بعد مرور سبعة أيام كاملة، كانت أولين قد تعافت بشكل ملحوظ، خصوصاً باعتناء عبيدة الشديد بكل ما يخصها: طعامها، دوائها، ونفسيتها أيضاً. حاول تشتيتها مما هي فيه، وحاول أن يُنسيها ما مرت به، ولكن وضعها صعب للغاية، فما مرت به ليس هيناً على الإطلاق. شعرت بضيق شديد عندما علمت بطلب والدتها في أن تنقل لمكان قريب، ولكن مع وجود والدتها الدائم معها طوال الأسبوع المنصرم عوضها كثيراً.
اقترب موعد امتحانات غالية، التي أصبحت متوترة كثيراً رغم مراجعتها ومذاكرتها الدائمة، ولكن توترها طبع بها يصعب عليها تغييره. في غرفة غالية. جلست أولين على مقعد أمام مكتب غالية، التي تضع وجهها بالكتب مبتسمة بشرود شديد. كانت دائماً ما تتمنى أن تُكمل دراستها، تجمعت دموع كثيفة في عيناها، ولكنها قررت أن تكملها من بداية العام القادم. رفعت غالية رأسها ونظرت إلى أولين وقالت بنبرة على وشك البكاء:
حاسة إني نسيت كل حاجة يا أولين، مش فاكرة حاجة خالص. زفرت أولين بيأس منها وقالت بحده: ماهو من اللي انتي عملاه في نفسك يختي، طول اليوم عياط وتوتر، طبيعي هتنسي. اهدي وسمي الله وهتحلي.
هتنت غالية بتعب. يومان لم تذق للنوم طعماً بسبب خوفها غير المبرر، لكنها ابتسمت منذ ثلاثة أيام فقط وأصبحت هي وأولين أصدقاء بشدة. أولين مرحة، ولكن عيناها منطفئة حزينة. تألمت بشدة لحكايتها، فتاة في الثامنة عشر من عمرها وعاشت مرحلة طفولة صعبة للغاية. حاولت أن تبتسم وتنسى أمر الاختبارات قليلاً، وقامت تفرد جسدها على الفراش بأريحية قائلة: انتي عندك حق، أنا فعلاً متوترة قوي وخايفة زيادة عن اللزوم.
كادت أولين أن تتحدث، ولكن قاطعها دق سريع على باب الغرفة، ثم فُتح ودخل عبيدة، رأسه قائلاً بنبرة مرحة: حد خالع راسه... ضحكت غالية بمرح. بينما ابتسمت أولين واحمر وجهها قليلاً وزادت دقات قلبها كالمعتاد عندما تراه أو تسمع نبرة صوته. تشعر بسخونة تجتاح جسدها، ولكنها سخونة لذيذة وشعور رائع، ولكنها ما زالت لا تفهمه ولا تستوعب كينونته. دخل عبيدة وعيناه عليها، ينظر لأدق تفاصيلها، خاصة وجنتها التي اشتعلت بحمرة لذيذة محببة. وقال
وهو يوجه حديثه لغالية: ها الهانم لسه خايفة ومتوترة كالعادة ولا إيه الأخبار... تنهدت بتعب وقالت وهي تنظر إلى كتبها: حاسة إني نسيت كل اللي ذاكرته..!! رد عليها ببساطة شديدة: يمكن عشان متخلفة مثلا..!! تلك المرة ضحكت أولين بصوت عالٍ جعل دقات قلبه تعلو بشدة، بينما زمّت غالية شفتيها وقالت بضيق وهي: بقي كده انت ومراتك عليا، طب اتفضلوا بقي انتوا الاتنين اطلعوا بره وسيبوني أكمل مذاكرة..!!
جذب عبيدة رسغ أولين التي حاولت الإفلات، ولكنها لم تنجح، وقال بنبرة ساخرة: قال هنطلع من الجنة يا أختي، سيبنهالك مخضرة يا ست غالية. خرج الاثنان من الغرفة، بينما ابتسمت غالية بحب على لمعة أعين أخيها الذي تبدل حاله كلياً للأفضل بوجود أولين. دعت لهما بصدق أن يصلح الحال بينهما ويصلح شأنهما. فتح عبيدة باب الغرفة يجر أولين خلفه برفق وابتسامة واسعة تعلو شفتيه، وقال قبل أن ترى أي شيء: غمضي عينيكي بسرعة.
رفعت عينيها تنظر إليه بإستغراب، فزم شفتيه بضيق ووضع كفه على عينيها قائلاً: أغمضلك أنا..!! شدها حتى أصبحت أمام الفراش، ثم نزع كفه عن عينيها برفق وقال: فتحي يا ستي. فتحت عينيها تنظر إلى الفراش بصدمة وزهول غير مصدقة. كان الفراش موضوعاً عليه باقة ورد حمراء كبيرة وبجانبه ثوب من اللون الأسود. التفتت تنظر إليه بصدمة وقالت بعدم تصديق: دول ليا أنا...
ابتسم باتساع وأومأ إيجاباً وهو يراقب رد فعلها بأعين لامعة بشغف. ابتسم أكثر عندما وجدها تحمل باقة الورود بعناية وتنظر إليه بابتسامة لاول مرة يراها مرتسمة على ثغرها، ابتسامة حقيقية ليست مصطنعة ومزيفة. اتجه يقف بجانبها وقال بنبرة حنونة: لقيتك على طول زعلانة ومبتتكلميش مع حد، فكرت في أي حاجة ممكن تفرحك، فدماغي جالت لي: ورد وشيكولاتة..!! -شيكولاتة؟!
رددتها بفرحة وعيناها تنظر يميناً ويساراً تبحث عنها. فضحك بصوت عالٍ وأخذ حقيبة مزينة وقدمها إليها بابتسامة قائلاً بضحك: أهي الشيكولاتة، متدوريش..!! مسكت العلبة بابتسامة وقامت بفتحها، سرعان ما لمعت عيناها بسعادة غير مصدقة ما يحدث حولها. ورود وأنواع عديدة من الشيكولاتة. لم تعش تلك اللحظات السعيدة من قبل. بينما هو يراقبها بشغف وحب كبير. فعل صغير منه جعل الابتسامة ترتسم على شفتيها. أقل شيء يجعلها سعيدة مرحة رغم ما مرت به.
جلست على الفراش تضع الورود بجانبها برعاية، خوفاً على الباقة كأنه طفلتها. ثم وضعت علبة الشيكولاتة على قدمها وقامت بفتح أحد الأنواع تتناولها بإستمتاع كبير، غير آبهة لوجوده إطلاقاً. أراد مشاكساتها قليلاً فجلس بجانبها قائلاً وهو يأخذ العلبة منها: دي بتاعتي، انتي ليكي واحدة بس... خطفت العلبة منه بقوة ونظرت إليه بشراسة لازعة، وأخذت واحدة فقط وأعطته إياها، ثم قالت بأعين شقية لامعة:
لا العكس، دا كله بتاعي وأنا عطفت عليك واديتك واحدة كبيرة..!! ردد بذهول: عطفتي عليا..؟! أومأت بضحك وهي تأكل بتلذذ من الشيكولاتة كأنها منبع سعادتها. لم يجد شيئاً سوى الابتسام بحب كبير وقال: طب إيه رأيك في الفستان ده..؟! نظرت إليه وقامت تمسكه بين كفيها بابتسامة جميلة وقالت بفرحة: حلو... حلو أوي، ذوقك جميل ورقيق. ابتسم بفرحة، فتقدمت نحوه وقالت وهي تنظر لعينيه بعمق: شكراً.... شكراً على كل حاجة بتعملها يا عبيدة..!!
تزايدت دقات قلبه بشكل ملحوظ وهو ينظر إليها بابتسامته الرائعة، تنحنح وقال محاولاً أن يشتت انتباهه حتى لا يجذبها ويحتضنها بقوة: طب إيه رأيك تلبسي الفستان ده النهارده وأخرجك تشوفي القاهرة..!! وقفت للحظات تفكر فيما يقول... حقيقة أم خيال... صدق أم كذب... تخرج من المنزل... تخرج لتشم هواء مختلف..!! لم تستطع كبت دموعها تلك المرة، وكل شيء حولها يحاول إسعادها، فلماذا لا تستطيع أن تكمل سعادتها وتنسى ما حل بها.
هبطت دموعها بصمت وقلبها يتمزق من الألم، ولكن جزء منه يلتئم شيئاً فشيئاً. صمتت ودموعها تهبط بغزارة. شعر بنصل حاد يمزق قلبه وهو يراها بتلك الحالة. تنهد متعباً، حزنها يمزق قلبها. اقترب منها يربت على ظهرها بحنو، وجد نفسه يقربها منه بشدة حتى احتضنها برفق. شعور غريب اجتاحه بقوة وهو يشعر برأسها تستند على صدره براحة كبيرة. رفع وجهها الباكي ونظر إلى عينيها وقال بصدق وهو يمسح دموعها بإبهامه: كفاية حزن وبكا يا أولين...
أي حاجة حصلتلك خلاص خلصت ومش هتتكرر تاني. نظرت إليه تسمعه باهتمام، فأكمل بتوعد: متفكريش إن ناجي ويوسف كده خلصوا مني، أنا بريحهم بس عشان ضربتي اللي جاية مش هيستحملوها. صدقيني هشفي غليلك منهم وهاخدلك حقك تالت ومتلت. ثقي فيا. ردت دون تفكير: واثقة فيك. ابتسم بسعادة وانحنى يطبع قبلة مطولة على رأسها وقال: عايزاكي تلبسي وبالليل هفسحك وهخليكي تغيري جو. ليكي عندي مفاجأة كمان.
نظرت إليه بابتسامة واسعة كأنها تسأله ما تلك المفاجأة. أخذ نفساً عميقاً وقال: عايزاكي تقعدي مع نفسك تفكري، عايزة تدرسي في كلية إيه عشان أقدم لك فيها... نظرت إليه بتفاجؤ. كانت هي تفكر كيف تخبره. أصبح يقرأ أفكارها أم ماذا؟ ابتلعت لُعابها وشعرت بسعادة لم تشعر بها من قبل، وقالت بسرعة: فنون جميلة، عايزة أقدم فيها. ابتسم بلمعان شديد داخل مقلتيه واردف: عنيا، انتي تؤمري وأنا أنفذ. ضحكت بسعادة، فغمزها بإحدى عينيه وقال:
ساعة وتبقي جاهزة، اتفقنا. أومأت بسعادة، فتركها وخرج. جلست على الفراش تنظر إلى فراغه بابتسامة واسعة، دقات قلبها تطرب بسعادة لم تشعر بها قبلاً. نظرت إلى العلبة وابتسمت بصوت سعيد، وقررت أن تضعها داخل الكومود بجانب الفراش. فتحت الدرج بهدوء، كادت أن تضعها به، ولكن توقفت تنظر إلى داخل الدرج بفم مفتوح بصدمة. كُتيب صغير مكتوب على غلافه "أوليان.... غزالتي".
ارتعش كفها وهي تلتقط الكُتيب تنظر إلى عنوانه بزهول. أوليان هذا اسمها، لماذا؟ وضعت العلبة وشعرت بفضول شديد يتخلل خلاياها وهي تفتح أولى صفحاتها. أدامت عيناها وهي تتفقد وتقرأ بعناية ما كتب فيها. اهتمامه، لمعة عينيه، حنيته ليست شفقة كما كانت تعتقد..!! زواجه منها ليس للحماية كما ظنت..!! ضربه وسبه ليوسف وناجي ليس لأنه ابن خالها فقط..!! بل حبه لها كان الدافع الأول لكل ما فعله.
لم تشعر بدموعها التي تهبط على وجنتيها بغزارة، ولم تبالي لدقات قلبها التي تعالت بعنف. كانت تتألم هناك وهو يتألم هناك. كلامه شعر بالوجع والألم، ولكن بشكل مختلف. تقرأ كل ما كتبه بخط يده بعناية وكفيها يرتعشان بقوة، وأصبحت شهقتها تتعالى وهي تقرأ كلمة بعد كلمة، صفحة بعد صفحة.
ابتسمت بدموع وهي تقرأ لقبها الذي لقبها به "غزالتي". حبه في صمت لسنوات وأيام طويلة. شعر بأنها صغيرة وهو يكبرها، فقرر دفن حبه ونفسه، ولكنه لم يستطع. حاول ولكن باءت محاولته بالفشل الذريع. قرأت عن خطوبته التي كان يبلغها لها بكتاباته. حاول نسيانها ولم يقدر. لتلك الدرجة يحبها. شعرت بكل حرف كتب... شعرت بأنها ليست مجرد كلام وحسب. شعرت بدقات قلبها تعلو بقوة بعد كل كلمة تقرأها. قرأت كل صفحة...
كلمة وحرف وصلها كل حرف كتبه. دقات قلبها تعلو بصخب، دموعها تهبط بغزارة. وضعت الكُتيب مكانه وكأنها لم تقرأ شيئاً. ابتسمت، وجدت ابتسامتها تتسع شيئاً فشيئاً. تنهدت بقوة ودخلت إلى المرحاض لتستحم وتجهز، ليس لتلك الليلة، بل لحياة جديدة كلياً عما مضى. وآخر جملة تتردد صداها في عقلها هي: فتحت خزانة الملابس التي بها كل شكل ولون هو اختاره بنفسه ووضعه في تلك الخزانة. أخذت ملابسها ودخلت المرحاض.
خرجت منه بعد عشرين دقيقة مبتسمة وبأعين لامعة، كأنها قررت أن تنسى ما مرت به وتبدأ حياة جديدة بها ما بها سعادة أو حزن، ولكنها تشعر بأنهما سيتخطون كل شيء سوياً. لبست الثوب أمام المرآة، كانت في غاية الجمال والرقي. شعرت بفرحة عارمة وهي ترتديه. صففت شعرها برفق وجعلته على منكبها الأيمن، ولم تضع أي مساحيق للتجميل، وظلت منتظرة بعض الوقت.
بعد عدة دقائق، طرق عبيدة الباب ودخل مرتدياً حلة سوداء وحذاء أسود لامع، ولم يضع ربطة لعنقه، ويحمل وردة حمراء كبيرة من نفس الشكل الذي أعطاه إياها منذ ساعة. وقف يتأملها للحظات بسعادة وقلبه يطرب ويرقص فرحاً. اقترب منها بابتسامة وقال: إيه الجمال ده كله! ابتسمت بخجل ولمعت عيناها بشدة، غير مصدقة. أسبوع فقط وتغيرت مجرى حياتها، أيعقل؟!
رفع كفه الذي يحمل الوردة وأعطاها لها بحب، فأخذتها منه ونظرت إلى عينيه ممتنة لما يفعله لأجلها، وقالت بهمس: شكراً. أخذ نفساً عميقاً يحاول أن يجمع شتات نفسه المبعثرة في حضرة وجودها. ابتلع لعابه بصعوبة حتى تحركت تفاحة آدم بشكل ملحوظ، وثنى ذراعه في دعوة منه لتضع يدها به، فوضعت دون كلام وابتسامة خفيفة ارتسمت على ثغرها.
نزل الدرج بهدوء وهي متأبطة ذراعه، وخرجا دون حديث. بينما ابتسمت نجلاء وصفاء بسعادة وهما يروهما في هذا الوضع، ودعا لهما بصدق أن يكمل حياتهم على خير. بشكل راقٍ فتح لها باب السيارة، فصعدت إليه وقلبها سينفجر من عنف دقاته. أغلق الباب واتجه الناحية الأخرى وصعد هو الآخر، ثم شغل المقود وغادر. نظر إليها وغمزها بعينيه اليسرى وقال: هعيشك يوم مش هتنسيه.
ابتسمت وقبضت على الوردة بين كفها بقوة، وأخذت نفساً عميقاً زفرته على مهل، تشعر بأن الحياة أخيراً تفتح لها ذراعيها لتحتضنها بحنو، وليست لتضغط عليها لتؤلمها كالمعتاد..!! صف السيارة أمام فندق كبير، وكما فعل منذ وقت قليل، فتح الباب وأخذ يدها لتخرج. وكل ما يفعله معها يجعل قلبها يدق بسعادة وابتسامة واسعة خجلة مرتسمة على وجهه. دخلا وحرك المقعد للخلف حتى جلست وجلس أمامها بابتسامة لم تفارقه. نظر إليها قائلاً
براحة غريبة تغزو كيانه: تاكلي إيه؟! نظرت حولها بخجل وخوف، هي لم تعتد، ولكن وجوده بجانبها يجعلها مطمئنة بشكل كبير، فقالت بخفوت: أي حاجة..؟! وكأنه قرأ أفكارها، فتكلم بجدية شديدة: أوليان، فُكي جسمك كده متتخشبش واتعاملي، انتي هنا في مكان عام محدش بيبصلك ومحدش مركز معاكي. خليكي عادية، ارمي الخوف ده ودوسي عليه بجزمتك. اتعودي إنك بعد كده تخرجي وتروحي وتيجي، فاهمة. ابتسمت بتردد، فابتسم وغمزها وقال بهدوء:
هطلبلك المرة دي على ذوقي، والمرة الجاية هناكل على ذوقك، اتفقنا. أومأت بابتسامة واسعة، فطلب الطعام بشكل مهذب. وبعد دقائق طويلة إلى حد ما، وُضع الطعام أمامهما وبدأوا يتناولونه، وكل منهم يختلس نظرات خاطفة للآخر، خصوصاً هي. أما هو، فأحياناً ينظر إليها بعمق مبتسماً. بعد تناول الطعام، اندلعت موسيقى هادئة للغاية، فابتسم بمكر وأخذ يدها وتحرك اتجاه ساحة الرقص. شهقت بصوت ضعيف وقالت هامسة: انت هتعمل إيه..؟!
ابتسم ابتسامة واسعة ماكرة ووقف في منتصف الساحة، واضعاً كفيه على خصرها بتملك بعدما وضع كفيها حول عنقه وقال بعبث: هنرقص يا غـزاله..! دق قلبها بعنف. لقبها الذي قرأته، شعرت بشعور غريب ولذيذ عندما استمعت إليه منه..!!
تحرك بها حركات خفيفة وهو يدقق في وجهها الأحمر ولمعان عينيها. وجدت نفسها تبتسم بخفة، ثم باتساع، وأغمضت عينيها. لم يترك الفرصة وجعل رأسها تستند على صدره. يريد الصراخ والبوح بحبها أمام الجميع، ولكنه سينتظر. ولما لا؟ الصبر مفتاح الفرج... أغمض عينيه وقلبه يخبره أن حياته المقبلة معها لن تتركه ولن يسمح بذلك.
تحركا من الفندق وتجولا الاثنان يتمشيان. ابتاع لها الآيس كريم، ذهبا إلى النيل وابتاع الذرة وحمص الشام. جعلها تعيش جو لم تعشه من قبل. شعرت بأنها طائر كان محبوساً في قفص، والآن فقط تحرر. لم يترك يديها إطلاقاً. ضحك وضحكت معه، تحدث معها كثيراً. وتلك كانت نقطة التحول في حكايتهما..!! بعد يومان، لم تستطع غالية تناول طعام الإفطار لشدة خوفها وتوترها لدرجة كبيرة، جعلت عبيدة يفقد أعصابه عليها قائلاً بحده عالية:
وبعدهالك يا غالية، مكنش فيه امتحان ده. أنا مسمعالك ومرجعالك 100 مرة وكنتي مذاكرة، خوفك ده هيموتك..!! زفرت بضيق شديد وخنقة عظيمة تشعر بها، ليس من الاختبارات فقط، بل كل شيء، خصوصاً فريد الذي ما زال في شرم الشيخ يتابع الأعمال وكل يوم بصورة مع فتاة عارية. اختنق صوتها بغصة شديدة مؤلمة. فرت أولين على ظهرها بحنو وقالت: حبيبتي متقلقيش، صدقيني انتي مذاكرة كويس والامتحان هيجي سهل، لازم تهدي عشان تحلي صح.
أومأت غالية بصمت وعيناها مثبتة على المائدة بتعب وشرود، بينما زفر عبيدة بضيق وقام متجهاً إليها. أوقفها أمامه وقال بمنتهى الهدوء: غالية، انتي شاطرة ومذاكرة، متقلقيش نفسك. أومأت بصمت، فاحتضنها بحنان يربت على ظهرها برفق شديد. لا يعلم ما بها ولا يريد أن يضغط عليها ليعرف، ولكنه يعلم أخته جيداً. شيء ما يؤلمها لا تريد البوح عنه..!! اقترب موعد الامتحان، فقال عبيدة بهدوء: يلا يا حبيبتي عشان منتأخرش..!!
أومأت وتحركت أمامه، فقبل عبيدة جبين والدته بحنو، ثم اتجه إلى أولين وقبل جبينها هي الأخرى، وغمزها في الخفاء، فابتسمت بسعادة. وقفت السيارة أمام الجامعة، فنظر عبيدة إليها وقال متنهداً: غالية، بلاش توتري نفسك يا حبيبتي، أنا عارف ومتأكد إنك هتجاوبي كويس. ابتسم بخفة وكادت أن تهبط، فمنعها وقال بحنو: انتي كويسة؟! أومأت وقبلت وجنته بخفة وهبطت لتتجه نحو اللجنة لتؤدي امتحان نهاية العام...
على الصف الآخر من الطريق، صف مازن سيارته ذات الزجاج الأسود يمنع من بالخارج رؤيته. يراقب سيارة عبيدة التي هبطت منها غالية باهتمام. ابتسم عندما لمحها تهبط وتتجه للداخل. يشعر بتوترها وخوفها رغم عدم قربه منها. تنهد متعباً، لا يعرف ما نهاية رحلته مع حبها... في الشركة. جلس عبيدة على المقعد بتعب بعدما انتهى الاجتماع الذي دام لساعة كاملة بعد وصوله مباشرة. دخل خلفه مازن الذي قال بتعب:
فريد كلمني وقالي إنه خلص كل حاجة هناك، الاجتماعات وشاف كل المواقع وأشرف عليها، وهييجي بالليل أو بكرة الصبح على حسب ما يلاقي طيارة. أومأ عبيدة وضحك قائلاً: مش عارف ليه حاسس إن فريد كان متكيف هناك، كل يوم صورة بشكل مع بنات. استغفر الله، فريد ده شاذ عن القاعدة بتاعتنا، إحنا حاجة وهو حاجة تالتة خالص..!! ضحك مازن وأجابه مؤكداً: إحنا حمادة وهو حمادة تاني خالص..! ضحك عبيدة ونظر في ساعته. فقال مازن دون تفكير:
لسه ناقص نص ساعة على خروجها من اللجنة. قالها دون وعي منه، فعقد عبيدة ما بين حاجبيه باستغراب، ولكنه لم يوضح شيئاً ولم يعلق، فتنحنح مازن وخرج وهو يعض على شفتيه بقسوة، لاعناً حاله ولسانه الأحمق اللعين. بعد نصف ساعة إلا خمس دقائق، رفع عبيدة هاتفه ليحادث غالية يطمئن عليها. سرعان ما أجابت، نبرة صوتها جعلته يتنهد براحة، ثم قال بمزاح:
انتي عارفة بعد كده لو لقيتك متوترة وخايفة بسبب امتحان همدك يا غالية، صدقيني عشان أنا تعبت منك. سمع ضحكاتها من الجانب الآخر، فابتسم بيأس وقال: خدي بالك من نفسك وانتي مروحة يا حبيبتي، زمان عم صلاح جايلك.
سمع ردها وأغلق الخط متنهداً بقوة، بينما شرد في الأيام الفائتة. تدهورت أولين كلياً، أصبحت تضحك دون قيود، تتحدث معه بتلقائية، تخبره بما حدث في يومها ومن اختراعاتها الفاشلة في المطبخ وهو يتذوق ويبتلع بصعوبة ويرسم ابتسامة مبهورة بطعامها المالح. ضحك بسعادة عندما تذكر حالها وابتسامتها. شعر بأنها طفلة عادت للحياة من جديد. كانت طفلة سُلب منها كل شيء، والآن حرة تضحك تلعب وتبتسم.
تذكر يوم خروجهما عندما مسكت كفه وشكرته على فرحتها وسعادتها بهذا اليوم التي لم تعيشه من قبل. لم ينسَ نظرة عينيها الفرحة الممتنة عندما أخبرها أن تُكمل دراستها. أشياء بسيطة تجعل سعادتها في السماء وروحها ترفرف بين ضلوعها، وتجعل قلبه هو يطرب ويرقص فرحاً داخل أضلعه. تنهد فرحاً مبتسماً وعاد ينظر إلى حاسوبه يستكمل عمله مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، قرر عبيدة عدم الذهاب إلى الشركة وقرر اصطحاب عائلته ليتناولوا طعام الغذاء بالخارج. في الشركة. ضحك مازن وهو ينظر إلى فريد وقال ضاحكاً: عبيدة ما صدق إنك جيت، مش جاي يا سيدي، البس بقى. جلس فريد بتعب وقال: منا مهدود حيلي بقالي أسبوع في شرم الشيخ..!! ضحك مازن عالياً وقال: طبعاً انت هتقولي، والاكونت بتاعك يشهد على كده يا بني، دا انت هتخش النار حدف كده.
ضحك فريد بقوة وهو يضع كفه على رأسه التي تؤلمه من الصداع بسبب السهر وقلة النوم وقال: البيه مش جاي ليه يا سيدي. ابتسم مازن وقال: عريس جديد بقى وعايز يتفسح..!! "عريس جديد" رددها فريد بذهول. فضحك مازن وأكد حديثه قائلاً: أيوه يا سيدي، مش انت اللي سافرت وقلت عدولي..؟! نظر إليه فريد شزراً وقال بحده: اتزعر، احكيلي عبيدة مطقش جني اتجوزها إزاي، أنا قولت الخطوبة مش هتكمل..!! ابتسم مازن وقال:
لا جني مين يا عم، فال الله ولا فالك، دا الواد كان كاره نفسه بسببها. تنهد فريد بغيظ وقال بإنفعال: متنجز وفهمني إيه اللي حصل، لاحسن انت عارف. ضحك مازن وقص له ما حدث بالتفصيل، ولكن كل كلمة يسمعها فريد تجعل ملامحه تبهت شيئاً فشئ، حتى رد ببهوت شديد: يعني عبيدة اتجوز أوليـان...... في قصر "نصار".
كان الجميع يجلس في البهو يشاهدون التلفاز على إحدى المسرحيات الكوميدية القديمة، حتى رن جرس الباب، فقامت إحدى العاملات بفتحه ودخلت منه كلاً من أشجان وجني وبجانبهما حقيبتان كبيرتان..!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!