وصلت ابتهال المنزل وكانت الابتسامه مرسومه على وجهها، فهي على يقين بأنهم لن يتركوها. صعدت السلالم ببطء وهي تدندن، وعندما وصلت للمنزل فتحت الباب وأغلقته بقدمها. نظرت أمامها وجدت أمها وبجانبها فردوس ونظرات الشر واضحة على وجههم. نظرات فردوس تتحدث عن ما بداخلها، أصبحت نظرات الغيرة ظاهرة في عينيها والسؤال واضح. بينما كانت نظرات ابتسام غل وحقد، ولكن ما جعل الابتسامة تزداد على وجهها نظرات الهزيمة المشتركة بينهم.
ابتدأت فردوس بالحديث: ـ طلعتي حقيرة. دوناً عن رجال العالم كله ملاقتيش غير ياسين. ظلت ابتهال على وضعها، الابتسامة لم تفارق وجهها ونظرات الانتصار تملئ عينيها. ظلت صامته، لم تتحدث، تريد فقط أن ترى انفجار فردوس أمامها لتشعر بلذة الانتصار. ـ يعني طلعتي انتي السبب في طلاقي. اسمعيني ياسين، اشمعنى مانتي طول عمرك بتحبي عمران؟ ليه ماعملتيش خطتك دي عليه؟ اشمعنى ياسين؟ ـ وانتي زعلانه ليه؟ مش كنتي بتشتكي منه ديما؟
اديني شاورتله بس وجالي بيزحف. اتكلمت ابتسام محاوله كسر غرورها، فهي ترى انهيار فردوس أمامها وتخشى أن تمرض مرة أخرى. ـ عارفه يا ابتهال أنا موافقة على جوازك من ياسين، مبروك والله من قلبي بقولك مبروك. تلك الكلمات جعلت الابتسامة تهدأ من وجه ابتهال. فُرضُخُ والدتها بتلك السرعة زرع داخلها شكوك، ونظرة الهزيمة التي تحولت لخبث جعلت القلق يتسرب داخلها. نظرت لهم ببرود وتحدثت بابتسامة مصطنعة:
ـ الله يبارك فيكي، بس موافقة من عدمها مش محتاجاها، وفروها لنفسكم حظ أفضل المرة الجاية. ابتسمت ابتسام ونظرات الهزيمة بدأت تتبدل بنظرات انتصار. ـ قريب يا ابتهال هيكون في مرة تانية، بس العريس التاني حاجة تانية خالص. مبروك عليكي ياسين. ثم نظرت لفردوس: ـ وانتي يا فردوس خشي نامي، الكلام مش هيفيد خلاص. دخل كل واحد منهم غرفته.
في غرفة فردوس كانت تتأكل من الغيرة، ليس حباً في ياسين ولكن لأنه تركها ورحل من أجل أختها التي تتفوق عليها في كل شيء. حتى عندما ظنت أنها تفوقت على ابتهال وارتبطت بياسين اعتقاداً منها أن هناك إعجاب بينهم، لكنها اكتشفت أن الإعجاب من البداية كان من طرف ياسين فقط. وعندما تحدث مع ابتهال قبل التقدم للزواج من فردوس، رفضته ابتهال وأغلقت المجال له في الحديث.
وبعدها أراد أن يجرحها فتزوج من فردوس وأصبح يدللها في وجود ابتهال لعله يجعل ابتهال تشعر بالغيرة، ولكنه دائما كان يجد من طرفها اللامبالاة. فأصبح بعد أول سنة يتعامل مع فردوس ببرود تام، فقط يعطيها من المال ما يكفي. ولم يكتفي بذلك بل صرح لها أنه من البداية كان يريد ابتهال، فهي ناجحة ومحبوبة من الجميع ولها مستقبل عكسها هي. لم تمتلك من المؤهلات ما يجذبه إليها. أخفت فردوس ذلك الأمر عن ابتهال ظناً منها أن ابتهال ستشمت بها.
لكن لما بعد كل تلك السنين ارتبطت ابتهال مرة أخرى بياسين؟ ومنذ متى ارتبطت به؟ فهو معاملته معها سيئة، ولكنه لم يكن يطلب منها الطلاق بشكل صريح والتنازل عن حقوقها. بدأت تأخذها الذكريات لـ ٦ أشهر مضت عندما طلب منها ياسين الطلاق، وذلك متقارب لنفس الموعد الذي أعلن فيه عمران خطوبته. هل من الممكن أن ابتهال مازالت تحب عمران؟ إلى هنا وقفت رأسها عن التفكير، فما علاقة ياسين بعمران؟ فكان من الممكن أن ترتبط بأي شخص آخر.
شعرت بصداع شديد يجتاح رأسها، فقررت التوقف عن التفكير اليوم، فهي تحتاج للنوم والراحة. ولكنها عزمت النية على التأكد من مشاعر ابتهال لعمران حتى ترد لها ما فعلته بها. ******&******&********&********* في الغرفة المجاورة لها كانت تجلس والدتها تنظر من الشرفة وبيدها فنجان قهوة تعيد أحداث اليوم أمامها. كيف لابتهال أن تتغير بذلك الشكل؟ لم تكن هكذا. دائماً ما كانت تتجاهل كل ما يحدث وتصمت وتركز في أهدافها. أخذها التفكير للماضي.
لم يكن حملها هين، فهي ظلت خمس سنوات لم تُنجب، ثم كرمها الله بفردوس وسمتها فردوس لأنها كانت جنتها في الأرض. رفضت أن تنجب بعدها حتى لا يأتي طفل ويشاركها في الدلال. وكان دائماً ما يلح عليها جبر أن تنجب له ولداً، ولكنها كانت تؤجل معه ذلك الموضوع ودائماً ما تتحجج بصغر سن فردوس وأنها تحتاج لرعاية. بعد ما تمت فردوس سنتين بدأ التعب يظهر عليها واكتشف أن ابنتها تعاني من مرض في الكلى وبدأت معها رحلة العلاج.
والدكاترة أخبروها أنها عندما تكبر من المحتمل أن تحتاج لتغيير الكلى. ووقتها قررت أن تنجب طفلاً آخر ليساعد فردوس لأنها لم تتطابق معها. وبالفعل أنجبت ابتهال وكثيراً ما كانت تبتهل لله حتى يشفي فردوس، وعندما أنجبت ابتهال قامت بتسميتها ذلك الاسم. حاولت كثيراً أن تعدل بينهما في التربية، ولكن فردوس كانت مريضة عكس ابتهال. فكانت فردوس تحتاج لعناية أكثر، فابتهال فقط تحتاج لتأكل وتنام.
عندما اشتكت لجبر من عدم استطاعتها لتحمل مسؤولية الطفلين كان دائماً ما يواسيها. وتكرر الحديث أمام أخت جبر التي قررت أن تأخذها، فلم يعجبها وضع ابتهال وإهمال ابتسام لها. ولكن أعطت العذر لابتسام بسبب مرض ابنتها. وبالفعل أخذتها معها لمدة خمس سنوات، وقتها لم تكن مريم (عمت ابتهال) متزوجة. وعندما تزوجت لم تتركها وأخذتها معها، وساعدها على ذلك حب زوجها لابتهال.
ولكن للأسف توفى زوجها وبعدها عادت مرة أخرى للجلوس مع والدتها إلى أن تزوجت. في ذلك الوقت عادت ابتهال للعيش معي مرة أخرى. حاولت كثيراً التقرب منها ولكن كان هناك شيء ناقص، هناك حاجز بعد تلك السنوات جعلت مشاعر الأمومة تقل تجاهها. حاولت كثيراً وتحدث الجميع معي ولكن الأمر لم يكن بيدي. فدائماً فردوس ما كانت تجذب انتباهي بأحاديثها بطلباتها، عكس ابتهال لم تكن تطلب شيئاً.
طلباتها كان أعمامها وجدتها هم من يشتروها لها بسبب جلوسها معهم، كانوا على علم بمقاساتها وبما تحب وبما لا تحب. دائماً كنت أرى في أعينهم نظرات الحب لابتهال أكثر من فردوس. حاولت أن أجعلهم يعاملون الأختين بنفس الطريقة ولكن لم أستطع. فهم يميلون كل الميل لابتهال. وهذا الشيء ما كان يحزن فردوس ولم أنكر أني كنت أشعر بالحزن تجاهها لذلك كنت أحاول تعويضها بأن أعطيها مشاعر أكثر وأكثر.
وعندما أصبحوا في سن المراهقة، دائماً ما كانت ابتهال تفوق فردوس في الدراسة وبناء الأصدقاء. وذلك الشيء جعلني أشعر أكثر بالشفقة على فردوس. رغم كل شيء فردوس أصدقائها قليلون عكس ابتهال. لو ينظر الجميع من عيني سيجدوا أن فردوس دائماً ما تحتاج لحب وشفقة أكثر من ابتهال. حتى عند وفاة والدها أعطى كلاً منهم نصيبه بشكل عادل. ولكن ذلك لم يكن عادلاً، فردوس لم تمتلك من الحياة خبرة ابتهال لتعمل أو تشتري شقة وسيارة.
فكان ذلك ظلم لفردوس، كان يجب عليه أن يؤمن مستقبل فردوس لأنها من الممكن في أي لحظة أن تمرض مرة أخرى. كان من المفترض أن يكتب لها الشقة على الأقل. حتى في زواجها كنت أرغب في زواجها من عمران لأنني كنت أعلم أنه سيصونها، ولكنه رفض وسافر ولم نعلم متى سيعود. وعندما تزوجت ياسين شعرت براحة خاصة عندما كنت أراه يدللها، ولكن لسوء حظها إنه كان يفعل ذلك من أجل ابتهال.
عندما علمت فردوس ذلك شعرت بحزن عميق وكانت تطلب مني أن لا أخبر ابتهال حتى لا تشمت بها. وظلت معه في تلك الحياة البائسة لعله يحبها، فهي لم يكن أمامها خيار آخر غيره. ومرت السنوات بشكل روتيني إلى أن بدأ يلح عليها ياسين في الطلاق. وبدأ يضغط عليها بكافة السبل إلى أن وافقت. وعادت للعيش معنا مرة أخرى بسبب أختها. للأسف حياة فردوس محزنة بسبب ابتهال، ليتني لم أنجبها ولم تكن موجودة، لم يكن حدث كل ما حدث.
فردوس فتاة رقيقة مريضة لا حول لها ولا قوة، عكس ابتهال. ******&******&******&******* في غرفة ابتهال كانت تجلس مسطحة على التخت تنظر لسقف الغرفة تفكر في حديث والدتها معها. هناك خوف يسري في جسدها لم تعلم لما اجتاحها ذلك الشعور الآن. جلست في مكانها وضمت ساقها لصدرها كأنها تحتضن ذاتها، ووضعت رأسها بين ركبتيها محاولة أن تطمئن نفسها. تلك حركة لا شعورية دائماً ما تفعلها عندما تقلق من شيء.
في الماضي عند انتظارها لظهور نتيجتها كانت تفعل ذلك وقت البرق والرعد الشديد، تفعل ذلك فهي دائماً في ذلك المنزل كانت تبقى بمفردها. ازدادت القشعريرة بجسدها عندما تذكرت عمران وحديث والدتها عنه. شعور لا إرادي بالحنين والشوق يجذبها إليه، ولكنها لم تسامحه على غيابه عنها. شعور الوحدة بدأ يتسرب إليها مجدداً، يصاحبه ندم على قرارها بارتباطها بياسين، ولكن قد فات وقت الندم.
نظرات عمران وفردوس وابتسام كفيلة بأن تجعلها تقذف نفسها في النار وليس الزواج من ياسين. بعد فترة وجدت الهاتف يرن برقم غريب. نظرت للساعة وجدتها الثالثة صباحاً. وضعت الهاتف على وضع الصامت، ولكن وجدته يرن مرة أخرى. لم تجيب عليه، وبعدها وجدت رسالة. ـ ياترى مين بيتصل بيها في الوقت ده؟ ـ هل ابتسام كان معاها حق في اللي عملته في ابتهال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!