قامت ابتهال بغلق الهاتف وخلدت للنوم. هي لن تجيب على هاتفها في وقت كهذا، أياً كان المتصل بها. عندما أغلقت الهاتف، وضع عمران هاتفه جانباً. لم يستطع عمران النوم، وظل يفكر: هل حقاً أصبحت ابتهال تحب ياسين؟ أم فعلت هذا بهدف الانتقام منها؟ مشاعر الغيرة تأكله من الداخل والحيرة. هل حقاً ابتهال تغيرت بهذه الطريقة؟ هل ستسمعه وتتقبل دوافعه، أم أن الانتقام أعماها عن أي شيء؟ وماذا لو حقاً أصبحت تحب ياسين؟
عند هذه النقطة، قام من مجلسه وظل يدور في الغرفة، وبعدها خرج للشرفة، لعل الهواء يهدئ ما بداخله. مسك الهاتف مرة أخرى وأعاد الاتصال بابتهال أكثر من مرة، لكن مازال الهاتف مغلقاً. عندما أتى الصباح، ارتدى ملابسه وتوجه لمنزل جبر حتى يأخذ فردوس ويساعدها في الانتهاء من إجراءات المعاش، وبعدها سيأخذها للمحامي حتى تستطيع أن تأخذ حقوق أبنائها.
في منزل جبر، كانت ابتهال تستعد للذهاب لعملها وأوشكت على الانتهاء، فسمعت صوت طرق على الباب. فتحت ابتهال الباب فوجدت عمران أمامها. توقفت قليلاً صامتة، محاولة السيطرة على مشاعرها. لما تشعر بتلك البرودة التي تسري في عروقها؟ برودة مش بس في أطرافها... لا، دي برودة من نوع تاني، برودة في الروح. كأن الدنيا كلها سحبت منها الدفء، وسابتها تواجه كل حاجة لوحدها. بتتمنى من جواها... نفسها يضمها ويخبّيها جواه. نفسها
يحط إيده على راسها ويقول: "أنا جنبك، متخافيش"، زي زمان... زمان لما كان صوت طبطبته بيطمنها أكتر من ألف وعد. عمران... عمران الشخص الوحيد اللي الماضي بيحنّي له. الوحيد اللي لما بتفتكر ضحكته، قلبها بيرقّي. بتتمنى لو الزمن يرجع بس علشانه. مش علشان تعيد أيامها... لكن علشان ترجع تحس بالأمان اللي كان معاها لما كان هو جنبها.
كانت بتشوفه ضهرها، سندها وسط عالم عمره ما شافها غير بنظرة لوم. هو بس اللي شاف فيها طفلة محتاجة حضن، مش مجرمة بتداري جرحها بالتمرد. بس دلوقتي... فينُه؟ فين السند لما القلب وقع؟ فين الطبطبة لما الحيطان كلها وقعت فوق دماغها؟ هو مشي... سابها لوحدها، في لحظة كانت أكتر واحدة محتاجة فيها حد يقولها "أنا معاكي". هي مشتاقة له...
مشتاقة لنظرة فيها حنية. لكلمة "وحشتيني" خارجة من قلبه. لحضن يدفّي البرد اللي ساكن فيها من سنين. بس مش قادرة تقول. ولا قادرة تعاتب. ولا حتى قادرة تبكي... لأن الدموع جفّت من كتر القهر. بينما عمران لم يكن حاله أفضل من حالها. شعور الاشتياق يملئه، ود لو يضمها، لو يطمئنها. يتمنى الآن أن يجلس بجانبها كما كان بالماضي ويسمع أوجاعها وهي تشتكي له ما تعانيه من ظلم. "عايزها تقعد معايا، أكلمها، أطمن عليها." قاطع ذلك
التواصل صوت ابتسام وهي: "جيت في معادك مظبوط يا عمران، تعالى افطر، تكون فردوس جهزت." "حاضر." دخل عمران وكاد أن يتحدث مع ابتهال، لكنها تركته ودخلت غرفتها. انتهى من الطعام هو وفردوس سريعاً، وكانت ابتهال في غرفتها تنتظر خروجهم حتى تخرج من غرفتها. "مش يلا يا عمران؟ "نستنى طيب يا ابتهال نوصلها في سكتنا." "ابتهال مش هترضى، معاها عربية بتروح وتيجي بيها." صمت عمران، لم يعد لديه حجة. خرج هو وفردوس، وبعدها بقليل خرجت ابتهال.
وأثناء ذهابها للعمل، اتصل بها عمها ليطمئن عليها. "ازيك يا لولو، عاملة إيه؟ "بخير يا عمي الحمد لله." "حد عملك حاجة امبارح؟ "لأ ماحصلش حاجة، أنا دخلت نمت." "طيب ابعتيلي رقم ياسين عشان أتكلم معاه." "حاضر، أول ما أوصل الشغل هبعتلك الرقم على طول." "لو غيرتي رأيك في أي وقت، أنا معاكي يا ابتهال، اعتبريني أبوكي يا حبيبتي. ربنا يعلم إني بعزك وبحبك وغلاوتك في قلبي زي عمران. ماتنسيش إني ربيتك مع عمران." "حبيبي يا عمو، حاضر."
وبالفعل، عندما وصلت ابتهال عملها، أرسلت لعمها رقم ياسين. في السيارة، انتهى عمران من جميع إجراءات الورق الخاصة بفردوس، وكانت فردوس فقط تمضي على الأوراق. كانت الإجراءات بسيطة، كيف لها أن لا تستطيع أن تفعل مثل هذه الأشياء بمفردها. لم يريد أن يعلق، ولكن سيحاول أن يساعدها حتى تستطيع الاعتماد على نفسها.
"بقولك يا فردوس، إحنا كده خلصنا خلاص إجراءات المعاش. باقي إنهم يكلموكي عشان تروحي تاخدي الفيزا اللي تقبضي بيها. هتعرفي تروحي ولا محتاجة أوصلك؟ "لأ هعرف بإذن الله." "طيب حلو أوي، تعالي نشرب حاجة في أي مكان وبعد كده نطلع على المحامي ونشوف هيقولك إيه، ولو اتفقتي ابقي اعمليله توكيل." "حاضر." وبالفعل، ذهبوا لأحد الكافتيريات وجلسوا وطلبوا بعض المشاريب. بدأت فردوس تسأله عن حياته في الخارج وعن خطيبته.
"أنت خلاص يا عمران هتستقر هنا في مصر؟ "آه الحمد لله." "طيب وناوي على إيه؟ "الفترة اللي فاتت دي كلها كنت بأسس مركز طبي زي مستشفى بس صغيرة كده، وكنت بجهزها بأحسن الأجهزة الحديثة." "بس أنت طولت جامد في الغربة." "للأسف غصب عني، كان ورايا قروض وديون لازم أسدها والحمد لله خلصتها. أنا الفتره اللي فاتت كنت بشتغل من نار، مكنتش بنام، ولسه قدامي شوية على ما أفتح المركز ويشتغل." "هيبقى عيادات أسنان بس؟
"لأ، نساء وتوليد وباطنة وقلب وأسنان طبعاً، وعيادات أطفال، وكمان فيه معمل تحاليل. أنا بقالي ٦ سنين ببني فيه." "الحمد لله إنك خلصته." "إيه رأيك تشتغلي فيه؟ "أنا مش دكتورة." "محتاج حد في الاستقبال، وهيكون معاكي واحدة تعلمك الشغل. أنا قدامي شهر وأفتح المركز، ها إيه رأيك؟ "بجد؟ أكيد موافقة طبعاً." "طيب وخطيبتك بقى دكتورة معاك؟ "ماتستعجليش، بكرة هتعرفي كل حاجة. مش يلا بقى نروح للمحامي؟ "لأ خليها بكرة."
"طيب لازمتها إيه، مانخلص كل حاجة في يوم واحد؟ "لأ بجد عندي صداع غريب، معلش خليها بكرة عشان خاطري." "حاضر. يلا بقى أوصلك." وبالفعل، قام عمران بإيصالها للمنزل. وعندما وصلت للمنزل، ظلت تقص على والدتها جميع ما تم مع عمران. "جدعة يا فردوس، طلعتي شاطرة. كده يوم يجر التاني ومشوار يجر مشوار، وواحدة واحدة تقربوا من بعض تاني." "وأنا كمان قبلت الشغل عشان أبقى معاه طول الوقت."
"شاطرة، عايزاكي بقى تركزي في شغلك وتنجحي فيه وتعملي صداقات." "ماتقلقيش، أنا ناوية أستغل الفرصة كويس أوي." في منزل جبر، أخذ الرقم من ابتهال وقام بالاتصال بياسين وطلب أن يقابله، وبالفعل وافق ياسين واتفق معه أن يقابله بعد العمل. بعد انتهاء اليوم، ذهب ياسين ليقابل جبران في إحدى الكافتيريات، ورفض جبران أن يأخذ معه عمران لأنه لم يتوقع رد فعل عمران.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!