تحميل رواية «جحيم الغيرة» PDF
بقلم اماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا منى أنا كل أما بسمع معاناة اختي مع جوزها بحس بسعادة كبيرة أوي أوي جوايا، وخاصة وهي بتتكلم عن جوزها وإنه إزاي مضيق عليها في المصاريف. طيب وإنتي علاقتك إيه بجوز أختك وليه تفرحي بكده؟ لأنه كل أما بيقصر معاها بيثبت لي إنه بيحبني وعايزني. يانهارك أسود! إنتي مجنونة بتحبي جوز أختك؟ وفيها إيه، راجل وبيتحمل المسؤولية وعايش معاها خمس سنين قبل ما يعرفني، وكان مريّها الهنا كله. ليه ما يبقاش ده كله بتاعي؟ أنا أحلى منها وأجمل منها وأستحق العيشة دي. بس متجوز أختك يا مجنونة. بس بيحبني أنا. طالما بيحبك...
رواية جحيم الغيرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اماني سيد
دخلت ابتهال العمارة الجديدة، خطواتها مترددة كأنها داخلة على حياة مش عارفة تبدأها منين.
كان الباب مفتوح، وصوت العمال واضح… كراتين، ومناورات نقل، وصوت رجل بيصرخ:
ـ خلي بالك من المرايا دي!
دخلت، شافت عمران واقف وسطهم، عرقان، لابس تيشيرت سادة وبنطلون رياضي، لكنه بيتصرف كأنه صاحب البيت، مش مجرد مساعد.
لما لمحها، سكت للحظة، ثم قال:
ـ اتأخرتى ليه؟
ـ كان عندى شغل متأخر بسبب الاجازه وصعب أعرف اخد اجازه تانيه هيطردونى وقتها.
ـ متنساش انى دى مصالح ناس ترضى حد يعطلك مصالحك.
ـ لأ طبعاً... غلبتينى فى الكلام.
نظرت ابتهال حوالينها ووجدت الشقه اصبحت مقلوبه رأساً على عقب.
كيف ستتمكن من فرشها بمفردها ؟؟ هي تحتاج لشهر حتى تستطيع أن تنظمها.
ـ سرحانه فى ايه مالك ؟؟
قالها عمران بابتسامة خفيفة، وهو بيستقبل عفش الغرفه القديمه، فهو قد تخلص من غرفتها القديمه واشترى لها واحده جديده.
نظرت ابتهال لتلك الغرفه الجديده باستغراب.
ـ دى مش الاوضه بتاعتى انت مجبتهاش.
ـ روحت اجبها لقتها قديمه ودايبه بعتها وجبتلك مكانها واحده جديده.
ـ طيب مش تاخد رأيى افرض مش معايا فلوس أكمل.
ـ اعتبريها سلف وبعدين ماتقلقيش انا تاجر شاطر ودفعت فرق بسيط.
الاوض الجديده لقيت سعرها حلو اوى تقريبا مقارب لسعر اوضتك القديمه.
اقتربت ابتهال من الغرفه الجديده وقامت بالكشف عليها ثم نظرت له بقله حيله وسخريه.
ـ لا طلعت شاطر فعلا الاوضه القديمه بتاعتى خشبها ارو دى mdf.
ـ يعنى ايه.
ـ يعنى ورق.
ـ قصدك ايه.
ـ قصدى انك اتضحك عليك. ماتبقاش تعمل شاطر تانى.
صمت عمران واقترب من الغرفه يعاينها من قرب ووجد ابتهال محقه.
ـ خلاص وقت ما نفرش شقتنا هسيبك انتى تنقى الخشب وكل حاجه على ذوقك. طلعتى شاطره بس انتى عرفتى الحاجات دى ازاى.
ـ من صحابى وقت ماكانوا بيجهزوا كنت بنزل معاهم اساعدهم وكده ...... وبعدين استنى مين قالك انى وافقت عليك.
ـ قلبى يا قلبى اللى قالى.
وكاد أن يقترب منها حتى يناكشها لكن قطع اللحظة عامل بينادي من البلكونة:
ـ يا باشا، التلاجة مش داخلة من الباب دا!
ـ هنطلعها من البلكونه … استنوا شوية!
بصت ابتهال لعمران وقالت:
ـ يلا اتصرف على ما ارص الهدوم جوه الدولاب على الأقل اخلص من حاجه.
دخلت ابتهال أوضتها الجديدة، قفلت الباب وراها، ووقفت لحظة تبص حوالينها…
الدولاب لسه فاضى، والستارة متعلقة نص تعليق، والمرتبة موجوده على السرير بشكل عشوائي.
فتحت الشنطه اللى فيها الفرش وعدلت المرتبه وفرشتها وبعد كده علقت الستاره ... وبدأت ترصّها جوه الدولاب، واحدة واحدة، وهي بتكلّم نفسها:
ـ ده مش بيت… دى ورشة شغل.
فجأة سمعِت خبطة خفيفة على الباب:
ـ ممكن أدخل؟
ـ ادخل.
دخل عمران وهو شايل زجاجة مية وعلبة عصير ووجبه طعام.
ـ جبنا حاجه. ساقعة، وغدا انا جوعت جدا واكيد انتى كمان جعتى.
ـ شكرا يا عمران انا هموت من الجوع.
وشكرا على تعبك وواقفتك مع العمال انهارده وأنك سبت شغلك عشانى.
سكتوا لحظة… وبعدين قال:
ـ ماتشكرنيش على واجبى معاكى يا ابتهال بالعكس .... انا اللى أشكرك إنك وثقتى فيا مره تانيه وسماحتيلى انى اساعدك.
حاول عمران أن يغير الحديث.
ـ يلا ناكل بقى ونكمل بعدين.
جلسوا سويا ليتناولوا طعامهم وترحوا باب الغرفه مفتوح.
نظر عمران حوله وعلى ترتيب ابتهال لغرفته.
ـ شكلك بتعرفى ترتبى.
ـ أيوه… أنا اتعلمت اعتمد على نفسى من سنين.
ـ انسى السنين اللى عدت وخلينا فى بدايتك الجديدة.
ـ يعنى خلاص؟ دى بداية جديدة؟
ـ آه… من غير ماضى، من غير حمل، من غير حد يحملك فوق طاقتك.
ـ عندك حق .... خلص بقى اكل بسرعه عشان تلحق تخلص.
انتهوا من طعامهم وعادت ابتهال لرص دولابها مره اخرى وذهب عمران ليقف مع العمال ليكملوا نصب الاثاث.
كان الهدوء غريب فى بيت ابتسام.
أوضة ابتهال فاضية، والصالة فيها صوت التليفزيون شغال على مفيش.
فردوس قاعدة على الكنبة، بتقلب فى موبايلها بعصبية، وابتسام قاعدة على الكرسى المقابل، باصه للفراغ.
قطعت فردوس الصمت فجأة:
ـ يعنى عمران يسيب شغله وينقل عفشها بنفسه؟
ابتسام بصّت لها بحذر:
ـ هو كان بيساعدها وخلاص.
ـ مساعده إيه؟! واحد وواحده فى شقه لواحدهم يبقى بيساعدها فى ايه.
ـ فردوس كفاية بقى الكلام ده ، عيب كده انتى بتتكلمى عن اختك.
ـ لأ مش كفاية، انتى مش شايفة اللى بيحصل؟
ابتهال عاملة نفسها مظلومة، وسابت البيت، والكل بقى شايفها ضحية، وعِمران بقى فارس أحلام!
سكتت ابتسام… لكن كان باين إن كلام بنتها مش عاجبها.
ـ انتى زعلانة إنها بقت لوحدها؟
ـ لأ… أنا مستغربة الناس اللى بتقف جمبها بعد كل اللى عملته.
ـ هى عملت إيه؟
قالت ابتسام، والسؤال طلع من غير تفكير، كأنه عايز يعرف مش يلوم.
رفعت فردوس عينيها بدهشة:
ـ بجد؟ انتى ناسية إنها كانت على علاقة يجوزى واتسببت قى خراب بيتى ؟
ـ فردوس ماتضحكيش على نفسك علاقتك من زمان بايظه بياسين من قبل دخول ابتهال حياتكم. وجودك معاه كان تحصيل حاصل.
وكذا مره زمان نصحتك بالطلاق فاكره لكن انتى كنتى متمسكه بيه بطريقه غريبه.
ـ يعنى خلاص؟ بقيت أنا الغلطانة دلوقتى؟!
سكتت ابتسام… وحست فجأة إنها تايهة بين بنتين، واحدة خرجت تدور على نفسها، والتانية لسه جوّا البيت مالهاش هدف ولا طموح.
قامت من مكانها، راحت لأوضة ابتهال… فتحت الباب ببطء، بصّت جوا الأوضة الفاضية… السرير مش موجود، الدولاب متشال، والحيطة فيها آثار حاجات كانت متعلقة.
دخلت، وقعدت على الأرض.
ـ راحت…
جملة خرجت منها كأنها اكتشفت إنها خسرت حاجة، مش بس بنتها، لكن حاجة أعمق…
رجعت فردوس، وقفت على الباب، وبصّت لوالدتها قاعدة لوحدها وقالت:
ـ متزعليش عليها… هي اللى اختارت تمشى.
ردت ابتسام وهي باصة للأرض:
ـ يمكن… بس إحنا اللى خليناها تدور على مخرج. انا اللى غلط فى تربيتى ليكوا.
للاسف خسرتكم انتوا الاتنين.
ـ خسرتينى ازاى انا جمبك اهو. انا مش عارفه ليه زعلانه إن ابتهال مشيت كده احسن.
نظرت لها ابتسام بحسره لا تعلم ماذا تقول لها فهى من اوصلتها لهذا الحد من الانانيه والحقد على اختها.
نظرت لها ابتسام.
ـ فردوس انتى ايه هوايتك.
صمتت فردوس لا تعلم.
ـ مش فاهمه جايه بعد ٣١ سنه تسالينى هوايتى ايه ؟؟؟
معرفش ..... وانتى ماقولتليش ايه الحاجه اللى المفروض احبها او اركز معاها غير انى احاول اتفوق على ابتهال.
كان كلام فردوس كصفعات على وجهه ابتسام.
فالمفروض من يذهب للعلاج فردوس وليس ابتهال.
هى لا تنكر خطأ ابتهال العظيم تجاه اختها ولكنها اعتطها العذر.
هى الان متعجبه كيف عاشت ابتهال واستطاعت النجاح والاعتماد على ذلتها فى وسط عائله كعائلتهم.
هم من يجب عليهم المكوث فى المشفى وليس ابتهال.
ابتهال استطاعت التعافى وان تنجوا بنفسها وتركتهم يغرقون.
وقفت ابتسام ونظرت لفردوس.
ـ فردوس ايه رايك تروحى لدكتوره وفاء.؟؟
على فكره انا كمان بروحلها.
تحدثت فردوس بسخرية ممزوجة بعنف:
ـ انتى بتقولى إيه…؟
أنا أروح لدكتورة نفسية؟ هو أنا مجنونة؟!
نظرت لها ابتسام بهدوء ما كانتش بتعرف توصله قبل كده، وقالت:
ـ لا… إنتى مش مجنونة.
ـ لكنك تعبانة… وأنا كمان.
وإحنا تعبنا ابتهال معانا، ودى أقل حاجة نعملها.
ضحكت فردوس ضحكة قصيرة، فيها قهر:
ـ يعنى بعد العمر ده، تقولى لى إنى تعبانة؟
ليه؟ عشان قلتلك إن ماعنديش هواية؟
ولا عشان مابقتش ملاك في نظرك؟
ولا عشان بنتك التانية مشيت وبقيتى بتدورى على بديل؟
اقتربت منها ابتسام خطوة، بصت لها بعين أم شافت الحقيقة متأخر:
ـ لأ…عشان لما بنت عندها ٣١ سنة، ما تعرفش تحب حاجة… ولا تسامح أختها… ولا حتى تسيب حب قديم وتكمل حياتها… ولا عارفه تشوف مستقبل عيالها وشايفه انها طلاما بتأكلهم وتشربهم يبقى كده تمام كأنها بتربى كتاكيت.
يبقى جواها حاجة مكسورة من زمان.
ـ أنا مش مكسورة!
صرخت فردوس، لكن صوتها كان مهزوز، زى مراية مكسورة بتحاول تقنع نفسها إنها لسه بتعكس الصورة كاملة.
قالت ابتسام بهدوء:
ـ عارفه أنا قلت لوفاء إيه؟
قلت لها إننا اللى محتاجين نروح المستشفى، مش ابتهال.
وقلتلها إن البيت ده كله كان مريض… وإنك إنتى أكتر واحدة محتاجة فرصة قبل ما تختفى جوا نفسك زى ما أنا اختفيت سنين.
سكتت فردوس، وبدأت الدموع تتملى في عنيها، لكنها بسرعة مسحتها بإيديها:
ـ يعنى انتى شايفانى… ضعيفة؟
ـ لأ.
ـ أنا شايفاكى… بنتى اللى ضيعتها… وعايزة ألحقها قبل ما تضيع أكتر.
فردوس عشان خاطرى فكرى. يمكن لما تقعدى مع وفاء تقدر تساعدك تطورى من حياتك ومن نفسك زى ما عملت مع ابتهال وتخليكى انسانه ناجحه وطموحه.
صمتت فردوس، تفكر في حديث والدتها، فهو مش مجرد كلام… دى كانت أول مرة تشوف في عين أمها نظرة ندم صادق، مش عتاب ولا أوامر.
رجعت بعينيها تسرح فى الأرض، كأنها بتفتش عن نفسها وسط تفاصيل عمر كامل من التدليل والضياع.
قالت بنبرة أهدأ من العادة:
ـ هي ساعدت ابتهال فعلاً؟
ـ جدًا…وفاء ما دخلتش حياة ابتهال كدكتورة بس…دخلتها كحد شاف الوجع من غير ما يحكم عليه.
ـ وإنتى… بتروحيلها ليه؟
سؤال خرج من فردوس بهمس، كأنه اختبار.
ابتسام تنهدت وقالت:
ـ عشان أتصالح مع نفسى…عشان أبطل أهرب من اللى عملته، وعشان… أكون أم أحسن، حتى لو متأخر.
نظرت لها فردوس، وسألت بنبرة مشحونة بالارتباك:
ـ وهى هتقدر… تصلّحنى؟
ـ مش "تصلّحك" لكن تساعدك تلاقى نفسك وتبدأى من أول وجديد… لو حبّيتى.
مرّت لحظة صمت، ثم قالت فردوس، وهى بتشيح بوجهها:
ـ هفكر…
رواية جحيم الغيرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اماني سيد
دخلت فردوس المركز وكانت عينيها مسلطة على ابتهال وعمران. عندما رآها عمران، أشار لها أن تأتي إليه ليعرفها على الحاضرين وعلى عملها.
بالفعل، وصلت إليه فردوس وتفاجأت بوجود ابتهال بجانبه وهي مبتسمة وتتحدث مع أصدقائه بثقة تفتقر هي إليها. وتفاجأت من وجود الدبلة بيد أختها، لكنها ظنت أنها إكسسوار.
بدأ الوقت يمر وبدأ وقت العمل.
"يلا يا جماعة الناس بدأت تيجي انهارده... بمناسبة الافتتاح هيكون الكشف انهارده مجاناً. يلا بقى شدوا حيلكم يا دكاترة."
بدأ كل دكتور يدخل غرفة الكشف الخاصة به. وقفت فردوس لا تعلم أين تذهب.
تحدثت ابتهال أولاً:
"عمران، انتوا هتبدأوا شغل دلوقتي؟ أنا بقى همشي أشوفك بعدين."
ثم نظرت لفردوس بسؤال:
"هتروحي يا فردوس؟ أوصلك في طريقي."
تحدثت فردوس بنظرات شماتة وتحدي:
"لا يا ابتهال، أنا عمران طلب مني أني اشتغل معاه هنا وأنا وافقت وهقعد شوية عشان أعرف شغلي."
"طيب تمام."
ثم نظرت لعمران:
"مع السلامة."
خرجت ابتهال وخرج عمران خلفها.
"ابتهال… استني!"
التفتت له، بعين هادية… من غير أي تعبير.
وصل جنبها، نفسه متلاحق شوية:
"مشيتِ كده فجأة… أنا آسف لو كلام نسيت أقولك على موضوع شغل فردوس، لأني أنا نفسي نسيته."
بصّت له شوية… كأنها بتحاول تفهم هو ليه قلقان أوي.
"متضايقة؟"
"لا خالص…"
نظر لها عمران نظرات استفهام محاولاً فهمها.
"ابتهال لو وجودها ضايقك أنا ممكن…"
قاطعت ابتهال حديثه بابتسامة:
"عمران، أنا واثقة فيك. اللي خلاك ماتفكرش طوال السنين اللي فاتت ترتبط بحد، هتيجي دلوقتي تفكر في فردوس!"
ابتسم عمران بفخر من طريقة تفكير ابتهال.
"أنا مش عارف أقولك إيه، أنا مبهور بطريقة تفكيرك... بس أنا اقترحت على فردوس كده لأني حسيت إنها محتاجة تتعامل مع ناس غيرنا تشوف العالم شكله إيه."
"ما عنديش مشكلة. أهم حاجة خلي بينك وبينها حدود، لأن ممكن تفكيرها ما يكونش زيك كده أنها خارجة عشان تاخد خبرة والكلام ده."
"قصدك إيه؟"
"ما قصديش، بكرة تفهم لوحدك. باااي."
"خدي بالك من نفسك، ولما توصلي كلميني."
"حاضر."
تركته ورحلت وهو يفكر في آخر جملة قالتها.
ما الذي خرج من شروده على صوت فردوس:
"عمران، إيه؟ هتيجي تقول لي أعمل إيه؟"
"ها… آه حاضر حاضر جاي."
دخل عمران وبدأ يشرح لها طبيعة عملها، ولكنها كانت تفهم ببطء نظراً لأنها أول مرة تعمل. بعد فترة، تركها عمران ولاحظ الفتيات التي تعمل معها حتى تعلمها. وبدأ في مباشرة عمله.
كان الوقت قرب يخلص، والعيادات بدأت تفضى.
خرجت فردوس من غرفتها بتعب واضح على ملامحها، لكنها في الحقيقة… كانت منتظراه.
لمحت عمران بيقفل ورقة ويحط حاجته في شنطته.
قربت منه وقالت بنبرة ناعمة:
"خلصت شغلك؟?"
"ــ آه، خلصت شغلي… ومروّح."
بصّت له بابتسامة لطيفة.
"طيب… ينفع توصلني في طريقك؟"
ردّ وهو بيزق شنطته ناحيته:
"ــ أكيد طبعًا، بس أنا مش كل يوم هنا يا فردوس، وأحيانًا مواعيدي هتبقى غير مواعيدك، فـ حاولي تشتركي مع عربية تجيبك وتوديكي كل يوم."
اتفاجئت، وقالت بسرعة:
"يعني إيه؟"
بصّ لها وهو بيحاول يوضح:
"ــ إنتي ناسية إني عندي عيادة تانية، وليها مواعيد غير شغلي في المستشفى اللي لسه ماسبتوش. كل حاجة فيهم ليها أيام ومواعيد."
سكتت لحظة، ثم قالت:
"أنا كنت فاكرة إنك مش بتشتغل غير في المركز ده بس، ومواعيدك كل يوم."
ضحك وهو بيهز راسه:
"ــ لا طبعًا، ما فيش كده… أنا باجي هنا تلات أيام في الأسبوع بس."
سكتت. لكن جواها… شعرت بضيق.
كانت متخيلة إنه هيكون جزء من يومها… كل يوم.
كانت حاطة آمال إنها تشوفه، تقرب منه، يمكن… ترجع تمسك طرف الخيط اللي كان فلت منها.
لكن الكلام نزل عليها زي الميّه الباردة.
ابتسمت بصعوبة، وقالت:
"تمام، ماشي."
لكنها لما استدارت، وشها كان غير اللي شافه عمران… كان فيه غصة.
غصة صغيرة، لكنها أول ألم في خيبة أمل جديدة.
عادت للنظر إليه مرة أخرى.
"طيب ينفع أغير مواعيد شغلي تبقى الصبح؟"
"تمام ما فيش مشكلة، تعالي بكرة بدري، واحنا بكرة نقسم جداول العمل بينك وبين البنات التانية."
"تمام."
خرج عمران من المركز وخلفه فردوس، وبعدها ركبت بجانبه في السيارة.
مر الوقت وكان الصمت مسيطر على المكان.
كانت فردوس تفكر في أحلامها التي تنهار أمامها.
نظرت ليد عمران وهو سائق، وجدته مرتدى الدبلة.
"عمران مش أنت قلت إنك مش خاطب أو فشكلت؟ إنت لسه لابس الدبلة ليه؟"
ابتسم عمران بسعادة:
"ــ دي دبلة ابتهال… أنا نسيت أقولكم، أنا وابتهال دلوقتي مخطوبين وقريب أوي أوي هنكتب الكتاب."
سكتت فردوس وبدأ جسدها يتشنج.
"نعم… إزاي ده؟"
لم يلاحظ عمران نظراتها أو تشنج جسدها بجواره. وأكمل حديثه:
"ابتهال دي الوحيدة اللي حبيتها، مكنتش بشوف في حياتي غيرها. سافرت وبعدت، لكن حقيقي معرفتش أشوف غيرها. عارفة دي مش مجرد دبلة، دي مشاعر وذكريات وحلم صعب بحاول أوصله."
"عمي يعرف؟"
"ــ أكيد طبعًا يعرفوا، وهنروح لها الأسبوع الجاي بابا يتكلم معاها."
"ماما تعرف؟"
"ــ زمان بابا كلمها، انهارده أكيد."
شعرت فردوس بأن روحها تنسحب منها، والغيرة تنهش قلبها.
ليه الكل عايز ابتهال؟ ليه كل مرة تطلع هي اللي مظلومة؟
حتى وهو بيكلمها عن خطبته، كان فرحان… فرحان عشانها هي.
حاولت تبتسم وتبارك، لكن شفايفها ما نطقتش، والكلمة خنقتها.
قالت بنبرة فيها لسعة مرارة:
"طيب… وياسين؟"
عمران ضغط فرامل العربية فجأة، ونظر لها باستغراب:
"ــ ماله ياسين؟"
ابتلعت ريقها وقالت بحدة مستخبية تحت قناع البرود:
"ــ مش كانت مخطوباله؟ إزاي هتتخطبلك وهي أصلاً مرتبطة بيه؟"
رد عمران بنبرة حاسمة:
"ــ ياسين ليه ظروفه يا فردوس، وهي سابته، وابتهال عمرها ما حبيته."
ضحكت ضحكة قصيرة وساخرة، فيها وجع ما حدش سامعه:
"ــ أومال ليه شاغلته؟ ليه خرّبت بيتي؟ ليه خلتني أعيش كل لحظة وأنا حاسة إني اتسرقت؟"
سكتت لحظة، ثم همست بانكسار:
"ليه يا عمران؟ ليه بتقفوا جنبها؟ أنا اللي كنت محتاجة حد في ضهري... مش المفروض تساعدوني أخد حقي من ياسين؟ مش المفروض... تكونوا ليا؟"
"عمران.... أنا اللي محتاجاك ومحتاجة وقوفك جمبي. انتوا بتكفؤها على اللي عملته معايا بأنكم تحروا وراها."
فضل عمران ساكت مستغرب كلامها.
رواية جحيم الغيرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اماني سيد
أنا أولى بيك منها يا عمران... أنا اللي محتاجك، أنا اللي اتأذيت منها، أنا اللي بيتي اتخرب بسببها عشان عايزة تثبت لي إنها تقدر تاخد كل حاجة هي عايزها وإنها أفضل مني. أنا اللي كانت طفولتي كلها خوف من المرض وبعيدة عنكم، وهي استغلت ده وقدرت تخليكم تحبوها وتكرهوني.
سكت عمران، مصدوم من كلام فردوس ومن كمية الحقد اللي جواها لأختها.
مدت فردوس إيدها تمسك إيده، لكن عمران سحبها بسرعة، كأنها لمسته نار.
بصّت له فردوس وهي بتبكي:
للدرجة دي يا عمران؟ للدرجة دي مش طايق حتى لمسة مني؟! أنا بقيت تقيلة للدرجة دي؟ بقيت عبء؟ فاكر يا عمران آخر مرة كنا عندكم وعدتني بإيه إنك هتوديني لمحامي عشان يجيب لي حقي من ياسين؟ تقدر تقول لي لحد دلوقتي ما ودتنيش ليه؟ أقول لك أنا، عشان ابتهال كالعادة اتمسكنت وخليتكم تنشغلوا بمشاكلها هي وأنا مش زعلانة، بس عايزة إحساس بيا وتعرف إن أنا اللي أولى بيك.
"لم يستطع عمران السكوت..."
اتنفس بحدة وكأنه بيحاول يبلع مرارة الكلام:
كفاية يا فردوس... كفاية. الكلام اللي بتقوليه ده مش بس ظلم، ده سم! ابتهال ما أخدتش منكم حاجة، ابتهال كانت عايشة مهمّشة، وأنتي... كنتي وسط حضن أمك، وكل حاجة كانت بتتفتح لكِ، كنتي دايمًا أنانية... عايزة الدنيا تمشي زي ما أنتِ عايزة. حرمتيها من كليتها اللي كان نفسها تدخلها بحجة إن الناس هتقارن بينكم وضغطتي على أهلك وخلّيتيهم يضغطوا عليها بأسوأ أنواع الضغط بسببك. كانوا بيقولوا لها إنها عايزة تموت أختها عشان ترتاح، وإنها أنانية وإنها بتحاول تاخد مكانك. ورغم كده محدش كان بيلومك على عمايلك. حتى أنا وأحنا صغيرين دايماً كنتي بترسمي إنك مريضة وإنك مش لاقية حد يلعب معاكي لدرجة إنك خلتيني أبعد عنها فترة وأنا متعاطف معاكِ.
وقفت فردوس مصدومة من لهجته، لكن هو كمل، صوته بيرتجف:
أنا ما وقفتش جنب ابتهال عشان هي طلبت ده، أنا وقفت معاها. أنا بحبها، عارفة يعني إيه بحبها؟ لأ، أنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان خاطرها. عارفة يا فردوس أنا لسه أصلاً بتعامل معاكِ ليه؟ عشان أنتِ أخت ابتهال اللي بتحاولي تطلعيها وحشة. ابتهال اللي ما زعلتش لما لقيتك اشتغلتي معايا ومعلقتش، بالعكس. رغم إني قلت لها لو وجودك معايا مضايقها أمشيكي، إلا إنها رفضت ده.
سكت لحظة، وكأنه بيحاول يسيطر على نفسه، لكن نظرته كانت نارية، وصوته انفجر فجأة:
وإنتي؟ إنتي ما عرفتيش غير تدمّري... دمرتي نفسك، ودمرتي بيتك، وولادك. وبتحاولي دلوقتي تدمرّي آخر حاجة فيها روح! أنا بحب ابتهال، وحب عمري ما حبيته ولا هحبه لحد.
قام بعدها عمران بتشغيل السيارة وانطلق مرة أخرى وقام بتوصيل فردوس لمنزلها وعاد لمنزله وهو يشعر بضيق في صدره. كيف عاشت ابتهال مع أشخاص يمتلكون كل ذلك الحقد داخلهم.
دخل عمران منزله، ولقى والده جبران قاعد مستنيه، باين عليه القلق.
مالك يا عمران؟ حصل حاجة ولا إيه؟
رد عمران وهو بيخلع جاكيته بعصبية:
أبداً... فردوس دي إنسانة مريضة، محتاجة تتعالج فورًا.
ليه؟ عملت إيه؟
قعد عمران قدامه، وبدأ يحكي كل اللي حصل، من أول حوارها لحد ما انفجر فيها بالكلام. كان صوته متوتر، ونفسه متلاحق، وجبران بيسمع ووشه تقيل من التفكير.
بعد ما خلص، قال جبران بهدوء:
طيب... اهدى، اهدى بس واقعد. حاول يهديه بكوب ميه، وبعدها بدأ يتكلم، بنبرة فيها عتاب:
يا عمران... مهما حصل، ما كانش ينفع تقولها كده. فردوس ضحية تربية أهلها، زي ابتهال بالظبط.
هز عمران رأسه بنفي حاد:
بالعكس، أنا مش شايفاها ضحية، أنا شايف إن ده طبعها، مش مجرد نتيجة تربية، وده يفرق.
جبران زفر تنهيدة طويلة، وبص لابنه نظرة فيها حكمة الأب ووجع الزمن:
يابني... اللي اتبنى في سنين، للأسف، صعب يتغير، واللي جبر وابتسام زرعوه في فردوس كبر معاها، بقى جزء منها. صعب يتفك بين يوم وليلة. بس محتاج وقت... ومحتاج علاج. والحمد لله إنها راحت لوفاء، وبدأت، ويا رب تكمل، أنا بس بقول لك... ما كانش له لازمة الأسلوب ده.
بابا، أنا مستغربك جدًا... إزاي بتدافع عنها؟ بعد كل اللي عملته؟
رد جبران بصوت منخفض، لكنه تقيل:
أنا مش بدافع عنها، أنا بدافع عن فرصة أخيرة إنها تتعدل. الاتنين ولاد أخويا، في مقام ولادي، وصدقني... أنا بلوم نفسي إني ما اتدخلتش من زمان، بس للأسف... ما كانش حد بيسمع.
سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء:
إحنا دلوقتي قدام فرصة، يا نمد إيدينا، يا نفضل واقفين مكانّا... نتفرج عليهم وهما بيغرقوا. وفردوس لو اتسابت، مش هتأذي نفسها بس... هتأذي كل اللي حواليها... وولادها قبل أي حد.
عمران سكت... بس ملامحه كانت لسه مش مرتاحة، كأنه بيحاول يصدق إن في أمل... بس مش قادر.
في منزل ابتسام دخلت فردوس وعلى وجهها علامات الغضب، وكانت ابتسام تجلس في الصالون منتظرها. دخلت فردوس لغرفتها دون أن تمر على غرفتها مما جعل ابتسام تذهب إليها مسرعة لتعلم ما بها.
مالك يا فردوس؟ حصل إيه؟
ابتهال اتخطبت لعمران.
تهلل وجه ابتسام بفرح.
طيب مبروك، وإنتي زعلانة لي؟
اقتربت فردوس من مامتها وتحدثت كالافعى:
مبروك لمين؟ بقول لك عمران خطب ابتهال، وإنتي بتقولي لي مبروك. إنتي سامعة أنا بقول إيه ولا وقعتي على ودانك؟
فردوس انتي اتجننتي؟ إزاي تكلميني كده؟
عايزاني أكلمك إزاي؟ بدل ما تاخدي موقف وتتصلي بعمي ومرات عمي وتلغي الخطوبة دي، وتكلمي ابتهال تديها كلمتين في جنابها بتقولي مبروك.
المفروض ده اللي كان يحصل من زمان يا فردوس، وأنا مش هقف قصاد سعادتها تاني.
تحدثت فردوس بانهيار وعصبية وبدأت تكسر كل ما يقابلها.
حتى انتي جايه دلوقتي تدافعي عنها. انتي إيه؟ بقيتي تحبيها وتفضليها عليا انتي كمان وبتدافعي عنها.
ظلت فردوس تصرخ ولا تعلم ماذا تفعل. حاولت تهدئتها لكن فردوس لم تكن تسمع لحديث والدتها.
أهدي أهدي يا فردوس وهعمل لك اللي انتي عايزاه. أهدي طيب.
لم تنظر إليها فردوس وظلت تكسر كل ما يقابلها.
خرجت ابتسام واتصلت بجبران ووفاء تستنجد بهم، فهي أول مرة تراها هكذا.
دق جرس الباب، وكان جبران أول الواصلين. فتح الباب بسرعة، ودخل على ابتسام اللي كانت واقفة مرعوبة قدام غرفة بنتها وأولادها واقفين بيعيطوا ومش فاهمين في إيه.
تحدث جبران:
إيه اللي حصل؟ صوت التكسير سامعه من أول الشارع!
مش عارفة يا جبران... أول ما دخلت قالت لي إن ابتهال اتخطبت لعمران، ولما فرحت وقلت "مبروك"، انفجرت فيا! بتكلمني كأني عدوتها... وبدأت تكسر كل حاجة حواليها، وأنا مش قادرة أوقفها!
فتح جبران الباب بحذر، شاف فردوس واقفة وسط هدوم مرمية، حاجات متكسرة، ووشها محمر من البُكا والانفعال. لكن أول ما شافته، صرخت:
انت كمان جيت تدافع عنها؟ كلّكم بتحبوها! حتى إنت يا عمي؟ انت أكتر واحد واقف في صفها. ثم اقتربت منه: ليه ما حبيبتنيش زيها؟ ليه ما بتقفش جنبي زيها؟ اشمعنى هي؟
قبل ما يرد، دخلت وفاء بخطوات سريعة، وشافت المشهد قدامها... بنت في قمة الانهيار، ومفيش حد قادر يطولها. وقفت وفاء جنب الباب، بصوت هادي:
فردوس... أنا وفاء. مش جاية آخد صف حد، بالعكس أنا جاية عشانك. بس لازم تهدي، عشان أقدر أسمعك.
فردوس بدأت تنهار أكتر:
محدش بيسمعني... محدش بيفهمني... حتى ماما قالت "مبروك"! أنا مش غريبة يا ناس... أنا بنتها! أنا اللي كنت تحت رجلها وبسمع كلامها. أنا اللي مرضت... أنا اللي عشت منبوذة من كل الناس بسببها.
قربت وفاء بحذر، وابتسام كانت بتبكي وواقفة في نص الغرفة. وفاء سابت شنطتها على الكومود، وقربت من فردوس اللي كانت بتتنفس بصعوبة:
فردوس أنا جنبك ومعاكي على فكرة. وعارفة إنك مجروحة بس اهدى عشان نعرف نتكلم. بصي كده على الباب وشوفي مين واقف. مامتك وولادك جمبها منهارين من الخوف إزاي... دول حتى خايفين يقربوا منك. عارفة ولادك دول بيحبوكي أكتر من أي حد تاني في الدنيا دي كلها ومش بيحبوا حد زيك ولا أكتر منك. ثم نظرت تجاه والدتها: شايفة مامتك.. هتموت من القلق عليكي إزاي وعمك اللي جه بجلبيه البيت والشبشب. لو ما كانش بيحبك وخايف عليكي كان هينزل بالشكل ده؟
بدأت فردوس تهدأ ولكن صوت بكائها أصبح يزداد. أشارت وفاء لأولادها فاقتربوا منها وقاموا بحضنها:
ماما إحنا بنحبك أوى ماتعيطيش.
اقترب جبران أكثر وضمها:
إزاي تقولي محدش بيحبك، كلنا بنحبك يا فردوس انتي اللي بتبعدي عننا مش العكس. وعمران كان خايف عليكي وعايز يجي معايا لكن أنا قولت له بلاش عشان وجوده ما يضايقكيش.
ظلت تبكي فردوس والجميع بجانبها ووفاء قررت أن تأخذها المركز رغم اعتراضها.
رواية جحيم الغيرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اماني سيد
استطاعت وفاء إقناع فردوس بالذهاب معها لذلك المركز حتى تهدأ أعصابها، ووافقت فردوس على مضض.
في اليوم التالي، أتت وفاء مبكرًا لتأخذ فردوس. وضعت ابتسام ملابس فردوس وأغراضها الضرورية في حقيبة. كانت فردوس طوال الليل جالسة صامتة، واضعة أبنائها بجانبها وهي تنظر إليهم كأنها تحاول تشبع منهم قبل ما تمشي. كانت تبص لكل واحد فيهم بنظرة طويلة، وكأنها تخزن ملامحهم جواها. الصغير نام على رجلها، والثاني بجانبها على السرير. قبل ما تمشي، حضنتهم جامد.
بكت ابتسام وسكتت. لا تعلم ماذا تقول، لأول مرة تشوف بنتها ضعيفة كده. حزنت على وضع بناتها الاثنين واللي وصلوا ليه.
وفاء بصّت لها وقالت بلطف:
"يلا يا فردوس… إحنا هنبقى جنبك."
خرجت معاها بخطوات ثقيلة، وعيونها بتلمع، لكن ما اتكلمتش. قبل ما تخرج فردوس من الشقة، لقت عمها قدامها.
"عاملة إيه انهارده يا فردوس؟ أنا روحت غيرت هدومي وجيت بسرعة قبل ما تمشي.. الحمد لله إني لحقت."
تحدثت وفاء بمزاح:
"إحنا كنا هنتحرك دلوقتي، هاخدها في عربيتي ونروح سوا."
"طيب خلاص، وأنا همشي وراكم بالعربية بتاعتي." ثم نظر لفردوس: "أهم حاجة راحة فردوس هانم."
وبالفعل تحركت فردوس مع وفاء وهي صامتة، لم تعلق على شيء. وصلوا المركز، و أنهى عمها جميع الإجراءات. وجلس معها فترة وظل يتحدث معها وهي صامتة.
"فردوس عايزك تخفي بسرعة وتطلعي من هنا.. أنا بحبك وولادك محتاجينك، وكلنا جنبك. إنتي هنا مش لوحدك أو أننا مش عايزينك، بس إنتي هنا مع ناس هتقدر تساعدك أكتر مننا."
لم يسمع إجابة من فردوس، فقبلها من رأسها وخرج. لم تكن فردوس تتحدث مع أي شخص، فقط كانت تجلس شارده صامتة. حاولت الممرضات التحدث معها لكن دون جدوى. تركتها وفاء بمفردها في أول يوم لتهدأ وتتقبل حديثها بعد ذلك.
مر يومين على وجود فردوس في ذلك المركز.
في منزل جبران، حاول كثيرًا التحدث مع عمران أن يذهب ليزور فردوس.
"يا عمران، فردوس زي أختك، روح زورها، يمكن ده يحسن من حالتها الصحية."
"بابا، أنا بطمن عليها منك، إنما أنا آسف مش هزورها."
"ليه؟"
"أولًا زيارتي ليها معناها إني ممكن أديها أمل لعلاقتنا من تاني، وأنا شايف إن كده أفضل. وبصراحة يا بابا، أنا نفسي مش قادر أنسى اللي هي وأهلها عملوه زمان في ابتهال وفيا."
"بس برضه بسبب اللي عملوه بقيت دكتور كبير، سافرت بره وبقى عندك مركز طبي كبير..."
"الجواز نصيب ومعادك مكنش جه."
"يا عمران، بلاش تتسرع وترفض، فكر كويس، ويا ريت ما تقولش حاجة لابتهال."
"ليه؟ أنا كنت هقابلها النهارده وأقولها."
"لأ، دكتورة وفاء هي اللي هتكلمها. هي منبهة علينا كلنا، محدش يجيب سيرة لابتهال."
"حاضر يا بابا، أوعدك أفكر مرة تانية."
كانت ابتهال قاعدة في كافيه هادي، قريب من. لابسة فستان بسيط بلون رمادي وطرحة بيضا. وشها هادي، لكن عينيها فيها لهفة متخبّية. دخل عمران، ووشه فيه ابتسامة دافية، لابس كاجوال بسيط. أول ما شافها وقف مكانه ثانية، كأنه بيشوفها لأول مرة من سنين. بصت له ابتهال بخجل من نظراته ليها.
"اتأخرت ليه؟"
"علشان كنت بحضر كلام كتير… بس كله اختفى أول ما شفتك."
ابتسمت، وقعدوا قدام بعض.
"إزيك يا ابتهال؟"
"الحمد لله بخير، نحمد ربنا على كل شيء."
سكت لحظة، وبصّ لها نظرة فيها دفء. قاطعت ابتهال الصمت وتلك النظرات الموجهة إليها التي تشعرها بالخجل.
"إنت بتبصلي كده ليه؟ وبعدين إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه؟"
"الموضوع يا ستي إنك وحشتيني أوي أوي وعايز أشوفك وأتأكد إنك موجودة."
ابتسم ومد إيده على الطاولة، ما لمسش إيدها، بس قرّب منها وقال:
"أنا بقيت عامل زي المراهقين اللي النوم طار من عنيهم واللي كل أما يشوف حبيبته قلبه يدق ويزغزغه."
بصّت له، عينيها بدأت تدمع.
"عمران، إنت بتكسفني 😊"
"بحبكسكتت. وعنيها اتعلقت بعينيه لحظة. وبعدين بصّت على إيديها وقالت بصوت واطي: "وأنا عمري ما بطلت أحبك… حتى وأنا بزقك بعيد، كنت بعمل كده عشان خايفة تضيع أو تبعد.... أو أعشم نفسي وأحط أمل ويروح تاني."
قرب أكتر وقال بهدوء:
"أنا ما ضعتش، أنا واقف هنا، وبحبك زي أول مرة، بس المرة دي مش هسيبك تاني إلا بموتي. أنا طول السنين اللي فاتت بتمنى إشارة منك."
رفعت عينيها ليه وابتسمت بخجل.
"أنا متأكد إني مش عايز أموت من غير ما أبقى جنبك. أنا مش عايز أحكيلك عن حياتي، أنا عايز أعيشها معاكي."
في المركز عند فردوس، كانت تجلس في غرفتها شارده في اللاشيء. دخلت إليها وفاء وقررت التحدث معها.
"إزيك يا فردوس، عاملة إيه انهارده؟"
لم تجبها فردوس، فقط أومأت برأسها. فاكملت وفاء حديثها:
"مامتك وعمك جم سألوا عليكي، بس مدير المركز قال الزيارة ممنوعة. وولادك إنتي وحشتيهم أوي... على فكرة يستاهلوا إنك تبقي أحسن حد في العالم عشانهم."
"إزاي؟"
"حبي نفسك يا فردوس، وحبي اللي حواليكي عشان هما كمان بيحبوكي. دوري على اللي بتحبيه في المركز، هنا فيه كل حاجة ممكن تعوزيها. جربي كل حاجة... جربي اكتبى، ارسمى.. خيطي، اعملي أي حاجة لحد ما تلاقي الحاجة اللي فيها نفسك."
"هو فيه طفل ممكن يتولد من غير موهبة أو ميزة؟"
"أه طبعًا، والطفل ده لما بيحب حاجة وبيركز فيها بيبدع فيها."
"بس أنا مش طفلة."
"بس لسه عايشة، وطول ما إنتي عايشة دوري على حاجة عشان تلاقي نفسك. فردوس مشكلتك إنك كل حاجة بتجيلك جاهزة، ما فكرتيش تدوري على حاجة بتحبيها أو تعمليها."
"بس ابتهال بتعرف."
"ودي المشكلة، إنك مش بتشوفي اللي معاكي، إنتي بتشوفي اللي عند ابتهال وناقص عندك، فبتحاولي تكمليه منها أو تعملي زيها. إنتوا مختلفين، وكل واحد عنده نقطة قوى ونقط ضعف. فردوس إنتي حبيتي عمران عشان ده اللي ابتهال حبته. اتجوزتي ياسين عشان ده اللي إنتي افتكرتي أختك تحبه. لكن ما فكرتيش تبصي في حياتك وتبصي حواليك، بتبصي حوالين أختك. يمكن لو كنتي بصيتي في حياتك كنتي لقيتي حد بيحبك وإنتي مش واخده بالك منه."
صمتت فردوس، كأن الكلام دخل جوه عقلها وقعد. ما ردتش… بس ملامحها ما بقتش زي الأول.
وفاء سابت الكلام لحظة، وطلّت من الشباك، وبعدين رجعت تبص لها بابتسامة هادية:
"على فكرة... أنا ما جيتش عشان أقارنك بأبتهال. أنا جيت عشان أساعدك تلاقي "فردوس"... مش أختها."
"هو أنا ينفع ألاقيها بعد ما كل ده ضاع؟"
"ينفع... لو صدقتي إنها لسه جواكي، بس عايزة حد يطبطب عليها ويقولها: قومي... أنا لسه مصدقاكي."
سكتت فردوس، ونزلت دمعة على خدها من غير صوت.
قررت وفاء أن تكتفي بذلك الحوار اليوم وتعطيها فرصة لتفكر في حديثها. وأرادت أن تجعلها ترى ما عانته ابتهال ولكن بشكل مختلف. جلست وفاء بالقرب من فردوس وسألتها عن أولادها.
"بتحبي ولادك يا فردوس؟"
"طبعًا." قالتها بدون تفكير.
"بتحبي مين أكتر؟ الكبير ولا الصغير؟"
"الاتنين زي بعض، مافيش فرق بينهم."
"تقدري تدي واحد لباباه يربيه وتربي إنتي واحد عشان ما يبقاش عبء عليكي؟"
"لأ طبعًا مستحيل."
"طيب المفروض الكبير يدخل المدرسة السنة دي صح؟"
"أه."
"ينفع تأجليه سنتين عشان يبقى مع أخوه في نفس الصف؟"
"لأ طبعًا."
"طيب لو عملتي كده تفتكري ابنك الكبير اللي خايفة تظلميه شعوره هيكون إيه؟ ولو قررتي تدي طفل من ولادك لابوه يربيه تفتكري هيبقى إحساسه إيه؟"
صمتت فردوس وفهمت على ماذا تلمح وفاء. تركتها وفاء وخرجت دون أن تتحدث معها، فهي أرادت تلك النظرة التي رأتها في عين فردوس وتلك الصدمة.
يا ترى فردوس هتقدر تفهم مشاعر ابتهال؟
خرجت وفاء من غرفة فردوس واتصلت على ابتهال. وفي ذلك الوقت كانت ابتهال تجلس مع عمران. وجدت ابتهال هاتفها يرن برقم وفاء، فأجابت عليه. وصمت عمران يسمع حديث وفاء مع ابتهال، فهو علم أنها ستخبرها بحالة أختها.
"إزيك يا ابتهال، عاملة إيه؟"
"أهلا يا دكتورة، إزيك؟"
"الحمد لله أحسن... بقالك فترة مش بتسألي، قولت أسأل أنا."
"معلش مشغولة شوية."
"ولا يهمك.... ابتهال ينفع بكرة تعدي عليا في المركز ضروري؟"
"فيه حاجة ولا إيه؟"
"هتعرفي بكرة بس ضروري، هستناكي الساعة 10 الصبح. أنا عارفة إن بكرة إنتي إجازة."
"حاضر، هعدي عليكي بكرة، مع السلامة."
عندما انتهت من المكالمة سألها عمران بفضول:
"هو فيه حاجة ولا إيه؟"
"اه دكتورة وفاء عايزاني أروح لها بكرة الساعة 10."
"مقلتلكيش ليه؟"
"لأ، لما أروح هعرف."
"خلاص، هعدي عليكي الساعة 9.30 وأروح معاكي."
"لأ طبعًا مالوش لازمة."
"لأ ليه؟ وهاجي معاكي ومش عايز مقاوحة، عشان لو مسمعتيش الكلام هتلاقيني رايحلك على هناك وبدور عليكي."
"خلاص وعلى إيه، الطيب أحسن."
رواية جحيم الغيرة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اماني سيد
في اليوم التالي، وصل عمران أسفل منزل ابتهال وأخذها وذهبا لمركز الدكتورة وفاء.
"ازيك يا آنسة ابتهال، عاملة إيه؟"
"أهلاً بحضرتك يا دكتورة."
نظرت ابتهال لعمران وألقت عليه السلام.
"خير يا دكتورة، اتصلتي بيا امبارح وكنتي عايزاني؟"
"آه، محتاجة أتكلم معاكي بس يفضل نكون لوحدنا."
نظرت ابتهال لعمران، تفهم موقفها، واستأذن منهم.
"طيب يا ابتهال، أنا مستني في الاستراحة. هعمل كام مكالمة مهمة. لو احتاجتي حاجة، رني عليه."
"تمام."
دخلت ابتهال غرفة وفاء، وبدأت وفاء في التحدث في أمور مختلفة.
"ازيك يا ابتهال، عاملة إيه؟"
"بخير الحمد لله.. انتي عاملة إيه؟"
"أنا كويسة. أخبارك إيه بعد ما خرجتي من هنا؟"
"أحسن كتير بصراحة. شوفت الحياة بشكل تاني خالص."
"مامتك عاملة معاكي إيه؟"
"بتحاول تكلمني أو تقرب مني بس...."
"بس إيه؟"
"مش مرتاحة... أو مش حابة وجودها. مش عارفة... حاجة جديدة عليا إنها تتصل تطمن عليا أنا فين وبعمل إيه. حاسة الموضوع جه متأخر، مالوش طعم. يمكن مش عارفة أعبر عن اللي حاسة بيه. بس اللي أنا متأكدة منه إن وجودها زي عدمه معايا. بس الفرق إنها بطلت تضايقني بالكلام زي زمان."
"طيب، فردوس؟"
"مالها؟"
"إيه علاقتك بيها؟"
"معدومة. على فكرة أنا عارفة هي بتفكر إزاي وعايزة توصل لإيه."
"حاولتي تمنعيها؟"
"لأ."
"ليه؟"
"عشان هي بالنسبالي غريبة. وحتى لو نصحتها، هي مش هتتقبل ده. على فكرة، عايزة أقولك حاجة. فردوس أنا مش بك*رهها ولا بغير منها كمان."
"امال إيه؟"
"صعبانة عليا."
"صعبانة عليا بجد، لأنها عايشة في وهم. فاكرة إنها مركز الكون، وإن كل الناس لازم تحبها وتوافقها وتسقف لها. وتعلق على كل حاجة هي بتعملها. بس الحقيقة... إن كل ده مش بيحصل. وكل الناس شايفاها بنظرة غير اللي هي شايفة نفسها بيها."
"بتحسي ناحيتها بإيه دلوقتي؟"
"ولا حاجة. بقت مجرد اسم بيتقال."
"طب لو يوم جت واعتذرتلك؟"
"مستحيل. هي مب*تعتذرش. هي شايفة نفسها مظلومة حتى لو بتدوس على اللي قدامها. أنا عشت سنين أقول يمكن تتغير، يمكن تلاحظ، يمكن مرة تحس..."
"بتحسي بإيه دلوقتي ناحية عمران؟"
ابتهال اتفاجئت بالسؤال، وتلقائيا تغيرت ابتسامتها وأصبحت أكبر وظهرت لمعة في عينيها.
"سندي وحبيبي وكل حاجة."
"ابتهال، تعرفي إن فردوس موجودة هنا... محجوزة هنا في المركز ووضعها صعب جداً وكان ممكن تنتحر. بقالها تلات أيام كده."
صمتت ابتهال تسمع حديث وفاء دون تعليق.
"فردوس نزلت اشتغلت مع عمران في المركز الطبي بتاعه، وكان هدفها، انتي عارفاه، إنها تقرب منه وتعمل معاكي زي ما عملتي معاها وقت ما قربتي من ياسين واتسببتي في طلاقهم. لكن الفرق إن عمران واجهها بحقيقتها وقالها إنه بيحبك وإنه اتخطبتوا وفي أقرب وقت هتتجوزوا. ومش بس كده، لما روحت البيت لقت مامتك مبسوطة بقرار ارتباطك بعمران. فطبعاً وضعها أصبح مؤزر، خصوصاً إنها مالهاش حد غير مامتها. وطبعاً مامتك اتصلت بعمك، استنجدت بيه وجبنا فردوس هنا، طبعاً بعد ما كسرت أوضتها وانهارت."
"وأنا مطلوب مني إيه؟ دكتورة وفاء."
"نعم؟"
"أنا مش ملاك عشان أنسى اللي فات والمفروض إنها تصعب عليا وأتعاطف معاها. اللي انتي بتكلميني عنها دي، الرابط الوحيد بيني وبينها إن اسمها زي اسمي في البطاقة. لكن إنها تصعب عليا وأتعاطف معاها، لأ."
"بس هي محتاجاكي."
ابتسمت ابتهال بدموع.
"أنا فضلت ٢٨ سنة من عمري محتاجاهم."
"انتي عارفة مشكلة فردوس إيه؟"
"آه. أنا... أنا هي مشكلة فردوس."
"هي عايزة تبقى زيك، نفسها تبقى قوية زيك. عشان كده عقلها بيترجم لها إنها لو أخدت كل حاجة معاكي هتبقى زيك. وعلى فكرة، ده معناه إنها بتحبك وشايفاكي مثل أعلى ليها، رغم إنها الكبيرة والمفروض إنها تكون مثلك الأعلى."
ابتسمت ابتهال بدموعها وهي مبحلقة في الأرض، وقالت بصوت هادئ:
"بتحبني؟ اللي يحب مش بيكسر. اللي يحب مابيسرقش اللي في إيدك، ومايك*دبش، ومايتمنالكش الخراب."
"مش دايمًا الحب بيبقى ناضج. في حب مشوّه، بيخرج غلط، بس سببه احتياج دفين."
ابتهال رفعت عينها لوفاء وقالت:
"طيب وهي فين لما كنت أنا اللي باحتاج؟ فين كانت لما كنت بنام كل يوم وأنا حاسة إني أقل؟ فين كانت لما كنت باتمنى بس كلمة 'أنا جنبك'؟"
"كانت مش شايفة. زي ما مامتكم مكانتش شاياكي، كانت هي كمان بتدوّر على نفسها من خلالك."
"أنا مش دمي عشان الناس تلاقي نفسها من خلاله. أنا إنسانة... اتحطيت في مقارنة كل يوم، واتعاقبت على وجودي. وبعدين يجوا يقولولي اتعاطفي، وسامحي، وكوني كبيرة!"
"محدش بيطلب منك تسامحي. لكن أوقات كتير، لما بنفهم، بنقدر نرتاح. وأنا عايزاكي ترتاحي."
ابتهال سكتت شوية، وبعدين قالت:
"طيب لو رحتلها... ووشها قابلني بالك*ره القديم؟"
"مش هتروحي عشان تريحيها. انتي هتروحي عشان تقفلي الصفحة اللي تعبتك سنين. تروحي عشان تبقى في حاجة واحدة أخيرة كنتي محتاجاها... إنك تشوفي انهيارها، وتحسي إنك مش الضعيفة الوحيدة."
"وأنا كده أكون أنانية؟"
"لأ... انتي إنسانة بتدور على راحتها، وده أبسط حقوقك."
سكتت ابتهال، وبعدين قامت من على الكرسي بهدوء، ومسحت دموعها.
"طيب وفردوس؟"
ابتسمت وفاء. مهما حاولت ابتهال تبين إن فردوس مش فارقة معاها، لكن في جزء جواها فارق معاه.
"ماتقلقيش."
وفاء وقفت، ومشيت جنبها بخطى هادية. وصلوا غرفة فردوس، ووقفت ابتهال خارج الغرفة، ودخلت وفاء أولاً لتبلغ فردوس بوجود زيارة لها.
"ازيك يا فردوس، عاملة إيه النهارده؟"
"الحمد لله."
"على فكرة، في حد جاي يزورك النهاردة."
"مين؟ ماما؟"
"لأ."
"عمي؟"
"برضو لأ."
صمتت فردوس ونظرت لوفاء بتساؤل.
"هو في حد تاني غيرهم؟"
"آه. ابتهال، اختك."
"وهتيجي ليه ابتهال؟ عشان تشمت فيا صح؟"
"لأ يا فردوس، ابتهال عمرها ما تشمت فيكي أبداً. إيه رأيك أدخلها وتتكلموا مع بعض؟"
صمتت فردوس قليلاً تفكر، وأخيراً سمحت لها بالدخول.
خرجت وفاء واستعدت ابتهال التي دخلت الغرفة.
"أسيبكم تتكلموا براحتكم، وهروح أطمن على باقي الموجودين. تمام؟ وهعدي عليكم كمان شوية."
جلست فردوس صامتة. عيناها منتفخة من البكاء، ووجهها محمر أثر البكاء.
ظلت ابتهال صامتة إلى أن تحدثت فردوس.
"طبعاً جاية تشمتي فيا."
"أنا مابفكرش كده يا فردوس. وبعدين أنا هشمت فيكي ليه وأنا كنت مكانك؟"
"تشمتي فيا عشان عمران والكلام اللي قاله ليكي. وياسين اللي قدرتي تخليه زي الخاتم في صباعك."
"أنا ماليش علاقة بكلام عمران، وماعرفش إيه حصل ووصل الأمور لكده. ياسين، أنا مش هنكر إني غلطت لما فكرت ارتبط بيه... بس مش ده الإنسان السوي اللي كان هيصونك. حتى لو مكنتش أنا كلمته، أي واحدة هتشاور له هيجري عليها."
"طبعاً، روحتي قولتي له على وضعي."
"لأ. لو عايزاني أقوله، هروح أقوله."
"بصي يا فردوس، أنا مش زيك، ماتربتش على إن كل حاجة لازم آخدها وتكون ليا."
"بس انتي كل حاجة كانت ليكي يا ابتهال."
قالتها فردوس بدموع وعصبية.
نظرت لها ابتهال بقهر.
"أنا... أنا يا فردوس اللي عشت عمري كله آخد فضلاتك وبواقيكِ. يا شيخة، أنا كنت ببصلك وانتي في حضن بابا وماما، وكنت بتمنى أكون زيك."
"لأ يا ابتهال، انتي اتحرمتي من حضنهم آه، بس أخدتي كل حاجة. أخدتي حب العيلة والأصدقاء، النجاح وكل حاجة."
"انتي ليه بتبصيلي في الحاجة اللي كنت بعوض نفسي بيها؟ صحابي؟ العيلة؟ فينهم يا فردوس؟ علاقتي بيهم أصبحت سطحية. فين تينا؟ فين عمتي؟ فينهم اللي بتحسديني عليهم؟ مش بقالي منهم غير عمران وعمي. وعمي جبران عمره ما فرق بينا. بتبصيلي إيه؟ نظرة الشفقة في عينهم وعين صحابي. تفتكري لو كانوا بيبصولك بشفقة زي ما كانوا بيبصولي هتبقى مبسوطة؟"
"وأنا فين حضن بابا؟ ولا حتى فين أي أصدقاء يجوا يزوروني؟ أنا ماليش حد غير ماما يا فردوس. فين اللي حواليا؟ حتى ماما انتي أخدتيها."
كانت تتحدث فردوس بقهر وبكاء.
بدأت ابتهال تبكي بقهر على الماضي.
"وأنا يا فردوس فين اللي حواليا غير عمران وعمي؟ حتى أصدقائي بنتقابل حسب الظروف. لا أنا ولا انتي يا فردوس، كسبنا كل حاجة."
سكتت ابتهال لحظة ودموعها بتنزل بهدوء، وبعدين كملت بصوت واطي:
"إحنا اتنين مكسورين... بس كل واحدة فينا كانت فاكرة إن التانية عايشة مبسوطة ومرتاحة."
"كنت بغير منك يا ابتهال... بغير من سكوتك، من قوتك، من الهدوء اللي بتعرفي تتحكمي بيه في نفسك... بغير من عمران لما كان بيبصلك وأنتي مش واخدة بالك."
"وأنا كنت بحقد عليكي لما كنتي بتاخدي حضن ماما، وأنا اللي كنت بسمع جملة 'سيبي فردوس تعبانة'، حتى لو أنا اللي محتاجة حضن."
سكتوا لحظة، والهدوء اتسلل بينهم كأنه أول مرة يتكلموا بصدق من غير أقنعة.
"تفتكري يا ابتهال..."
نظرت لها ابتهال وخرجت مسرعة من الغرفة وهي بتعيط.
"لو كان أهلنا عدلوا بينا وعلمونا نكون سند لبعض، ماكنش ده هيبقى وضعنا."
كانت كل واحدة فيهم بتعيد جواها الكلمة دي.
رواية جحيم الغيرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اماني سيد
خرجت ابتهال بسرعة، والدموع تغرقها، لا ترى أمامها، قلبها يوجعها، جريئة في كل شيء، إلا في الغفران. والمصيبة؟ إنها مش قادرة تغفر لنفسها ولا لأختها. مش قادرة تغفر لنفسها إنها اتسببت في طلاق أختها.
"ياريتني ما انتقمت…"
"كنت بعدت، واحتفظت بكرامتي، وقلبي نضيف."
المواجهة اللي جوه رجّ قلبها، نظرة فردوس، الكلام اللي اتقال، وكل حاجة ما بينهم كانت بتنزف جواها.
وإثناء خروجها قابلت عمران اللي جرى وراها.
"ابتهال!"
رفعت راسها… لقت عمران بيجري عليها من بعيد، وشه قلقان، وصوته مليان خوف وحنان. وصل عندها، وقبل ما يقول كلمة، هي وقفت مكانها، مفيش طاقة حتى للهرب.
"إيه اللي حصل؟ إنتي كويسة؟" قالها وهو بيمسك إيديها، وإيده بتترعش من القلق.
"لا مش كويسة يا عمران…" قالتها بصوت مكسور وهي بتحاول تمسك دموعها، بس فشلت. "أنا غلطت… أنا اتحولت لوحدة أنا ماكنتش أعرفها…"
قرب منها أكتر، وقال بهدوء:
"لو غلطك إنك وجعتي، فده لأنك كنتي موجوعة… وأنا عمري ما هشوفك وحشة."
سكتت لحظة، وبصتله:
"بس أنا… انتقمت يا عمران. من أختي… ومن نفسي… وحتى منك."
"ابتهال… أنا مش هنا عشان أحاسبك ولا عشان حد يحاسبك، أنا هنا عشان أشيلك واقف جمبك." قالها وهو بيقرب منها خطوة كمان، وحضنها… حضن طويل، دافي، كأنه بيحاول يحبس كل وجعها جواه.
هي سابت نفسها، دموعها نزلت على صدره، بس قلبها بدأ يهدى.
"أنا مش هعرف أصلّح اللي بوّظته." قالتها وهي بتتنفس بصعوبة.
"مش لازم تصلحيه لوحدك لأنك ما غلطتيش لوحدك... كل واحد غلط وكل واحد بيتحمل نتيجة غلطه. ولو ياسين من الأول راجل وكويس مكنش سمع كلامك. ابتهال اللي عدى عدى خلاص مش هنرجعه تاني، خلينا في بكرة ومستقبلنا."
"إحنا كده هنأجل خطوبتنا."
"إحنا أصلاً مخطوبين، إحنا هنتجوز على طول، إنتي فاهمة غلط."
"ده اللي هو إزاي أنا مش فاهمة."
"مش فاهمة إيه؟ اللي في إيدك دي دبله ولا صباع موز؟"
"دبله."
"كل الحكاية إننا هننقلها من اليمين للشمال، ومأذون يكتب الكتاب وشوية معازيم يهيصوا."
بصتله ابتهال باستغراب:
"ده إيه السهولة دي اللي بتتكلم بيها، مكنش حد غلب."
"الناس هما اللي بيصعبوها على نفسهم. اسمعي مني بس."
"ولزمتها إيه الناس بقى؟"
"لا إزاي، أما إيه اللي هيرقص ويزغرط."
"لأ أقنعتني."
"شفتي أنا مقنع إزاي."
"الشقة موجودة ومتوضبة وجاهزة. هنخرج من هنا نروح نحجز العفش ونجيب الفستان."
"لأ طبعاً أنا مش موافقة. المفروض تكلم عمي الأول وأتأكد إن أهلك موافقين."
"بس كده عيوني."
"بكرة السبت، هنجيلك أنا وماما ونطلبك من عمي."
"وفردوس تفتكر عمي هيوافق؟"
"فكري في نفسك.. خلينا نجهز كل حاجتنا ونختارها سوا، ووعد مني يا ابتهال هعملك فرح الكل يحلف بيه. أنا لما بقول لك ننزل بنفسنا نجيب حاجتنا ده مش معناه إن أنا بقل منك أبداً والله، ربنا يشهد على كلامي، بس أنا كل اللي أقصده إننا ننجز في الوقت. كفاية اللي ضاع من عمرنا بعاد. إحنا لو استنينا المشاكل تخلص فمش هتخلص."
قالت له وهي بتبص بعيد:
"بس يعني… إنت متأكد؟ أنا لسه خارجة من دوامة كبيرة… وخايفة أكون داخلة على خطوة مش جاهزة ليها."
ابتسم لها، وقرب شوية، وقال:
"ابتهال، إحنا مش داخلين سباق… إحنا بنبدأ من أول وجديد، على هدوء، على مزاجنا إحنا، مش حسب توقعات الناس."
بصتله، وسألته بنبرة خفيفة:
"طب وإنت شايف إني مناسبة ليك دلوقتي؟"
"إنتي الوحيدة اللي كنت بدوّر عليها، ولما لقيتك… قررت ما أسيبكيش تاني. هو فين الوقت الصح غير دلوقتي؟ أنا وإنتي جربنا البُعد، ما جابش غير الوجع. تعالي نجرّب القرب… يمكن نعرف نرتاح."
ضحكت بهدوء، وقالت:
"بس كده؟!"
"أيوه، بس كده. أنا مش طالب غير ضحكتك، وقعدة جمبك… والباقي ييجي لوحده."
صمت عمران وظل ينظر لها بحب وعلى تلك الابتسامة المرسومة على وجهها.
"ما تجيبي بوسة."
"نعم؟ .. إنت قولت إيه."
"إيه بوسة بريقة."
"تصدق أنا غلطانة إني بكلمك، امشي يا عمران امشي."
وتركته لتذهب بعيدًا عنه. ركض خلفها عمران وأمسكها من معصمها.
"يا ستي خلاص ماتزعليش كده، هستنى لبعد الجواز بس وقتها مش هاخدها بوسة 😉 هاخدها…"
"أسكت أنت قليل الأدب."
"لأ أنا بحبك."
ضحكت ابتهال وهي بتحاول تبان متضايقة:
"قليل الأدب!"
قرب منها عمران، وهو بيهمس:
"قليل الأدب معاكي إنتي بس… ومش هبطل."
بصّت له بنظرة شبه غاضبة وشبه مكسوفة، وقالت:
"والله ما أنا متجوزاك."
"خلاص… نكتب الكتاب دلوقتي ونخلص 😂"
"طب والله يا عمران لو فضلت كده مش هتكمل فرحتك… أنا همشي وأسيبك!"
"وإنتي تفتكري ينفع؟ أنا بقيت متعود أصحى على صوتك… وأسمع ضحكتك قبل ما أنام."
سكتت وهي بتحاول تخبي خجلها، لكنه قرب منها أكتر وهمس:
"وكل مرة كنت بتخافي تقربي… كنت بستنى. ودلوقتي؟ مش ناوي على بوسة بجد؟ 💋"
"بلاش قلة أدب يا عمران…" (لكن صوتها كان بيتهز من الضحك)
"طب ما تيجي نجرّب واحدة... ونشوف هتكفينا ولا نمد العقد 😉"
"عمران 😳"
قرب منها أكتر، وقال بصوت واطي جداً:
"أنا بحبك… ومهما كنتِ عنيدة أو خايفة… أنا عارف إنك بتحبيني أكتر."
اتكسفت، بصّت له بسرعة وسحبت نفسها، وراحت تمشي بخطوات سريعة وهي بتضحك:
"والله ما هكلمك تاني 😂"
صرخ وراها:
"بس أحبك… وغصب عنك هتبوسي!… بس بعد كتب الكتاب عشان ربنا يبارك لنا 😇"
"لأ محترم أوي بصراحة."
في منزل جبران كان يجلس يشاهد الأخبار وجد الهاتف يرن برقم ياسين. أجاب عليه على مضض، مقرراً أن ينهي حديثه معه فهو لا يحبه أبداً.
"ألو سلام عليكم."
"وعليكم السلام. إزي يا حضرتك يا عمي."
"بخير يا ياسين، خير معاك."
"عملت إيه في فلوسي اللي عند ابتهال."
"كلمتها ومأنكرتش."
"طيب كويس. هترجعهم امتى بقى."
"لأ مهي رجعتهم بس لولادك وقالت ده حقهم."
"نعم إزاي ده يحصل؟ أنا عايز فلوسي أنا ارتبطت بواحدة ومحتاج الفلوس دي."
"دي مش فلوسك دي حق فردوس وولادك. غير إن فيه نفقة المفروض تدفعها. ولو محلناش الموضوع ودا وقتها هنلجأ للمحاكم."
"بس فردوس مضت تنازل عن كل حاجة في وجود محامي."
"بس نفقة ولادها مافيش أي ورق يمنع ولادك إنهم يطالبوا بيه. وابقى اسأل المحامي."
"خلاص أنا هاخد ولادي."
"خدهم. عايزهم؟ هجبهملك بنفسي لحد عندك بشنطة هدومهم."
سكت ياسين يفكر في حديث جبران وتفاجأ من رده. هو لا يريد أبناءه ولا يريد أي مسؤولية تجاههم.
تحدث جبران بحده:
"بص يا ابن ال… ناس. بصراحة كده بنتنا عايزة تشوف حياتها وولادك معطلنها. لو مش هتدفع كل شهر نفقة العيال يبقى انت أولى بيهم. انت أبوهم برضه وهتخاف عليهم."
"كلام إيه ده."
"ده كلام الحق... وبعدين انت أولى بتربيتهم. انت أبوهم ولما تتجوز مراتك تخدمك وتخدمهم هما كمان."
"لأ أنا مش موافق ومش هربي عيال حد."
"يبقى كل شهر تدفع ٥٠٠٠ آلاف جنيه نفقة ولادك. أظن المبلغ ده مش كبير عليك. ابتهال قالتلي انت بتاخد كام واحنا مش طماعين. وافقت كان بها، موافقتش عيالك عندك ولو حصلهم حاجة وقتها هنبلغ عنك. سلام عليكم."
في المركز، كانت فردوس قاعدة لوحدها، وعقلها مش سايبها ترتاح. كلام ابتهال، ونظرة وفاء، وسؤال صغير بيزن في دماغها…
"هي بتحب مين أكتر من ولادها؟"
بصّت قدامها، ومتخيلة أولادها قصادها.
"أنا بعدل بينهم… ما بحبش حد فيهم أكتر من التاني، حتى لو حد تعب، أو اتظلم، بحاول أكون واقفة في النص… ما بفرقش."
نزلت دمعة من عينها، ومسحتها بسرعة… وكملت تفكيرها:
"لو كانوا عدلوا بينا… لو كانوا ربونا على العدل… كان زماني أنا وابتهال حبايب. ولا كنت هغير منها ولا كانت هي هتكرهني."
حسّت بغصة في حلقها، وبصّت لنفسها كأنها بتحاسب الدنيا كلها:
"يعني أنا قدرت أعدل بين ولادي، وهما معرفوش يعدلوا بينا؟ كان صعب؟ ولا كان اختيار؟"
أغمضت عينيها وهمست:
"كنت بحب أبقى المفضلة… بس كنت مستنية حد يحبني عشاني. مش عشان ضعفي… ولا مرضي… ولا عشان يشفق عليا."
فتحت عينيها، وقالت بصوت مسموع رغم إن مافيش حد حواليها:
"يمكن لو كانوا عدلوا بينا… مكنتش هبقى بالشكل ده. مكنتش هخسر أختي. مكنتش هبقى مليانة غيرة ووجع."
رواية جحيم الغيرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اماني سيد
مر أسبوع آخر على وجود فردوس في المستشفى. كانت وفاء تجلس معها يوميًا، وسمحوا لها بالزيارة. كان عمها يأتي باستمرار، ووالدتها معها ومع أبنائها.
بدأت حالة فردوس النفسية تتحسن كثيرًا. أصبحت ترى الحياة بشكل مختلف. أصبحت تبحث عن شيء تحبه، ولم تعد تنظر لحياة ابتهال كما كانت تفعل في السابق.
أرادت فردوس أن تبني حياة مستقلة. شعرت أنها تحتاج للعمل وأن تبحث عن ذاتها. أرادت أن تصبح أمًا يفتخر بها أبناؤها. أصبحت أكثر حرصًا من ذي قبل أن تكون عادلة في معاملة أولادها.
لم يخبرها جبران بمكالمة ياسين حتى لا تتدهور صحتها. ولكن وفاء أخبرته أن يبلغها حتى تعلم أن ابتهال أو غيرها من الممكن جذبه بسهولة، وأن طلاقها منه كان لمصلحتها.
وبالفعل أخبرها جبران.
ـ ازيك يا فردوس، عاملة إيه؟
ـ الحمد لله يا عمي، انت عامل إيه؟
ـ أنا بخير. على فكرة ياسين كلمني وكان عايز الفلوس اللي ابتهال ادتهالك عشان يتجوز بيها. أصل في واحدة تانية عايز يتجوزها. بس ماتقلقيش، أنا مش بس رفضت، لا أنا كمان بضغط عليه عشان آخد منه نفقة ولادك.
ـ عارف يا عمي، أنا لما رجعت نفسي، أنا حقيقي بستغرب أنا ليه كنت مكملة معاه. إنسان أناني، مابيحبش ولاده. وابنه التاني حتى ما حضرش ولادته، وماما هي اللي اتحملت مصاريف المستشفى. كنت خايفة إن ابتهال تشمت فيا أكتر ما كنت خايفة من إن ولادي تتأثر حالتهم النفسية بسبب أب زي ده.
ـ الحمد لله إنك فوقتي. ومكانك في الشغل عند عمران لسه موجود.
ـ أنا مش عايزة أشتغل عند عمران.
ـ لسه زعلانة منه؟
ـ لأ خالص. أنا عايزاه هو اللي ما يزعلش مني، بس أنا كنت حابة أعتمد على نفسي.
ـ خليكي معاه اتعلمي، وبعدين اشتغلي في أي مكان تاني. حاولي تثبتي نفسك الأول وتدربي كويس وتاخدي خبرة، وبعدها محدش هيقولك بتعملي إيه. فردوس، أنا معاكي إنك تبدأي من أول وجديد وتعتمدي على نفسك، بس يوم ما تبدأي ابدأي صح.
ـ بس عمران...
ـ عمران كان عايز ييجي يزورك، بس إحنا اللي رفضنا عشان قولنا يمكن تكوني لسه زعلانة منه. بصي يا فردوس، فكرة إنك تبدأي دي حاجة حلوة، حتى لو جت متأخر أحسن من أنها ما تجيش خالص. بس ابدأي. حتى لو ساعدناكي في البداية وشاورنالك على الطريق. اللي هيقول إنك اتغيرتي ولا لأ هو إنك تكملي. وخاصة إن عمران ولا أنا ولا أي حد هيبقى معاكي في الشغل. مش عيب إننا نساعدك، لكن الغلط إنك تبقي عايشة منتظرة طول الوقت اللي يساعدك.
ابتسمت فردوس باقتناع من حديث عمها.
خرج جبران، وقعدت فردوس تبص في السقف لحظات. وبعدين مدت إيدها للموبايل، وقلّبت في الأسماء لحد ما وقفت عند اسمه: عِمران. فضلت تفكر: "أنا آخر واحدة المفروض أكلمه. مش عارفة هل فعلاً لسه زعلان ولا هما بيقولوا مش زعلان عشان ميضيقونيش."
انتهى التفكير وقررت الاتصال بعمران ومواجهته.
في الطرف التاني، عِمران شاف الاسم، وتردد، لكنه جاوب أخيرًا.
ـ السلام عليكم؟
ـ وعليكم السلام.
ـ ازيك يا فردوس؟
ـ الحمد لله بخير. أنا مش هطول عليك، بس كنت محتاجة أقول كلمتين. أنا غلطت، في حقك وفي حق ابتهال. واتكلمت بطريقة ما كانش ينفع أتكلم بيها. كنت شايفة الدنيا من زاوية ضيقة، وزعلت، وضيعت، ودفعت التمن.
ـ إنتي قولتي كلام صعب، وكان واضح إنك مش شايفة غير نفسك.
ـ عارفة. وعارفة كمان إني جرحت أختي، واللي كنت بحسبه نُصرة ليا طلع ضعف مني. أنا مش باتصل أرجع حاجة، ولا أطلب حاجة، بس كنت محتاجة أواجه نفسي، وأبدأ من أول وجديد.
ـ البداية مش بالكلام يا فردوس، البداية بتبان في التصرفات.
ـ عشان كده بسألك، لو لسه في مكان في الشغل، أنا عايزة أشتغل. مش علشانك، ولا علشان أختي، بس علشان نفسي، وعلشان ولادي.
ـ مكانك لسه موجود، وأنا أخوكي لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود.
ـ شكراً يا عمران.
دخلت وفاء الأوضة بعد ما خلصت فردوس المكالمة. كانت بتشوفها من بعيد وهي بتتكلم، وشافت ملامحها اللي مرت بلحظة توتر، وبعدين هدوء. قربت منها بهدوء، وقعدت على الكرسي جنبها.
ـ كلمتيه؟
ـ أيوه. مكنتش متخيلة إني هكلمه يوم، بس حسيته لازم يحصل. مش عشانه، ولا عشان أي حد، بس عشان أكون صادقة مع نفسي.
ـ وده أهم شيء. إنتي محتاجة تتصالحي مع نفسك قبل أي حد.
ـ قالي إن مكاني في الشغل لسه موجود. وقال إنه أخويا، ولو احتجت حاجة هيكون موجود. أنا اتفاجئت، ماكنتش مستنية الجملة دي بعد اللي حصل.
ـ هو شخص نقي أكتر ما إنتي كنتي شايفاه. وإنتي كمان، لما نقّيتي نيتك، عرفتي توصليله من غير ما تتكسري.
ـ خايفة يا وفاء. مش من الشغل، ولا من الناس. خايفة من نفسي، إني أرجع تاني لنقطة الصفر، إني أغلط، إني أضعف.
ـ الخوف ده طبيعي، وضروري كمان. بس خدي بالك، الفرق بين اللي بيتغير فعلاً، واللي بيمثل، هو إن الأول بيخاف وبيكمل، والتاني بيخاف وبيقف.
ـ أنا مش عايزة أقف تاني، ولا عايزة أكون نسخة مشوهة من نفسي. أنا عايزة أكون أم، وست، وبني آدمة، حقيقية.
ـ وإنتي كده فعلاً يا فردوس. والخطوة الجاية؟ هي إنك تثبتي لنفسك قبل أي حد، إنك تستحقي الفرصة.
في منزل ابتسام، اتصلت بعمران وطلبت تقابله. وبالفعل عمران راحلها وقعد معاها.
ـ ازيك يا عمران، عامل إيه وشغلك أخباره إيه؟
ـ بخير الحمد لله.
ـ كنت سمعت من فردوس إن انت خطبت ابتهال وعايزين تتجوزوا.
ـ ده حقيقي.
ـ طيب مش الأصول إنك تطلبها مني الأول. بص يا عمران، أنا عارفة إنك عارف وشايف الوضع إيه، بس ده ما يمنعش إنك تمشي بالأصول.
ـ أنا فاهم قصدك وعارف انتي تقصدي إيه، بس أنا مخرجتش بره الأصول. بدليل إني مستني فردوس تخرج من المستشفى عشان آخد الخطوة دي. وحضرتك حاليًا طول الوقت مشغولة مع فردوس وولادها، انتي وبابا. وإني عارفة حالة فردوس ومقدر وجودكم معاها. بس اسمحيلي، أنا مش هعطل حياتي أنا وابتهال تاني. كفاية اللي عدى وعمرنا اللي جرى مننا.
ـ عشان كده أنا بعتالك. لو انت جاد فعلاً، بكرة تيجي انت وابوك وامك وتقابلوني في شقة ابتهال وتطلبوها رسمي.
ابتسم عمران، فأخيرًا زواجه من ابتهال بيقترب وسيتحقق حلمه.
ـ أنا موافق. يبقى بكرة في شقة ابتهال الساعة ٨ مناسب.
ـ مناسب.
خرج عمران من منزل ابتسام واتصل على ابتهال وأخبرها بما تم بينه وبين والدتها. ووافقت ابتهال، فهي تريد أن يكون كل شيء يتم بشكل رسمي.
في اليوم التالي، حضرت ابتسام عشاء لأهل عمران وقامت بلفه بشكل فخم. وأخذته معها منزل ابتهال، وأخذت معها أبناء فردوس.
في ذلك الوقت، كانت ابتهال تحضر نفسها للمساء وتفاجئت بوجود والدتها وتلك التجهيزات. لم تتحدث كثيرًا معها، فهي كانت منشغلة في تجهيز ملابسها والمنزل.
دخل أبناء فردوس غرفة ابتهال، وتفاجئت بهم. ابتهال لا تعلم ماذا تفعل معهم. فجلست تتحدث معهم.
ـ ازيكم عاملين إيه؟
ـ الحمد لله يا خالتوا، انتي عاملة إيه؟
عندما سمعت لقبها لأول مرة منهم، شعرت تجاههم بمسؤولية، حتى لو لم تكن علاقتها جيدة بوالدتهم. فهي مهما فعلت لم تنكر ذلك الواقع.
ـ انتوا بتعملوا إيه؟
ـ قاعدين زهقانين، مش لاقيين حاجة نعملها. وتيتا مجبتش اللعب بتاعتنا معاها، وحتى التليفون بتاعنا نسيته.
ـ مشكلة كبيرة فعلاً. وأنا كمان معنديش لعب، بس عندي حاجة حلوة أوي تسليكم.
ـ إيه؟
أعطتهم ابتهال فرخ ورق كبير به رسومات صغيرة، وأعطت لهم ألوان.
ـ بتحبوا تلونوا؟ إيه رأيكم تلونوا الورقة دي كلها وتوروني بتعرفوا تلونوا ولا لأ.
فرح الأطفال بتلك اللعبة من نظرهم، وأخذوها وبدأوا في التلوين. ابتسمت ابتهال عليهم وعادت لتجهيز نفسها.
دخلت إليهم ابتسام وهي تبحث عنهم، ووجدتهم جالسين على الأرض يقومون بتلوين شيئا ما، وابتهال واقفة تنظر إليهم وهي مبتسمة. شعرت للحظة إنه من الممكن أن تتغير الأحداث في المستقبل وتتقبل ابتهال وجودها ووجود فردوس بحياتها.
أتى جبران ومعه زوجته وعمران، وجلسوا في غرفة الجلوس وبدأوا الحديث بأشياء مختلفة. إلى أن أتوا لموضوع الزواج. ووقتها طلب عمران يد ابتهال من عمها وأمها، ووافقوا. وقاموا بقراءة الفاتحة، واتفقوا أن الزواج بعد شهر حتى ينتهي عمران من تجهيز باقي المنزل. ورحبت أمه بالزواج، خاصة أنهم سيجلسوا معها بنفس المكان.
مر اليوم بدون أحداث جديدة. وفي اليوم التالي، أخذ جبران أولاد فردوس وذهب لمنزل ياسين وقابله، وكانت عروسته وأهلها بالمنزل. قابله ياسين ببرود.
ـ خير يا عم جبران.
ـ خير إن شاء الله. اتفضل خد ولادك.
ـ اعمل بيهم إيه؟
ـ ربيهم. طالما انت مش بتدفع النفقة بتاعتهم ولا عايز تدي امهم باقي فلوسها، يبقى اتفضل خدهم.
ـ مكنش ده كلام فردوس، وهي فين دلوقتي وبعتاك انت ليه؟
ـ مالكش دعوة بيها. فردوس زهقت من مسئوليتهم ومش معاها تصرف عليهم. هتاخدهم ولا أبعتهلمك على الشغل؟
ـ مش هاخدهم. انت شايف الوضع عامل إزاي.
تحدثت تلك العروس بعنجهية.
ـ بقولك يا ياسين، إحنا متفقناش على كده، وأنا مش هربي عيال حد. لو العيال دول هيبقوا معاك، فخلاص كل واحد من طريق.
ـ لأ، ماتقلقيش. أنا هتصرف.
أخدهم ياسين وذهب لغرفة أخرى وترك الأولاد بالخارج حتى لا يستمعوا لذلك الحديث.
ـ ينفع الإحراج ده؟
ـ وينفع عيالك اللي انت راميهم دول. انت لو واحد فقير هنقول معلش، إنما انت بتتجوز وقادر تفتح بيت، يبقى ولادك أولى بيك.
ـ انت عايز إيه دلوقتي وتاخدهم وتمشي؟
ـ أولاً، لما تتكلم اتكلم بأدب عشان معلمكش إزاي تتكلم بأدب. ثانياً، أنا مش عايز منك حاجة. ولادك دول كل أول شهر تبعتلهم مصاريفهم لحد باب بيتهم، عشان المرة الجاية الطريقة مش هتعجبك خالص.
ـ أنت بتهددني؟
ـ أه بهددك. ونفسي ما تعملش اللي بطلبه منك، عشان وقتها يا ياسين هعرفك قيمتك كويس.
ثم تركه وأخذ الأولاد وذهب لجدتهم مرة أخرى وقص لها ما حدث، وإنه يفعل ذلك حتى لا يأتي ياسين في المستقبل ويطلبهم من أمهم أو يضغط عليها بهم.
مر أسبوع آخر وخرجت فردوس من المستشفى، وقررت أن تقترب من أولادها وتعود للعمل في مركز عمران العلاجي، وتحاول أن تقترب من أختها ابتهال.
بدأت فردوس في العمل مرة أخرى في المركز، ولكن تلك المرة لم تفكر سوى في عملها وأن تطور من ذاتها. وبدأت بالتقديم لابنها في المدرسة، والطفل الآخر وضعته في الحضانة.
في المركز، بدأت فردوس تكون صداقات مع بعض من زميلاتها، وبدأت تتحدث معهم في أمور مختلفة عن حياتهم الشخصية وعن العمل. فالتعامل مع الناس سهل ممتنع.
شعرت فردوس أنها تولد من أول وجديد، وأنها لم تكن تعيش في ذلك العالم. فهي كانت تعيش في عالم موازٍ. لم تكن ترى ما بيدها فقط، لم تكن ترى سوى ما بيد أختها. بدأت تستوعب أكثر كم التعب والمعاناة التي بذلتها أختها حتى تصل لتلك المرحلة من الاستقلال.
مجرد تفكير فردوس بالنجاح وكم معها من الوقت حتى تنجح في الاستقلال بنفسها، وجدت أن الطريق أمامها طويل، على الرغم من وجود الجميع بجانبها. عكس ابتهال التي كانت تواجه كل شيء بمفردها.
تحول تفكير فردوس تجاه ابتهال من حقد وغيره إلى انبهار وفخر بها. كيف استطاعت أن تحقق كل ذلك بمفردها. وأصبحت ابتهال قدوة لفردوس.
قررت فردوس الذهاب لابتهال المنزل، وأخذت الأولاد حجة لتذهب لها.
في منزل ابتهال، كانت تتحدث مع عمران في الهاتف، وقرروا أن يذهبوا غدًا لشراء فستان الزفاف. وبعدها سمعت طرق على الباب، ذهبت لتفتح الباب وجدت فردوس أمامها.
رواية جحيم الغيرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اماني سيد
فتحت ابتهال البار لتتفاجأ بوجود فردوس أمامها. لم تأخذ الفرصة لتسأل فردوس عن سبب الزيارة، فوجدت أبناء فردوس يذهبون إليها مسرعين ويضمونها.
"خالتو وحشتينا قوي."
ابتسمت ابتهال وقامت بضمهم أيضاً.
"إزيكم عاملين إيه؟ وحشتوني قوي."
"وإنتي كمان... إحنا قولنا لماما إنك وحشتينا فقالت: البسوا وهاخدكم تشوفوا خالتكم."
"تعالوا ادخلوا طيب."
"ها تحبوا تاكلوا إيه حلويات؟"
"عايز لبن بالشوكولاتة ومولتو."
"حاضر عيوني. وإنت يا صغنن؟"
"زي أخويا."
"حاضر حالا هطلب الحاجة وهتيجي."
اتصلت ابتهال بالسوبر ماركت وطلبت أشياء كثيرة للأولاد، وعندما أتت الأشياء أعطتها لهم. فقاموا يهتفون بفرحة طفولية. ظلت ابتهال تضحك على تصرفهم.
رأت فردوس مشاعر الود المتبادلة بين ابتهال وأبنائها، وشعرت بمدى حماقتها في السابق. فلأول مرة ترى أولادها يندمجون في اللعب مع شخص آخر، حتى معها.
قعدت فردوس جنبهم، وبصت على ابتهال وهي بتضحك مع الأولاد. ولأول مرة، قلبها كان هادي. ما كانش فيه نار الغيرة اللي كانت بتحرقها دائمًا، ولا الصوت اللي بيزن في ودنها: "خدي بالك… هي تاخد مكانك؟"
الصوت ده… سكت. المكان كان مليان دفء. بصّت على ابنها وهو قاعد في حضن ابتهال، وشافت حاجة كانت ضايعة منها: حب الأخت والاحتواء، وإن الأخت هي أم تانية.
"ليه ما كانش كده من زمان؟"
"ليه سيبتنا نضيع العمر في خصام وغِل بدل ما نربّي أولادنا على حب بعض؟"
سنين ضاعت وصعب تتعوض. والاغرب، إزاي ابتهال تقبلت وجود ولادي وقدرت تخليهم يتعلقوا بيها كده؟ للدرجة دي أنا كنت عامية ومش شايفة كمية الحنان اللي عند ابتهال دي؟
بدأت فردوس بفتح حديث مع ابتهال حتى تخف حدة التوتر بينهم.
"الولاد متعلقين بيكي قوي يا ابتهال."
"هما هاديين ومؤدبين، بس محتاجين يخرجوا كتير لأنهم مش واخدين على الناس."
"منا للأسف مش بقدر أخرجهم لوحدي."
"جربي يا فردوس، دول هاديين وهيكونوا مؤدبين معاكي وهيخافوا يبعدوا عنك عشان ما يتوهوش."
"هجرب مرة أعمل كده... وغير كده أنا خلاص قدمت للكبير في مدرسة والصغير في حضانة."
"تمام حلو أوي."
"عايزاهم يبقوا زيك يا ابتهال."
بصتلها ابتهال بصدمة، هي ما كانتش متوقعة أبداً إن ممكن فردوس تقول كده أو تتمنى حاجة زي دي.
"بإذن الله هيطلعوا أحسن. أهم حاجة خليهم يحبوا بعض ويبقوا سند لبعض."
أومأت فردوس برأسها لابتهال.
مر الوقت، وكان الكلام بينهما خفيفًا… كأنهما غريبان التقيا مصادفة على طريق، وتبادلا كلمات دافئة دون أن يدركا أنهما يعرفان بعضهما منذ عمر. لا عتاب، ولا دموع… مجرد نبرات هادئة، تخطو على أطراف أصابعها، كأنها خايفة توقظ الغضب القديم.
فردوس (بصوت شبه هامس): "فاكرة وإحنا صغيرين… كنتي بتحبي تكتبي على الحيط؟"
"كنت بكتب اسمي… يمكن كنت عايزة أثبت إني موجودة."
"وأنا… كنت بمسح كل حاجة تكتبيها."
"ليه؟"
"كنت بغير… من كل حاجة بتلمع حواليكي. حتى وإن كانت مجرد حروف على حيطة. تعرفي؟ أنا عمري ما قلتلك "بحبك" وإحنا صغيرين… ولا حتى لما كبرنا. بس أنا بحبك يا ابتهال وغيرتي منك عشان شايفاكي حاجة كبيرة قوي. وتعرفي كمان أنا بقى ليه صحاب وبكلمهم عليكي ونفسي أعرفك عليهم. إنتي متخيلة إن أنا بقى ليه صحاب وزمايل في الشغل؟"
سكتت ابتهال، ما كانتش عارفة ترد تقول إيه. السكوت ما كانش تقيل، كان فيه راحة… زي اللي خلص من حمل طويل وشاف الطريق قدامه أخيرًا.
فردوس: "ممكن نبدأ من جديد يا ابتهال؟ مش كأخوات… كصاحبات؟ إحنا فشلنا إننا نكون أخوات، خلينى أجرب أبقى صاحبتك ممكن؟"
"مش عارفة، خلي الأيام ماشية، يمكن تقدر تصلح الماضي."
مرت الأيام وكانت بتتكرر زيارات فردوس لابتهال، وأحيانًا كانت ابتهال بتروح معاها. شعور ابتهال تجاه فردوس كان مشتت، كانت بتحس إنها ضحية لأهلها زيها، لكن مامتها مش قادرة تسامحها. تواصلت كتير مع دكتورة وفاء اللي دايما كانت بتطلب منها تحاول تسامح عشانها، عشان يكون عندها سلام داخلي. لكن لابتهال الموضوع كان صعب عليها.
في منزل عمران: انتهى عمران من تجهيز منزله... ووقف في النص، يبص حواليه وكأن البيت بقى له روح… بس ناقصه نبض. كل ركن لمسته إيده… وإيدها. جلس عمران على السرير، سند ضهره لظهر السرير، وساب عينه تسرح… وتخيل نفسه واقف على باب الأوضة، شايلها بين دراعاته، وهي مدارية وشها في صدره، بتضحك بخجل، وصوتها واطي: "نزلني يا عمران… أنا تقيلة!" ضحك وهو بيبص في عينيها: "تقيلة إيه؟ ده أنا كنت شايلك من غير ما تبقي جنبي… شايلك في قلبي سنين، مستني اللحظة دي." دخل الأوضة وهو شايلها، رجليها بتتمرجح في الهوا، وفستانها الأبيض البسيط بيلمس أطراف الحيطان كأن المكان بيبارك. قرب للسرير، نزلها برفق… وصوته ما نطقش، بس عينه قالت كل حاجة. مد إيده بهدوء، ولمس خدها، كانت إيده دافية، وهي مغمضة عينيها كأنها بتخبّي نفسها فيه. طبطب بإيده على شعرها، وبعدين سحب طرحتها ببطء، وبص لها كأن الزمن وقف، وكل اللي قبله ما بقاش له معنى. هي مدت إيديها ولفّتها حوالين رقبته، حطت راسها على كتفه، ونفسها لمس جلده بهدوء… قرب منها، وحط جبينه على جبينها، ما بينهم بس أنفاس، ودقة قلب كانت ماشية على اسمه. قرب منها، صوته ساكن، بس عينه بتحضنها. مرر صوابعه على خصلات شعرها، ببطء… كأن كل خصلة فيها حكاية، وهو بيقرأها بلمسته. حرك وِشها ناحيته، ونظرتهم اتقابلت، ثواني… بس تقيلة، زي دقة باب ما بين قلبين.
فاق من شروده على صوت هاتف من ابتهال. ابتسم على خياله وقرر أن يجعل الحقيقة أكبر من الخيال.
"أهلاً يا عروسة، لسه كنت بفكر فيكي."
"القلوب عند بعضها... السباك خلص خلاص."
"آه كده كل حاجة تمام، فاضل يومين بس على فرحنا وهتعيشي معايا في الجنة."
"يا خوفى من جنتك."
"تحبي أقولك هعمل إيه؟"
"اقفل يا عمران سلام."
"هو إنتي دماغك كده دايما شمال؟"
"دماغي ولا تلميحاتك."
"خلاص هانت، فاضل يومين."
في منزل ياسين كان يجلس في غرفة نومه وبجانبه زوجته الجديدة.
"بقولك إيه يا ياسين، تفتكر عم طليقتك ممكن يجيب لك العيال تاني؟"
"لا، طول ما أنا ببعتلهم فلوس مش هيجيبهم."
"مانفسكش تشوفهم؟"
"أنا لا بتاع خلفة ولا بتاع مسؤولية يا زوزة، أنا بتاع حب واللي منه وبس. مسؤولية بقى وعيال لأ."
"طيب افرض رفعت قضية عليك هاكسبها على فكرة."
"منا بدفع لهم نفقة."
"وكل شوية يضغطوا عليك عشان تزود النفقة والعيال هتكبر وهتدخل المدرسة ومصاريفهم هتزيد وعمها مش هيسيبك."
"طيب أعمل إيه؟"
"بيع الشقة واشتري شقة تانية في مكان تاني واكتبها باسمي."
"نعم يا ختي."
"تصدقي أنا غلطانة إني بنصحك."
"بتنصحيني فعايزاني أجيب شقة تانية باسمك؟"
"يابني افهم، العصمة بإيدك وممكن أكتبلك ورق يحفظلك حقك، بس وقتها هما مش هيعرفوا ياخدوا منك حاجة ولا حتى هيكون ليها مكان عشان تكون حاضنة."
صمت ياسين يفكر في حديث زوجته، وجدها محقة. وقرر أن يبيع ذلك المنزل حتى لا يستطيع جبران أن يهدده بالأولاد مرة أخرى.
مر يومين وكانت فردوس تفرض نفسها على ابتهال تحاول التقرب منها دائماً، وكانت ابتهال لا تمانع، فكانت ترى الحب والفخر في نظرات أختها. وأصبحت تأخذ أولاد أختها وتخرج معهم بمفردها، وأوقات أخرى كانت فردوس تخرج معهم، وأحيانًا كانت تذهب معها وهي تشتري لوازم منزلها.
أصبحت حياة فردوس مختلفة كلياً عن ذي قبل. أصبحت تهتم بنفسها وبعملها وأولادها فقط وتحاول أن تصلح علاقتها مع أختها. علاقتها مع ابتسام لم تختلف كثيراً، بالعكس كانت دائماً ما تساند أمها لتقترب من ابتهال، لكنها تعلم من داخلها أن ابتهال غير متقبلة الأمر، ولمنها كانت تتعامل معها بشكل طبيعي. لم تفكر ابتهال أن تلومها أو تفتح الماضي، هي لا تريد النظر للوراء، ولكنه لم يكن بالأمر الهين لتنساه. فما مر قد مر.
مر يومين آخرين وأتى يوم الزفاف. كان الزفاف في قاعة كبيرة وبها كل أصدقائه وأصدقائها. كانت فردوس ترتدي فستان أسود هادئ وحجاب من اللون الذهبي، كان لبسها هادئ لكن مميز جعلها تبدو أصغر سنًا، وكان أبناؤها يرتدون بدلة سوداء. كانوا الأولاد برفقة جبران الذي كان يتابع التجهيزات ومعه صديق عمران المقرب وشريكه سعيد، الذي تزوج في الخارج وانفصل عن زوجته قبل عودته لمصر. كان عمران منشغل بتجهيز حاله ومتابعة ابتهال ومعه بعض زملائه المقربين في المستشفى التي يعمل بها. انتهت ابتهال من التجهيزات وقامت فردوس بالاتصال به وإبلاغه.
في غرفة ابتهال كانت تجلس متوترة تنظر للمرآة كل دقيقة تتأكد من مظهرها، إنه لا ينقصه شيء، ولكن توترها لم يكن بسبب مظهرها، فالكل أثنى على جمالها، ولكنها كانت متوترة بسبب عمران، لا تعلم سبب توترها، ولكن كان جوها شيء بيشدها وبيسحب منها الهدوء.
صعد جبران ليأتي بابتهال ويسلمها لعمران، وترك أبناء فردوس لابتسام، فسبقتهم ابتسام لأسفل وجلست على الطاولة ومعها أبناء فردوس منتظرة قدوم ابتهال. خرجت ابتهال من الغرفة وحولها أصدقاؤها وبجانبها أختها.
صوت الموسيقى كان هادي في القاعة… ونغمة كلاسيك فيها هيبة. الأنوار خفتت تدريجيًا… واتوجهت كل العيون للسلم الكبير في منتصف القاعة. وفجأة... ظهرت هي. ابتهال. نازلة على السلم بخطوات بطيئة، وراسية وبجانبها عمها تمسك في معصمه بقوة… زي مشهد خارج من فيلم، لكن أجمل بكتير. فستانها بديل طويل كان بلون عاجي ناعم، خالي من البهرجة… بس خامته كانت بتلمع تحت الإضاءة كأنها نجوم صغيرة. الطرحة نازلة لحد آخر الدَّرَج، ماسكة فيها التاج زي هالة نور حوالين راسها. هدوء غريب عمّ القاعة… حتى صوت الملاعق وقف. كل الناس بصت… بس محدش اتنفس. كان في سحر حقيقي وهي نازلة. خطوتها ثابتة، لكن عينيها كانت بتلمع من التأثر.
بدأت في نزول الدرج على أغنية:
"طلي بالابيض طلي يا زهرة نيسان
طلي يا حلوة وهلي بهالوجه الريان
طلي يا فرحة عمري يا بهجة هالزمان
طلي يا قمر الليالي وانسى كل الأحزان
طلي يا قمر الليالي وانسى كل الأحزان
طلي بالابيض طلي يا زهرة نيسان
طلي يا حلوة وهلي بهالوجه الريان"
عمران وقف، كأن روحه خرجت منه وراحت لها على السلم. عينه ما سابتش عينيها، ووشه اتحول بالكامل… كأنه بيشوفها لأول مرة، أو بيصدق أخيرًا إنها… جايه له.
ابتسام، كانت بصّت له وبتدعي في سرها ربنا يحميها. بصّت على فردوس ودعت لها بالعوض، وبدأت عنيها تدمع بفرحة عشان بنتها. وفردوس… بصّت على أختها بكل فخر.
نزلت ابتهال لآخر سلمة، ومد يده عمران ليدها ليأخذها من والده. ولكن قبل أن يتركها جبران، قال بصوت واضح: "من النهارده… إنت مسئول عنها. مش عايز أشوف دمعة في عينها تاني… مفهوم؟"
هز عمران رأسه، وهو ماسك إيدها كأنها كنز. واقترب منها أكثر وقام بضمها لصدره وقبلها من يدها ورأسها وذهب بها للقاعة.
ومع أول خطوة لهم في القاعة… رجّت الزفة، والموسيقى انفجرت، والكل وقف يصفق.
كانت فردوس تدور في القاعة تتأكد من التجهيزات ولمحها سعيد وظل يراقبها طوال الفرح دون أن تشعر فردوس. كان جميع من في القاعة منشغل بالعروسين يرقصون معهم ويلتفون حولهم. لم يترك عمران ابتهال لحظة طوال الفرح.
مر الزفاف سريعًا وسط سعادة ابتهال وعمران والجميع كان يبارك لهم من قلوبهم. في نهاية الزفاف حمل عمران ابتهال وخرج بها سريعًا من القاعة وخرج خلفهم أصدقاؤهم وهم يصوروهم على ذلك المشهد الرومانسي.
وصل عمران المنزل ومازال يحمل ابتهال. دخل بها الغرفة وسط صمتها وخجلها. وضعها على السرير. ومد إيده وفك لها طرف الفستان من الخلف وباليد الأخرى لمس شفايفها بطرف إصبعه، وقال من غير ما ينطق: "أنا هنا… مش هبعد، مش هكسرك... هفضل جمبك طول العمر."
هي كانت بتبص له بعين فيها رجفة، بس ما انسحبتش… قربت أكثر، وسندت راسها على صدره. ضماها، وكان حضنه واسع… أوسع من سنين الوحدة. أنامله مشيت على ضهرها بهدوء، زي نسمة بليل الصيف، وهو بيوشوشها من غير صوت: "اطمني… خلّي خوفك ينام دلوقتي."
رفعت وشها له، وقربت شفايفها من شفايفه، ما فيش استعجال… بس كان في شوق قديم، بيتفك دلوقتي بس. باسه. بوسة مش بس حب… بوسة "أمان"، بوسة "أنا لقيتك أخيرًا"، بوسة "لو الدنيا كلها وجعتك… أنا دواكي." إيديها علّقت على صدره، كأنها بتثبت مكانها الجديد، مكانها الحقيقي. وهو لفّ الغطا حواليهم، وقال جواه: "الليلة دي مش بس أول ليلة… دي بداية حياة."
رواية جحيم الغيرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اماني سيد
سافرت ابتهال برفقة عمران لشهر العسل، وكانت تعيش أجمل أيام حياتها.
كانت واقفة عند الزجاج، لابسة قميص أبيض طويل من الحرير، بيتحرك مع الهوا كأنه بيرقص معاها.
عمران كان واقف وراها… بيبص لها من بعيد.
مش قادر يبعد عينه عنها.
كل تفصيلة فيها كانت بتسحره… من شعرها اللي نازل على ضهرها، لرجليها الحافية اللي بتطبع أثرها على الأرض الرخام.
قرب منها ببطء… ولما حسّت بيه، ما اتحركتش. فضلت واقفة… سايبة كل شيء حواليها يختفي… إلا إحساس وجوده وراها.
وقف قريب جدًا… صوت أنفاسه كان بيدوب في رقبتها، وقال بهمس عميق، صوته خشن شوية، لكنه ناعم زي الحلم:
"أنا تايه فيك…"
لفت راسها بصوت قلبها، مش بكلام، وعيونها فضلت على عيونه… كأنهم بيتكلموا بلغة لا حد يفهمها غيرهم.
مدّ إيده، ومسح خصلة من شعرها بعيد عن خدها، ولمس خدها بأطراف صوابعه كأنها قطعة زجاج غالية. وقال بنَفَس رايح جاي:
"كل مرة ببصلك… بحس إن دي أول مرة أشوفك."
قالت بصوت واطي، لكن كله إحساس:
"وانا كل مرة تلمسني… بحس إني بتخلق من جديد."
قرب أكتر… كأن المسافة بينهم اتلغت.
باس جبهتها، وبعدين خدها… باسها بحنية راقية، مالهاش علاقة بالرغبة، دي كانت قبلة وعد. وعد إنه مش هيسيبها، وعد إنه كل ليلة هيفتكرها كأنها أول وآخر مرة.
شدّها لحضنه، لكن حضنه ماكنش عادي… كان حضن راجل شايف كل الدنيا فيها.
وفي حضنه… هي سابت نفسها.
لف دراعه حواليها، وطبطب بإيده على ضهرها، وقال بصدق ناعم:
"أنا بحب كل تفاصيلك… صوتك، سكوتك، لمسة إيدك… وحتى نَفَسك."
همست بصوت متكسر، وهي بتحط إيدها على قلبه:
"أنا فيك… ومعاك… ومش عايزة غير كده."
لفّاهم البحر حواليهم… والليل كان شاهد على لحظة حب مافيهاش ماضي… مافيهاش بكرة… فيها "دلوقتي"، وفيها اتنين… مابقاش فيهم فراغ.
***
في الصباح…
كانت أشعة الشمس بتتسلل من الشباك الواسع، وتنزل على السرير برقة، زي إيد بتحاول تصحيهم بهداوة.
ابتهال كانت نايمة على جنبها، وشعرها منتشر فوق المخدة زي شال حرير، وشفايفها شبه مفتوحة… في براءة طفل.
عمران كان صاحي… بس ماقدرش يتحرك. كان قاعد يتفرج عليها كأنها لوحة، وبيعدّ النفس اللي بتاخده…
قرب وشه منها، وهمس بصوت يكاد لا يُسمع:
"صباحك جنة… يا أجمل حلم صحيت عليه."
ابتهال حرّكت رموشها شوية… فتحت عنيها ببطء، لقت وشه قدامها… قريب جدًا، وفيه ابتسامة صغيرة بتقول: "أنا هنا… ولسه هافضل."
قالت وهي بتتكلم بصوت ناعم:
"صاحي من إمتى؟"
ردّ وهو بيحضن خدها بإيده:
"من قبل الشمس… بس كنت مستني أشوفك وإنتِ بتفتحي عنيكي."
ضحكت، وقالت وهي بتخبّي وشها في صدره:
"ده حب ولا مراقبة؟"
"ده عشق ."
ردّها وهو بيحضنها أكتر، وحسّ بدقّات قلبها.
قعدت، ولفت الملاية عليها، وقالت وهي بتتمطى:
"أنا جعانة…"
"وأنا كمان…"
قالها وهو بيشدّها من إيدها:
"بس جعانلك."
ضحكت وهي بتخبطه بخدها، وقالت:
"عيب يا عِمران، الصبح بدري."
قرب منها، وباس طرف أناملها وقال برقة:
"أنا بحب إيدي في إيدك… وبحب صوتك وانتي بتقوليله اسمي… بحب تفاصيلك وإنتي لسه نايمة… وإنتي بتضحكي، وإنتي بتتدلعي… وبحب فكرة إنك بقيتي ليّ."
سكتت، وفضلت تبص له، نظرة ستّ حبت راجلها للآخر… من غير ولا كلمة.
قربت منه، وحطت إيدها على وشه، وقالت:
"وأنا… لقيت نفسي لما لقيتك."
بعد دقائق، كان
وا قاعدين على التراس، قدامهم الفطار… عصير فريش، وعيش طازة، وبيض، وجبن.
بس هما ماكانوش مهتمين بالأكل. كانوا بيأكلوا بعض بنظراتهم… ضحك هادي، وكلام بسيط، وأحساس بيقول: "لو اليوم ده اتكرر ألف مرة، أنا عايزه يعدّي كده… وأنا فـ حضنك."
***
في المركز الطبي…
كانت فردوس جالسة وسط ملفاتها كالعادة، لكن عيونها ما كانتش على الملفات … كانت على الممر.
بقت بتلاحظ التوقيت. معاد مروره كل يوم، في نفس الساعة تقريبًا، يعدي سعيد.
وبقى مرورُه بالنسبالها… حاجة بتستناها من غير ما تعترف لنفسها.
في الأول كانت صدفة… بعدها بقت ملاحظة… ودلوقتي؟ بقت عادة.
تدّعي إنها بتراجع ملف، أو بتصلّح حاجة في الجهاز، لكنها في الحقيقة… بتترقبه.
وهو؟ كان بيعدي… وبيراقبها. نظرة مش طويلة، ولا قليلة… لكنها تسكن فيها شوية.
وفي مرة، عدّى متأخر. قلقت. بصّت في الساعة. رجعت تبص على الباب.
ووقت ما كانت بتلوم نفسها: "هو أنا ليه كده؟" ظهر.
وهي رجعت لملفها بسرعة، كأنها مشغولة. بس وشها كان سخن… وقلبها بيرن جواها زي جرس آخر الحصة.
بعد مروره قررت أن تسغل تفكيرها بعيداً عنه فخرجت من المكتب ومن المركز بالكامل واتصلت على ابتهال حتى تطمأن عليها.
وبعد انتهاء المكالمه وكادت أن تدخل لتكمل عملها وجدته أمامها.
كادت أن تمر من جانبه دون أن تتحدث معه لمنه اوقفها.
"ازيك يا استاذه فردوس."
"أهلا ازى حضرتك يا دكتور سعيد."
"أنا بخير الحمدلله... كلمتى اختك؟"
"أه."
"وهيوصلوا امته إن شاء الله؟"
"كمان يومين كده."
"تمام يوصلوا بالسلامه... انا مكتبى فى اخر دور لو احتاجتى أى حاجة انا موجود."
"شكرا لحضرتك."
ثم تركته ورحلت وجسدها ينتفض من التوتر.
مر اسبوع واتت ابتهال من السفر.
كانت الشمس نازلة على استحياء، ونسمة خفيفة بتلعب في ستاير الشباك.
كانت ابتهال قاعدة على الكنبة، لابسة ترينج بسيط، وشكلها هادي… رن جرس الباب.
قامت ، فتحته واتفاجئت.
بابتسام واقفة، وإيدها فيها علبة جاتوه.
ووراها فردوس، شايلة شنطة فيها حاجات خفيفة.
ابتسمت ابتسام بخجل:
"قلنا نعدي نطمن عليكي…"
ما قالتش ابتهال حاجة، بس فتحت الباب على وسعه.
دخلوا. وحضن اولاد فردوس ابتهال وقعدوا يلعبوا معاها شويه وبعد كده ابتهال سابتهم وراحت تعمل حاجه يشربوها.
حطت فردوس الشنطة، وقعدت على طرف الكنبة:
"عاملين إيه؟ السفر تعبك؟"
ردّت ابتهال بهدوء:
"لا… كله كان تمام الحمد لله."
فضلت ابتسام واقفة، بتحاول تفتّش عن كلمة تكسر الصمت.
"جبتلك الجاتوه اللي بتحبيه… فاكراه؟ اللي من محل (الاسم) اللي جنب شغلك القديم."
رفعت ابتهال عينيها ليها، ونطّت في عينها لمعة خفيفة… لكنها اتكلمت بعقل:
"شكراً… ربنا يخليكم."
جلست ابتسام بجوار بنتها، وقربت منها شوية.
"أنا… أنا مقصّرة، وكنت عايزة أصلّح."
سكتت ابتهال، ما قالتش "مسامحة"… ولا قالت "لا". لكنها قالت حاجة تانية:
"أنا تعبت قوي يا ماما… ومش هقدر أرجع زي زمان بسهولة."
اتشدّ الوتر جوا التلاتة.
بس فردوس قطعت الصمت وقالت بحنية:
"خدي وقتك… إحنا بس جايين نطمن."
بصّت ليها ابتهال، ماكنتش متوقعة النبرة دي. أول مرة تحس إن فردوس بتتكلم من غير ما تنافس، ولا تبرر.
عدّت الدقايق ببطء، لكن الجو اتحسّن.
تحدثت ابتسام محاولة كسب ود ابتهال، ونبرة صوتها فيها حنية وخوف:
"أنا بحبك يا ابتهال… ومش عايزة أخسرك تاني."
ابتهال ردّت وهي بصّة في الأرض، من غير ما تبص في عينها:
"أنا كمان… مش عايزة أتوجع تاني."
سكتت لحظة، ثم همست:
"أنا كده… مرتاحة."
سادت لحظة صمت، تقيلة زي اللي بتيجي بعد عاصفة.
فجأة، قطعت فردوس الصمت بصوت فيه وجع حقيقي، والتفتت لأمها:
"على فكره يا ماما… أنا كمان مكنتش مرتاحة في حياتي. مش بس ابتهال اللي اتأذت من طريقتكم… أنا كمان."
ابتسام رفعت عينيها بدهشة.
كملت فردوس، وعينيها فيها لمعة صدق:
"احنا الاتنين كبرنا وجوانا وجع… وغيرَة. بس يمكن أنا كنت بغير أكتر من ابتهال… لإني كنت بشوفها ناجحة، ومش فاهمة إزاي بتقوم على رجليها لوحدها، من غير ما حد يسندها. كنت بسأل نفسي دايمًا… إزاي بتقدر؟"
اتسعت عينا ابتسام، والندم باين عليها.
فردوس بصّت لأختها وقالت بنبرة هادية:
"أنا آسفة… بس أنا لسه بتعلّم أحبك صح."
ابتهال ما ردّتش، بس عينيها اترطبت. وفي أعماقها… حاجة بدأت تتهز. مش تسامح كامل، لكن أول خطوة… لقبول الحقيقة.
دخل عمران بخطواته الهادية، قرب منهم، سلّم بابتسامة دافية، وقعد جنب ابتهال، مسك إيدها بهدوء وباسها، كأنّه بيطمنها من غير كلام.
ابتسام ابتسمت له بإمتنان، لكن هو بصّ لفردوس، وقال وهو بيرتشف عصيره:
"تصدقوا سعيد كلمنى من شوية، بيقولى شاف واحدة عجباه وعايزنى أروّح معاه نِخطبها!"
فردوس كانت بتضحك على دخلوه وطريقته مع ابتهال. بس فجأة الضحكة وقفت عند شفايفها.
سألته بنبرة فيها ارتباك مغلف بهزار:
"إيه؟! خطوبة؟ مين دى؟!"
هزّ عمران كتفه وقال بلامبالاة:
"معرفش، بس بيقول إنها بنت مؤدبة، وشكلها ملتزمة، وبتحب شغلها... واضح إنه واخد باله منها من فترة، وقرر ياخد خطوة."
فردوس حاولت تبان عادية، لكن عينيها راحت بسرعة على ابتهال، اللي كانت قاعدة جنب عمران، ساكتة... ووشها هادي... مش فارق معاها الكلام!
فردوس سكتت لحظة، بس جواها حاجة لسعتها. "إزاى؟! سعيد يبص على واحدة تانية؟ طب ما هو كان بيبصلي!"
"هو... هو قالك اسمها؟" سألته وهي بتحاول تحافظ على نبرة صوت ثابتة.
ضحك عمران، وقال بذكاء:
"لأ، بس قالى إنها شغالة فى الحسابات، يعنى زى ناس نعرفهم."
فردوس بلعت ريقها، وسابت العصير من إيدها، وقالت بسرعة:
"إحنا اتاخرنا نسيبكم بقى ونستأذن يلا يا ماما." ثم نادت على اولادها الذين كانوا منشغلين فى الرسم.
قامت، ومشيت بخطوات سريعة، لكن عمران شاور لابتسام من غير ما فردوس تشوف، وقال:
"غيرانة."
ابتهال بصّت له وقالت بهدوء:
"وهى هتغير ليه."
رد وهو بيرمقها بعين شبه ضاحكة:
"هتعرفى بعدين."
قام عمران مسرعا خلف فردوس واوقفها.
"استنى يا فردوس عايزك فى موضوع مهم."
"خير يا عمران سمعاك."
"نتكلم جد شويه سعيد كلمنى عنك انهارده."
"أنا؟!"
"أه وحابب انه يرتبط بيكى وياخد خطوه رسمى."
"سعيد انسان محترم وليه وضعه وهيعاملك بما يرضى الله."
"أنت عارف ظروفى يا عمران."
"ماتقلقيش انا حكيتله كل حاجه وهو ماعندوش مشكله خالص فى وضعك ولا إن يكون اولادك معاكى."
تحدثت ابتهال بهزار:
"أهم حاجة يوافق إنه يسيبها تشتغل."
نظرت لها فردوس بغيظ مفتعل:
"ابتهال انا لو هتجوز فهتجوز عشان اقعد فى البيت انا بشتغل بالعافيه 🤣🤣"
"إيه ده امال فين اندبنتد ومن وعايزه ابنى مستقبلى."
"ده وانا سنجل 😊😊😊"
تحدث عمران:
"افهم من كده انك موافقه."
"لأ قوله هتفكر سبنى اتقل شويه."
"دانتى واقعه واقعه."
"تصدق انا غلطانه أنا ماشيه."
جلسوا جميعاً مره اخرى واستدعى عمران والده وابلغه بموضوع سعيد ورحب جبران بارتباط فردوس بسعيد.
مر اسبوعين واتى سعيد واهله وطلبوا فردوس للزواج فى وسط جو عائلى وحددوا موعد الزفاف فى اقرب وقت عندما ينتهوا من الفرش.
مرت الايام سعيدا واتى يوم الزفاف وكان زفاف بسيط حضره الأهل فقط من الطرفين.
انتهى عقد القران وذهب الجميع لمنزله.
***
في منزل سعيد ثانى يوم…
استيقظت فردوس على صوت خفيف وهو بيحرّك شعرها من على وشها، فت
حت عنيها ببطء... لقيت سعيد قاعد جنبها، نظراته فيها حنية وأمان… مافيهاش أحكام ولا شفقة، بس فيها وعد كبير.
قال بهدوء:
"صباح الخير يا ست البنات."
ضحكت بخجل، وقالت وهي بتعدل طرحتها:
"صباح النور..."
قرب منها، وسند راسه على كفه وهو بيبصلها، وقال:
"كنتي نايمة ومش مرتاحة... حاسة بحاجة؟"
هزت راسها وقالت بصوت واطي:
"مش متعودة أصحى وفي حد جنبى..."
سكتت لحظة، وبعدين همست:
"أنا مش خايفة على نفسي... أنا خايفة على ولادي."
ابتسم سعيد بهدوء، وقال بنبرة فيها طمأنينة:
"أنا خدتك إنتي وولادك... ما خدتكيش لوحدك. هم من دلوقتي أولادي... ومش هحسّسهم يوم إنهم غرب."
نزلت دمعة من عين فردوس، حاولت تخبيها بسرعة، لكنها ما لحقتش.
قرب منها، مسك إيدها، وقال:
"أنا مش جاي أكمّل نُصك التاني... أنا جاي أكونلك نُص جديد، مالوش علاقة بالماضي. أنتي تعبتي كتير، دلوقتي دورك ترتاحي... وتتحبي... وتتحبي زي ما إنتي."
قالت وهي بتحاول تضحك وسط الدموع:
"هتبقى قادر؟ يعني فعلاً هتعرف تحبني ومعايا مسؤولية؟"
رد وهو بيشد الغطا عليها بحنية:
"أنا اخترتك انتي بكل اللي فيكي... ولو الزمن رجع بيا، هاختارك تاني... إنتي وولادك."
***
في منزل وليد أصبح الوضع في حاله لا يرثى لها.
في بيت وليد، مافيش راحة، الهدوء الوحيد اللي بيحصل… بيكون قبل العاصفة.
مراته مش بتهدى، كل يوم طلب جديد، وكل ليلة سهر وخروج، عايزة تخرج… تسهر… تتفسّح… تشتري لبس وساعات ومكياج… وهو بيعدّ فلوسه بالعافية، وبيعدّ أعصابه أكتر.
قال لها مرة:
"مش معايا النهارده… هنأجل الخروجة للويك إند."
ردّت عليه وهي بتلبس الكعب:
"لو مش هتنفذ اللي بقوله… طلقني يا وليد!"
كلمة "طلّقني" بقت زي الزرار اللى بتدوس عليه كل ما تتنرفز.
بس هي مش عارفة إن الكلمة دي لو خرجت من بقه هخلص عليه قبل ما تريّحه عشان كده بقت تضغط عليه بيها.
وليد قاعد لوحده في الصالة، نفس القعدة اللي بيقعدها كل يوم، شايل راسه بإيده، وبيفكر: "أنا كتبت الشقة باسمها زمان علشان أخلّص من فردوس وجبران… كنت فاكر إني كده أمنت مستقبلي… دلوقتي أنا محبوس في بيت مش بيتي، وقلبها مش ليا، وطلاقها = الشارع!"
كان ممكن يطلقها ويرتاح، والقانون مش هيقف معاه. هو مش حتى عايزها! بس عايش معاها مجبر… وهي عارفة كده، وعمالة تضغط أكتر… وتطلب أكتر… وتهينه أكتر.
بقى بيعدّي الأيام، مش عايشها. يصحى على صوت خبط كعبها وهي نازلة، وتسيبه من غير ولا كلمة… وهو يفضل قاعد، يبص فـ السقف، ويقول جواه: "إيه الفرق بيني وبين المسجون؟ يمكن هو بيخلص مدته… أنا لسه ما بدأتش أحكم تي."