنتي ليه دلوقتي عايزانا نتصالح؟ ثم نظرت لعمران بقهر: ـ تحب تعرف هي ليه دلوقتي عايزة تصالحني وعاملة قلبها عليا؟ هي عايزة تعمل كده عشان… تفتكروا في سبب تاني يخلي ابتسام عايزة تصالح ابتهال؟ وابتهال عارفاه؟

مر الليل وكان عمران يجلس أمامها يراقبها إلى أن غفى هو الآخر. ولم يستيقظوا إلا في اليوم الثاني، على صوت والدتها. ـ ها عاملة إيه النهارده؟ ـ الحمد لله، أنا جبت لك لبس أهو وصحيت بدري جهزت لك غدا خفيف. ـ أنا شبعانة والمستشفى بتجهز وجبات. ـ لا ده أكل بيتي نضيف وبعدين ولا يهمك كلي ده وده. ـ مامتك عندها حق يا ابتهال تفطري الأكل ده يغذيكي ووقت الغدا كلي الوجبة. ـ طيب جبتي التليفون بتاعي؟

ـ آه عمران كلمني وقالي إنك عايزة التليفون شحنته وجبتهولك أهو. فتحت ابتهال الهاتف وجدت عدد كبير من الرسائل من زملائها يطمئنون عليها. وبعدها وجدت الهاتف يرن. قامت بالإجابة عليهم في العمل وأخبرتهم بوضعها وأخبروها أنهم سيمرون عليها بعد العمل حتى يطمئنوا عليها.

وبالفعل مر باقي اليوم في محاولة من عمران وابتسام أن يقتربوا من ابتهال، ولكنها تتعامل معهم ببرود تام، فهي على علم بنية والدتها، ولكن وقت المواجهة ليس الآن ولا في ذلك المكان.

أتى زملاؤها في العمل واطمأنوا عليها وجابوا معهم بعض الفاكهة والحلوى. تحت شعور الغيرة من عمران بوجود بعض الزملاء من الرجال. ظلوا يتحدثون معها واستطاعوا إخراجها من تلك الحالة التي كانت مسيطرة عليها. وبعدها انصرفوا وأخذوا معهم ورقة الإجازة وأخبروها أن تهتم بنفسها وهم سيتولوا عملها في تلك الفترة. بعد انصرافهم أتى الطبيب وكتب لها خروج وهمس لعمران بضرورة عرضها على طبيب نفسي.

وصلوا المنزل وقررت ابتهال أن تستريح في غرفتها، لكن ابتسام طلبت منها أن تتحدث معها في موضوع ما. حاول عمران أن يؤجل تلك المواجهة إلى أن يسأل وفاء عن وضع ابتهال، إلا أن ابتسام كانت متسرعة. أرادت أن تخبر ابنتها أن تعطيها فرصة لتتقرب منها، ظنًا منها أنها بتلك الطريقة تساعدها على الشفاء. لم تعلم أن بذلك جعلت ابتهال تتأكد من ظنونها. ـ ابتهال… أنا عايزة أتكلم معاكي شوية، لو تسمحي.

قالت ابتسام ذلك بنبرة خافتة، تحاول أن تبدو حنونة، لكن فيها شيء من الإلحاح الذي تعرفه ابتهال جيدًا. نظرت إليها ابتهال بهدوء، ثم قالت: ـ أنا مرهقة، وكنت داخلة أستريح. تدخل عمران بسرعة: ـ ممكن نأجل الكلام شوية يا طنط؟ خليها ترتاح، ونتكلم وقت أهدى. لكن ابتسام تجاهلت حديثه، واقتربت أكثر من ابنتها.

ـ مش هاخد من وقتك كتير. بصي أنا عارفة إني غلطت زمان وكنت قاسية عليكي، عايزة تديني فرصة أصلح الماضي ونخلي العلاقة كويسة بينك انتي وأختك. ابتسمت ابتهال وازدادت ابتسامتها تدريجيًا إلى أن تحولت لضحك هستيري. ـ طيب كنتي استنيتي لما تتأكدي إني بقيت كويسة. بس تمام طالما فتحتي الكلام يبقى نكمله. تحدث عمران بقلق من هيئة ابتهال: ـ أهدي يا ابتهال واجلي أي كلام دلوقتي. ـ ابعد عني انت فاهم، مين انت عشان تقولي أهدي وماهدش؟

كنت فين انت... أنت فاكر إني صدقتك بعد الكلمتين اللي جيت تقولهملي؟ أبوكي مانعني ومعرفش إيه. أنت عارف أبويا ميت من امتى؟ كنت فين انت بعدها ها؟ كنت عايش حياتك مفكرتش تسيب لي رسالة حتى مع عمي .... أنت فاكر إن كلامك ده دخل دماغي. سكت عمران، وتراجع خطوة للخلف. كان كأنها صفعت روحه، مش بس كلامه. نظرت إليه ابتهال وعيناها ممتلئتان بالغضب والحزن والخذلان: ـ أنت عارف أنا كنت محتاجاك إمتى؟

مش دلوقتي… مش بعد ما وقعت وبقيت على الأرض! أنا كنت محتاجاك من سنين... لما كنت ببكي لوحدي، لما كنت بكره نفسي وأنا شايفة أمي مش شايفاني، وأنت… ولا على بالك! اقتربت منه خطوة، وصوتها ارتجف: ـ جربت مرة تبعت لي رسالة؟ جربت تطمن؟ كنت بتنام مرتاح وأنت عارف إنك سبتني في وسطهم أتحرق؟! حاول عمران يتكلم، لكن ابتسام قالت بصوت باكي: ـ كفاية يا ابتهال… حرام عليكي، هتتعبى نفسك. نظرت لها ابتهال بنظرة قاسية وقالت:

ـ لا يا ماما، التعب جه منكم، مش مني. طول عمري بحاول أثبت لك إني أستحق، وإنتِ… ولا مرة شفتيني. دلوقتي فجأة عايزة تبقي أمي وتصلحي علاقتي بأختي! اقتربت ابتهال أكثر من والدتها، وعيونها تلمع من شدة القهر: ـ كنتي فين لما حرمتيني أدخل الكلية اللي كنت بحلم بيها؟ كنتي بتقولي "مش هتنفعي، دي مش ليكي"... وسمعت الكلام غصب عني… وضيعت حلمي عشان إنتي شايفة إن أختي نفسيتها هتتعب ... وقبل ما ترد، أكملت بصوت أعلى:

ـ وكنتي فين لما كنت بموت من الوجع وعمتي وعمي هما اللي بيشيلوني ويجروا بيا على المستشفيات؟ كنتي حتى بتعرفي إني تعبانة؟ ولا كنتي شايفة إن وجع فردوس أكتر أهمية من وجعي؟! سكتت لحظة، ثم ابتسمت بسخرية: ـ حتى يوم تخرجي… كنت واقفة بتتصوري مع فردوس… وأنا لوحدي… الصور كلها فيها هي، وأنا… ولا واحدة. رغم إن ده يوم تخرجي أنا مش هي. في هذه اللحظة، لم تستطع فردوس التحمل، وتقدمت خطوة وقالت بصوت مهزوز:

ـ ابتهال… كفاية… في إيه ماما عايزة تصالحك. التفتت إليها ابتهال بسرعة، وصرخت: ـ تصالحني؟ ده إنتي طول عمرك واخدة كل حاجة… حتى الحنية… حتى الحضن اللي عمري ما عرفته، كنتوا شايفيني إيه؟ ضيفة؟ بنت درجة تانية؟! تدخل عمران بخوف وهو يرى انهيارها يتصاعد: ـ ابتهال كفاية، هتتعبى نفسك… بلاش كده. صرخت من بين دموعها:

ـ لأ يا عمران… لازم أتكلم… أنا اللي ساكتة بقالي سنين، أنا اللي كنت بضحك في وشهم، وقلبي بينزف، كنت بقول "أنا قوية"، بس الحقيقة إني كنت بتكسر كل يوم بصمت! ثم نظرت لوالدتها وقالت بمرارة: ـ عايزة نتصالح؟ تحبي أقولك إنتي ليه دلوقتي عايزانا نتصالح؟ ثم نظرت لعمران بقهر: ـ تحب تعرف هي ليه دلوقتي عايزة تصالحني وعاملة قلبها عليا؟ هي عايزة تعمل كده عشان… تفتكروا في سبب تاني يخلي ابتسام عايزة تصالح ابتهال؟ وابتهال عارفاه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...