تحميل رواية «جحيم الغيرة» PDF
بقلم اماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا منى أنا كل أما بسمع معاناة اختي مع جوزها بحس بسعادة كبيرة أوي أوي جوايا، وخاصة وهي بتتكلم عن جوزها وإنه إزاي مضيق عليها في المصاريف. طيب وإنتي علاقتك إيه بجوز أختك وليه تفرحي بكده؟ لأنه كل أما بيقصر معاها بيثبت لي إنه بيحبني وعايزني. يانهارك أسود! إنتي مجنونة بتحبي جوز أختك؟ وفيها إيه، راجل وبيتحمل المسؤولية وعايش معاها خمس سنين قبل ما يعرفني، وكان مريّها الهنا كله. ليه ما يبقاش ده كله بتاعي؟ أنا أحلى منها وأجمل منها وأستحق العيشة دي. بس متجوز أختك يا مجنونة. بس بيحبني أنا. طالما بيحبك...
رواية جحيم الغيرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اماني سيد
قررت ابتهال أن تقابله لتضع النهاية لتلك القصة التي بدأوها سوياً.
لم يكن قراراً سهلاً.
لكنها تعبت من الأبواب المفتوحة نصفها، تعبت من الأسئلة التي لا إجابة لها، ومن صوت صمته الذي ظل يلاحقها في وحدتها.
"حاضر يا عمران، بكره الساعة ٧ في كافتريا."
وفي اليوم التالي، كانت تقف في المكان الذي شهد أول اعتراف، وأول خلاف، وأول وداع.
كانت تشعر أن قلبها بين نبضتين: نبضة تحثها على الهرب، ونبضة تقول: "خليكي… لازم تنهيها بإيدك".
ظهر عمران من بعيد، خطواته بطيئة، كأنه بيحسب كل خطوة على جرح.
وقف أمامها، لم يبتسم. لم يتحدث فوراً.
كان ينظر إليها بنفس العينين… لكن الزمن أطفأ شيئاً فيهما.
قالت بهدوء، وهي تمسك بحقيبتها كأنها تتشبث بثقل الواقع:
"جيت عشان نخلّص. عايزة أسمع اللي عندك… وأمشي."
تحدث عمران بصوت أقرب للرجاء:
"تسمعيني بصدق المرادي مش بعين الغضب ولا الوجع؟"
نظرت له بثبات:
"ياريت تقول أنت عايز إيه وسبب إلحاحك إني أقابلك."
"حاضر. لما كنت هنا آخر مرة اتفقت معاك إني هروح أقابل باباك وأطلبك منه. وفعلاً روحت وكلمته بس رفض. قال لي لو عايز تتجوز حد من بناتي تبقى فردوس لأنها الكبيرة. قال لي: 'انت عايزها تكتئب والناس تقول إنها مش لاقية عريس أو معيوبة'."
عمران، وهو بيكتم غصة في صوته:
"رده عليا كان صادم… قال لي بالنص: 'إنت داخل البيت وباصص لبناتي بنظرات مش محترمة، وكنت غلطان لما اعتبرتك زي ابني…'."
نظر لعينيها، بصوت مكسور بصدق:
"تخيلي؟ أنا اللي كنت جاي أطلبك بالحلال، اتهمني إني ببصلك بطريقة مش كويسة، مش بنظرة حب… لا، بنظرة قلة أدب."
ابتهال كتمت شهقتها، وعمران كمل بصوت محمّل بالقهر:
"حاولت أشرح له، أدافع عن نفسي، أقسمت له إن اللي بيني وبينك أنقى من أي كلام، بس هو ما كانش بيسمع… كان حاكم عليا بالإعدام من غير محاكمة."
نزل عينه للأرض، وكأن الذكرى لسه موجعة:
"دخلت بابا في الموضوع… يمكن يقدر يقنعه بهدوء أو يطيب الخواطر، لكن اللي حصل كان عكس كده تماماً."
"حصل خلاف كبير بينهم، كلام عالي، تهديد، إهانة… كانوا هيمسكوا في بعض فعلاً."
"ومن بعدها… العلاقة بين العيلتين اتقطعت."
سكت لحظة، وكمل بنبرة منهارة:
"وأنا؟ أنا لقيت نفسي متهم، مرفوض، ومش قادر أوصل ليكي، وما كانش معايا غير سكة واحدة: أسافر، أبعد لحد ما فردوس تتجوز وبعدها أرجع تاني وأطلبك وتكون العلاقات رجعت تاني بين بابايا وبباكي."
تنفس بعمق، كأن الكلام كان حجر على قلبه ووقع أخيراً:
"بس معرفتش أعيش. ولا نسيت."
"بابا رفض إني أكلمك أو أحكيلك أي حاجة. قال لي لو عملت كده يا إما ابتهال هتثور وممكن باباها يعاند معاها ويعمل خلاف كبير بينكم والوضع أصلاً كان متوتر. ووقتها الوضع هيتعقد أكتر. قال لي سافر وبعد فترة أكلمك وأفهمك كل حاجة. فعلاً سافرت وكنت زي اللي ماشي في ساقية. ما كنتش بعمل غير إني أشتغل وأجمع فلوس."
"عدى كام شهر حاولت أكلمك معرفتش. جالي اكتئاب حاد. سبت الشغل وكنت حابس نفسي في الأوضة اللي قاعد فيها. حاولت أكلمك على النت أو أتصل بيكي، لكن انتي كنتي عاملالي حظر من كل حاجة."
"فضلت شهرين بالوضع ده والفلوس اللي جمعتها بقت تخلص في أكل وشرب وإيجار. فضلت كده لحد ما واحد من الدكاترة اللي قاعدين معايا في نفس الشقة اقترح عليا إننا نعمل مركز طبي كبير. فضل يتكلم معايا ويديني حماس إننا جايين هنا عشان نشتغل ونعمل قرشين وإننا لازم نضغط نفسنا ونحوش فلوس وخبرة ونفتح المركز ده."
"وفعلاً قررت إني أشاركه وبدأنا من الصفر. بقينا نبعت لبابا وباباه فلوس اشترينا قطعة أرض وبعد كده بدأنا نبنيها. في الوقت ده فردوس اتخطبت واتجوزت وبعدها باباكِ توفى. بس كنت أنا بدأت ولو سبت مكاني لحظة كنت هلاقي ١٠ غيري واخدينه. قررت أكمل اللي بدأته وبقيت أتابعك من بعيد. عملت أكونتات فيك على النت وبقيت أبعتلك إضافات. لكن انتي قافلة كل حاجة إنها توصلني بيكي. كان ناقص تكهربي الأكونت. حاولت كتير أوصلك لكن معرفتش."
"وللأسف دخلت في دوامة قروض وديون مش عارف أخلص منها وبقت حبل عمال يلف حواليا. وكل شوية أصبر نفسي وأقول: 'استحمل الحبل بكره هيفك وهترجع'. وبفضل أدعي ربنا محدش يقرب منك ولا انتي تحبي حد. لحد ما ربنا فعلاً استجاب. وانتي ما ارتبطيش."
"بس أنت خطبت."
"والله أبداً. لا ترتبط ولا فكرت أرتبط من الأساس."
"أمال وفاء دي تبقى مين؟ خطيبتي أنا. وغير كده خلاص ارتبطت بياسين وهنتجوز قريب."
عند ذكر ذلك الشخص أمامه تحول عمران واحمر وجهه من الغضب.
"ياسين مين اللي ارتبطتي بيه؟ أوعي تكوني فاكرة إني ممكن اسمحلك ترتبط بحد بعد التعب والسنين دي كلها اللي اتمرمطت فيها وبصبر نفسي إني أرجع وألاقيكي في الآخر تروحي لواحد زي ده؟ فوقي يا ابتهال… أنا بحبك ومش هسيبك. ولو وصلت إني أخطفك هعمل كده."
"أنا لا خاطب وفاء ولا غيره. أنا من ضغط ماما عليا بسبب العرايس اللي بتجبهملي قولتلها كده."
"ومين وفاء دي؟ خطيبتي أنا."
"بكره هتفهمي كل حاجة. إنما وفاء دي مش أكتر من دكتورة شغالة معانا في المركز اللي خلاص فاضل أقل من شهر وهنفتتحه."
ابتهال ما كانتش واقفة… كانت متسمّرة.
الكلمات كانت بتخبط في صدرها زي موج عالي، كل كلمة بيقولها عمران كانت بترجّ حاجة جواها كانت فاكرة إنها ماتت.
نفسها تقوله إنها كانت بتستناه. إنها كانت كل ليلة بتحضن دموعها وتقول: "يمكن رجعته بكرة".
لكن في نفس الوقت… كانت موجوعة، من غيابه، من وجع الأيام اللي شالتها لوحدها.
اتجمعت دموع في عينيها، بس ما نزلتش دمعة.
الوجع كان أعمق من البكا، كان وجع مكتوم، زي حاجة مدفونه من سنين وبتطلع دلوقتي للنور مرة واحدة.
في اللحظة دي، شافت الماضي كله قدامها… موقف أبوها، كلام عمران، سفره، حزنه، كل نظرة كانت بينهم… بس شافت كمان وحدتها… إزاي اتحملت، إزاي وقفت لوحدها لما الكل اختفى، إزاي بنت جدار حواليها علشان ما تقعش.
بس الجدار ده دلوقتي بيتشقّق.
صوته، صراحته، حرقته وهو بيقول "مش هسيبك"، خلى قلبها يتشد بين وجعين: وجع الفقد القديم… ووجع الرجوع اللي جه بعد ما كانت خلاص بتقفل الصفحة.
هي مش قادرة تسامح بسهولة، لكنها كمان مش قادرة تكرهه.
كان جواها صراع رهيب: عايزة ترتمي في حضنه وتعيط زي زمان، لكن في نفس الوقت… في حاجز اتبنى جواها اسمه "الخذلان".
مشاعرها كانت خليط معقد: اشتياق، خوف، حب، خيانة، أمل، وجع، كلهم قاعدين على صدرها مرة واحدة.
في اللحظة دي، ما عرفتش ترد… شفايفها اتحركت، بس الكلام ما خرجش، كانت بتحاول توازن قلبها اللي بيصرخ، وعقلها اللي بيحذر.
لكن جواها، كانت بتقول: "لو رجعتلك… هتقدر تمسح وجع السنين؟ ولا هتسيبني تاني؟"
سكتت ابتهال… بس جواها الدنيا كانت بتتكسر.
صوته لسه بيرن في ودنها: "أنا بحبك… مش هسيبك… لو وصلت إني أخطفك هعمل كده."
نظرت له… كان واقف قدامها بكل ضعفه، بكل وجعه، بكل حبه.
بس كانت شايفة كمان صورته وهو سايبها.
سايبها تواجه الكل لوحدها.
سايبها تحارب مشاعرها، وكرامتها، وأهلها.
جواها صوتين… بيتخانقوا.
صوت قلبها بيصرخ: "هو رجع… هو لسه بيحبك. هو ما خانكيش… ده اتظلم زيك. اللي بينكم مش سهل، مش بيتكرر."
وصوت عقلها بيرد بحدة: "رجع؟ بعد كام سنة؟ بعد وجعك وانكسارك؟ فينه لما احتاجتيه؟ فينه لما دموعك نزلت لوحدك؟ فينه لما كنتِ بتقنعي نفسك إنك ما كنتيش مجرد نزوة؟"
شدّت نفسها بعيد خطوة صغيرة… لكن عينيها ما سابتهوش.
كانت بتتمنى تمد إيديها وتحضنه… بس حاجة جواها ماسكاها، كأن قلبها مربوط بسلسلة من وجع قديم.
كلامه… رغم صدقه، رغم دموع عينيه… ما كانش كفاية.
هي كانت محتاجة يسمعها أكتر من كده.
كانت محتاجة يداوي جرح ما جاش عليه يوم وهدى.
هو قال إنه اتظلم، وإنه اضطر، وإنه كان بيحوش عشان يرجع لها.
بس هي كانت هنا… كل يوم بتعيش خذلانه… كل يوم بتحاول تفهم ليه مش كفاية عشان يستحق يفضل.
جواها صوت بينهشها: "لو حبك كان حقيقي، مكنش سابك تواجهي الدنيا لوحدك."
وصوت تاني بيهمس بضعف: "بس هو رجع… هو رجع عشانك، ولسه واقف مستنيك."
كانت بين نارين: قلبها اللي لسه بينبض باسمه… وعقلها اللي بيقولها: "ما تبقيش غبية، الجرح الكبير ما يتعالجش بوعد جديد."
نظرت له نظرة طويلة… نظرة فيها شوق، وفيها وجع، وفيها كأنها بتسأله: "فين كنت لما كنت بانهار؟ فين كنت لما كنت محتاجاك تمسك إيدي؟"
لكنها ما نطقتش.
كل اللي عملته… إنها قالت بهدوء:
"أنا عايزة أمشي."
حاول عمران أن يوقفها لكنها ذهبت مسرعة وتحركت بسيارتها.
دموعها طول الطريق لم تتوقف.
من المفترض أن تكون سعيدة بذلك الحديث لكن للأسف قد تأخر الوقت.
تأخر لدرجة أنها فعلت أشياء جعلتها تكره نفسها.
وأخذت في طريقها أطفال أبرياء لم يكن لهم ذنب سوا ماضي أمهم وجدّتهم وجدّهم.
وتراكمات داخلها.
دخلت المنزل وذهبت لغرفتها مسرعة أن يراها أحد ولكن ابتسام رأتها.
وترددت كثيراً تدخل إليها أم لا.
وقفت على باب الغرفة والحيرة داخلها هل تدخل تسألها ما بها أم تتركها.
وحسمت أمرها وقررت تتركها لوحدها لحين أن تهدأ.
دخلت ابتسام غرفتها واتصلت بعمران وطلبت منه رقم وفاء.
"إزيكم يا طنط، عاملين إيه؟"
"الحمد لله يا حبيبتي. ممكن تديني رقم وفاء؟ أصلي كنت عايزة أعزمها وكده وعايزة أعرف هي فاضية امتى؟"
"مالوش لزوم يا عمتو العزومة دي."
"لا ابعتي بس. هقفل معاك وأبعتيلي رقمها."
جلس عمران شارداً هل يرسل رقم وفاء لابتسام أم لا.
قطع شروده والده.
"مالك سرحان في إيه؟"
"طنط ابتسام عايزة رقم وفاء."
"اديهولها."
"دي عايزة تعزمها؟"
"لأ ماتخافش ووفاء فاهمة كل حاجة. دي حجة ابتسام بتقولها عشان تاخد رقم وفاء. ادي ابتسام الرقم لو عايز عقدتك تحل."
ابتسم بعدها وترك عمران وخرج.
وبالفعل أرسل عمران رقم وفاء لابتسام.
ومسك هاتفه وظل يرسل رسائل لابتهال.
محاولاً منه جعلها تلين مرة أخرى.
ولكن ابتهال لم ترى الرسائل أو ترد عليها.
رواية جحيم الغيرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اماني سيد
جلست ابتسام على طرف السرير، هاتفها في يدها، تتأمله بتردد.
مرّت دقيقة… ثم دقيقتان…
وأخيرًا ضغطت على الرقم الذي أرسله لها عمران، وانتظرت.
رنة… رنتين… ثم صوت هادئ وواثق:
ـ مساء الخير
سكتت ابتسام ثواني، ثم ردّت بصوت خافت:
ـ مساء الخير. ازيك يا دكتوره وفاء؟ أنا ابتسام، قريبه عمران.
ابتسمت وفاء عندما علمت هوية المتصل، فهي كانت تنتظر هذه المكالمة، من الواضح أنها تأثرت بحديثها.
ـ أهلا أهلا يا مدام ابتسام، ازي حضرتك؟
ـ أنا بخير، انتي عاملة إيه؟
ـ أنا الحمد لله بخير، وحضرتك والبنات؟
ـ كلنا بخير الحمدلله. أنا كنت بتصل عشان أعزمك عندنا ونتعرف على بعض أكتر.
ـ أنا آسفة والله بس مشغولة جدا الفترة دي.
صمتت ابتسام قليلاً وكانت مترددة في طلبها، ولكن قررت أن تتحدث معها.
ـ بصراحة يا وفاء أنا عايزاكي في استشارة طبية.
ـ تحت أمرك، ممكن تنوريني العيادة في أي وقت.
ترددت ابتسام للحظات، ثم قالت بتوتر واضح:
ـ هو… هو ممكن نقعد لوحدنا؟ قصدي، من غير ما حد يعرف؟ حتى عمران مش عايزاه يعرف.
طمأنتها وفاء بنبرة جادة:
ـ أكيد، طبعًا أي كلام بيتقال بيكون في خصوصية ومش مسموح لأي حد يعرف عنه حاجة.
ـ طب… ممكن أبقى أجيلك إمتى؟
ـ ممكن بكرة الصبح. عندي ميعاد فاضي الساعة عشرة. تحبي أحجزه ليكي؟
ابتسمت ابتسام بخجل ممزوج بالقلق:
ـ ماشي… عشرة تمام. بس لما أجي هدفع فيزيت زي أي حد، أنا اللي متصلة وحاجزة.
ـ الموضوع بسيط مش مستاهل.
ـ معلش كده هكون مرتاحة أكتر.
ـ طيب تمام زي ما تحبي، وأنا الساعة ١٠ هستناكي بإذن الله.
بعد انتهاء المكالمة بين وفاء وابتسام، اتصلت وفاء على جبران حتى تبلغه بموعد ابتسام معها.
ـ السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام، إزيك يا دكتورة وفاء؟
ـ الحمد لله تمام… كنت عايزة أبلغ حضرتك إن مدام ابتسام اتصلت بيا وحددت معاد معايا بكرة الساعة عشرة الصبح.
ـ بجد؟!
ـ أيوه، واضح إن كلامي وصلها في العزومة… حاسة إنها بدأت تشك إن في حاجة غلط فعلاً.
ـ دي خطوة كبيرة… عمرها ما كانت هتطلب المساعدة لو ماكنتش فعلاً بدأت تحس إن في خلل.
ـ فعلاً… بس طلبت إن الموضوع يفضل سر بينها وبيني، حتى عن عمران.
ـ وده حقها طبعًا، ومهم نحترمه.
ـ إن شاء الله هبدأ معاها بهدوء، وهشوف مدخل نقدر نوصل منه لابتهال. بس حابة أبلغ حضرتك إني مش هقدر أوصلك كل حاجة هتتقال أو هتم لأن دي أسرار مرضى.
ـ أكيد طبعًا يا دكتورة وأنا ما عنديش مشكلة في كده نهائي… أنا أهم حاجة عندي النتيجة.
أنهت وفاء المكالمة، ثم عادت تنظر في مفكرتها…
وكتبت بخط واضح:
"ابتسام - جلسة أولى… مدخل لتفكيك عقدة التمييز العائلي."
ثم أغلقت الدفتر، وتمتمت:
ـ يا رب تهون.
***
في اليوم التالي
ذهبت ابتسام إلى العيادة في الموعد الذي اتفقت عليه مع وفاء.
دخلت بهدوء، وعينيها تائهة في تفاصيل المكان، وكأنها بتحاول تطمن نفسها إن ده مجرد كشف عادي، مش مواجهة مع ماضي عمره سنين.
استقبلتها وفاء بابتسامة دافئة وهي تشير لها بالجلوس:
ـ نورتيني يا مدام ابتسام، اتفضلي ارتاحي.
جلست ابتسام في مقعد مريح أمام مكتب وفاء، وتلاقت أعينهما للحظة.
ـ تحبي نبدأ من أول حاجة جت في بالك لما قررتي تكلميني؟
ـ (بصوت خافت) أنا طول عمري فاكرة نفسي أم كويسة… بس بنتي خلتني أشك في ده.
ـ بنتك ابتهال؟
أومأت ابتسام، ونظرت ناحية الأرض:
ـ أيوه… ابتهال.
طول عمرها قوية، ساكتة، مش بتشتكي… وأنا كنت شايفة إن القوي مش بيحتاجني.
سكتت لحظة، وكأن الكلام طالع من جوف وجع قديم، ثم تابعت:
ـ كنت دايمًا مشغولة بأختها… فردوس. هي ضعيفة، وبتتعلق بيا… كنت بحضنها وأحميها، وافتكرت إن ده كفاية.
لكن نسيت إن في واحدة تانية.
سألتها وفاء بلطف:
ـ إمتى بدأتي تحسي إنك محتاجة تتكلمي عن ده؟
ـ من يوم العزومة… لما شفتها واقفة كأنها ضيفة في وسطنا.
أخذت وفاء نفسًا عميقًا وقالت بنعومة:
ـ إحساس الذنب أول خطوة للتصحيح، وده لوحده مش قليل. بس خليني أسألك… بتحبي ابتهال؟
نظرت لها ابتسام بسرعة، والدموع في عينيها:
ـ مش عارفة يمكن معرفتش أحبها بالطريقة اللي تستحقها.
ابتسمت وفاء وقالت:
ـ مش متأخرة… دايمًا في فرصة نصلّح، بس محتاجين نبدأ من جوه.
ـ مدام وفاء في الماضي هل أهلك كانوا بيميزوا بينك انتي واخواتك؟
ـ إزاي؟
ـ يعني مثلا بيفضلوا الولاد عن البنات… الكبير عن الصغير كده؟
ـ لأ بالعكس بابا كان مشغول طول الوقت بره البيت والاولاد كانت يا بره مع صحابهم يا في الشغل. بس…
ـ بس إيه؟
ـ كان عندي اخت اصغر مني كانت مريضة وللأسف مكنش فيه علاج لحالتها. ماما كانت بتحبها أوي وبابا كمان، حتى أنا واخواتي كنا كلنا بنحبها ونحميها ومكناش بنخليها تعمل حاجة أبدا، كنا مستعدين ناخد من عمرنا ونديهالها. بس للأسف ماتت وسابت ذكرى جوه كل واحد فينا.
ـ كنتي بتحسي بغيرة منها أو من معاملة أهلك واخواتك ليها؟
ـ أبداً عمري ما حسيت بكده، بالعكس كنت بحبها أوي ولما توفت حزنت عليها أوي الله يرحمها.
ـ الله يرحمها.
ـ كان نفسي ابتهال تحب أختها كده وتخاف عليها.
ـ بس مدام ابتسام… انتي نفسك قلتي جملة خطيرة.
ـ أنهي جملة؟
ـ "كان نفسي ابتهال تحب أختها كده وتخاف عليها". انتي كنتي عايزة النتيجة… من غير ما توفري لبنتك نفس الظروف.
نظرت لها ابتسام باستغراب:
ـ طيب ممكن تحكيلي نبذات مميزة عن الخلافات اللي بتحصل بينكم؟
ظلت ابتسام تحكي لها مواقف قديمة وحديثة، مرورًا برغبة دخول ابتهال كلية الطب لتلتحق بعمران، إلى أنها كانت تريد أخذ كليتها، وانتهت بتسبب ابتهال بطلاق أختها.
ـ مدام ابتسام للأسف انتي كنت السبب في الفجوة العميقة دي. فجوة استمرت 28 سنة من عمر ابتهال.
ـ تقصدي إيه؟
ـ أقصد إنك حبيتي فردوس، وخلقتي ليها عالم أمان… وفي نفس الوقت، سبتي ابتهال تواجه الدنيا لوحدها. إزاي هتحب؟ وهي أصلاً ما خدتش حب كفاية؟ إزاي هتحمي؟ وهي طول عمرها اللي محتاجة حد يحميها؟
انخفضت عينا ابتسام وشعرت أن الكلمات دخلت في عمق ما كانت تتجنبه دومًا.
ـ أنا… أنا ظلمتها.
ـ للأسف ظلمتي ابتهال وفردوس، ظلمتي الاتنين.
رفعت ابتسام عينيها ببطء، نظراتها تائهة:
ـ فردوس؟ أنا كنت بحاول أحميها…
هزّت وفاء رأسها بهدوء:
ـ يمكن كنتي بتحبيها… بس حبك ليها خلاها أنانية، عايزة كل حاجة ليها. بقت ضعيفة الشخصية… مش عارفة تعتمد على نفسها أو تربي أولادها لوحدها. عودتيها إن كل حاجة عايزاه هتاخدها حتى لو في إيد أختها. لدرجة إنها أخدتك انتي من أختها. فردوس ذكية وعارفة إزاي تخليكي تنفذي اللي هي عايزاه من غير ما انتي ما تحسي. وانتي كنتي الحضن الوحيد اللي تعرفه.
ـ وأنا فين الغلط؟!
ـ الغلط إنك ما ساعدتيهاش تقف على رجليها… ولا ساعدتي التانية تحس إن ليها ضهر. الاتنين محتاجينك… لكن كل واحدة كانت محتاجة شكل حب مختلف. وانتي حبيتي بالطريقة اللي تريحك… مش اللي تفيدهم.
أغمضت ابتسام عينيها بقوة… صورة فردوس وهي بتنهار بعد طلاقها، وصورة ابتهال وهي داخلة غرفتها وواضح على معالمها الانهيار… كلها رجعت دفعة واحدة.
همست:
ـ أنا ما كنتش أم كفاية…
ردت وفاء بحنان:
ـ لازم تحاولي تصلحي اللي فات، المرة دي بشكل حقيقي.
سكتت، ثم أضافت:
ـ عايزاكي تفكري… إمتى كانت آخر مرة حضنتي ابتهال؟ من غير عتاب… من غير مقارنة… من غير فردوس؟
انهارت دموع ابتسام… ما لقيتش إجابة.
مسحت ابتسام دموعها بطرف المنديل، لكنها ما قدرتش تمنع صوتها المرتجف:
ـ أنا مش عارفة أبدأ منين… حتى لو حاولت، مش هتصدقني.
قالت وفاء بهدوء:
ـ الطبيعي إنها تشك… سنين من الوجع مش بيتمسحوا في يوم. بس تقدري تكسبي ثقتها… لو كنتي صادقة، وصبورة. واعرفي إن ابتهال ممكن متسامحكيش بسهولة. انتي بتتكلمي في عمر كامل 28 سنة، كانت فيهم ابتهال لوحدها.
نظرت لها ابتسام بتوسّل:
ـ أنا مستعدة أعمل أي حاجة… بس خايفة أفتح باب يطلع مقفول من ناحيتها.
ابتسمت وفاء بخفة:
ـ أوقات الأبواب اللي مقفولة… بتحتاج طرق معينة، مش قوة. ابتهال دلوقتي مش محتاجة تبريرات… ولا حتى اعتذار مباشر. لأن للأسف ما فيش لا مبررات عندك ولا اعتذارات تشفع. واعرفي إن اللي هتعمليه ده عشان خاطر ابتهال وحالتها النفسية في المقام الأول. هي محتاجة تحس… إنك شايفاها.
ـ شايفاها؟
ـ أيوه… شايفاها كبنتك، مش مجرد حد جنبك. شايفة وجعها، وبتحترمي سكوتها، حتى لو ما بتتكلمش. ابدئي بحاجة بسيطة… نظرة، حضن، كلمة صغيرة من غير مناسبة.
ابتسمت ابتسام بخجل:
ـ أحضنها؟ دي حتى مش بتقرب مني.
ـ ما تستنيش منها تقرب… هي مش هتبدأ تقرب. بالعكس. قربي انتي، وامسكي الباب من ناحيتك. لو فتحته مرة، حطي فيه رسالة… مش شرط ترد، لكن أكيد هتشوفها.
سكتت وفاء ثم أضافت بصوت أهدأ:
ـ وفردوس كمان… محتاجة تشوفيها على حقيقتها. مش مجرد بنت ضعيفة، لكن إنسانة لازم توقفيها على رجليها.
ـ تحسي إن كل حاجة عندي بايظة… مش عارفة أكون أم ليهم، ولا حتى صديقة.
ـ بالعكس، انتي أكتر واحدة تقدر. بس محتاجة ترجعي تكتشفي بناتك تاني، كأنك أول مرة تقابليهم… ابتهال، مش اللي في بالك. وفردوس، مش اللي كنتي فاكرة إنها بتنهار عشان بس قلبها ضعيف.
ابتسام هزّت راسها، والدموع رجعت تلمع في عينيها… لكن نبرة صوتها المرة دي كانت أهدى:
ـ تحبي أجيلك تاني؟
وفاء ابتسمت بكل دفء:
ـ طبعًا… ومرحب بيكي في أي وقت. وكل مرة هنتكلم، هتلاقي نفسك بتتغيّري شوية… من جواك، ومن حواليك.
***
في غرفة ابتهال لم تستطع الصمود أكثر من ذلك.
لم تذهب للعمل وقررت أن تأخذ إجازة وأغلقت الهاتف.
أصبحت جليسة الفراش.
خانها جسدها وبدأت حرارتها أن تعلو.
في كل مرة كانت تحارب بمفردها وتذهب للطبيب حتى لا تتدهور صحتها.
لكن هذه المرة قررت أن تترك نفسها للبحر يوجهها كما يشاء.
ليس لها القدرة على كبح جماح مشاعرها أكثر من ذلك.
ولا تريد أن تحارب، فقط قررت الاستسلام.
وبدأت تدريجياً أن تشعر بقشعريرة في جسدها ولكنها تجاهلتها وبدأت في الهذيان وفقدان الوعي تدريجياً.
عادت ابتسام من عند وفاء وجدت فردوس تشاهد التلفاز. بدأت تسألها عن ابتهال.
ـ أنا شايفه عربية ابتهال تحت، هي جت من الشغل بدري ولا إيه؟
ـ معرفش، هي مخرجتش من الأوضة أصلاً النهاردة.
ـ إزاي الكلام ده؟ الساعة 3 مخرجتش تاكل أو تشرب حتى.
ـ معرفش بس مشوفتهاش.
شعرت ابتسام ولأول مرة بخوف على ابتهال وذهبت مسرعة لغرفتها ووقفت أمام باب الغرفة مترددة.
طرقت الباب عدة طرقات لكنها لم تسمع إجابة.
مما جعل القلق يزداد داخلها. فتحت الباب واقتربت من ابتهال وجدت وجهها محمر. وضعت يدها على وجهها ووجدتها ساخنة. حاولت أن توقظها لكنها لم تستطع.
قامت بالنداء على فردوس لتستنجد بها واتصلت بعدها بعمران وهي تبكي.
ـ ألو عمران الحقني.
ـ فيه إيه؟ حصل إيه؟
ـ ابتهال.
شعر عمران كمن يفقد روحه، إعصار ضرب رأسه. ما بها ابتهال؟ يجلس ابتسام لأول مرة تبكي من أجلها.
تحدث عمران بصوت يكاد يكون مسموع:
ـ مالها ابتهال؟
ـ معرفش مابتنطقش ولا بترد عليّا!
لم يُجب عمران… ولا يعلم حتى كيف حملته قدماه، وكيف فتح باب بيته، وكيف قاد السيارة.
كل ما يدركه الآن… أن ابتهال تحتاجه، وهو… لن يتأخر.
في البيت، كانت فردوس تحاول تهدئة أمها، بينما تضع كمادات على جبين ابتهال، لكن حرارة وجهها كانت تشتعل.
قالت فردوس وهي تحاول السيطرة على نفسها:
ـ لازم نوديها المستشفى حالًا!
تحدثت ابتسام وهي ترتعش من الخوف على ابنتها، لأول مرة تشعر أنها من الممكن أن تضيع منها:
ـ استني عمران جاي!
ـ ماما، حالتها مش مستحملة… ممكن تكون في خطر!
وفي تلك اللحظة… دق جرس الباب.
فتحت فردوس مسرعة، فوجدته واقفًا كالمصدوم، وجهه شاحب، وعينيه تحترق.
ـ فينها؟
أشارت نحو الغرفة… دخل عمران، اقترب من السرير ببطء، وجثا على ركبتيه بجوارها.
نظر لوجهها المتعرّق، صوت أنفاسها متقطع… وعيناها مغمضتان، وكأنها تحلم بالهرب.
مدّ يده بحذر، ولمس يدها الباردة…
ـ ابتهال… أنا هنا.
لكنها لم تتحرك.
نظر إليهم جميعًا وقال بحسم:
ـ هنوديها المستشفى دلوقتي… يلا.
قام بحملها وذهب بها مسرعًا للخارج.
وذهبت ابتسام خائفة وجلست فردوس مع أبنائها في المنزل.
كان يقود عمران بأقصى سرعة، لم يعلم متى أو كيف ذهب للمشفى.
مهلًا، امبارح كنت مرهقة مقدرتش أكتب + كنت حاسة بخذلان كبير منكم لما طلبت منكم تصوتولي وتكتبوا اسمي. عدد صغير بس اللي دخل ورشحني وكتبوا اسمي. من كل الألوف اللي بتتابعني عدد صغير اللي دخل ورشح إن رواياتي ممكن تتعمل عمل تلفزيوني.
نزلت البارت النهارده وخليته طويل هدية لكل الناس اللي بتشجعني وبتتابعني بجد وشايفة إني أستحق.
خرج من السيارة وحمل ابتهال مرة أخرى ودخل بها الطوارئ.
قام الأطباء بأخذها منه وبدأوا بعمل الإسعافات الأولية لها ووضعوا لها محاليل بها أدوية خافضة للحرارة.
كان عمران يجلس في الخارج، العمود الفقري متحجر في عينيه، لم يشعر بابتسام ولا شيء آخر سوى أن يطمئن أولاً على ابتهال.
اتصل به والده أكثر من مرة حتى يعلم ما بها ابتهال.
فعندما رآه نزل مسرعًا بهذه الدرجة ولم يجيب على ندائه بدأ يشعر بالقلق واتصل على فردوس التي أخبرته بوضع ابتهال.
ـ يا ترى ممكن ابتهال تسامح؟
ـ هل فعلاً ابتسام فاقت؟
ـ تحبوا أنزلكم في بوست منفصل الحالة الطبية اللي كانت بتعاني منها ابتهال ولا مش لازم؟
أمـاني سيد
جحيم الغيرة
رواية جحيم الغيرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اماني سيد
ظلوا جالسين خارج غرفة الطوارئ، والقلق ينهش قلوبهم. كل دقيقة تمر كأنها دهر.
كانت أنفاس ابتسام متسارعة، وعيناها معلقتان بباب الغرفة المغلق. وكان عمران يتحرك ذهابًا وإيابًا كأن الأرض تضيق به.
وبعد فترة، فُتح الباب فجأة. خرج الطبيب بخطوات هادئة.
اندفع إليه عمران وابتسام بسرعة.
ـ خير يا دكتور طمنا، ابتهال عاملة إيه؟
ـ للأسف المريضة واضح إن عندها انهيار عصبي حاد. ده اللي سبب لها السخونة ووصلها للحالة اللي هي فيها. إحنا اديناها خافض للحرارة ومهدي وهتقعد معانا يومين عشان نطمن عليها.
ـ طيب ينفع ندخل نطمن عليها؟
ـ ننقلها غرفة عادية الأول وبعد كده تقدروا تشوفوها. عن إذنكم.
تركهم ورحل. وذهبت ابتسام لتجلس على أقرب كرسي لها وتفكر.
ماذا لو لم تذهب اليوم لوفاء ولم تتحدث معها بخصوص ابتهال؟ هل كانت ستظل ابتهال بمفردها إلى أن...؟
في تلك اللحظة شعرت بفداحة ما فعلته في السنين الفائتة.
بينما عمران ظل واقفًا مكانه لم يتحرك، وعيناه معلقتان على غرفة ابتهال. ويتساءل: ما الذي حدث ليجعل ابتهال تصل لتلك المرحلة؟ هل ضغط عليها بشكل مبالغ؟ ولكن مهما حدث، لم يتركها مرة أخرى.
نظر لابتسام ووجدها لأول مرة تبكي على ابتهال. اقترب منها بتوجس: أن تكون هي السبب فيما وصلت إليه ابتهال، أو حدث شيء بسببها أوصلها لتلك المرحلة.
ـ هو في حاجة حصلت أو حد قالها حاجة وصلها للمرحلة دي؟
ـ خالص، أنا كنت في مشوار، روحت البيت لقيت عربيتها موجودة ودي أول مرة تحصل. سألت فردوس قالت لي ابتهال مخرجتش من أوضتها. دخلت أطمن عليها لقيتها بالوضع ده.
ـ يعني هي من الصبح أو يمكن من امبارح سخنة وتعبانة ومحدش فكر يدخل يطمن عليها؟ افتكروا يطمنوا عليها لما عدى يوم ومظهرتش.
بدأ الانفعال يظهر على وجهه.
ـ يعني كان ممكن تموت من غير ما حد يعبرها... تفتكري لو كانت فردوس اللي مكانها واتأخرت شوية في النوم كنت سبتيها؟ أكيد لأ، كان زمانك مكلمة العيلة كلها ومعرفاهم إن فردوس... لكن دي ابتهال مش مهم تتعب تموت عادي... صح؟
لم تستطع ابتسام الرد عليه، وإنما ازداد بكاؤها. فهو محق في حديثه.
لم تستطع ابتسام الرد، وإنما ازداد بكاؤها. صوتها المكتوم يخرج كالأنين، وعيناها لا تجرؤان على النظر إليه.
ظل عمران واقفًا، يراقبها للحظات، ثم زفر بقوة وكأن الحديث استنزفه. رفع يده إلى وجهه ومسح عينيه، ثم جلس على الكرسي المقابل لها.
قال بصوت مبحوح:
ـ أنا مش بقول الكلام ده عشان أوجعك... بس لأن ابتهال خلاص... ما عادش فيها طاقة تستحمل أكتر.
سكت لحظة، ثم أكمل:
ـ كانت دايمًا بتبان قوية... بس الحقيقة إنها كانت بتتحمل لوحدها. وإحنا كلنا... كنا بنسيبها تغرق.
اجتمعت الدموع في عينه ولكنه أكمل:
ـ وأنا كمان سبتها تغرق لوحدها... رغم إني عارف وضعها.
رفعت ابتسام عينيها أخيرًا، ونظرت له بتعب:
ـ عمران... أنا كنت فاكرة إني بحمي فردوس... بس واضح إني كنت بموت ابتهال بالبطيء.
نظر إليها مطولًا، ثم قال بهدوء:
ـ ابتهال جوه لو تقدري تعملي حاجة اعمليها. روحي لها... بس مش كأم... كإنسانة عايزة تسند اللي وقعت بجد.
في تلك اللحظة، خرج أحد الممرضين ونظر إليهما:
ـ المريضة انتقلت غرفتها. ممكن تشوفوها دلوقتي.
توجه عمران وابتسام لغرفة ابتهال، وظلوا جالسين صامتين منتظرين ابتهال أن تستيقظ.
بعد مرور عدة ساعات، بدأت ابتهال تستيقظ ولكنها تشعر بوجع بكامل جسدها ورأسها.
اقترب منها عمران وابتسام مسرعين حتى يطمئنوا عليها.
ـ ابتهال انتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟
نظرت ابتهال لعمران بضعف.
ـ أنا دماغي وجعاني أوي وجسمي مكسر.
ـ استنى هنادي الدكتور يشوفك.
ذهب عمران مسرعًا ليجلب الطبيب. وبعدها ذهب الدكتور معه ليكشف عليها ويطمئن على الحالة.
كانت ابتسام واقفة بجانبها، كانت تبكي ولا تعلم ماذا تفعل. اقتربت منها وأمسكت كفها برفق. مما جذب انتباه ابتهال لها.
نظرت لها ابتهال بتعجب من وضعها وضيقت ما بين حاجبيها.
ـ هو في إيه؟ الدكتور قالكم إني هموت ولا إيه؟
ـ لأ بعد الشر عنك... أنا بس كنت قلقانة عليكي.
سحبت ابتهال يدها من يد ابتسام ثم نظرت تجاه الباب منتظرة عودة عمران.
دخل عمران وخلفه الطبيب واطمأن على وضع ابتهال وأعطاها بعض المسكنات من خلال المحلول المعلق بيدها.
ـ ما تقلقيش الوجع اللي في راسك ده من السخونة. إحنا اديناكي محاليل وكل حاجة هتبقى تمام وبكرة آخر اليوم تقدري تخرجي بس تلتزمي بالأدوية.
أومأت ابتهال رأسها بنعم.
خرج الطبيب وجلس عمران بجانبها.
ـ كده تقلقينا عليكي، إحنا كنا هنموت من الخضة.
ـ أنا كويسة الحمد لله، هما شوية سخونية بس.
ـ انتي مستهينة ليه بالتعب؟ ليه ما كلمتنيش أجي أوديكي للدكتور؟ ليه ماكلمتيش مامتك ولا أختك حتى؟
ـ الموضوع مش مستاهل يا عمران، انت مكبر الموضوع... المهم لما المحلول يخلص أنا هروح مش هستنى لبكرة.
ـ لا هنستنى وأنا هبات معاكي كمان.
تحدثت ابتسام بقلق:
ـ ابتهال مش هيحصل حاجة لو استنينا النهاردة كمان وأنا هبات معاكي.
ـ الموضوع مش مستاهل، أنا عايزة أمشي.
ـ اسمعي الكلام، أنا هبات معاكي وهطلب عربية لمامتك تروح وتيجي بكرة على الأقل تجيب لك لبس عشان تروحي بيه.
نظرت ابتهال لملابسها ووجدت نفسها ترتدي زي المشفى.
ـ أنا هدومي فين؟
ـ مافيش غير بيجامة البيت اللي كنتي لابساها وعمران شالك وجابك بيها.
نظرت له بخجل ولم تعلق.
ـ بقولك إيه يا ابتهال أنا جعان وما أكلتش حاجة من الصبح وانتي أكيد جعانة. هنزل أجيب لنا حاجة ناكلها وأطلب لمامتك العربية توصلها.
ـ لا أنا هبات معاها.
ـ ماينفعش، لازم تروحي على الأقل تجهزي لها غدا وتجيبي لبس.
ـ هكلم فردوس تعمل هي.
ظل عمران يلح عليها أن تذهب حتى يستطيع أن يجلس معها بمفرده ويحاول أن يقترب منها مرة أخرى.
بعد فترة تحت ضغط عمران ولا مبالاة ابتهال، ذهبت ابتسام للمنزل. وذهب عمران وجلب بعض الطعام المشوي حتى لا يؤثر على ابتهال.
دخل غرفة ابتهال، كانت تجلس تنظر للفراغ. دخل إليها عمران وجلس أمامها وجلب الطاولة ووضعها أمامها ووضع أمامها الطعام.
ـ يلا بقى عشان ناكل لأني فعلاً هموت من الجوع.
ـ هو موبايلي فين؟
ـ بصي أنا بقول إيه وانتي بتقولي إيه، موبايلك في البيت ماتقلقيش هكلم مامتك تجيبه.
ـ تمام وكلم الدكتور عشان يكتب لي إجازة عشان الشغل.
ـ حاضر ماتقلقيش هنعمل كل اللي إنتي عايزاه.
ـ هو مين كلمك؟
ـ مامتك كانت بتكلمني وكانت منهارة من العياط، أنا أول مرة أشوفها بالوضع ده.
ـ يمكن افتكرتني مت.
ـ بعد الشر عنك، على فكرة هي بتحبك بس مش عارفة تعبر.
ـ انت مش فاهم حاجة.
ـ طيب فهميني.
ـ مالوش لازوم، يلا ناكل.
ـ طيب أنا هأكلك.
ـ نعم؟؟
ـ إنتي تعبانة وأنا لازم أساعدك آمال أنا قاعد معاكي ليه؟ 😉
ـ أنا عندي برد يا عمران إيدي ما اتكسرتش. 😏😏
ـ مش مهم المهم إنك تعبانة في المستشفى وأنا لازم أساعدك.
ـ بقولك إيه أنا شبعت قوم.
ـ خلاص خلاص هساعدك بس ماشي.
جلس عمران، ظل يناكش ابتهال حتى يجعلها تضحك على مزاحه.
بعد ما انتهوا من الطعام، شعرت ابتهال بثقل في رأسها من تلك الأدوية. وضعت يدها على جبهتها وقالت بصوت خافت:
ـ حاسة دماغي تقيلة أوي...
اقترب منها عمران بسرعة، وقال بقلق:
ـ تعبانة؟ تحبي أنادي الدكتور؟
هزت رأسها نفيًا:
ـ لأ، أنا بس محتاجة أنام شوية... الأدوية دي بتخدرني.
غطاها عمران بالبطانية برفق، وقال بصوت منخفض:
ـ طيب نامي وأنا هفضل قاعد هنا، لو احتجتي أي حاجة ناديني.
نظرت له بعين نصف مغلقة، وهمست:
ـ إنت لسه زي ما إنت… كلامك كتير…
ابتسم وقال بهدوء:
ـ بس المرة دي... كلامي له معنى.
سكنت الغرفة بصمتٍ دافئ، وجلست ابتهال تغلق عينيها ببطء، بينما جلس عمران يراقبها، يتأمل ملامحها وهي تغفو كأنها طفلة منهكة… همس لنفسه: "أهو أول خطوة… ولسه الطريق طويل، بس أنا مش هسيبك تاني، ابتهال."
مر الليل وكان عمران يجلس أمامها يراقبها إلى أن غفى هو الآخر. ولم يستيقظوا إلا في اليوم الثاني، على صوت والدتها.
ـ ها عاملة إيه النهارده؟
ـ الحمد لله، أنا جبت لك لبس أهو وصحيت بدري جهزت لك غدا خفيف.
ـ أنا شبعانة والمستشفى بتجهز وجبات.
ـ لا ده أكل بيتي نضيف وبعدين ولا يهمك كلي ده وده.
ـ مامتك عندها حق يا ابتهال تفطري الأكل ده يغذيكي ووقت الغدا كلي الوجبة.
ـ طيب جبتي التليفون بتاعي؟
ـ آه عمران كلمني وقالي إنك عايزة التليفون شحنته وجبتهولك أهو.
فتحت ابتهال الهاتف وجدت عدد كبير من الرسائل من زملائها يطمئنون عليها. وبعدها وجدت الهاتف يرن. قامت بالإجابة عليهم في العمل وأخبرتهم بوضعها وأخبروها أنهم سيمرون عليها بعد العمل حتى يطمئنوا عليها.
وبالفعل مر باقي اليوم في محاولة من عمران وابتسام أن يقتربوا من ابتهال، ولكنها تتعامل معهم ببرود تام، فهي على علم بنية والدتها، ولكن وقت المواجهة ليس الآن ولا في ذلك المكان.
أتى زملاؤها في العمل واطمأنوا عليها وجابوا معهم بعض الفاكهة والحلوى. تحت شعور الغيرة من عمران بوجود بعض الزملاء من الرجال. ظلوا يتحدثون معها واستطاعوا إخراجها من تلك الحالة التي كانت مسيطرة عليها. وبعدها انصرفوا وأخذوا معهم ورقة الإجازة وأخبروها أن تهتم بنفسها وهم سيتولوا عملها في تلك الفترة.
بعد انصرافهم أتى الطبيب وكتب لها خروج وهمس لعمران بضرورة عرضها على طبيب نفسي.
وصلوا المنزل وقررت ابتهال أن تستريح في غرفتها، لكن ابتسام طلبت منها أن تتحدث معها في موضوع ما. حاول عمران أن يؤجل تلك المواجهة إلى أن يسأل وفاء عن وضع ابتهال، إلا أن ابتسام كانت متسرعة. أرادت أن تخبر ابنتها أن تعطيها فرصة لتتقرب منها، ظنًا منها أنها بتلك الطريقة تساعدها على الشفاء. لم تعلم أن بذلك جعلت ابتهال تتأكد من ظنونها.
ـ ابتهال… أنا عايزة أتكلم معاكي شوية، لو تسمحي.
قالت ابتسام ذلك بنبرة خافتة، تحاول أن تبدو حنونة، لكن فيها شيء من الإلحاح الذي تعرفه ابتهال جيدًا.
نظرت إليها ابتهال بهدوء، ثم قالت:
ـ أنا مرهقة، وكنت داخلة أستريح.
تدخل عمران بسرعة:
ـ ممكن نأجل الكلام شوية يا طنط؟ خليها ترتاح، ونتكلم وقت أهدى.
لكن ابتسام تجاهلت حديثه، واقتربت أكثر من ابنتها.
ـ مش هاخد من وقتك كتير. بصي أنا عارفة إني غلطت زمان وكنت قاسية عليكي، عايزة تديني فرصة أصلح الماضي ونخلي العلاقة كويسة بينك انتي وأختك.
ابتسمت ابتهال وازدادت ابتسامتها تدريجيًا إلى أن تحولت لضحك هستيري.
ـ طيب كنتي استنيتي لما تتأكدي إني بقيت كويسة. بس تمام طالما فتحتي الكلام يبقى نكمله.
تحدث عمران بقلق من هيئة ابتهال:
ـ أهدي يا ابتهال واجلي أي كلام دلوقتي.
ـ ابعد عني انت فاهم، مين انت عشان تقولي أهدي وماهدش؟ كنت فين انت... أنت فاكر إني صدقتك بعد الكلمتين اللي جيت تقولهملي؟ أبوكي مانعني ومعرفش إيه. أنت عارف أبويا ميت من امتى؟ كنت فين انت بعدها ها؟ كنت عايش حياتك مفكرتش تسيب لي رسالة حتى مع عمي.... أنت فاكر إن كلامك ده دخل دماغي.
سكت عمران، وتراجع خطوة للخلف. كان كأنها صفعت روحه، مش بس كلامه.
نظرت إليه ابتهال وعيناها ممتلئتان بالغضب والحزن والخذلان:
ـ أنت عارف أنا كنت محتاجاك إمتى؟ مش دلوقتي… مش بعد ما وقعت وبقيت على الأرض! أنا كنت محتاجاك من سنين... لما كنت ببكي لوحدي، لما كنت بكره نفسي وأنا شايفة أمي مش شايفاني، وأنت… ولا على بالك!
اقتربت منه خطوة، وصوتها ارتجف:
ـ جربت مرة تبعت لي رسالة؟ جربت تطمن؟ كنت بتنام مرتاح وأنت عارف إنك سبتني في وسطهم أتحرق؟!
حاول عمران يتكلم، لكن ابتسام قالت بصوت باكي:
ـ كفاية يا ابتهال… حرام عليكي، هتتعبى نفسك.
نظرت لها ابتهال بنظرة قاسية وقالت:
ـ لا يا ماما، التعب جه منكم، مش مني. طول عمري بحاول أثبت لك إني أستحق، وإنتِ… ولا مرة شفتيني. دلوقتي فجأة عايزة تبقي أمي وتصلحي علاقتي بأختي!
فينك من عشرين سنة؟
اقتربت ابتهال أكثر من والدتها، وعيونها تلمع من شدة القهر:
ـ كنتي فين لما حرمتيني أدخل الكلية اللي كنت بحلم بيها؟ كنتي بتقولي "مش هتنفعي، دي مش ليكي"... وسمعت الكلام غصب عني… وضيعت حلمي عشان إنتي شايفة إن أختي نفسيتها هتتعب ... وقبل ما ترد، أكملت بصوت أعلى:
ـ وكنتي فين لما كنت بموت من الوجع وعمتي وعمي هما اللي بيشيلوني ويجروا بيا على المستشفيات؟ كنتي حتى بتعرفي إني تعبانة؟ ولا كنتي شايفة إن وجع فردوس أكتر أهمية من وجعي؟!
سكتت لحظة، ثم ابتسمت بسخرية:
ـ حتى يوم تخرجي… كنت واقفة بتتصوري مع فردوس… وأنا لوحدي… الصور كلها فيها هي، وأنا… ولا واحدة. رغم إن ده يوم تخرجي أنا مش هي.
في هذه اللحظة، لم تستطع فردوس التحمل، وتقدمت خطوة وقالت بصوت مهزوز:
ـ ابتهال… كفاية… في إيه ماما عايزة تصالحك.
التفتت إليها ابتهال بسرعة، وصرخت:
ـ تصالحني؟ ده إنتي طول عمرك واخدة كل حاجة… حتى الحنية… حتى الحضن اللي عمري ما عرفته، كنتوا شايفيني إيه؟ ضيفة؟ بنت درجة تانية؟!
تدخل عمران بخوف وهو يرى انهيارها يتصاعد:
ـ ابتهال كفاية، هتتعبى نفسك… بلاش كده.
صرخت من بين دموعها:
ـ لأ يا عمران… لازم أتكلم… أنا اللي ساكتة بقالي سنين، أنا اللي كنت بضحك في وشهم، وقلبي بينزف، كنت بقول "أنا قوية"، بس الحقيقة إني كنت بتكسر كل يوم بصمت!
ثم نظرت لوالدتها وقالت بمرارة:
ـ عايزة نتصالح؟ تحبي أقولك إنتي ليه دلوقتي عايزانا نتصالح؟
ثم نظرت لعمران بقهر:
ـ تحب تعرف هي ليه دلوقتي عايزة تصالحني وعاملة قلبها عليا؟ هي عايزة تعمل كده عشان… تفتكروا في سبب تاني يخلي ابتسام عايزة تصالح ابتهال؟ وابتهال عارفاه؟
مر الليل وكان عمران يجلس أمامها يراقبها إلى أن غفى هو الآخر. ولم يستيقظوا إلا في اليوم الثاني، على صوت والدتها.
ـ ها عاملة إيه النهارده؟
ـ الحمد لله، أنا جبت لك لبس أهو وصحيت بدري جهزت لك غدا خفيف.
ـ أنا شبعانة والمستشفى بتجهز وجبات.
ـ لا ده أكل بيتي نضيف وبعدين ولا يهمك كلي ده وده.
ـ مامتك عندها حق يا ابتهال تفطري الأكل ده يغذيكي ووقت الغدا كلي الوجبة.
ـ طيب جبتي التليفون بتاعي؟
ـ آه عمران كلمني وقالي إنك عايزة التليفون شحنته وجبتهولك أهو.
فتحت ابتهال الهاتف وجدت عدد كبير من الرسائل من زملائها يطمئنون عليها. وبعدها وجدت الهاتف يرن. قامت بالإجابة عليهم في العمل وأخبرتهم بوضعها وأخبروها أنهم سيمرون عليها بعد العمل حتى يطمئنوا عليها.
وبالفعل مر باقي اليوم في محاولة من عمران وابتسام أن يقتربوا من ابتهال، ولكنها تتعامل معهم ببرود تام، فهي على علم بنية والدتها، ولكن وقت المواجهة ليس الآن ولا في ذلك المكان.
أتى زملاؤها في العمل واطمأنوا عليها وجابوا معهم بعض الفاكهة والحلوى. تحت شعور الغيرة من عمران بوجود بعض الزملاء من الرجال. ظلوا يتحدثون معها واستطاعوا إخراجها من تلك الحالة التي كانت مسيطرة عليها. وبعدها انصرفوا وأخذوا معهم ورقة الإجازة وأخبروها أن تهتم بنفسها وهم سيتولوا عملها في تلك الفترة.
بعد انصرافهم أتى الطبيب وكتب لها خروج وهمس لعمران بضرورة عرضها على طبيب نفسي.
وصلوا المنزل وقررت ابتهال أن تستريح في غرفتها، لكن ابتسام طلبت منها أن تتحدث معها في موضوع ما. حاول عمران أن يؤجل تلك المواجهة إلى أن يسأل وفاء عن وضع ابتهال، إلا أن ابتسام كانت متسرعة. أرادت أن تخبر ابنتها أن تعطيها فرصة لتتقرب منها، ظنًا منها أنها بتلك الطريقة تساعدها على الشفاء. لم تعلم أن بذلك جعلت ابتهال تتأكد من ظنونها.
ـ ابتهال… أنا عايزة أتكلم معاكي شوية، لو تسمحي.
قالت ابتسام ذلك بنبرة خافتة، تحاول أن تبدو حنونة، لكن فيها شيء من الإلحاح الذي تعرفه ابتهال جيدًا.
نظرت إليها ابتهال بهدوء، ثم قالت:
ـ أنا مرهقة، وكنت داخلة أستريح.
تدخل عمران بسرعة:
ـ ممكن نأجل الكلام شوية يا طنط؟ خليها ترتاح، ونتكلم وقت أهدى.
لكن ابتسام تجاهلت حديثه، واقتربت أكثر من ابنتها.
ـ مش هاخد من وقتك كتير. بصي أنا عارفة إني غلطت زمان وكنت قاسية عليكي، عايزة تديني فرصة أصلح الماضي ونخلي العلاقة كويسة بينك انتي وأختك.
ابتسمت ابتهال وازدادت ابتسامتها تدريجيًا إلى أن تحولت لضحك هستيري.
ـ طيب كنتي استنيتي لما تتأكدي إني بقيت كويسة. بس تمام طالما فتحتي الكلام يبقى نكمله.
تحدث عمران بقلق من هيئة ابتهال:
ـ أهدي يا ابتهال واجلي أي كلام دلوقتي.
ـ ابعد عني انت فاهم، مين انت عشان تقولي أهدي وماهدش؟ كنت فين انت... أنت فاكر إني صدقتك بعد الكلمتين اللي جيت تقولهملي؟ أبوكي مانعني ومعرفش إيه. أنت عارف أبويا ميت من امتى؟ كنت فين انت بعدها ها؟ كنت عايش حياتك مفكرتش تسيب لي رسالة حتى مع عمي .... أنت فاكر إن كلامك ده دخل دماغي.
سكت عمران، وتراجع خطوة للخلف. كان كأنها صفعت روحه، مش بس كلامه.
نظرت إليه ابتهال وعيناها ممتلئتان بالغضب والحزن والخذلان:
ـ أنت عارف أنا كنت محتاجاك إمتى؟ مش دلوقتي… مش بعد ما وقعت وبقيت على الأرض! أنا كنت محتاجاك من سنين... لما كنت ببكي لوحدي، لما كنت بكره نفسي وأنا شايفة أمي مش شايفاني، وأنت… ولا على بالك!
اقتربت منه خطوة، وصوتها ارتجف:
ـ جربت مرة تبعت لي رسالة؟ جربت تطمن؟ كنت بتنام مرتاح وأنت عارف إنك سبتني في وسطهم أتحرق؟!
حاول عمران يتكلم، لكن ابتسام قالت بصوت باكي:
ـ كفاية يا ابتهال… حرام عليكي، هتتعبى نفسك.
نظرت لها ابتهال بنظرة قاسية وقالت:
ـ لا يا ماما، التعب جه منكم، مش مني. طول عمري بحاول أثبت لك إني أستحق، وإنتِ… ولا مرة شفتيني. دلوقتي فجأة عايزة تبقي أمي وتصلحي علاقتي بأختي!
اقتربت ابتهال أكثر من والدتها، وعيونها تلمع من شدة القهر:
ـ كنتي فين لما حرمتيني أدخل الكلية اللي كنت بحلم بيها؟ كنتي بتقولي "مش هتنفعي، دي مش ليكي"... وسمعت الكلام غصب عني… وضيعت حلمي عشان إنتي شايفة إن أختي نفسيتها هتتعب ... وقبل ما ترد، أكملت بصوت أعلى:
ـ وكنتي فين لما كنت بموت من الوجع وعمتي وعمي هما اللي بيشيلوني ويجروا بيا على المستشفيات؟ كنتي حتى بتعرفي إني تعبانة؟ ولا كنتي شايفة إن وجع فردوس أكتر أهمية من وجعي؟!
سكتت لحظة، ثم ابتسمت بسخرية:
ـ حتى يوم تخرجي… كنت واقفة بتتصوري مع فردوس… وأنا لوحدي… الصور كلها فيها هي، وأنا… ولا واحدة. رغم إن ده يوم تخرجي أنا مش هي.
في هذه اللحظة، لم تستطع فردوس التحمل، وتقدمت خطوة وقالت بصوت مهزوز:
ـ ابتهال… كفاية… في إيه ماما عايزة تصالحك.
التفتت إليها ابتهال بسرعة، وصرخت:
ـ تصالحني؟ ده إنتي طول عمرك واخدة كل حاجة… حتى الحنية… حتى الحضن اللي عمري ما عرفته، كنتوا شايفيني إيه؟ ضيفة؟ بنت درجة تانية؟!
تدخل عمران بخوف وهو يرى انهيارها يتصاعد:
ـ ابتهال كفاية، هتتعبى نفسك… بلاش كده.
صرخت من بين دموعها:
ـ لأ يا عمران… لازم أتكلم… أنا اللي ساكتة بقالي سنين، أنا اللي كنت بضحك في وشهم، وقلبي بينزف، كنت بقول "أنا قوية"، بس الحقيقة إني كنت بتكسر كل يوم بصمت!
ثم نظرت لوالدتها وقالت بمرارة:
ـ عايزة نتصالح؟ تحبي أقولك إنتي ليه دلوقتي عايزانا نتصالح؟
ثم نظرت لعمران بقهر:
ـ تحب تعرف هي ليه دلوقتي عايزة تصالحني وعاملة قلبها عليا؟ هي عايزة تعمل كده عشان… تفتكروا في سبب تاني يخلي ابتسام عايزة تصالح ابتهال؟ وابتهال عارفاه؟
رواية جحيم الغيرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اماني سيد
حاول عمران تهدئتها والسيطرة عليها، لكنه لم يستطع.
كانت تنفجر لأول مرة، وكأنها تخترق جدران الصمت اللي بنته سنين.
صرخت وهي تشير إلى قلبها:
ـ اسكت ماتحاولش تسكتني انت فاهم ... مش عايزة حد منكم يعمل إن قلبه عليا انتوا فاهمين.
ثم نظرت لابتسام بقهر وخزلان:
ـ انتي عارفة سر تغييرك ده إيه؟
مش إنك مرة واحدة حسيتي بالذنب ولا إنك مقصرة مع إن ياما الناس كلمتك.
انتي كلام وفاء خطيبة الأستاذ...
وأشارت لعمران:
... دخل جواكي وخلاكي تفكري في مصير فردوس لو جرالك حاجة هتعملي إيه من بعدك.
فقولتي إيه أصلح بينها وبين أختها عشان لو جرالي حاجة تلاقي اللي يسندها ويبقى كده سبتي لها ورثك ومعاش يعيشها حلو.
وفوق ده كله أخت تاخد بالها منها وتحميها... وأهو تبقى استفدتي مني بحاجة.
صمت المكان من وقع كلماتها، ثم أكملت وهي بتبص لابتسام بمرارة:
ـ وأنا إيه؟ ورقة تأمين؟ خطة احتياطية لفردوس؟
أنا اللي طول عمري بتشحت حضنك...
دلوقتي فجأة بقيت مهمة... علشان تنامي وإنتي مطمنة إن بنتك هتلاقي اللي يشيلها لو انتِ ماشية؟
سحبت نفس مرتعش وقالت بضحكة مكسورة:
ـ تبقى ماشية الحياة صح؟
فردوس تفضل مدلعة طول عمرها... وأنا... أكون اللي يسندها؟ اللي أشيل؟
أنا اللي كنت بشيل نفسي بالعافية!
نظرت لعمران نظرة سريعة ثم قالت:
ـ فهمت وعرفت إيه سر تغيرها المفاجئ.
طيب حتى كنتي اصبري لما أرجع أقف تاني على رجلي تاني.
لكن انتي مستعجلة فاكرة إنك لما تقولي كده هجري عليكي وأقولك آه ننسى الماضي ونمحيه.
نظرت لوالدتها، والغصة في صوتها بتكتم أنفاسها، وقالت بمرارة:
ـ حتى لما قررتي "تصلّحي"، ما فكرتيش أنا مستعدة ولا لأ... ولا إن رجلي لسه مش ثابتة...
كنتي مستعجلة عشان تخلصي ذنبك... مش عشاني!
ثم نظرت حواليها وقالت بصوت باهت:
ـ عارفة لما حد بيقع في حفرة؟ مش أول حاجة يعملها إنه يبتسم ويحضن اللي رماه فيها... هو بيحاول يطلع الأول... يلاقي نفسه.
رجعت تبص لابتسام وعيونها مليانة خذلان:
ـ لما أوقف تاني... لو أوقفت... ساعتها يمكن أفكر.
لكن دلوقتي؟ أنا لسه واقعة... ومش عايزة إيد تمدلي... عايزة حد يفهم أنا وقعت ليه.
ثم بصت لعمران، وقالت بصوت أخف:
ـ حتى إنت... كنت مستعجل ترجعني، من غير ما تسألني أنا واقفة على رجلي فعلاً؟ ولا لسه بتسند على الحيطان علشان ما أقعش تاني؟
صمت تام في المكان.
كانت خلاص بتلف عشان تمشي... لكنها وقفت، وبصت لفردوس...
نظرة طويلة، مش فيها كره... لكن فيها وجع من نوع تاني.
قربت منها خطوتين، وقالت بصوت هادي لكنه مشحون:
ـ عارفة يا فردوس... وأنا صغيرة، كنت كل ليلة بدعي ربنا... إنكم تبصولي زي ما بتبصولك.
تحبوني زي ما بتحبوكي.
كنت ببص لماما وهي بتحضنك وأقول: هو أنا مش بنتها برضو؟
رمشت بعينيها ومسحت دمعة على عجل، وقالت:
ـ أنا ماكرهتكيش يا فردوس... بس عمري ما حبيتك.
لأنك كنتِ السبب في كل مرة كنت أتحرم فيها من حاجة بحبها.
نظرت لها نظرة مكسورة، وقالت بصوت منخفض بس كل حرف فيه بيقطع:
ـ عارفه أنا ليه مادخلتش الكلية اللي كنت بحلم بيها؟
علشان "فردوس مش عايزة الناس تقول أختها أحسن"، "مش وقتها دلوقتي"، "خليكي جنب أختك".
ونسيتوا إن عندي حلم... صوت... حياة.
شهقت شهقة مكتومة، وبعدين كملت:
ـ حتى الشخص اللي حبيته... انتي خدتيني منه.
مش بإيدك يمكن... بس وجودك لوحده كان كفاية يطفيه ناحيتي.
كنتِ دايمًا الأنعم... الأهدأ... البنت اللي محتاجة تتحب.
ضحكت ضحكة فيها مرارة وقالت:
ـ وأنا؟ أنا اللي المفروض أتحمل. أشيل. أسندك وإنتي بتقعي... بس محدش سأل نفسه: وأنا؟ أنا بوقع من إمتى؟
ثم نظرت في عينيها مباشرة وقالت:
ـ مافيش بينا غيرة يا فردوس... في بينا فرق.
فرق اتخلق من بدري، وكبر بينا، وأنا فضلت أعدّي عليه لوحدي... لحد ما خلاص... بقى حاجز.
ثم همست بنبرة موجعة:
ـ أنا آسفة إن اللي جوايا ما طلعش إلا دلوقتي... بس لو ساكتة طول العمر... ما كنتش هلاقي نفسي أبدًا.
عم السكون بعد كلمات ابتهال.
ابتسام حاولت تفتح بقها، صوتها طلع مهزوز:
ـ ابتهال يا بنتي أنا...
لكن قبل ما تكمل، عمران رفع إيده قدامها بسرعة وقال بحدة هادية:
ـ لا، من فضلك... مش دلوقتي.
بص لها بنظرة كلها عتاب وكأن لسان حاله بيقول: "كفاية اللي فيها".
ثم التفت لابتهال، كانت واقفة ووشها شاحب، عينيها حمرا، إيدها بتترعش وهي بتحاول تحافظ على تماسكها... لكنها كانت بتنهار حرفيًا.
اقترب عمران منها خطوة وقال بهدوء خائف:
ـ ابتهال... تعالي نقعد شوية.
لكنها هزت راسها بقوة، تركته وذهبت.
مد إيده ناحية كتفها بحذر، لكنها انسحبت خطوة وقالت بصوت مبحوح:
ـ سيبني يا عمران... أرجوك.
ابتسام وضعت يدها على صدرها وهي تحاول كتم بكاءها.
نظرت لفردوس اللي كانت مصدومة وعاجزة، لكن عمران وقف حائل بينهم، صلب، وقال بهدوء حاسم:
ـ كفاية.
كل كلمة دلوقتي هتوجع أكتر.
سيبوها... على الأقل المرة دي... خلوها تختار، مش تتفرض عليها حاجة.
كانت خطواتها متكسرة وهي بتتجه لغرفتها، إيدها بتسند على الحيط بهدوء، بس واضح إنها فقدت كل طاقتها.
وصلت لباب غرفتها، مدت إيدها عشان تفتحه... لكن فجأة، كل حاجة بدأت تتهز قدام عينيها.
الصوت اتوهن، الصورة اتشوشت... الدنيا بقت سودا.
كادت تفتح الباب، لكن ركبتها خانتها، ووقعت بكل ثقلها على الأرض، وارتطم جسمها بالبلاط البارد.
شهقت شهقة صغيرة، ثم انطفأ كل شيء.
صرخت فردوس:
ـ ابتهال!!
وصرخت ابتسام بارتباك مرعوب:
ـ ابتهال!! بنتي!!! يا عمران بسرعة!!!
ركض عمران نحوها، جثى بجوارها، قلبه بيرفرف من الرعب، رفع رأسها بحذر، لمس وجهها وجدها باردة.
حملها ووضعها في غرفتها.
في نفس اللحظة وصل جبران ومعه وفاء.
استغرب عمران من وجود أبيه في ذلك الوقت لكن لم يكن هناك وقت للاستغراب.
دخلت وفاء غرفة ابتهال وأعطتها حقنة مهدئة وأخبرتهم انها ستيقظ بعد فترة وعليها ان تتحدث معهم أولا.
قررت في البداية ان تتحدث مع ابتسام بمفردها لانها السبب الرئيسي لما وصلت اليه ابتهال.
دخلوا غرفة ابتسام وجلست ابتسام تبكي.
طلبت وفاء من فردوس صنع كوبا من الليمون حتى تحاول تهدئتها.
بتكسب لحظة هدوء لابتسام.
أغلقت وفاء الباب، ثم سحبت كرسي وجلست أمام ابتسام، وانتظرت لحظات بصبر، لحد ما صوت بكاءها بدأ يهدأ.
قالت وفاء بنبرة ناعمة لكنها مباشرة:
ـ انتي أم، مش كده؟
ابتسام هزت راسها ببكاء مكتوم:
ـ آه... وأم فاشلة كمان.
وفاء مالت للأمام شوية وقالت:
ـ بلاش فاشلة خلينا نقول أخطأت خطأ كبير.
رفعت عينيها نحو وفاء، نظرة فيها ذنب وخجل، وقالت بصوت ضعيف:
ـ ماكنتش أعرف إن ابتهال موجوعة كده... أنا كنت فاكرة إنها قوية... حتى وهي بتضحك كنت بحس إنها متماسكة، بعكس فردوس... فردوس دايمًا محتاجة حضني، محتاجة كلمة... ابتهال عمرها ما طلبت مني حاجة.
وفاء ابتسمت بحزن وقالت:
ـ وانتي كنتي فاكراها مش بتطلب لأنها قوية... لكن الحقيقة؟ هي بطّلت تطلب عشان يأست.
ابتسام غطت وشها بإيدها وقالت:
ـ أنا ظلمتها... حرمتها من حاجات كتير.
كانت بتحب الكلية دي... وكانت بتحب... الشخص اللي اتجوز أختها... وأنا اللي وافقت... وأنا اللي ضغطت.
سكتت لحظة وقالت:
ـ عمرها ما اشتكتلي... بس دلوقتي... نظرتها ليا كانت زي الطعنة.
وفاء تنفست بعمق، وقالت بهدوء شديد:
ـ اللي بينك وبين ابتهال محتاج سنين تتبني من جديد.
بس البداية مش بالكلام... البداية بالفعل.
ـ انتي غلطتي غلط كبير جداً لما كلمتيها في وقت زي ده...
والغلط الأكبر إنك مراعتيش حالتها الجسدية والنفسية.
المفروض كنتي كلمتيني قبل ما تتكلمي معاها كنت هقولك استني.
اقفي جمبها... ماتحسسيهاش إنك وافقة جمبها بمقابل انها تقف جمب اختها وتكون سند ليها.
والاهم... إنك لازم تعرفي وتفهمي إن ابتهال مش سند لفردوس.
هما الاتنين سند لبعض.
ماينفعش تبدأي معاها وتحاولي تتغيري وانتي من جواكي لسه ماتغيرتيش إلا إذا...
ـ إلا إذا إيه؟
ـ إن كلام ابتهال صح وانك فعلاً بتقربي منها عشان تشيليها مسئوليه اختها... مدام ابتسام اقفي مع نفسك الأول.
سكتت وفاء لحظة، وهي بتبص لابتسام اللي كانت باصة في الأرض، مكسورة وحزينة.
بعدين رفعت صوتها سنة بسيطة، وبنبرة أكثر حزم قالت:
ـ مدام ابتسام... اقفي مع نفسك الأول.
اسأليها: أنا ليه عايزة أرجع بنتي؟ علشان بحبها فعلاً؟ ولا علشان خايفة على التانية لو جرالي حاجة؟
رفعت عينيها بثبات وقالت:
ـ الحب اللي وراه مصلحة مش حب... وإبتهال حسّت ده... وشافت نيتك من غير ما تتكلمي.
ابتسام حاولت تتكلم، لكن صوتها كان مبحوح:
ـ طب أعمل إيه؟ أبدأ منين؟ أنا حاسة إني فقدتها خلاص.
وفاء ردت بهدوء، لكن نبرتها فيها عمق:
ـ تبدأي من السكون... من إنك تقعدي معاها وما تقولييش حاجة.
ما تعتذريش... ما تبرريش...
اسمعيها... واسأليها مرة وحدة: تحبي تقوليلي إيه؟
وساعتها... ما تقاطعيهاش.
سكتت لحظة، ثم قالت بحنان عميق:
ـ أوقات بنتك مش محتاجة منك حضن... محتاجة منك تكوني إنسانة.
واعية، سامعة، شايفة، مش بس أم بتدي وتاخد... لكن قلب مفتوح.
في اللحظة دي... دخلت فردوس بهدوء، حاملة كوب الليمون، عيونها فيها خوف وارتباك، لكنها ما قالتش ولا كلمة...
قدّمت الكوب لوفاء، ووقفت تنتظر... لكن وفاء بصتلها وقالت بهدوء:
ـ سيبيه على الترابيزة... وتعالي بعدين، هنتكلم انتي وأنا كمان.
فردوس نظرت لوالدتها، وبعدين خرجت في صمت... وابتدام كانت لسه قاعدة مكانها، وكل كلمة من وفاء كانت زي المراية اللي بتخليها تشوف نفسها للمرة الأولى.
رواية جحيم الغيرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اماني سيد
طرقت وفاء الباب بخفة.
صوت الطرق كان هادي، لكن مليان اهتمام.
ماكانش في رد.
ففتحت الباب ببطء، ولقت ابتهال نايمة على ظهرها، عيونها مفتوحة لكنها ساكتة كأنها بتتفرج على السقف بدون تركيز.
دخلت وفاء بهدوء، وقربت منها، قعدت على الكرسي جنب السرير، وقالت بنبرة ناعمة:
ـ ازيك يا ابتهال.
ابتهال ما ردتش، لكن رمشت بعينيها كأنها بتقول: "فى عالم آخر منفصل عنهم."
وفاء بصت لها بشفقة ناعمة، مش شفقة ضعف. شفت في ملامحها طفلة كبيرة، مشتاقة لحضن، لكن تعبها مخليها مش قادرة تمد إيدها لحد.
قالت وفاء بلطف:
ـ عارفة إنك تعبتي... بس أنا هنا عشان أسمعك، من غير ما أحكم، ومن غير ما أضغط.
أنا مش خطيبة عمران. أنا دكتورة وفاء، دكتورة نفسية. عمك طلب مني أساعدك تتخطي الماضي اللي أنا عارفة إنه صعب عليكي تتخطيه.
عشان كده أنا موجودة أسمعك وأساعدك.
لم تجب عليها ابتهال. ظلت صامتة ولكن سقطت الدموع من طرف عينيها.
اقتربت منها وفاء ومسحت دموعها برفق وضغطت على يدها بحنية.
ـ ابتهال أنا عارفة إنك سمعاني كويس بس انتي مش عايزة تتكلمي.
أنا عايزة أقولك إن الكل هنا بيحبك. مامتك بتحبك ومنهارة عشانك أوي. عمران بيحبك أوي وهيموت من الخوف عليكي هو كمان. وعمك حزين جدا، نفسه تبقى زى زمان أيام ما كنتي قاعدة معاهم.
وفردوس أختك بتحبك أوي على فكرة وكانت بتعيط عشانك.
كلهم بيحبوكي يا ابتهال بس بطريقة غلط.
نظرت لها ابتهال بطرف عينيها ثم عادت كما كانت، كأنها بتقول لها:
"دول كلمتين انتي حافظاهم جاية تسمعيهم. لو ده الحب يبقى الكره عامل إزاي."
أكملت وفاء حديثها بتأني:
عارفة يا ابتهال مشكلتك إيه؟
إنك قوية وذكية زيادة عن اللزوم. وناجحة وجميلة. فيكي كل الصفات الحلوة.
والإنسان الناجح اللي بيعتمد على نفسه بتلاقي الكل دايماً بيسند عليه. ولو وقع الكل هيقع معاها.
هقولك على حاجة. أنا مامتي كانت قوية جدا زيك كده والكل معتمد عليها في كل حاجة. محدش بيعمل حاجة من غيرها.
لما تعبت مكناش مصدقين. كنا تايهين مش عارفين نعمل إيه.
اللي بنعتمد عليها وقعت. بقينا زي المجانين بنلف حوالين نفسنا وهي في وضع مش هتقدر تساعد نفسها ولا تساعدنا. مكناش مصدقين إنها تعبانة أصلاً.
لا بقينا نعرف ناكل ولا نخرج ولا نعمل حاجة. حتى خدمتها مش عارفين. وجبنا ممرضة عشان تخدمها وتراعيها.
إحنا كنا بنحاول بس كنا ضعاف أوي. حتى بابا اللي كنت فاكراه قوي كان يقعد جنبها يعيط مش عارف يعمل إيه لأنها ببساطة عودتنا تعمل كل حاجة.
ويوم ما توفت بابا مات بعدها من الحزن وأخواتي تعبوا وأنا اكتئبت.
ومن بعدها قررنا نعتمد على نفسنا. ومش بس كده نربي أولادنا إنهم يعتمدوا على نفسهم. والحمد لله أخويا دكتور قلب وأختي مدرسة وأنا دكتورة أمراض نفسية وعصبية.
ونظرت في عيون ابتهال نظرة مليانة حنان حقيقي، وقالت بنبرة أهدى وأحن:
ـ انتي مش غلطانة يا ابتهال، انتي بس اتحطيتي في دور أكبر من عمرك، والدنيا ما ادتكيش فرصة تكوني ضعيفة لحظة.
ابتهال بصت لها، عيونها كانت مليانة دموع، لكن دمعة واحدة هي اللي نزلت. زي نقطة الحبر اللي بتلطخ ورقة كانت بيضا.
ولكنها ما زالت صامتة لم تتحدث، مما جعل وفاء تكمل حديثها:
ـ ابتهال أنا بشتغل في مركز علاجي حلو جدا. إيه رأيك تيجي أسبوع تغيري جو وتبعدي عن هنا؟
لم تجب عليها ابتهال. فاعتبرت عدم رفضها في حد ذاته موافقة. وقررت أن تبلغ والدتها وعمها حتى يسمحوا لها بالذهاب معها لذلك المركز.
خرجت وفاء من غرفة ابتهال، وجدتهم جميعاً في الصالة.
وعمران واقف ساكت، بيبص لوفاء كأنه مستني حكم نهائي.
قالت وفاء بهدوء:
ـ ابتهال وضعها بيسوق وأنا محتاجة أنقلها مركز علاجي.
وقفت ابتسام بتوتر:
ـ لأ يا دكتورة أنا مش موافقة. مش للدرجة دي. أنا هتكلم معاها وأفهمها كل حاجة.
ـ مدام ابتسام خلينا متفقين على حاجة. حضرتك لو قعدتي من هنا لعشر سنين قدام تقنعيها إنك اتغيرتي وبتحبيها استحالة تصدقك.
تحدث جبران بخوف حقيقي عليها:
ـ طيب آخدها عندي في البيت ترتاح وتهدى.
آمن عمران على حديث والده:
ـ للأسف ابتهال حالياً وضعها صعب جداً جداً وممكن حقيقي تعمل حاجة في نفسها لو ما بدأناش معاها في العلاج فوراً.
عمران أنا عارفة إنك مكنتش تقصد بس رجوعك خلاها تفتح كل القديم وترجع تتذكر كل حاجة حصلت لها زمان.
مقدرتش تستحمل وبدأ التعب ده يظهر على جسمها. وزاد الطين بلة زي ما بتقولوا. مواجهتها النهاردة مع مدام ابتسام.
تنهدت ثم استكملت حديثها:
ابتهال ذكية وكل كلمة بتتقال وكل موقف بيترجم في دماغها بطريقة انتوا مش متخيلينها.
عشان كده ممكن لو حاولتوا تساعدوها من غير ما تقصدوا هتكملوا عليها وتوصلوها لمرحلة أتمنى فعلاً إنها ما توصلهاش لأنها ممكن تنتحر.
كانت تسمع فردوس حديث وفاء بملامح مبهمة جعل وفاء تركز في تفاصيلها.
لا يبدو عليها أي مشاعر أو تعابير للوجه.
هل هي حزينة على أختها؟ أم شامته بها؟ هل تتمنى مساعدتها وشفائها أم ما فعلته معها ابتهال جعلها لا تشعر بشفقة تجاهها؟
ظلت وفاء تحدق في فردوس لثواني طويلة. عيونها بتدقق في ملامح متماسكة بشكل مريب. ما فيش دمعة، ما فيش رجفة، حتى رمشة عينها محسوبة.
ـ وفاء (بصوت داخلي): "هي فين المشاعر؟ لو دي أختك اللي بتنهار... فين خوفك؟ ولا... الخوف مش في القايمة أصلاً؟!"
قاطع صمت الغرفة صوت عمران، وقال بانفعال مكتوم:
ـ طيب يا دكتورة... لو هي وافقت تروح، انتي هتبقي معاها؟ أنا عايز أطمن... مش عايز أحس إني سلمتها لحد وأمشي.
وفاء أومأت بثقة:
ـ هكون معاها من أول لحظة، ومش هسيبها إلا لما تبقى قادرة تمشي على رجليها من تاني، بنفسها.
ابتسام قالت بخفوت، صوتها مكسور لكن مليان خوف دفين:
ـ انتي بتقولي إنها ممكن تنتحر؟ يعني... للدرجة دي؟!
ـ مدام ابتسام... ابتهال وصلت للحافة، وكل اللي ناقصها "دفعة صغيرة" من الوجع... وتطيح. لو بتحبيها بجد... وافقي تديها فرصة تعيش.
سكتت الغرفة من جديد. صوت أنفاس متلاحقة، وتوتر بيتكهرب في الجو.
وفاء رجعت تبص لفردوس، اللي كانت واقفة جنب الحيطة، عاملة نفسها مش سامعة، لكن كانت بتقلب في تليفونها بهدوء مصطنع.
قربت منها وفاء، وقالت:
ـ انتي بتحبي أختك... صح؟
رفعت فردوس نظرها، نظرة خالية من الانفعال، وردت بنبرة محايدة:
ـ أكيد... أختي يعني.
وفاء ابتسمت، ابتسامة باردة:
ـ مستنياكي تورينا. مدى حبك لأختك.
نظرت فردوس لها نظرة غريبة. نصها تحدي. نصها لامبالاة. ثم قالت:
ـ لو في مصلحتها تروح... خليها تروح.
كأنها خلعت الموضوع من على كتفها، وأعطت الضوء الأخضر. مش بدافع الحب، لكن كأنها بتقول: "خلّصونا من الفيلم ده."
وفاء تبادلت نظرة سريعة مع جبران، ثم قالت بصوت منخفض:
ـ لازم تتحضر. هكلمهم يجهزوا مكان.
وبالفعل دخلت زفاء مرة أخرى لتساعدها في تبديل ملابسها وقامت بوضع أغراضها الأساسية داخل حقيبة ملابس.
انتهت وفاء من تجهيزها وأخذتها بعد ذلك للمركز حتى تبدأ علاجها.
وقام عمران بإيصالها هو وجبران ليطمئنوا عليها. وقرر جبران بعد صراع مع ابنه بتولي هو جميع النفقات، فهو يرى نفسه المسؤول عنها.
في منزل ابتسام كانت فردوس تجلس في غرفتها ممسكة بهاتفها. أمامها رقم ياسين.
قامت فردوس بالاتصال على ياسين أكثر من مرة وأجابها ياسين ببرود:
ـ خير يا فردوس نازلة "زن زن" عايزة إيه؟
ـ تصدق أنا غلطانة. كنت عايزة أقولك آخر أخبار حبيبة القلب.
ـ ابتهال مالها ابتهال؟
ابتسمت بسخرية وتحدثت بشماتة مع ياسين:
ـ هو انت معرفتش؟ إنها طلعت مجنونة واتحجزت في مستشفى أمراض عقلية.
ثم ضحكت بصوت عال.
اللي بعتني عشانها طلعت مجنونة.
ثم أغلقت الهاتف.
حاول ياسين الاتصال بها مراراً وتكراراً لكنها أغلقت الهاتف.
شردت فردوس أمامها بتحد وقررت أن ترد لها الصاع صاعين.
رواية جحيم الغيرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اماني سيد
ابتسمت بسخرية وتحدثت بشماتة مع ياسين:
ـ هو انت معرفتش أنها طلعت مجنونه واتحجزت فى مستشفى امراض عقليه؟
ثم ضحكت بصوت عالٍ وأغلقت الهاتف.
جلس ياسين على طرف السرير، الموبايل في إيده ولسه الكلمة الأخيرة من فردوس بترن في ودنه.
ـ "مجنونة؟!"
كرر الكلمة بصوت واطي كأنه مش مصدق.
نهض بسرعة، وبدأ يتمشى في أوضته، رايح جاي بعصبية، فتح الموبايل وحاول يتصل بيها تاني... مغلق.
رمى الموبايل على السرير بقوة، وقال بينه وبين نفسه:
ـ "هي اتجننت فعلاً... بس مش ابتهال!"
امسك الهاتف مره اخرى واتصل على ابتهال وجد الهاتف مغلق.
كرر الاتصال عده مرات ولكن النتيجه واحده.
قرر أن يذهب اليها غدا فى البنك ليسأل عنها.
بالفعل فى اليوم التالى ذهب اليها وسأل عنها واخبروه أنها اجازه مرضيه.
خرج ياسين من البنك ووقف قدام البوابة مش قادر يصدق.
ـ أجازة مرضية؟!
ده معناها إن الكلام اللي قالته فردوس مش هزار... بس برضو مش قادر يصدق إن ابتهال تكون اتحجَزت فى مكان زى ده.
ابتهال اللى عقلها يوزن بلد.
ركب عربيته، وساق من غير ما يحط وجهة واضحة قدامه، كان عقله شغال بألف سرعة...
وفجأة... خطر في باله سؤال:
> "هي فين؟ فين المركز ده اللي راحته وراحته ليه أصلا؟ ممكن يكونوا هما عملوا معاها كده عشان يمنعوها من جوازها مني؟"
"اكيد عملوا كده خصوصاً انهم بيكرهوها بس الاول هروحلها البيت عشان أتأكد من كلامهم."
بدأ ياسين يعدل وجهته وذهب لمنزل ابتسام.
طرق الباب وفتحت له فردوس فهى كانت متوقعه زيارته.
وكانت فى كامل اناقتها.
ـ خير جاى هنا ليه؟
ـ عايز أقابل ابتهال.
ـ أنت هتعمل عبيط مش قولتلك أنها اتجننت وحجزناها فى مستشفى امراض عقليه.
ـ إنتى كدابه ابتهال اللى دمغها ب ١٠٠ زيك تتجحز فى مستشفى امراض عقليه.
على كده بقى المفروض يكونوا وؤد*وكى وقت ماتولدتى.
صدق ولا لا شئ يرجعلك.
خرجت ابتسام على صوتهم ووجدت ياسين امامها.
بدا على وجهها الانزعاج من رؤيه ياسين.
ـ فى ايه يا فردوس وانت جاى ليه من غير معاد؟
ـ جاى اطمن على ابتهال اللى بتحاولوا تجننوها عشان ماتتجوزنيش.
ـ إيه الهبل ده وانت وبعدين مين قالك أصلا؟
ـ اسالِ بنتك.
نظرت ابتسام افردوس.
ـ انتي قولتيلوا اللى حصل ؟؟؟
ـ أه مش خطيبها واجبه يقف معاه.
نظر لهم ياسين بقرف.
ـ واضح انكم عصابه أنا هروح لعمها وافهم منه.
تركهم ياسين واتصل بعمها اكثر من مره.
فى الجهه الاخرى كان جبران يرى الهاتف ولا يعلم بما يجيب عليه.
هو لا يريده أن يعرف وضع ابتهال.
حسنا سيجيب عليه ويحاول أن يُحسن صورتها.
بمجرد أن أجاب جبران على الهاتف تحدث ياسين.
ـ مساء الخير، عم جبران...
أنا آسف على الإزعاج، بس... كنت عايز أعرف... ابتهال عاملة إيه؟
سكت جبران لحظة، ثم قال بنبرة جادة:
ـ تعبانه شويه ومحجوزه فى المستشفى.
ـ أنا عارف... بس طمني، هي كويسة؟ هي فعلاً... اتحجزت؟ في مستشفى مجانين ؟!
صمت جبران متعجباً من حديث ياسين وكيف علم ياسين بذلك الحديث.
ـ أيوه، في مركز علاجي متخصص لأن عندها انهيار عصبي، مش مستشفى مجانين زي ما انت ما بتقول.
وبعدين انت جبت منين الكلام ده ؟؟
ـ فردوس كلمتني وقالتلي إن ابتهال اتحجزت في مستشفى مجانين.
صمت جبران لحظات... كان بيحاول يستوعب كلام ياسين:
ـ فردوس قالتلك إنها اتحجزت في مستشفى مجانين؟
ـ أيوه، وبصراحة طريقتها فيها شماتة... وبدل ما أطمن، بقيت قلقان أكتر.
تنهد جبران، وقال بصوت هادي لكن حاسم:
ـ اسمع يا ياسين... ابتهال حالتها النفسية اتدهورت جدًا، وإحنا اتصرفنا بسرعة عشان ننقذها قبل ما يحصل الأسوأ.
ـ يعني. فعلا وضعها صعب .. طيب هي كويسة دلوقتي؟
ـ هي تحت إشراف طبي، ولسه في أول خطوة في العلاج.
ممنوع عنها أي ضغوط، أي زيارة، أو حتى مكالمة،
الدكتورة وفاء هي اللي بتحدد ده... بس لو فى جديد انا هبقى اكلمك بإذن الله.
بس اتمنى إن محدش يعرف أى حاجة من كلام فردوس وانا هيكونلى كلام تانى معاها.
صمت ياسين واغلق الهاتف مع جبران وبدأ القلق من وضع ابتهال يتملك منه.
وقرر أن يبتعد فتره فلو كان حديث فردوس حقيقي وقتها سيكون صعب عليه الارتباط بها.
قبل أن يتحدث جبران مع فردوس وابتسام قرر أن يتصل أولا بوفاء حتى لا يتصاعد الوضع.
وبالفعل اتصل بوفاء التى اجابته فورا.
ـ ازيك يا دكتوره عامله ايه؟
أجابته وفاء بصوت هادي:
ـ أنا بخير الحمد لله… وابتهال بدأت تتكلم معايا وتفضفض، وده تطوّر مهم جدًا في حالتها.
جبران تنفس براحة:
ـ الحمد لله… أخيرًا بدأت تفتح قلبها؟
ـ أيوه، وصدقني... اللي خلى ده يحصل مش أنا بس.
اللي فعلاً خلى جدار الصمت ده يتكسر... كان عمران.
جبران ارتبك:
ـ عمران؟! هو فعلاً راح؟ أنا كنت لسه هكلمك.
ـ أيوه، جه بنفسه، وكان مصر يشوفها... ورغم إن القواعد بتمنع كده، لكن تحت ضغطه، وافقت... بس بشروط.
ـ وشافها؟
ـ أيوه، شافها... وهي في الأول كانت باردة جدًا، ما قالتش حاجة، حتى ملامحها ما اتغيرتش.
لكن لما خرج؟
بدأت تبكي... وبدأت تتكلم.
جبران بصوت مندهش:
ـ يعني هو اللي فتح الباب؟!
ـ أيوه... إلحاحه ووجوده خلاها تحس إن فيه حد في ضهرها، وإنها مش لوحدها في العالم ده.
ـ والله يا دكتورة، عمران عمره ما كرهها... بس الدنيا لفت بيه، وغلط، وزي ما بيقولوا: "اللي بيحب مش دايمًا بيعرف يحب صح."
ـ فعلاً، بس كفاية إنها حسّت بالأمان... وإحنا هنا هنكمّل على ده.
ـ طيب، لو هي ارتاحتله... هل ينفع يزورها تاني؟
ـ مش دلوقتي، بس لما نبدأ أول جلسات جماعية وتكون ثابتة نفسيًا، ممكن نفكر.
دلوقتي وجوده كان دفعة... لكن التكرار ممكن يفتح جروح أكتر.
جبران قال بنبرة ممتنة:
ـ شكراً ليكي يا دكتورة، بجد شكراً.
ـ ابتهال تستاهل كتير... ولازم ترجع أقوى، مش علشان حد... علشان نفسها.
فى منزل ابتسام كانت تجلس فى الصالون وامامها فردوس.
بدأت ابتسام تتحدث معها بعتاب.
ـ ليه كده يا فردوس ايه اللى خلاكى تتصلى بياسين وتقوليلوا وضع ابتهال؟
ـ مش خطيبها ومن حقه يطمن عليها ويوقف جمبها.
ـ لأ مش من حقه المفروض كنتى ترجعيلى الأول قبل ما تعملى كده.
صمتت قليلا واكملت حديثها.
ـ فردوس انتى فعلاً ده اللى كان فى نيتك.
مش عشان تقوليله إن اللى فضلها عليكى طلعت..
لم تكمل حديثها ففى الاخير ابتهال ابنتها وفردوس ابنتها.
ـ ماكا انتى قصدك ايه؟
ـ ولا حاجة انا داخله ارتاح حاسه انى تعبانه.
تركتها ابتسام مسرعه قبل أن تتحدث معها او توقفها.
وقررت أن تتصل بوفاء.
وبالفعل اتصلت بها.
وكانت وفاء تنتظر تلك المكالمه.
ـ ازيك يا دكتوره؟
ـ أهلا بحضرتك يا مدام ابتسام.
ـ ابتهال عامله ايه؟
ـ يعنى لسه شويه.
ـ ينفع نزورها؟
ـ حاليا مستحيل.
ورفضت ان تبلغها بزياره عمران فهى لا تثق بها ولا تثق فى حبها لابتهال.
ـ دكتوره كان فى حاجة حصلت وعايزه اقولك عليها.
ـ اتفضلى.
ـ فردوس اتصلت بياسين وقالتله حاله ابتهال بس بشكل صعب قالتله انها اتحجزت فى مستشفى المجانين.
ـ كان متوقع من فردوس انها تعمل كده.
وانتى عملتى ايه معاها؟
ـ دـ ولا حاجة.
وفاء قالت بعد صمت قصير:
ـ مدام ابتسام... أنا عارفة إن اللي حصل كان صعب، بس رد فعلك مهم جدًا دلوقتي.
ـ أعمل إيه يا دكتورة؟
أنا فعلاً ماعرفتش أتصرف... وكنت مصدومة.
ـ عارفة... بس لازم تتكلمي مع فردوس، وتوصليلها إن اللي حصل ماكانش تصرف بسيط، وإنه لو أختها عرفت وجعها هيزيد وقت هي أضعف ما تكون.
ـ أنا خايفة أفتح الموضوع يحصل مشكلة.
ـ مش لازم يكون مواجهة عنيفة... بس لازم توصل رسالة إنكم بقيتوا شايفين اللي بيحصل، وإن السكوت مش دايمًا حل.
سكتت ابتسام لحظة، ثم قالت بصوت أهدى:
ـ هو حضرتك شايفة إن فردوس عملت كده بقصد الأذى؟
وفاء تنهدت بهدوء:
ـ بصراحة؟ أنا شايفة إن في حاجات جوّا فردوس لسه متقريتش، وفي دوافع يمكن هي نفسها مش مدركة تأثيرها.
بس في كل الأحوال، اللي حصل غلط.
ولما الغلط ما يتصلحش، بيكبر جواه صاحبه.
ـ طيب... ينفع حضرتك تشوفيها؟ وتفهمي منها؟ أنا حاسة إني مش قادرة.
ـ لما تبقى مستعدة... ممكن أقعد معاها، بس دلوقتي، خلينا نركّز على ابتهال.
هي محتاجة تحس إن في حد بيحميها، ولو من بعيد.
ـ إن شاء الله...
وفاء ابتسمت بخفة وقالت:
ـ وكل حاجة هتيجي خطوة خطوة... أهم حاجة إنك بدأتي تشوفي الحقيقة.
يتبع
رواية جحيم الغيرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اماني سيد
كانت تجلس في حديقة ذلك المركز، تنظر حولها بهدوء، تنظر فقط في الفراغ. حديث وفاء اليومي معها جعلها ترى جانبًا آخر من حياتها، جعلها ترى الجانب الإيجابي، تنظر لنصف الكوب الممتلئ. بل وجعلها أيضًا تشعر بالشفقة على أختها، ولكنها لم ولن تستطيع أن تسامح والدتها أو والدها، فهما من جعلاها فاقدة للثقة في ذاتها، دائمًا تشعر أنها أقل من غيرها، رغم أن العكس صحيح.
لم تضغط عليها وفاء في ذلك الأمر، فكل شيء يأتي تدريجيًا. فالنتيجة التي وصلت لها مع ابتهال في ذلك الوقت القصير، بالنسبة لها، نتيجة مبهره. ولا تنكر وفاء، في كل مرة تنظر فيها لابتهال، أن بداخل هذه الفتاة المكسورة، امرأة شجاعة، بتحاول تنهض رغم كل شيء يجذبها للخلف.
كانت تراقبها من بعيد، وهي جالسة في الحديقة، شعرها منسدل على كتفها، وعينيها ثابتة في نقطة لا يراها أحد غيرها. اقتربت وفاء بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل، دون أن تتكلم.
قالت ابتهال بعد لحظة صمت:
"عارفة... يمكن لو كنت خُلقِت في بيت تاني، كان زماني دلوقتي حد تاني خالص."
ردّت وفاء بلطف:
"ويمكن… رغم كل اللي حصل… أنتي دلوقتي أقوى من ناس كتير اتربّوا في بيوت شبه الجنة."
ابتسمت ابتهال، ابتسامة صغيرة... لكنها حقيقية.
تحدثت وفاء مع ابتهال عن ما تنوي أن تفعله بعد أن تخرج.
"أنا ناويه ابعد عنهم، مش عايزه اعرف عنهم حاجة، ولا عايزاهم يعرفوا عني حاجة، لا عايزه اعرف عنهم حاجة."
"وياسين؟"
"هبعد عنه، مش هكمل في الغلط، مش هبوظ الباقي من حياتي عشان خاطرهم. كفاية الماضي المشوه اللي اتسببوا فيه، مش هيبقى الماضي والحاضر.... ماتقلقيش يا دكتورة، صدقيني أنا ناويه أصلح اللي بوظته ومش هبوظ حياتي أكتر من كده."
"برافو عليكي يا ابتهال. بكرة بإذن الله هتخرجي وهترجعي لشغلك تاني."
"بإذن الله. أنا متحمسة أوي لشغلي وأني أشوف صحابي وأرجع الجيم تاني."
ابتسمت وفاء بحب وأكملت حديثها:
"صحيح، أنا جت هنا أقولك إن عمران بره وعايز يقابلك، وشكله كده مش هيمشي غير لما يقابلك."
حاولت ابتهال أن تخبئ ابتسامتها، ولكنها ظهرت رغماً عنها مع لمعة عيونها بالدموع.
أمسكت وفاء كف يدها:
"لو لسه بتحبيه، اديله فرصة... هو بيحبك بجد. وكل يوم يجي هنا، مش قادرة أنسى شكله أول يوم لما جالك وكنا مانعين الزيارة. كان عامل زي الطور الهايج، لدرجة إن مدير المركز لأول مرة يسمح لحد إنه يقابل مريض داخل تاني يوم."
ضحكت ابتهال بخفة، ومسحت دموعها بطرف كمّها، وقالت:
"أنا... أنا مش عارفة لسه أحبه ولا لأ. بس اللي متأكدة منه إني بقيت بحب نفسي أكتر، وده لوحده كفاية دلوقتي."
هزّت وفاء رأسها برضى، وقالت:
"وإنتي كده بتبدأي من أول الطريق… مش بحد، لكن بنفسك."
وقفت وفاء، وهمّت بالخروج، لكنها توقفت عند الباب وقالت:
"ها قررتي تشوفيه؟ أدخله؟ ولو لا… برضو قرارك هيكون محترم."
ابتسمت ابتهال بخفة:
"دخليه."
"كنت عارفة."
وبالفعل ذهبت وفاء وسمحت لعمران بالزيارة وأخبرته بخروج ابتهال غدًا.
دخل عمران مسرعًا لابتهال، فهو يريد أن يراها. وجدها جالسة شارده أمامها. جلس عمران على المقعد الذي بجوارها.
"ازيك يا ابتهال؟ وحشتيني أوي."
"الحمد لله، أنا كويسة وهخرج بكرة."
"وحشتيني أوي أوي أوي، وأنا موحشتكيش؟"
"بصراحة لأ."
"إيه الكبسة دي... بس أنا عارفة إنك كدابة وإني وحشتك."
"مش هتبطل غرور. وبعدين يا عمران، أنت ابن عمي، بس ياريت نتعامل من المنطلق ده. بلاش بقى كلامك ده. أنا وافقت إني أقابلك عشان عمي، بس غير كده لأ."
سكت عمران لحظة، وبص لها بعيونه اللي دايمًا كانت بتفضحه أكتر من كلامه.
"ابن عمك؟ ماشي، بس ابن عمك اللي كل يوم كان بيجيلك هنا ومش بيقدر ينام غير لما يعرف إنك بخير."
ما ردتش، بس عضت شفايفها وهي بتحاول تمسك نفسها.
"وابن عمك ده... اتعلم من غلطاته، وعارف إن اللي بينكم مايتبنيش على لحظة ضعف، لكن على احترام وصدق، وده اللي أنا جايلك بيهم دلوقتي."
نظرت له أخيرًا، بنظرة فيها شجن وتحدي:
"أنا مش البنت اللي كنت تعرفها، يا عمران."
قرب شوية، وقال بصوت واطي:
"وأنا كمان مش نفس الشخص... بس لو هنبقى "إحنا" من جديد، لازم نبدأ من جديد… مش كابن عم وابنة عم، ولا كحبيبين مكسورين، لكن كاتنين... اختاروا يكملوا الرحلة سوا، بإيدهم مش بظروفهم."
"ابتهال أنا غلط زمان بس كان غصب عني. مش هبررلك أي حاجة عملتها، بس ملخص الماضي إني لو كنت سبت مكاني يوم ورجعت كنت هلاقي ميت واحد واخدينه. وقتها كان هيبقى عليا ديون كانت ممكن تسجني. أنا كنت واخد قروض واقساط بأسمي وباسم بابا، غير صاحبي اللي مشاركني. كنا ماسكين في شغلنا بإيدينا وسننا، وكنا بنشتغل بدل الشغلانة اتنين وتلاتة عشان نخلص من الاقساط اللي علينا. لما كنت ببني نفسي كنت شايفك معايا مستنياني، كنت بقول ده مستقبلنا، ولما أحكيلك أكيد هتعذريني. يمكن غلط... لأ أكيد غلط إني سبتك لوحدك، بس ماكنش ينفع أرجع وقتها، كنت هخسرك وأنا مقضي عمري في السجن. بس المرة دي صدقيني أنا مستعد أحارب عشانك وأستناكي تاخدي كل الوقت اللي أنتِ عايزاه، بس وأنتي جمبي تحت عيني. خلاص فاضل أسبوع والمركز الطبي هيتفتح، وعايزك تكوني جمبي وتشوفي نجاحي ونجاحك. تشوفي الحلم اللي كنت بوصله وانتي كنتي معايا وشاغلة تفكيري. لو عايزة تبعدي مش هتعرفي، وأنا مش هسمحلك أصلًا إنك تبعدي."
"هتحبسني ولا هتخطفني؟"
"أنا حابس حبك جوايا من سنين. ولو على الخطف أنا مجنون وهعملها."
صمتت ابتهال مبتسمة على طريقة حديثه الجديدة عليها.
"سيبها بظروفها يا عمران، أنا عندي أخطاء محتاجة تصحيح عشان أقدر أفكر في ارتباط تاني."
"هستناكي حتى لو هقعد عمري كله من غير جواز. بس الله يرضى عليكي فكري بسرعة، لحسن خلاص بقيت عانس."
"أمال خطيبتك فين؟"
"مش خاطب، أنا قلت كده لماما عشان أرتاح من ضغطها عليا في موضوع الجواز كل شوية تجيبلي عروسة لحد ما زهقت، فقولتلها إني خاطب."
"ولما تعرف الحقيقة؟"
"هتكوني انتي عروستي ووقتها مش هتقول حاجة."
"واثق أوي إني هرجعلك؟"
"عارفة ليه أنا واثق؟ لأني هسعدك وهكون عايش بس عشان أسعدك، وأنتي مش هتلاقي سعادتك مع حد غيري."
"خلينا نشوف الأيام فيها إيه."
أتت الممرضة وأخبرته بانتهاء وقت الزيارة. أجابها على مضض:
"حاضر."
ثم نظر لابتهال:
"أنا همشي دلوقتي وهجيلك بكرة بدري عشان أوصلك."
أومأت له ابتهال بالموافقة دون رد، وجلست تخطط على ما سوف تفعله في أيامها القادمة. مر باقي اليوم مسرعًا، وقد حددت ابتهال أهدافها جيدًا، وأول شيء ستفعله أن تتخلص من ياسين.
في اليوم الثاني، أتى عمران مبكرًا ومعه عمه، وظل منتظرين ابتهال إلى أن انتهت. وأثناء انتظارهم، أنهوا إجراءات الخروج. خرجت ابتهال معهم وذهبت للمنزل. طوال الطريق كانوا يمزحون مع ابتهال، وكانت تبتهل تتجاوب معهم. وصلت ابتهال للمنزل وصعدوا للشقة، وفتحت لهم ابتسام بلهفة على رؤية ابنتها، فطوال فترة إقامتها كانت ممنوعة من زيارتها. دخلت ابتهال المنزل وخلفها عمها وعمران. قامت ابتسام بضمها، ولكن ابتهال بادلتها ببرود. دخلوا الصالون ووجدوا فردوس جالسة تشاهد التلفاز. كل شيء في المنزل كانت تراه ابتهال بنظرة مختلفة. حتى أختها بدأت تراها بطريقة أكثر وضوح، وأصبحت تشفق عليها وعلى أبنائها أكثر، فهي ترى أن دلال والدها ووالدتها المبالغ فيه جعلوها مسخ... في هيئة امرأة. ظلوا جالسين سويا بضعة من الوقت، وحاولت ابتسام سؤال ابتهال عن أحوالها، وكانت ابتهال تجيبها بطريقة سطحية كأنها تتحدث من شخص غريب. بعد مرور وقت طويل، قرر عمران وجبران الانصراف، وبعدها دخلت ابتهال لغرفتها.
دخلت خلفها ابتسام ومعها صينية بها بعض أصناف الطعام والحلويات الشرقية. نظرت لها ابتهال باستفهام عن سبب جلبها لكل ذلك الطعام.
"حسيت إنك هفتانة وخسيتي، فعملتلك الأكل اللي بتحبيه. دوقي وقوليلي إيه."
"وإنتي تعرفي الأكل اللي بحبه؟"
"عمومًا شكرًا... سبيه وأنا هاكله."
"طيب قوليلي بتحبي تاكلي إيه، وبكرة أعملهولك."
"ماتتعبيش نفسك، أنا بحب أعمل أكلي بطريقة معينة."
ظلت ابتسام تحاول فتح أحاديث معها، وكانت تجد إجابة مختصرة من جانب ابتهال. ظلت هكذا لفترة، وبعدها خرجت وتركت صينية الطعام.
وقفت ابتهال واقتربت من خزانتها، وبدأت في جمع ملابسها داخل حقائب السفر، وتركت بعض ملابس الخروج التي ستحتاجها.
في اليوم التالي، ذهبت لعملها. وسعد أصدقاؤها كثيرًا بوجودها، فهم حقًا اشتاقوا لها. وبدأت ابتهال في العمل، ووجدت الكثير من الأعمال المتأخرة. وقامت بفك بعض من الشهادات التي كانت تحتفظ بها.
بعد انتهاء اليوم، ذهبت لإحدى محلات المجوهرات وباعت عدد كبير من مصوغاتها. وبعدها ذهبت لإحدى معارض السيارات وقامت باستبدال سيارتها بسيارة أرخص وأخذت فارق المال. وأصبح معها مبلغ مالي كبير. قامت بشراء شنط سفر حتى تضع فيها باقي ملابسها، حتى تنتهي من ضب أغراضها بها. وقررت أن تؤجل باقي المشتريات للغد.
وصلت ابتهال المنزل ووجدت والدتها في انتظارها وطلبت منها أن تجلس معهم. جلست معهم وقت قليل، ولكن كان مشحون بالتوتر.
"اتأخرتي النهاردة ليه يا ابتهال؟ وإيه الشنط دي؟"
"كان عندي شغل بخلصه."
"طيب والشنط؟"
"محتاجاهم، هحط فيهم حاجات تخصني."
"طيب أسخنلك الأكل؟"
"لأ، أنا اتغديت بره. عن إذنكم محتاجة أرتاح."
وبالفعل دخلت غرفتها وبدأت تضب باقي الأغراض. وقامت بإرسال رسالة لياسين.
ياترى رد فعل ياسين إيه؟ وابتهال هتعمل إيه بالفلوس دي؟
رواية جحيم الغيرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اماني سيد
اسفل البارت اسماء الفائزين واللى خمنوا الاحابه صح
دخلت ابتهال غرفتها في هدوءٍ ، لا يحمل ضعفًا، بل إصرارًا على إنهاء كل شيء بنفسها.
جمعت باقي أغراضها في الحقيبة، ثم أرسلت رسالة لياسين.
قرأها... وتجاهلها.
أرسلت له رسالة أخرى، هذه المرة أكثر وضوحًا:
"ياسين، لو سمحت، محتاجة أشوفك بكرة... ضروري."
رد بعد دقائق، برسالة طويلة، باردة:
**"ابتهال، كل شيء قسمة ونصيب، وأنا مش هكمل في موضوع الارتباط.
راجعت نفسي، ولقيت إن الموضوع صعب... الناس هيتكلموا، وهيقولوا إني طلّقت مراتي علشان كان في علاقة غير شرعية بيني وبين أختها.
وإنتي عارفة إن ده مش حقيقي، بس لازم نتقي الشبهات ونصرف نظر.
وأتمنى تبعتيلي الفلوس اللي صرفتها عليكي."**
قرأت ابتهال الرسالة... ولم تتمالك نفسها من الضحك.
ضحكت بصوتٍ خافت، كأنما قرأت نكتة باهتة من شخص تافه.
قالت لنفسها:
"وفر عليّا كتير... كنت ناوية أقول أكتر من كده."
أمسكت الهاتف وردّت:
**"تمام يا ياسين... طالما القرار منك، براحتك.
بس ما تجيش ندمان بعد كده.
وبالنسبة للفلوس، أنا ما أخدتش منك حاجة غصب، ولا ضربتك على إيدك.
وملكش عندي حاجة."**
أرسلت الرسالة، وهي لا تدري ما الذي جعله يغيّر رأيه فجأة.
لكنها لم تجهد نفسها بالتفكير.
وبعد دقائق، جاء ردٌ جديد:
**"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، مش عايز منك حاجة... وحقّي هاخده منك قصاد ربنا في الآخرة.
وأختك مالهاش مليم عندي.
اجرِي بقى في المحاكم."**
لم ترد عليه.
تعرفه جيدًا...
رجل هش، يخشى على منصبه، لا يملك من الرجولة سوى اللقب.
نظرت إلى الحقيبة الموضوعة على السرير،
فتحتها، وأخرجت منها مبلغ ٣٠٠ ألف جنيه كانت تحتفظ بهم،
ثم جلست وأخذت تعدّ ١٧٥ ألف جنيه - إجمالي ما أنفقه عليها ياسين.
وضعتهم في حقيبة صغيرة، وحملتها بيد ثابتة.
خرجت إلى الصالة.
فردوس كانت لا تزال جالسة مع أطفالها بجوار والدتهما، يتابعون التلفاز.
وقفت ابتهال للحظة تتردد،
لكن ابتسام لاحظتها وقالت:
انتظروا الحلقات الاخيره على صفحه الكاتبه قصص وروايات أمانى سيد
ــ "ابتهال، تعالى اقعدي... واقفة ليه؟"
وأشارت إلى مكانٍ قريب منها.
اقتربت ابتهال... وجلست بهدوء بجوار فردوس.
ثم وجهت حديثها إليها مباشرة:
ــ "فردوس."
ــ "نعم؟"
ــ "خدي."
ــ "إيه ده؟"
ــ "١٧٥ ألف جنيه.
الفلوس دي كنت أخدتها من ياسين،
وأنا عارفة إنه مش هيديكي حاجة...
فبعتبرها جزء من حقوقك."
نظرت فردوس إلى الحقيبة الصغيرة،
عيناها اتسعتا،
لكن لم يكن فيهما امتنان...
بل نظرة حقد دفين.
لم تفكر في كرم أختها،
ولا في كرامتها وهي ترد مالًا ليس مفروضًا عليها،
بل لم يشغلها سوى سؤال واحد:
"هل خلال الفترة البسيطة دي... صرف ياسين كل المبلغ ده عليها؟"
فردوس مدت إيدها للحقيبة الصغيرة وفتحتها ببطء.
عيناها اتسعتا وهي تعدّ الأوراق النقدية بعينين لا تصدقان...
ثم نظرت إلى ابتهال، نظرة طويلة، صامتة...
فيها استغراب، وفيها غل
قالت أخيرًا، بصوت خافت لكن نبرته لاذعة:
ــ "برافو يا أختي...
واضح إن ياسين ما كانش بيبخل عليكي بحاجة."
نظرت لها ابتهال بثبات، لم ترد.
أكملت فردوس وهي تغلق الحقيبة بعصبية واضحة:
ــ "١٧٥ ألف؟ فى فتره صغيره
ده غير اللبس والمشاوير والهدايا اللي كنتي بتتدلعى بيها معاه...
ده انتي طلّعتي بصفقة محترمة."
اتدخلت ابتسام بلهجة حازمة:
ــ "فردوس خلاص مالوش لازمه الكلام ده اختك رجعتلك مبلغ كبير مكنتيش هتعرفى تجبيه منه لو عملتى ايه
لكن فردوس ابتسمت ابتسامة مزيفة، وقالت:
ــ "لا عيب ولا حاجة، أنا بس مش بستغرب!
يعني بعد ما أخدتي جوزى ، وضيّعتيني،
دلوقتي بترجعيلك للفلوس كأنك انتى اللي اتظلمتي؟"
ابتهال بصتلها بهدوء، وقالت بنبرة صافية:
ــ "أنا ما أخدتش حد، ماتضحكيش على نفسك
وإنتي اللي ما كنتيش شايفة الحقيقة.
انا مش برجعلك الفلوس دى عشان خاطرك ... انا برجعهملك عشان ولادك تخطيهم شهاده باسمهم
وتحاولى تشتغلى وتصرفى على نفسك وعليهم وتزودى الفلوس دى
يمكن تلاقى محامى يعرف يجبلك نفقه من ياسين
سكتت فردوس،
لكن الغيظ كان واضح في كل ملامحها...
ما بين كرامتها المجروحة، وفلوس في إيدها مش قادرة ترفضها،
وإحساس انها كانت أقل من أنها تخلى جوزها يقرب منها ويحبها
ساد الصمت للحظات.
ابتهال كانت على وشك إنها تقوم وتدخل أوضتها،
لكن صوت فردوس وقفها:
ــ "على فكرة...
إنتي مش أحسن من ياسين."
توقفت ابتهال، التفتت لها ببطء.
فردوس كانت ماسكة الحقيبة في حجرها،
لكن نظرتها كلها مرارة، ولسانها بدأ يقطّع:
ـ انتى فاكره كده بترضى حالك بعد ما خلصتي لعب بيه وخربتى بيتى وشردتى عيالى
جايه تردي الفلوس كأنك بطلة؟
فاكرة إن ده يخليكي أنضف؟
إنتي أكتر واحدة وس*خ*ة شفتها في حياتي."
ابتسام شهقت بصوت مكتوم:
ــ "فردوس!! إيه اللي بتقوليه؟!"
لكن فردوس كملت، كأنها ما سمعتش حد:
ــ "ما صدقتِ إنك لقيتي حد يعوّضك عن سنين إحساسك إنك أقل مني.
وأول ما جالك، رحتيله، كأنك بتنتقمي مش بتحبي.
بس انتي عمرك ما هتعرفي تحبي.
لأن اللي اتحرم من الحنان طول عمره...
بيبقى قلبه ناشف."
ابتهال ما تحركتش.
مفيش دمعة واحدة نزلت.
بس نظرتها كانت صادمة... نظرة واحدة قالت لفردوس:
"أنا فوقت... وإنتي لسه."
قالت بهدوء:
ــ "قولتي كل اللي عندك؟"
فردوس بصّت لها بغل، وقالت وهي بتغرز الكلام:
ــ "لسه...
أكتر حاجة بحمد ربنا عليها إني ما بقيتش زيك.
رحتِ مستشفى أمراض نفسية؟
ولا وصلت للمرحلة دي، ولا هوصل."
سكتت، وابتسمت بتشفي:
ــ "عارفة ليه؟
عشان أنا مش ضعيفة زيك."
سادت لحظة صمت...
ثم ردّت ابتهال، بصوت هادي، نقي، لكن جارح:
ــ "الفرق بيني وبينك...
إني لما وقعت، قومت نفسي.
وإنتي لسه بتسندي غرورك على مبرراتك القديمة."
كان الصمت في الغرفة قاتل.
كلام فردوس الأخير وقع كصفعة، مش بس على وش ابتهال،
بل على وش ابتسام نفسها.
ظلت تنظر لابتهال...
لبنتها اللي اتقال عليها "وس*خ*ة"، "ضعيفة"، "منعدمة الحب"،
لكنها ما ردتش، ما انفعلتش، ما بكتش...
وقفت بثبات،
ابتسام قامت فجأة.
اقتربت من فردوس،
نظرت لها نظرة لا تحمل الغضب...
بل شيء أشد:
خيبة أمل.
قالت بصوت خافت لكنه مكسور:
ــ "أنا ربيتك إزاي يا فردوس؟
ده يبقى كلام يتقال لأختك؟
ده يبقى أسلوب واحدة كبيرة عندها بيت وعيال؟"
فردوس حاولت ترد، لكن ابتسام رفعت يدها:
ــ "اسكتي.
أنا خلاص شفت كل حاجة.
وشفت أكتر من اللي كنت مستعدة أشوفه."
نظرت إلى ابتهال...
ولأول مرة، عينيها كانت مليانة خجل.
ــ "حقك عليّا يا ابتهال...
يمكن عمري ما هعرف أرجّعلك اللي راح،
بس على الأقل...
من النهارده، مش هسكت تاني."
رجعت تبص لفردوس :
ــ "وإنتي...
قبل ما تتكلمي عن أختك،
بصي في المراية...
هتلاقي واحدة بتتداري ورا أمها كل ما تغلط.
بس خلاص...
أنا مش هبقى الستر اللي يغطي على أذيتك تاني."
حاولت فردوس التراجع عن حديثها لكن ابتسلم لم تعطها فرصه
وتجاهلتهم ابتهال ودخلت غرفتها دون أن تعقب على حديثم
انتهت ابتهال من جمع اشيائها معادا بعض الاشياء القليله تركتهم ليوم تركها للمنزل
فى اليوم التالى ذهبت لعملها كلمعتاد
واتصل بها عمران وكلب أن يقابلها لكنها رفضت فهى الآن منشغله كثيراً بعملها وتجهيز شقتها
ذهبت بعد العمل مع احدى صديقاتها واشترت بعض الأثاث وكانت حريصه أن تشترى الاساسيات حتى لا تنفذ النقود منها
اشترت ركنه صغيره وتلفاز صغير
وثلاجه وبوتاجاز وغسالة
ومطبخ صغير
واشترت القليل من ادوات الطهى
وأعطتهم عنوان شقتها الجديدة
فهى تمتلك شقه فى احدى الكومباوندات اشترتها قسط منذ ان بدأت فى عملها
وقررت أن تترك ذلك المنزل لامها واختها
هى لا تريد منهم شئ فقط تريد النجاه بنفسها
انتهت من تلك المشاوير وبعدها ذهبت للمنزل وجدت والدتها منتظراها فى غرفتها وعلى وجهها علامات الغض*ب
دخلت ابتهال غرفتها وجدت والدتها تجلس على سريها
نظرت لها ابتهال بتعجب
ـ خير حصل حاجه
ـ انتى لميتى هدومك وحاجتك ورايحه فين وليه ماقولتليش
ـ اقولكم ليه ؟؟؟
مش انتى من الأول كنتى عايزانى افضى الاوضه دى عشان فردوس انا خلاص هفضيهالك وهسيبلك الشقه كلها وهروح اقعد فى شقتى
ـ انتى بتقولى ايه هتروحى تعيشى لواحدك
ـ وايه المشكله منا عايشه لواحدى هنا برضة ....
بس الفرق انى لما انقل من هنا هعيش فى هدوء اكتر وهكون مرتاحه أكتر
ـ بس انا مش موافقه
ـ مالكيش انك توافقى او ترفضى فى حاجه تخصنى
ده قرارى وانا مش هتراجع فيه
والاوضه دى بكره هيجى نجار يفكها وهنقلها لشقتى الجديدة تقدرى تجيبى لفردوس اوضه جديده وتنقل هنا
ـ ابتهال لو سمحت خليكى ووعد منى محدش هيضايقك حتى انا
انا عارفه انى غلطانه وظلمتك ادينى فرصه او على الأقل ماتبعديش
ـ خلاص انا جهزت كل حاجه وانى انقل من هنا امر مفروغ منه وبكره بإذن الله هكون نقلت وخلصت كل حاجه
خرجت ابتسام من الغرفه وذهبت لغرفتها واتصلت بدكتوره وفاء وقصت عليها ما فعلته ابتهال
وطلبت منها وفاء ان تتركها تفعل ما تريد وإذا كانت تريد أن تصلح الماضى تاخذ عنوانها وتزورها فى منزلها الجديد بشكل مستمر حتى تعطيها وتعطى نفسها وفردوس فرصه لمراجعه حساباتهم
اغلقت معها واتصلت بجبران الذى قال لها نفس حديث الطبيبه
فى غرفه ابتهال اتصلت بعمران وطلبت منه أن يأتى لها غدا فى البنك وهى ستنتظره هناك
وافق عمران دون أن يسالها عن السبب
فى منزل جبران اتصل ياسين بجبران واخبره عن ما تم بينه وبين ابتهال وطلب منه أن يعطيه المبلغ الذى صرفه عليها وطلب المبلغ ووضع عليه زياده
ـ مساء الخير
ـ مساء النور
ـ استاذ جبران انا اتصلت على ابتهال وللأسف كل حاجه بينا انتهت وانا كنت عايز الفلوس اللى صرفتها عليها وانت وعدتنى قبل كده أنك هترجعهملى
ـ والمبلغ ده كان
ـ ٢٥٠ الف جنيه
ـ طيب انا هكلمها اتاكد منهت وهرجع اكلمك تانى
ـ اكيد هتكدب
ـ ابتهال مابتكدبش ... مش يمكن انت اللى كداب
ـ طيب انا مستنى تكلمنى تانى وترجعلى فلوسى
ـ إن شاء الله
اغلق جبران مع ياسين واتصل بابتهال وابلغها كلام ياسين
ـ ازيك يا عمى عامل ايه
ـ انا الحمد لله ، طمنينى عليكى
ـ الحمد لله بقيت احسن
ـ ياسين كلمنى انهارده وقال انه اداكى ٢٥٠ الف جنيه
فلوس هدايا وكده ..... وانا بصراحه هردهمله بس حابب اتأكد منك الأول
تحدثت ابتهال بخجل وندم مما فعلته
ـ لا هما ١٧٥ الف جنيه بس وانا اديتهم لفردوس عشان خاطر اولادها لانى عارفه انها مش هتعرف تاخد منه حاجه
ابتسم حبران داخله على تصرف ابتهال الذى عدى توقعه
ـ طيب كويس انك عملتى كده برافوا عليكى
ـ عمى لو كلمك تانى اوعى تديله حاجه
ـ ماتقلقيش أنا هعرف اتصرف معاه
فى اليوم التالى ذهب عمران للمكان عمل ابتهال وخرجت ابتهال لتقابله وأعطته مفتاح منزلها لينقل غرفه نومها لشقتها الجديدة ويستلم الاجهزه والأشياء التى اشترتها لمنزلها الجديد
حاول عمران أن يوقفها ويجعلها تغير رايها ولكنها أصرت
وبالفعل اخذ عمران المفتاح ونقل غرفه نومها تحت اعتراض ابتسام وغيظ فردوس
ولكنها صبرت نفسها انها قريبا ستعمل مع عمران
يتبع
رواية جحيم الغيرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اماني سيد
دخلت ابتهال العمارة الجديدة، خطواتها مترددة كأنها داخلة على حياة مش عارفة تبدأها منين.
كان الباب مفتوح، وصوت العمال واضح… كراتين، ومناورات نقل، وصوت رجل بيصرخ:
ـ خلي بالك من المرايا دي!
دخلت، شافت عمران واقف وسطهم، عرقان، لابس تيشيرت سادة وبنطلون رياضي، لكنه بيتصرف كأنه صاحب البيت، مش مجرد مساعد.
لما لمحها، سكت للحظة، ثم قال:
ـ اتأخرتى ليه؟
ـ كان عندي شغل متأخر بسبب الاجازه وصعب أعرف اخد اجازه تانيه هيطردونى وقتها. متنساش انى دى مصالح ناس ترضي حد يعطلك مصالحك.
ـ لأ طبعاً... غلبتينى فى الكلام.
نظرت ابتهال حوالينها ووجدت الشقه اصبحت مقلوبة رأساً على عقب. كيف ستتمكن من فرشها بمفردها؟ هي تحتاج لشهر حتى تستطيع أن تنظمها.
ـ سرحانه فى ايه مالك؟
قالها عمران بابتسامة خفيفة، وهو بيستقبل عفش الغرفه القديمه فهو قد تخلص من غرفتها القديمه واشترى لها واحده جديده.
نظرت ابتهال لتلك الغرفه الجديده باستغراب.
ـ دى مش الاوضه بتاعتى انت مجبتهاش.
ـ روحت اجبها لقتها قديمه ودايبه بعتها وجبتلك مكانها واحده جديده.
ـ طيب مش تاخد رأيى افرض مش معايا فلوس أكمل.
ـ اعتبريها سلف وبعدين ماتقلقيش انا تاجر شاطر ودفعت فرق بسيط. الاوض الجديده لقيت سعرها حلو اوى تقريبا مقارب لسعر اوضتك القديمه.
اقتربت ابتهال من الغرفه الجديده وقامت بالكشف عليها ثم نظرت له بقله حيله وسخريه.
ـ لا طلعت شاطر فعلا الاوضه القديمه بتاعتى خشبها ارو دى mdf.
ـ يعنى ايه.
ـ يعنى ورق.
ـ قصدك ايه.
ـ قصدى انك اتضحك عليك. ماتبقاش تعمل شاطر تانى.
صمت عمران واقترب من الغرفه يعاينها من قرب ووجد ابتهال محقه.
ـ خلاص وقت ما نفرش شقتنا هسيبك انتى تنقى الخشب وكل حاجه على ذوقك. طلعتى شاطره بس انتى عرفتى الحاجات دى ازاى.
ـ من صحابى وقت ماكانوا بيجهزوا كنت بنزل معاهم اساعدهم وكده. وبعدين استنى مين قالك انى وافقت عليك.
ـ قلبى يا قلبى اللى قالى.
وكاد أن يقترب منها حتى يناكشها لكن قطع اللحظة عامل بينادي من البلكونة:
ـ يا باشا، التلاجة مش داخلة من الباب دا!
ـ هنطلعها من البلكونه. استنوا شوية!
بصت ابتهال لعمران وقالت:
ـ يلا اتصرف على ما ارص الهدوم جوه الدولاب على الأقل اخلص من حاجه.
دخلت ابتهال أوضتها الجديدة، قفلت الباب وراها، ووقفت لحظة تبص حوالينها.
الدولاب لسه فاضى، والستارة متعلقة نص تعليق، والمرتبة موجوده على السرير بشكل عشوائي.
فتحت الشنطه اللى فيها الفرش وعدلت المرتبه وفرشتها وبعد كده علقت الستاره. وبدأت ترصّها جوه الدولاب، واحدة واحدة، وهي بتكلّم نفسها:
ـ ده مش بيت. دى ورشة شغل.
فجأة سمعِت خبطة خفيفة على الباب:
ـ ممكن أدخل؟
ـ ادخل.
دخل عمران وهو شايل زجاجة مية وعلبة عصير ووجبه طعام.
ـ جبنا حاجه ساقعة، وغدا انا جوعت جدا واكيد انتى كمان جعتى.
ـ شكرا يا عمران انا هموت من الجوع. وشكرا على تعبك وواقفتك مع العمال انهارده وأنك سبت شغلك عشانى.
سكتوا لحظة. وبعدين قال:
ـ ماتشكرنيش على واجبى معاكى يا ابتهال بالعكس. انا اللى أشكرك إنك وثقتى فيا مره تانيه وسماحتيلى انى اساعدك.
حاول عمران أن يغير الحديث.
ـ يلا ناكل بقى ونكمل بعدين.
جلسوا سويا ليتناولوا طعامهم وترحوا باب الغرفه مفتوح.
نظر عمران حوله وعلى ترتيب ابتهال لغرفته.
ـ شكلك بتعرفى ترتبى.
ـ أيوه. أنا اتعلمت اعتمد على نفسى من سنين.
ـ انسى السنين اللى عدت وخلينا فى بدايتك الجديدة.
ـ يعنى خلاص؟ دى بداية جديدة؟
ـ آه. من غير ماضى، من غير حمل، من غير حد يحملك فوق طاقتك.
ـ عندك حق. خلص بقى اكل بسرعه عشان تلحق تخلص.
انتهوا من طعامهم وعادت ابتهال لرص دولابها مره اخرى وذهب عمران ليقف مع العمال ليكملوا نصب الاثاث.
كان الهدوء غريب فى بيت ابتسام.
أوضة ابتهال فاضية، والصالة فيها صوت التليفزيون شغال على مفيش.
فردوس قاعدة على الكنبة، بتقلب فى موبايلها بعصبية، وابتسام قاعدة على الكرسى المقابل، باصه للفراغ.
قطعت فردوس الصمت فجأة:
ـ يعنى عمران يسيب شغله وينقل عفشها بنفسه؟
ابتسام بصّت لها بحذر:
ـ هو كان بيساعدها وخلاص.
ـ مساعده إيه؟! واحد وواحده فى شقه لواحدهم يبقى بيساعدها فى ايه.
ـ فردوس كفاية بقى الكلام ده، عيب كده انتى بتتكلمى عن اختك.
ـ لأ مش كفاية، انتى مش شايفة اللى بيحصل؟ ابتهال عاملة نفسها مظلومة، وسابت البيت، والكل بقى شايفها ضحية، وعِمران بقى فارس أحلام!
سكتت ابتسام. لكن كان باين إن كلام بنتها مش عاجبها.
ـ انتى زعلانة إنها بقت لوحدها؟
ـ لأ. أنا مستغربة الناس اللى بتقف جمبها بعد كل اللى عملته.
ـ هى عملت إيه؟
قالت ابتسام، والسؤال طلع من غير تفكير، كأنه عايز يعرف مش يلوم.
رفعت فردوس عينيها بدهشة:
ـ بجد؟ انتى ناسية إنها كانت على علاقة يجوزى واتسببت قى خراب بيتى؟
ـ فردوس ماتضحكيش على نفسك علاقتك من زمان بايظه بياسين من قبل دخول ابتهال حياتكم. وجودك معاه كان تحصيل حاصل. وكذا مره زمان نصحتك بالطلاق فاكره لكن انتى كنتى متمسكه بيه بطريقه غريبه.
ـ يعنى خلاص؟ بقيت أنا الغلطانة دلوقتى؟
سكتت ابتسام. وحست فجأة إنها تايهة بين بنتين، واحدة خرجت تدور على نفسها، والتانية لسه جوّا البيت مالهاش هدف ولا طموح.
قامت من مكانها، راحت لأوضة ابتهال. فتحت الباب ببطء، بصّت جوا الأوضة الفاضية. السرير مش موجود، الدولاب متشال، والحيطة فيها آثار حاجات كانت متعلقة.
دخلت، وقعدت على الأرض.
ـ راحت.
جملة خرجت منها كأنها اكتشفت إنها خسرت حاجة، مش بس بنتها، لكن حاجة أعمق.
رجعت فردوس، وقفت على الباب، وبصّت لوالدتها قاعدة لوحدها وقالت:
ـ متزعليش عليها. هي اللى اختارت تمشى.
ردت ابتسام وهي باصة للأرض:
ـ يمكن. بس إحنا اللى خليناها تدور على مخرج. انا اللى غلط فى تربيتى ليكوا. للاسف خسرتكم انتوا الاتنين.
ـ خسرتينى ازاى انا جمبك اهو. انا مش عارفه ليه زعلانه إن ابتهال مشيت كده احسن.
نظرت لها ابتسام بحسره لا تعلم ماذا تقول لها فهى من اوصلتها لهذا الحد من الانانيه والحقد على اختها.
نظرت لها ابتسام.
ـ فردوس انتى ايه هوايتك.
صمتت فردوس لا تعلم.
ـ مش فاهمه جايه بعد ٣١ سنه تسالينى هوايتى ايه؟ معرفش. وانتى ماقولتليش ايه الحاجه اللى المفروض احبها او اركز معاها غير انى احاول اتفوق على ابتهال.
كان كلام فردوس كصفعات على وجهه ابتسام. فالمفروض من يذهب للعلاج فردوس وليس ابتهال. هي لا تنكر خطأ ابتهال العظيم تجاه اختها ولكنها اعتطها العذر. هي الان متعجبه كيف عاشت ابتهال واستطاعت النجاح والاعتماد على ذلتها فى وسط عائله كعائلتهم. هم من يجب عليهم المكوث فى المشفى وليس ابتهال. ابتهال استطاعت التعافى وان تنجوا بنفسها وتركتهم يغرقون.
وقفت ابتسام ونظرت لفردوس.
ـ فردوس ايه رايك تروحى لدكتوره وفاء. على فكره انا كمان بروحلها.
تحدثت فردوس بسخرية ممزوجة بعنف:
ـ انتى بتقولى إيه؟ أروح لدكتورة نفسية؟ هو أنا مجنونة؟
نظرت لها ابتسام بهدوء ما كانتش بتعرف توصله قبل كده، وقالت:
ـ لا. إنتى مش مجنونة. لكنك تعبانة. وأنا كمان. وإحنا تعبنا ابتهال معانا، ودى أقل حاجة نعملها.
ضحكت فردوس ضحكة قصيرة، فيها قهر:
ـ يعنى بعد العمر ده، تقولى لى إنى تعبانة؟ ليه؟ عشان قلتلك إن ماعنديش هواية؟ ولا عشان مابقتش ملاك في نظرك؟ ولا عشان بنتك التانية مشيت وبقيتى بتدورى على بديل؟
اقتربت منها ابتسام خطوة، بصت لها بعين أم شافت الحقيقة متأخر:
ـ لأ. عشان لما بنت عندها ٣١ سنة، ما تعرفش تحب حاجة. ولا تسامح أختها. ولا حتى تسيب حب قديم وتكمل حياتها. ولا عارفه تشوف مستقبل عيالها وشايفه انها طلاما بتأكلهم وتشربهم يبقى كده تمام كأنها بتربى كتاكيت. يبقى جواها حاجة مكسورة من زمان.
ـ أنا مش مكسورة!
صرخت فردوس، لكن صوتها كان مهزوز، زى مراية مكسورة بتحاول تقنع نفسها إنها لسه بتعكس الصورة كاملة.
قالت ابتسام بهدوء:
ـ عارفه أنا قلت لوفاء إيه؟ قلت لها إننا اللى محتاجين نروح المستشفى، مش ابتهال. وقلت لها إن البيت ده كله كان مريض. وإنك إنتى أكتر واحدة محتاجة فرصة قبل ما تختفى جوا نفسك زى ما أنا اختفيت سنين.
سكتت فردوس، وبدأت الدموع تتملى في عنيها، لكنها بسرعة مسحتها بإيديها:
ـ يعنى انتى شايفانى؟ ضعيفة؟
ـ لأ. أنا شايفاكى. بنتى اللى ضيعتها. وعايزة ألحقها قبل ما تضيع أكتر. فردوس عشان خاطرى فكرى. يمكن لما تقعدى مع وفاء تقدر تساعدك تطورى من حياتك ومن نفسك زى ما عملت مع ابتهال وتخليكى انسانه ناجحه وطموحه.
صمتت فردوس، تفكر في حديث والدتها، فهو مش مجرد كلام. دى كانت أول مرة تشوف في عين أمها نظرة ندم صادق، مش عتاب ولا أوامر.
رجعت بعينيها تسرح فى الأرض، كأنها بتفتش عن نفسها وسط تفاصيل عمر كامل من التدليل والضياع.
قالت بنبرة أهدأ من العادة:
ـ هي ساعدت ابتهال فعلاً؟
ـ جدًا. وفاء ما دخلتش حياة ابتهال كدكتورة بس. دخلتها كحد شاف الوجع من غير ما يحكم عليه.
ـ وإنتى. بتروحيلها ليه؟
سؤال خرج من فردوس بهمس، كأنه اختبار.
ابتسام تنهدت وقالت:
ـ عشان أتصالح مع نفسى. عشان أبطل أهرب من اللى عملته. وعشان. أكون أم أحسن، حتى لو متأخر.
نظرت لها فردوس، وسألت بنبرة مشحونة بالارتباك:
ـ وهى هتقدر. تصلّحنى؟
ـ مش "تصلّحك". لكن تساعدك تلاقى نفسك وتبدأى من أول وجديد. لو حبّيتى.
مرّت لحظة صمت، ثم قالت فردوس، وهى بتشيح بوجهها:
ـ هفكر.
رواية جحيم الغيرة الفصل العشرون 20 - بقلم اماني سيد
في اليوم التالي لعزال ابتهال، كان يوم إجازة وقرر بعض أصدقائها المقربين أن يذهبوا ويساعدوها في فرش منزلها الجديد. ظلت ابتهال طوال الليل تفرش غرفتها وتضع أشياءها في أماكنها حتى شعرت بإرهاق شديد وخلدت في نوم عميق.
في منزل ابتسام، اتصلت بعمران وألحت عليه أن يأخذها لمنزل ابتهال. تحت ضغط من ابتسام، قرر عمران أن يأخذها، ولكن اتصل بوفاء أولاً وأخبرها أن يجعلها تذهب.
مر عمران على منزل ابتسام، وجدها جالسة تنتظره. أخذها وتوجهوا لمنزل ابتهال.
في منزل ابتهال، كان الجميع منشغل. أتت منى، صديقتها المقربة، وقررت أن تساعدها في فرش المطبخ، والأخريات في الصالة ومساعدة منى في المطبخ. وتركت ابتهال الغرفة الثانية فارغة، اكتفت فقط بالأساسيات التي تحتاجها.
وصلت ابتسام برفقة عمران لمنزل ابتهال ووجدت أصوات ضحك آتية من شقتها. طرقت ابتسام على الباب وفتحت لها إحدى أصدقاء ابتهال.
"مين حضراتكم؟"
"أنا ابتسام، مامت ابتهال، وده عمران ابن عمها."
"أهلاً يا طنط، اتفضلي."
دخلت ابتسام وتركت عمران خارج المنزل حتى تنتبه باقي الفتيات. وجدت ابتهال تمزح مع أصدقائها.
لأول مرة ترى ابتسام الابتسامة على وجه ابنتها. وقفت ابتسام في منتصف الصالة تنظر حولها، تشعر أنها غريبة.
ضحك، حكايات متداخلة، وأصدقاء يحاولون خلق فرحة وسط شقة لم تدب فيها الروح بعد.
كانت ابتهال واقفة بجانب منى، تضحك من قلبها وهي تحكي موقفًا حصل لهما أيام الجامعة.
وفجأة لمحت والدتها. سكتت لحظة، نظراتهما تقابلت، لكنها لم تقل شيئًا. لم تعرف ماذا تفعل.
شعرت منى بالتوتر الذي بدأ يظهر عليها، واقتربت من ابتسام بابتسامة خفيفة.
"حضرتك أم ابتهال؟"
"أيوه..."
"أهلاً يا طنط، إحنا أول مرة نشوف حضرتك. أنا منى صاحبة ابتهال من أيام الجامعة، ودول أصدقائنا." وبدأت تعرفهم على المتواجدين.
"اتفضلي اقعدي يا طنط، تشربي إيه؟"
شعرت ابتسام أنها غريبة بجوار ابنتها. من المفترض أن يكون ذلك دورها أن تسألهم ماذا يشربون، وليس العكس. حاولت فتح جو من الألفة.
"لا يا حبيبتي، أنا مش هشرب. أنا جاية أساعدكم. إيه رأيكم هعزمكم النهارده على الغدا؟"
أجابتها منى: "شكراً يا طنط، أنا ماما هتجهز الغدا وهتبعته مع أختي لما يخلص. إحنا بيتنا قريب من هنا وماما بتحب ابتهال، وهي عاملة الأكل اللي بنحبه."
ثم نظرت لباقي البنات: "يلا يا بنات، إحنا كده مش هنخلص النهارده. يلا ماما عملتلكم محشي، اللي مش هتخلص مش هتاكل معانا."
بدأ البنات في المزاح مرة أخرى وبدأوا يسرعون في عملهم حتى ينتهوا في أقرب وقت.
أجابت إحدى صديقات ابتهال: "بقولكم إيه، إحنا سايبين عيالنا مع أهالينا عشان نقعد براحتنا وننبسط، عايزين نخلص بسرعة عشان نلحق نقعد مع بعض شوية."
بدأ البنات في المزاح، وكل منهم ذهبت لتكمل عملها.
كانت تنظر لهم ابتسام لا تعلم ماذا تفعل أو من هم هؤلاء الأصدقاء. من منهم يحب ابنتها حقًا ومن يتظاهر؟ لم تستطع أن تكون لها أما تنصحها في مراهقتها كما كانت تفعل مع فردوس. تذكرت وجود عمران ووقوفه خارج الباب.
خرجت له ابتسام وطلبت منه أن يوصلها لمكان تجلب منه بعض الحلوى والمشروبات.
وبالفعل، ذهبت ابتسام برفقة عمران واشترت تورته كبيرة وبعض المشروبات الغازية. وعادت لمنزل ابتهال وطلبت من عمران أن يذهب وشكرته.
ولكن عمران صعد معها وتحدث مع ابتهال وسألها إذا احتاجت شيئًا وتركها حتى تظل براحتها مع أصدقائها.
ظل الجميع يعمل على قدم وساق إلى أن انتهوا. وحاولت ابتسام الاشتراك معهم في أحاديثهم وظلت تسألهم كيف عرفوا ابتهال. وأخبروها أن ابتهال صديقة قديمة لهم من أيام الدراسة وقبلها من أيام الثانوية، وأن مساعدتهم لها جزء مما فعلته معهم ابتهال، فهي كانت تقف مع الجميع ولا تبخل بمساعدة أحد منهم، ووجودهم اليوم معها جزء من رد جميلها إليهم.
انتهوا أخيراً من تنظيف وتنظيم المنزل، وأتت أخت منى ومعها الطعام الذي أحضرته والدتها. وبعد الانتهاء من الطعام، أحضرت ابتسام الكعكة التي جلبتها وظلت تتحدث مع ابتهال وأصدقائها واندجت معهم في الحديث واكتشفت أنها لا تعلم شيئًا عن ابنتها.
مر اليوم سريعا وانصرف البنات، وظلت ابتسام جالسة مع ابتهال. وساد الصمت في المكان.
"ابتهال، أنا لاحظت إن في أوضة واحدة بس مفروشة."
"آه، أنا جبت حاجات بسيطة وأفرشها بقى بعدين."
"طيب، أنا هبات فين؟"
نظرت لها ابتهال بتعجب، فهي ظنت أنها ستنصرف أو سيأتي عمران ليوصلها مرة أخرى.
"نامي في الأوضة وأنا هبات في الصالة."
"طيب ما نبات أنا وأنتي في الأوضة؟ هو عيب؟ أنا مش غريبة، أنا مامتك."
نظرت لها ابتهال للحظات، نظرة فيها اندهاش. كانت تحاول تفهم، هل فعلاً والدتها تريد التقرب؟ أم هذه لحظة عابرة من لحظات الندم التي تأتي وتروح؟ تنهدت وقالت بهدوء:
"لا يا ماما... مش عيب... بس يمكن أنا اللي مش متعودة."
"متعودة على إيه؟"
"متعودة أنام لوحدي."
"معلش استحمليني النهارده بقى، كان يوم مرهق وطويل، وما تخافيش أنا ما بتحركش وأنا نايمة."
أومأت ابتهال رأسها، لا تعلم ماذا تفعل، فوالدتها تحاول اقتحام حياتها.
خلدت ابتسام وابتهال على السرير، ولم تستطع ابتهال النوم، عكس ابتسام، فأخذت أحد الأغطية وخرجت لتنام في الصالة.
وأثناء خروجها، وجدت اتصالاً من عمران. ابتسمت ابتهال وأجابت عليه.
"ألو عمران."
"روح عمران وقلبه."
"عمران، لو سمحت ماينفعش كده، وبعدين عيب على سنك."
"ماله سنى؟ 😅😅 يسمح على فكرة، انتي بس اللي مكسوفة زيادة، بس معلش بكره تتعودي."
"انت متأكد إنك دكتور؟"
"اه، وبعد بكره افتتاح العيادة، ولازم تكوني موجودة عشان أعرفك على زمايلي."
"حاضر، زي ما وقفت جنبي لازم أقف جنبك."
"لا يا ابتهال، ماينفعش يبقى وجودك معايا رد جميل. أنا ماليش جمايل عليكي عشان ترديها. أنا عايزك جنبي بصفتك حبيبتي وخطيبتي وبنت عمري وشركتي ومراتي المستقبلية اللي ببني حياتي ونجاحي معاها خطوة بخطوة، وحابب إنها تكون حاضرة كل نجاح بعمله."
ابتسمت ابتهال بخجل، وهي لا تزال تمسك بالهاتف في يدها كأنها تخشى أن تهرب منه الكلمات التي قالها منذ لحظات. حديثه لم يكن فقط كلمات، كان دفء ناعم تسلل بين ضلوعها، دغدغة رقيقة مست حياءها الأنثوي، وأربكت سكونها. لم تكن معتادة على هذا النوع من الاهتمام، كلامه اخترق كل الجدران التي بنتها حول نفسها، ولمسها من الداخل، لمسة لم تكن خادشة، بل حنونة، مطمئنة، ومربكة في ذات الوقت. كل حرف خرج منه كان كأنه بيت له مكان خاص في صدرها، وصوته كان أشبه بموسيقى بطيئة تعزف على وتر قلبها المنكمش، فجعلته ينبض على إيقاع جديد، إيقاع فيه نبض اسمه "أنثى مرغوبة ومحبوبة".
أنهت المكالمة بخجل من ذلك الحديث. نظرت لوجهها في مرآة أمامها، ورأت بنتًا جديدة تولد من قلب الخجل، وعيونًا تتألق بشيء يشبه الاعتراف الخفي، اعتراف لا يقال، لكن الدمعة الصغيرة التي لمعت في زاوية عينها كانت شاهدة عليه. دمعة سعادة وفرح وليست دمعة حزن.
في اليوم التالي، استيقظت ابتسام أولاً ووجدت ابتهال تنام في الصالة. دخلت المطبخ ووجدت بعض الأساسيات غير متواجدة. ذهبت لتشتري بعض الأطعمة والشاي ومستلزمات الطعام لتضعها في منزلها الجديد.
بالرغم أن منزل ابتهال صغير عكس منزلها، إلا أنه كان مريح، وذلك الأثاث البسيط جعله أكثر راحة، فهو فقط عبارة عن غرفتين صغيرتين ومطبخ وصالة. وضعت ابتهال ركنة في الصالة والمطبخ ليس به كثيراً من الأشياء، يكاد يكون فارغاً، فقط أحضرت به المستلزمات الأساسية وغرفة نومها وغرفة أخرى فارغة.
انتهت ابتسام من شراء بعض الأشياء وعادت للمنزل وقامت بتحضير الطعام ووضعته على الطاولة الصغيرة أمام الركنة التي تنام عليها ابتهال وقامت بإيقاظ ابتهال لتأكل معها.
استيقظت ابتهال واستغربت من تصرف والدتها. تناولوا الفطور في جو هادئ، وبعدها دخلت ابتهال المطبخ وجدت تلك الأشياء التي جلبتها والدتها. خرجت لها مرة أخرى لا تعلم بما تناديها، فقررت الدخول فورًا في الحديث.
"هو حضرتك اشتريتي الحاجة دي إمتى؟"
"وإنتي نايمة نزلت اشتريتها وجيت."
"طيب حسابها كام؟"
"نعم؟"
"حضرتك جبتي حاجات في بيتي، طبيعي أسألك حسابها."
"أنا أمك لو ناسيه."
"أنا متعودة على كده، مش هعرف آخدهم."
"لا يا ابتهال اتعودي على كده، مافيش بنت بتدي فلوس لأنها المفروض العكس، لو احتاجتي حاجة أنا اللي أديكي."
قطع صوت حديثهم اتصال فردوس بوالدتها وطلبت منها أن تأتي لتجلس مع أبنائها حتى تذهب لوفاء.
"حاضر جاية، مش هتأخر. جهزي انتي عشان لما أجي تنزلي على طول."
"ابتهال، أنا ماشية دلوقتي، لكن هاجي تاني، والكلام اللي قولتييه من شوية ده مش عايزة أسمعه تاني."
حاولت أن تعترض ابتهال مرة أخرى، ولكن تركتها ابتسام ورحلت.
في منزل فردوس، كانت مترددة في الذهاب لوفاء، تفكر ألف مرة. هل تذهب وتفعل كما فعلت ابتهال؟ هل ستساعدها وفاء أن تتغير كما ساعدت ابتهال؟ أنهت ذلك الصراع بقرارها بالذهاب لوفاء.
أتت والدتها وتركت فردوس معها أبناءها وذهبت لوفاء كما اتفقت معها أمس عندما اتصلت بها. فعندما تركتها والدتها وذهبت لابتهال، بدأت تشعر فردوس بالخوف من ضياع كل شيء من يدها وظنت أن والدتها ممكن أن تتخلى عنها، فقرت الذهاب لوفاء لعلها تساعدها أن يعود إليها كل شيء كما في السابق.
دخلت فردوس العيادة واستقبلتها وفاء، وكانت ترى التردد في عينيها. دخلوا الغرفة الخاصة بالكشف. جلست وفاء على مكتبها وكانت أمامها فردوس.
"إزيك يا فردوس، عاملة إيه؟"
"الحمد لله بخير."
"أنا مبسوطة إنك جيتلي النهارده... ومش هسألك عن السبب اللي خلاكي تيجي طالما جيتي يبقى أكيد انتي محتاجة تتكلمي مع حد صح؟"
"لأ مش كده.... أنا جيت عشان حاسة إني تايهة وكل حاجة بتروح مني."
"إزاي؟"
"جوزي راح وماما حالياً بتقرب من ابتهال، ولو ماما راحت أنا مش هلاقي حد جنبي."
صمتت وفاء، تركت لفردوس المجال للحديث، فهي من البداية تريدها هي لأنها هي من تحتاج للمساعدة.
"فردوس، إنتي ماكنش ليكي أصدقاء وإنتي صغيرة؟"
"لأ."
"ليه؟ احكي يا فردوس وأنا سامعاكي، ما تقلقيش كلامنا مش هيطلع بره الأوضة دي."
"وأنا صغيرة ماما وبابا كانوا بيخافوا عليا أوي، ماكنوش بيخلوني ألعب مع حد، بيخافوا حد يعضني أو يضربني أو يضايقني. حتى ابتهال كان بيني وبينها حاجز دايما زيها زي باقي قرايبنا. كبرت وخفت بس هما مش شايفيني بكبر ولا بخف. كانوا قرايبنا بييجوا يزورونا ومعاهم ابتهال، كنت بشوف إزاي ابتهال بتلعب معاهم وتتفاعل معاهم، عكسي اللي ماكنش ليه صحاب بسبب خوف أهلي. اتململني شعور إني عايزة أبقى مكان ابتهال زيها، عايزة صحابها، عايزة قرايبنا، عمامي وعمتي وتيتا يحبوني زيها."
"بس إنتي كنتي بتتمتعي بحب باباكي ومامتك عكس ابتهال. باباكي ومامتك كانوا بيحبوكي عشان كده بيعاملوكي بالطريقة دي، إنما ابتهال كانوا بيشفقوا عليها وهي كانت بتحس بده، وفيه فرق كبير بين الحب والشفقة. الحب بيكون مستمر مدى الحياة، إنما الشفقة وقت وتروح، والدليل فين عمتك دلوقتي؟ حتى عمك بيحب ابتهال وبيشفق عليها وبيعتبرها زي بنته، بس عمرها ما هتكون في مكانة بنته. كملي، أنا عايزيكي تطلعي كل اللي جواكي، أنا سامعاكي ومش هقاطعك."
"بعد ما كبرت جت ابتهال تعيش معانا بعد وفاة تيتا، ووقتها حسيت إني ممكن أكون زيها وقرايبنا يحبوني زيها، بما فيهم عمران."
"وقدرتي تعملي كده؟"
"في الأول قدرت، وأنا وعمران بقينا أصدقاء، حتى مرات عمي لاحظت إننا قريبين من بعض وبدأت تلمح بارتباط، وماما كانت بتشجعها وبابا كان عمي لأ عشان هو بيحب ابتهال أكتر وعايز يجوزها عمران."
"طيب عمران عمل إيه؟"
"بعد عني وبعدها سافر."
"فردوس، إنتي بتحبي ابتهال؟ طيب بلاش، عايزيكي تحكيلي من الأول خالص من بداية طفولتك، كل حاجة بالترتيب، ممكن؟ وأنا هسمعك، مش هقاطعك تاني والمرة دي بجد؟"
ياترى فردوس هتقول إيه؟ وهل تلك الأسئلة والإجابات العشوائية هتساعد وفاء تعرف الماضي بشكل صحيح وبعيون فردوس؟