جلس جبران على طاولة بجانب الزجاج، ينظر من حين لآخر في ساعته. بدا عليه الهدوء، لكن أصابعه كانت تدق بخفة على حافة الكوب، كأنه يعدّ اللحظات. بعد وقت قليل جاء ياسين واعتذر منه عن التأخير. "أنا آسف على التأخير بس الطريق كان زحمة." "ما فيش مشكلة، أنا مبقاليش كتير قاعد... اتفضل اقعد." "حاضر." "خير يا ياسين؟ ابتهال بلغتني إنك عايزني."
بدأ التوتر يظهر على وجهه، فهو ظن أن ابتهال أخبرته بكل شيء وهو وافق. بدأ يتحدث بصوت يكاد يكون مهزوزًا من التوتر. "أنا عايز أطلب إيد ابتهال." "طيب وفردوس؟ "إحنا انفصلنا." "بس لسه في بينكم أولاد وهي نفسها لسه ما أخدتش حقوقها منك. إزاي عايز تتجوز وأنت لسه ما اديتش فردوس حقوقها؟ "فردوس اتنازلت عن كل حاجة."
"تنازلت تحت ضغط منك مش طيب خاطر منها. وده غير ولادك اللي أنت راميتهم من غير ما تصرف عليهم. بس لو مش عايز تصرف عليهم ومش عايزهم، إحنا أولى بيهم وهنربيلك ولادك ونصرف عليهم." ضغط جبران على تلك الكلمة حتى يجعله يفوق ويتذكر أن له أولاد. ظهر التوتر على ملامح ياسين، فرغم حديث جبران الهادئ إلا أن تحته تجريح مبطن. "لا طبعاً ولادي أنا هصرف عليهم وكفيل بيهم." "طيب وفردوس وحقوقها؟ "بصراحة أنا هتجوز على العفش والحاجة دي."
"خلاص اديها تمن الحاجة." "بص يا ياسين، أنت لو شخص فقير ومحتاج أنا كنت أديك العذر، لكن أنت بتشتغل ومرتبك عالي وغير كده عندك ورث من أهلك، يعني من الآخر حقوق فردوس مش هتفرق معاك، بس أنت قاصد إنك ما تديهاش، عشان كده عايزك تبقى صريح معايا. هي دي رغبة ابتهال؟ "بصراحة آه. وبعدين أنا مش وحش كده، ابتهال أنا اشتريتلها هدايا وغيرتلها العربية تقريبًا بتمن قايمة فردوس."
"الفلوس اللي صرفتها على ابتهال ابعتها لي وأنا هردها لك ومش عايزها تعرف حاجة عن الموضوع ده." "بس أنا مش عايز حاجة، أنا بقولك كده عشان ما تفكرش إني بخيل." "أنا فاهم، بس ابتهال في مقام بنتي وأنا أولى بيها، وخاصة إن ما فيش أي رابط بينكم عشان تيجيبلها حاجة أو تصرف عليها. لما يبقى في نصيب ابقى هات لها اللي أنت عايزه. والأهم من ده حقوق فردوس تاخدها. وإذا كان على إقناع ابتهال أنا هقنعها، بس ده شرطي عشان أوافق."
"أنا مش عارف هتوافق ولا لأ." "أنا هتصرف، وأتمنى من هنا لحد ما العدة بتاعتك تخلص ويبقى فيه ارتباط رسمي ما يكونش في كلام بينكم، وبخصوص أختها أنا هكلمها." "خلاص وأنا موافق على أي حاجة هتقرروها." "تمام، على بركة الله." انتهى جبران من حديثه مع ياسين واتصل بابتهال وطلب منها أن تأتي له بعد عملها ووافقت ابتهال. واتصل بها ياسين وأخبرها بعض من حديث جبران ولم تعلق عليه ابتهال.
في منزل جبران، كان يجلس مع ابنه وزوجته يتحدثون بأمور مختلفة. وطلب جبران من زوجته أن تزود من الطعام لأن ابتهال ستأتي لهم اليوم. وافقت زوجته وذهبت لتحضير الطعام. وجلس جبران برفقة ابنه. "ها، خلصت ورق فردوس؟
"آه تقريبًا كل حاجة خلصت، بس هي مش هتاخد المعاش غير لما العدة تخلص وهتاخدها بأثر رجعي. أصلًا المشوار كان بسيط، مش عارف فردوس إزاي معرفتش تخلص حاجة زي دي لوحدها. وغير كده هما قالولها إنهم بلغوها بالكلام ده قبل كده، يعني زيارتي معاها كانت تحصيل حاصل." "معلش، فردوس متعودة كل حاجة تيجي لها لحد عندها." "عشان كده أنا قولتلها تشتغل معايا في المركز."
عندما سمع جبران تلك الكلمة انقلب وجهه، مما جعل عمران يشعر إنه أخبره شيئًا خاطئًا. "مالك يا بابا؟ أنت اتضايقت ليه لما قولت إن هشغل فردوس عندي؟ "وليه خليتها تشتغل معاك؟ "عشان تتعامل مع ناس وتاخد خبرة في حياتها، بحاول أساعدها." "هو أنت جواك مشاعر لفردوس؟ "لأ طبعاً، زي أختي." "أتمنى توصلها كده وتكون حريص دايما إنك تقولها أنتِ أختي." "ليه يا بابا؟ "هتعرف بعدين." "صحيح، قابلت الزفت ده؟ "آه وهيرجع لفردوس حقوقها."
"طيب وكان عمل فيها كده ليه من الأول؟ "مش مهم. المهم جبت لي رقم الدكتور النفسي اللي قولت لك عليه؟ "جبت لك رقم دكتورة." ابتسم جبران على غيره ابنه التي مهما حاول أن يداريها ستظل واضحة. "طيب هات رقمها عشان أكلمها الأول وأتفرغ أشوف كنت بتعمل إيه." أخذ جبران رقم الطبيبة وتحدث معها وقص عليها تاريخ ابتهال وما فعلوه معها أهلها. وظلت الدكتورة تستمع إليه وتدون بعض الأشياء.
"أستاذ جبران، بصراحة الوضع مؤسف جداً، بس عايزة أقول لحضرتك حاجة." "اتفضلي." "كلهم محتاجين علاج يمكن أكتر من ابتهال، وأول واحدة محتاجة تدخل هي ابتسام وبعدها فردوس، لأن أكتر واحدة محتاجة علاج هي ابتسام." "أنا كنت فاكر إنها ابتهال."
"لأ. ابتهال بكل اللي عملته الفترة الأخيرة ده رد فعل لكبت سنين عدت. وعلى فكرة اللي أنا شبه متأكدة منه إن ابتهال قبل محاولتها للانتقام من أهلها حاولت تنتحر. أوقات لما بنوصل لحافة الهاوية ونلاقي اللي وصلونا للمرحلة دي مبسوطين، وقتها بننسى أي حاجة وبنبقى عايزين ندوقهم اللي دوقوهولنا." "طيب هي ممكن تنتحر؟
"طول ما هي بتنفذ هدف في دماغها لأ، لكن ده ما يمنعش إنها تفكر في كده. عشان كده ما تحاولش توقفها أو تضغط عليها، سيبها لحد ما أتكلم معاها. بس حاول تقرب منها وخليني أقعد مع أمها وأختها الأول." "طيب، إني أقنعهم بكده هيبقى صعب أوي." صمت قليلاً يفكر كيف يجمعهم بها. "دكتورة، في طريقة واحدة هتخليهم يقبلوا يقعدوا معاكي كلهم مع بعض، بس للأسف هنكذب عليهم، بس كذبة بسيطة وهدفها نبيل." "إزاي؟
"أنا ابني كان خاطب وللأسف محدش يعرف خطيبته لأنه خطب بره مصر، عشان كده هقدمك لهم إنك خطيبته." "بس أنا مخطوبة فعلاً." "طيب حلو أوي، إحنا هنقولهم الحقيقة بعد كده، بس الأول لازم يثقوا فيكي. أنا معرفش هما بيفكروا إزاي أو إيه رد فعلهم." ظلت وفاء (الطبيبة) مترددة كثيراً، ومع ضغط جبران الكبير لها رضخت لطلبه.
"بص يا أستاذ جبران، أنا في العادي بحب أكون صريحة مع المرضى بتوعي، ودي أول مرة هلجأ للحيلة دي، لأن شايفه إنهم فعلاً محتاجين علاج في أقرب وقت. وللأسف مسئوليتي الطبية تحتم عليّ إن لما أشوف حد محتاج مساعدة أساعده. مبالك بقى دول تلاتة. خلاص تمام أنا موافقة." "خلاص، آخر الأسبوع كمان يومين أنا هعزمهم عندي بحجة إني هعرفهم على خطيبة ابني وأعرفهم بيكي، وأنتي اتكلمي معاهم براحتك." "خلاص اتفقنا."
وبالفعل اتصل جبران على ابتسام وقام بدعوتها للغداء وفرصة ليعرفهم على خطيبة عمران.
عندما تلقت ابتسام الخبر شعرت بحجر نزل على قلبها. لم تظهر دهشة ولا حتى اعتراض، لكنها شعرت وكأن شيئًا ينتزع منها ليس يخصها بل يخص ابنتها. كانت تشعر بالغيرة على ضياع حلم رجل أرادت مرارًا وتكرارًا أن تزوجه لابنتها، حلم كانت تراه واقع. كادت أن ترفض تلك العزومة ولكن أخذها الفضول لترى ما هيئة تلك الفتاة وتقارنها بابنتها. تريد أن تعرف هوية تلك الفتاة، شكلها، من هي؟ أنهت المكالمة مع جبران ودخلت لغرفة فردوس لتبلغها بذلك الخبر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!