في اليوم التالي، راحت فردوس مع ياسين للمحامي، وبعدها راحوا للمأذون. كان معاهم أولادهم، ولم يهتم ياسين بنفسية الأولاد أو أنهم يرون أباهم يبيعهم هو وأمهم من أجل نزواته. كانت فردوس من داخلها تحس بقهر؛ لماذا يفعل زوجها معها هكذا؟ ما الذي وصله لهذه المرحلة، أن يبيع أولاده وامرأته؟ من أجل ماذا كل هذا؟
بعدما خلصوا كل الإجراءات ونزلوا في الشارع أمام مكتب المأذون، قررت فردوس أنها تعرف منه السبب، وتمنت أنه يجيبها ويريحها؛ لماذا يفعل معها هكذا؟ وقفت فردوس قصاد ياسين وبدأت تكلمه بجدية. "ياسين، خلاص طلقنا وعملت لك اللي أنت عايزه، صح؟ "آه." "طيب، عايزة أسألك سؤال؛ أنت ليه بتعمل معايا كده؟ ليه رميتني أنا وأولادك بالطريقة دي؟ "هنبدأ بقى جو الشحاتة وتعكير مزاجي؟
"لأ، مش شحاتة ولا تعكير مزاج، بس من حقي أعرف؛ ليه قلبت علينا مرة واحدة كده؟ "بكرة تعرفي. أنا ما عنديش وقت أضيعه معاكي." وسابهم في الشارع وركب عربيته ومشى. وبعدها فردوس وقفت تاكسي وأخذت أولادها وراحت على شقة مامتها. *** في منزل ابتسام، والدة فردوس.
اتصلت ابتسام بفردوس عشان تطمن عليها، وردت عليها فردوس وكان باين في صوتها إنها ماسكة نفسها عن العياط. كان صوتها مخنوق، ولو حد قالها "مالك" هتبدأ في نوبة بكاء صعب الانتهاء منها. "ها يا فردوس، عملتي إيه؟ "خلاص، كل حاجة خلصت، وأنا دلوقتي في العربية وجيالك أنا والأولاد." "تنوري بيت أبوكي يا حبيبتي. هروح أجهز لك أوضة ليكي عشان ترتاحي فيها، عشان أكيد جاية تعبانة."
قفلت ابتسام مع بنتها ودخلت أوضة ابتهال، لاقتها ماسكة الموبايل وبتتكلم فيه. بدأت ابتسام تدي أوامرها لبنتها عشان تنفذها كالعادة. "ابتهال، يلا بسرعة قومي فضي الأوضة دي." "ليه؟ "أختك جاية وهتقعد معانا على طول." "طيب، ما في غرفتين تانيين في الشقة، إشمعنى الأوضة بتاعتي؟ "دي كانت أوضتها قبل الجواز، والأوض التانية محتاجة تنضيف. إحنا هنفضلها دي الأول، وبعدين نروق الأوضة بتاعتك القديمة لولادها." "وأنا أقعد فين؟ في الشارع؟
"لأ، خدي الأوضة الصغيرة." "بتاعت الناني؟ "مبقاش في ناني خلاص من زمان. وبعدين ماهي موجودة في الشقة. مش بقولك انقلي الشارع اللي ورا." "أنا لو روحت الشارع اللي ورا يبقى أكرملي. بصي من الآخر كده، أنا لا هروق ولا هفضّي مكاني لحد، وما تنسيش إن ليا في الشقة دي زيك أنتِ وبنتك، ومش مطالبة أسيب أوضتي عشان بنتك اتطلقت وجاية تعيش معانا." "وإنتي عرفتي منين إنها اتطلقت؟ "واحدة هتعيش مع أهلها على طول، تتفهم إزاي."
"ابتهال، كلمة ومش هتنيها؛ هتسيبي الأوضة دي لأختك وهتروحي الأوضة الصغيرة، وهتنضفي معايا الأوضة التانية لولادها." "لأ هنضف ولا هنقل. أنا قاعدة في نصيبي في بيت أبويا. مش عاجبك، قاعديها في أوضتك، على الأقل أوضتك أكبر." "إنتي مستخسرة الأوضة في أختك؟ منك لله يا شيخة، مش كفاية كسرة قلبها وهي مطلقة وبقت بطولها بعيالها." "مش مشكلتي إنها مش مالية عين جوزها." بمجرد ما انتهت ابتهال من الكلمة، قامت والدتها بضربها على وجهها بشدة.
"إنتي بنت قليلة أدب، وأنا معرفتش أربيكي. أوعي أسمعك أقول الكلام ده. قدامها بإذن الله تجرب إحساسها ويحصّلك اللي حصل لها." نظرت ابتهال لوالدتها بقهر من رد فعلها، وازداد داخلها شعور الانتقام من أمها ومن أختها. بدأت نظرات ابتهال تزداد شراسة، مما جعل والدتها تخشى رد فعلها. نظرت ابتهال لوالدتها بقوة وتكلمت بصوت هادئ وحاد ممزوج بالشراسة. "اطلعي بره الأوضة بتاعتي حالا."
خرجت والدتها مسرعة وهي تتمتم بصوت واطئ، ولكن ابتهال سمعته. "بنت عاقة، منك لله. بإذن الله تجربى قهر قلبها." جلست ابتهال مرة أخرى على السرير، ووضعت يدها على خدها وحاولت كتم الدموع حتى لا تدخل أمها مرة أخرى وترى ضعفها.
قامت ابتهال وأخرجت من الدولاب أجمل هدوم ليها، ودخلت المرحاض، أخذت شاور، وبدلت ملابسها، وخرجت للصالة منتظرة لحظة وصول أختها، حتى ترى نظرات الوجع بعينيها التي لطالما كانت هي تعاني منها، إما بسببها أو حول شيء يخصها، ولكن مأساتها دائمًا كانت لها علاقة بها. الآن تبدلت الأدوار، وأصبحت أختها هي التي تمتلك تلك النظرات؛ نظرات الوجع والحزن والقهر.
ستجلس وتتحدث معها لتملأ عينيها بذلك الوجع الذي تملك من أختها، وتسمع شكواها لتهدأ تلك النار التي بداخله. بعد فترة، وصلت فردوس، وطلع البواب الشنط. كانت ابتهال قاعدة ومعها كوباية النسكافيه، منتظرة الفيلم يبدأ قدامها. خرجت والدتها وحضنت فردوس وفضلت تهدّي فيها وتواسيها، وبدأت فردوس العياط بقوة وقهر. لكن كان صوتها بالنسبة لابتهال معزوفة موسيقية بتهدي الأعصاب.
مقدرتش ابتهال تمسك ابتسامتها، وقامت وراحت لأختها بحجة إنها بتواسيها. "ادخلوا يا ولاد اتفرجوا على التلفزيون، وإنتي يا فردوس بطلي عياط وتعالي احكيلي حصل إيه." "إنتي خارجة يا ابتهال؟ تكلمت مامتها وسبقت كلام ابتهال. "لأ يا حبيبتي، حتى لو خارجة، كل مشاويرها تتأجل وتقعد معاكي." تجاهلت ابتهال كلام والدتها وقررت إنها تعكس كلامها. "آه، عندي تمرين كمان ساعتين كده، وبعدها خارجة مع صحابي نغير جو." "خدي أختك معاكي."
"لأ، أختي ماتعرفش صحابي ولا عمرها راحت جيم، آخدها معايا ليه؟ هي عيلة صغيرة؟ تبقى تروح لوحدها أو جوزها يوديها." بصتلها أمها بغيظ. "إنتي بتستعبطي؟ ما إنتي عارفة ظروفها." "آه معلش، منا معرفش التفاصيل. طيب احكيلي يا فردوس حصلك إيه؟ يمكن أساعدك." "أبدا يا ابتسام، جوزي مش عايزني أنا ولا العيال، وبطل يصرف علينا، واجبرني على الطلاق، ومش بس كده، ده خلاني اتنازل عن كل حاجة."
تكلمت ابتهال بشماتة، ولكن كانت متدارية خلف حديث ممتلئ بالمواساة. "معلش يا فردوس، ما يمكن بطل يحبك وبقى يحب واحدة تانية، أصل ما فيش راجل يكره مراته بالشكل ده غير لو حب واحدة تانية." "معقول؟ "أكيد. الراجل لما مراته ماتبقاش مالية عينه، بيدور على اللي ناقصه بره، وإنتي... قالت الكلمة وسكتت بسبب تدخل مامتها في الكلام. "إيه القرف اللي بتقوليه ده؟ إنتي اختك تملي عين أي حد، هو اللي راجل وسخ وعينه زاّيغة."
"ده عشان هي بنتك بتقولي كده. بصي الفرق بيني وبينها، وإنتي تعرفي مين اللي ينبص له." "أختك طبعًا تكسب. إنتي فيكي إيه إنتي؟ "لأ، بشتغل وليه مركزي ومعايا عربية وشقة وفلوس ودهب، معايا كل حاجة. بنتك معاها إيه غير حبك ليها؟ "يبقى خلي حبك ينفعها. أنا حبيت أنصحها، ولكن للأسف كلامي ما عجبكوش، فماتزعلوش بقى." قالت كلامها بطريقة مليانة بالوعيد والاستهزاء، وبعدها سابتهم وخرجت تقابل ياسين، منفذها الوحيد للانتقام من أختها وأهلها.
فضلت والدتها تنادي عليها عشان ماتخرجش، لكن ابتهال تجاهلتهم وخرجت. بصت فردوس لمامتها. "هي مالها ابتهال؟ وبعدين جابت الحاجة دي كلها إزاي وإمتى؟ ده مرتبها يا دوب بيكفي قسط الشقة ولبسها اللي مش بيخلص."
"أنا أعرف أختك دي، محدش يعرف عنها حاجة. حتى موضوع الشقة، القسط اللي هي جابته دي معرفتش عنها حاجة غير وأنا بدور في دولابها بالصدفة شفت العقد، ولما سألتها ردت عليا بالعافية، ولحد دلوقتي معرفش مكانها ولا مساحتها ولا أي حاجة عنها. والعربية بتاعتها من حوالي كام شهر كده بدلتها بعربية جديدة، ولما شفتها صدفة وهي بتركن، قالت لي بدلت القديمة بالجديدة ودفعت فرق في البنك." "تصديقي بقيت أحسدها، يا ريتني كنت عملت زيها."
"إنتي عبيطة؟ ده هي اللي طول عمرها بتغير منك. سيبك منها، أنا روقت لك الأوضة اللي في الوش، والأوضة الصغيرة هدخل أجهزها لك عشان الأولاد. قومي ارتاحي إنتي، وأنا هخلص الغدا وأصحيكِ تاكلي." *** خرجت ابتهال وراحت تقابل ياسين في إحدى الكافتريات. كان ياسين قاعد مستنيها على إحدى الطاولات. أول ما شافها قام وقرب منها يستقبلها. استقبلته ابتهال بابتسامة مزيفة وقعدت معاه. "إيه الأخبار؟ "عملت كل اللي طلبتيه مني. هنتجوز إمتى؟
"لما عدتك تخلص." "نعم؟ أنا راجل ماليش عدة، إنتي فكراني ست ولا إيه؟ "ياسين، ركز يا بابا، إنت طلقت أختي مش بنت خالتي، يعني ماينفعش نتجوز غير لما العدة تخلص." "بس أنا طلقتها بلا رجعة." "أيا كان طلاقك وسببه إيه، طالما في عدة يبقى ماينفعش لا تتجوز أختها ولا عمتها ولا خالتها غير بعد انقضاء العدة." "أنا أول مرة أعرف إن الراجل ليه عدة. طيب أعمل إيه دلوقتي؟
"أبدا، إنت عملت اللي مطلوب منك، وكل المطلوب دلوقتي إنك تستنى فترة العدة تخلص. بس عارف لو عينك زاغت كده ولا كده، قصص وروايات أماني سيد." "وأنا أقدر. إنتي بس اللي ماترجعيش في كلامك." "ماتخافش، بس عايزاك تنزل بوستات فيها رومانسية وكلام حلو من غير ماتحط اسمي، عايزة وتكتب إنك في العلاقة عشان أضمن إنك ماتبصش لحد غيري ولا عينك تزوغ كده أو كده. اعمل حسابك إني مراقبة الأكونت بتاعك كويس قوي."
"حاضر يا روح قلبي، هعمل كل اللي إنتي تطلبيه." فضلت ابتهال قاعدة معاه فترة بسيطة عشان تأكد عليه طلباتها، وخصوصًا إنه يكتب إنه ارتبط على الفيس بوك، لأنها عارفة ومؤكدة إن أختها هتراقب ياسين، وهي عايزة تكسرها مرة لما تعرف إنه اتخطاها في نفس يوم طلاقهم، ومرة تانية لما تعرف إنه فضلها عليها. خلصت ابتهال كلامها مع ياسين وركبت عربيتها عشان تروح الجيم.
وطول الطريق كانت بتفتكر ذكريات الطفولة، عشان لو قلبها حَن على أختها، الماضي يفكرها. يا ترى إيه الماضي اللي وصلهم لكده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!