الفصل 18 | من 22 فصل

رواية غزالة عبيدة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمه عماره

المشاهدات
19
كلمة
3,693
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

خرج مازن إلى الشرفة الصغيرة يستنشق الهواء بكثرة، وتفكيره فيها هي كما يفعل دائمًا، يفكر فيها، عقله مشغول بها وقلبه مفتون بها. يؤلمه قلبه بقوة، ولكن ليس بيده شيء ليفعله، خاصة في الوقت الحالي. سيحاول الاقتراب، ولكن من بعيد، لن يعبر لها عن مشاعره مرة واحدة، سيقترب منها خطوة بخطوة. سيساعدها على نسيان هذا الحقير فريد، سيساعدها للتغلب والنصر على حزنها هذا الذي يمزق قلبه بقوة. رفع رأسه عالياً ينظر إلى السماء بابتسامة باهتة متألمة، يناجي ربه أن يلهمه الصبر حتى يحصل على حبها من أعماق قلبها، ولكنه سيصبر، لن يتهور ولن يتسرع.

نظر إلى البحر بابتسامة سرعان ما اختفت وهو يراها تسبح هناك، لن يخطئ فيها أبداً، نعم المكان شبه مظلم، ولكن ثمة ضوء هناك يظهرها بوضوح، خاصة له. ركض بسرعة عالية نحوها، وقلبه يكاد أن يتوقف عن الخفقان من خوفه الشديد عليها، خاصة عندما وجدها همدت وسكنت. أسرع في خطواته حتى وصل إليها، ورمى بثقل جسده في الماء دون تفكير، ولو حتى للحظة واحدة. قلبه يدق بسرعة شديدة من خوفه ورعبه عليها. وصل إليها ومسك بجسدها حتى لا تنحرف بعيداً بسبب

موج البحر، حتى خرج بها من الماء، وضع جسدها على الشاطئ، لا يعرف ماذا يفعل غير البكاء وهو يضغط على قلبها بقوة حتى ينعش قلبها، ويصرخ بصوت عالٍ باسمها وباسم عبيدة، الذي انتفض خائفاً وهو يستمع إلى صديقه يصرخ باسم غالية وباسمه، وكذلك أوليان التي انتفضت هي الأخرى، والجميع.

هرول عبيدة يفتح الشرفة اتجاه الصوت، ونظر بذعر لصديقه ولجسد أخته الملقي بإهمال على الأرض. هرول دون حتى أن يرتدي شيئاً في قدمه، وأوليان خلفه. صفاء ونجلاء الذين خرجوا يصرخون بذعر وخوف.

وصل عبيدة بسرعة ورقد على ركبتيه أمام جسد أخته الذي يهتز بقوة بفعل دفعات مازن على صدرها. نظر عبيدة إلى وجهها بصدمة دون أن يأخذ أي ردة فعل، عقله شُل عن التفكير نهائياً. دموعه اخذت تسيل على وجنته دون الشعور منه. ظل مازن يضغط ويضغط بقوة. انتبه عبيدة، وضع كفه على صدغها يضغط عليه، وانحنى على فمها ليجعلها تتنفس حتى لا تضيع منه، ووقتها سيضيع الجميع.

لحظات من الخوف والرعب حتى سعلت غالية بقوة، حتى احمر وجهها وادمعت عيناها. احتضنتها صفاء الباكية بصوت عالٍ وشهقات، وجهها يعمل صدى في أرجاء المكان، إلى قلبها بحماية قلبها الذي كاد أن يتوقف عن خفقانه من الرعب عليها. بينما مازن جلس بإهمال، وأعصاب جسده انهارت، يكاد لا يستطيع رفع ذراعه حتى. عبيده الذي يتنفس بسرعة، وأنفاس متسارعة خوفاً، قلقاً وغضباً منها وعليها.

فتحت غالية عيناها تتذكر ما حدث، آخر ما تتذكره سباحتها في الماء وهي تشعر بلذته، وبعد ذلك لم تشعر بشيء إطلاقاً. صرخت فجأة عندما نزعها عبيدة من جسد والدتها الباكية بعنف شديد، آلمها وهو يقول بغضب أعمى وهو يهزها بعنف شديد: "بتنتحري يا غالية؟ عاوزه تموتي؟ انتي اتجننتي؟!

فتحت عيناها بصدمة وبكت بخوف، كادت أن تنفي ما يقول بصدق، ولكن هوى عبيدة بصفعة قوية على وجهها جعلتها تصرخ بألم، وانفجرت باكية غير مصدقة ما فعله أخوها للتو. رأت مازن يبعد عبيدة عنها بعنف شديد ويصرخ فيه بقوة: "ابعد يا عبيدة، انت اتجننت؟! دفعه عبيدة بقوة وملامحه قاسية غاضبة، وجهه أحمر بشدة، عروق رقبته وصدغه نافرتين من شدة الغضب المتمكن منه، ونظر إلى غالية الباكية وصرخ فيها:

"عاوزه تموتي نفسك، انتي أنانية يا غالية، أنانية، مبتفكريش غير في نفسك، مفكرة إنك لما تموتي هترتاحي، كل دا عشان حبيتي واحد حقير ووسخ، عاوزه تموتي عشانه، مفكرتيش فيا؟ مفكرتيش في امك اللي كانت هتموت وراكي؟! اندفع ناحيتها يمسك جسدها يحركه بين ذراعيه بقوة وغضب: "عاوزة تموتي؟ موتي يا غالية، موتي وريّحيني، احنا كدا كلنا هنموت بسببك."

دفعها للخلف بقوة، وهي من خوفها لم تستطع الحديث أو التكلم، لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها ولو بكلمة، ولو بنفي ما يقول، تشعر بإن لسانها مربط، غير قادرة أبداً على الحديث من قوة دفعته، وقعت أرضاً، وأول من لحقها هي أوليان التي ركضت إليها تحتضنها بقوة وهي تبكي، بينما صفاء تجلس أرضاً بإهمال تنتحب بعنف، ونجلاء بجانبها تحتضنها تمسد على ظهرها بهدوء.

مازن يمسك عبيدة بقوة وهو غاضب بقوة منه لما تهور وصفعها، لما آذاها بكلامه، لما خوفه عليها انقلب لغضب شديد منها بهذا الشكل، بم تكن تحتاج سوى احتضان. ليته كان يستطيع أن يحتضنها ويطمئنها أنه بجانبها ولم يتركها.

رفعت أوليان غالية، ساعدتها على القيام وسندتها لتدخل إلى الشاليه. صعدوا الاثنان نحو غرفة غالية، وساعدتها أوليان لدخول المرحاض وهي صامتة، فقط تبكي بصمت وحزن شديد. هي لم تقصد الانتحار، نعم أخطأت أنها هبطت إلى البحر في هذا الوقت، ولكن لم تكن تقصد أن تموت غرقاً، لم تكن تقصد إطلاقاً. صرخ مازن وهو يدفع عبيدة للخلف قائلاً بغضب جحيمي، وبكاءها يمزق نياط قلبه: "انت اتجننت يا عبيدة؟ بتضربها؟ بتضرب اختك وانت عارف انها في صدمة؟

مسمعتهاش ليه يا اخي؟ خوفك لغى عقلك؟ إيه هرفك انها انتحرت؟ نجمت سيادتك؟ دفعه بعنف وأكمل بحدة عالية: "انت غبي يا عبيدة، غبي ومتسرع، اختك كانت محتاجة حضنك مش محتاجة القلم اللي ضربتهولها." نظر إليه بعنف وتحرك متجهاً إلى الملحق وجسده يغلي من الغضب. نعم غاضب منها حد الجحيم، ولكن صدمتها عندما فاقت أبلغته أنها لم تقصد الانتحار أبداً.

صديقه الغبي المتسرع دائماً. جز على أسنانه بغضب خانقاً من فعلته الهوجاء، يشعر بأنه صفعه هو لست فعلها معه ولم يفعلها معها هي. صرخ بغضب وهو يتذكر تشنجها، خوفها، صرختها المتألمة التي أدمت قلبه. خرجت غالية من المرحاض تلبس ثيابها بإهمال واضح، ساعدتها أوليان في تكملة ثيابها وساعدتها على الجلوس على الفراش براحة، ومشطت خصلاتها برفق. انتهت وجلست أمامها تنظر إليها بصمت. رفعت غالية عيناها الباكية وقالت بصوت ممزق من الألم:

"مكنتش بحاول انتحر يا أوليان، صدقيني والله ما قصدت، ولا الانتحار جه على بالي من الأساس، أنا كنت عاوزة أعوم بس، وكنت بعوم فعلاً، بس حسيت إني أعصابي فكت مرة واحدة، معرفش السبب، حاولت أطلع مقدرتش، وبعديها مش فاكرة حاجة. والله يا أوليان ما انتحرت."

انتهت حديثها بشهقة عالية متألمة، فأحتضنتها أوليان بقوة وقلبها يؤلمها على حالها. بينما وقف عبيده خارج الغرفة بصدمة وقلبه يؤلمه بقسوة، وعقله يسبه على بشاعة ما فعله. لاول مرة يصفعها، لاول مرة يزجرها أمام أحد، حتى إن غضب منها كان يعنفها بعيداً عن والدته وأي حد. واليوم الذي صفعها فيه، صفعها أمام الجميع.

شعر بغصة مسننة تؤلمه في منتصف حلقه، بينما صفاء ونجلاء يقفون بجانبه وقد استمعوا إلى كل شيء. هدأ قلب صفاء قليلاً أن ابنتها لا تريد الانتحار ولا تفكر فيه حتى. كادت أن تدخل ولكنها تراجعت، ستتركها مع أوليان يتحدثان سوياً أولاً. أخذت نجلاء وجلسوا بجانب الغرفة حيث يوجد مكان فارغ يوضع به أريكتان كبيرتان ومقعدان وشاشة تلفاز كبيرة أمام البحر. سينتظران هنا.

بينما دخل عبيده غرفته بغضب من نفسه، يولم نفسه ويعنفها بقوة، ولكنه كان خائفاً عليها بشدة وقتها. عقله وقف عن التفكير، كل ما هو مسيطر عليه خوفه فقط عليها ورعبه من أن يحدث لها مكروه. هو لا يعتبر غالية أخته فقط، بل ابنته، قارورته الغالية. بعد نصف ساعة دخلت أوليان الغرفة، ووقفت تنظر إليه بغضب شديد، لاول مرة تشعر به منه. لم يستمع إلى أخته، فقط صرخ عليها وصفعها بقسوة أمام الجميع. وقفت أمامه، فنظر إليها بحزن. لم تهتم،

وصرخت فيه بحدة وعتاب: "غالية مكنتش بتنتحر، كانت بتعوم، يمكن الوقت هو اللي غلط، لكنها كانت بتعوم وأعصابها سابت فحصل اللي حصل. المهم انها مكنتش بتنتحر ولا حتى فكرت في الانتحار. انت بقى عملت إيه؟ ماديتهاش فرصة واحدة تتكلم، زعقتلها وكمان ضربتها قدام كل الموجودين. اول مرة أعرف إن غضبك بيعميك بالطريقة دي يا عبيدة. انت متسرع وغضبك بيعمي عنيك." تلمعت عيناها بالدموع، وتركته تدخل إلى المرحاض كأنه تهرب منه فيه.

جلس عبيده متصنماً، حزيناً على ما آلت إليه الأمور بسبب تسرعه الدائم هذا. ماذا يفعل الآن؟ كل المحيطين به يعاتبونه، حتى والدته وعمته. كانت نظراتهم المعاتبة كفيلة بحرق روحه. مازن حتى أوليان، نظراتهم اخترقت روحه وقلبه. غضبه أعماه بالفعل، لكنه لم يقصد جرحها أبداً، هو فقط كان خائفاً، بل مرعباً عليها.

وقف أمام غرفة غالية بتردد شديد، خاصة بعدما استمع إلى بكاءها هذا الذي جعله يضرب رأسه بقوة، نافراً من حاله. استجمع شتات نفسه وطرق بخفة ودخل. ما إن رأته غالية، ازدادت بكاءها بشدة حتى ارتجافتها زادت وهي تقول: "والله ما كنت بنتحر يا عبيدة، صدقني! تلمعت دموع كثيفة داخل مقلتيه حزناً عليها. اقترب منها بخطوات سريعة وجلس أمامها على الفراش وهمس بخزي اتضح بشدة في نبرته وعلى ملامحه:

"أنا آسف يا غالية، حقك علي قلبي يا حبيبتي، أنا آسف، بس والله كنت مرعوب عليكي. أنا مبعتبرش نفسك أخوكي يا غالية، أنا أبوكي، أنا اللي ربيتك، سامحيني عشان خاطري." ابتسمت بوهن وهي تحرك رأسها إيجاباً، فجذب رأسها يحتضنها بقوة، مؤنباً حاله. هي حتى لم تعاتبه، لم تحزن منه، يمكن أنها تشعر به.

لفت ذراعيها حول خصره بقوة، دموعها تهبط في صمت. بعد دقائق أبعدها عنه ينظر إلى وجهها بحزن، خدها أحمر بشدة من صفعته العنيفة التي هبطت عليه. اقترب يقبل وجنتها بحنان، وأصابعه تمر عليها برفق شديد، وعيناه ترسل إليها كم نادم على فعلته تلك. ابتسمت بوهن وبدأ جسدها في الارتخاء مجدداً، هي تحتاج النوم لساعات طويلة. وضع جسدها برفق على الفراش وتنهد بحزن، تعب وغضب. وضع عليها الغطاء بإحكام وظل جوارها يربت على جسدها برفق شديد حتى نامت بالفعل.

قام وأغلق الإضاءة ودخل إلى غرفته، بينما نجلاء وصفاء دخلوا غرفة غالية النائمة، سيظلان معها ليطمئنوا عليها. دخل عبيده غرفته بتعب، وجدها ممدة على الفراش تعطيه ظهرها ولم تلتفت له. تحرك وتمدد هو الآخر وشدها اتجاهه حتى أصبحت محاصرة بين جسده. حاولت التحرر من قيدته تلك التي تحبها بل وتعشقها، ولكنها سكنت عندما استمعت إلى همسه الضعيف:

"كنت خايف ومرعوب عليها يا أوليان. غالية مش أختي، غالية دي بنتي. أبويا مات وهي صغيرة، أنا اللي توليت مسؤوليتها، توليت كل حاجة وأنا عندي 17 سنة، حتى شركته. أنا حاسس إني أبوها وأخوها وصاحبها، حتى. أنا فعلاً اتهورت واتغبيت، بس والله ما كنت حاسس بنفسي أبداً. أنا دلوقتي تعبان ومخنوق ومحتاجلك جنبي، مش بعيد عنك."

كانت دموعها تتسابق من نبرة صوته الحزينة المتألمة، فالتفت بين يديه واحتضنت عنقه بقوة وهي تقبل رأسه قبلات كثيرة متفرقة، تشعر به وبألمه، تدعو الله أن يريح قلوبهم جميعاً. همست بجانب أذنه بحب:

"حاسة بيك وبخنقتك دي يا عبيدة، بس اختك محتاجالك جنبها. اسمعها يا حبيبي قبل ما تاخد أي ردة فعل تزعلك انت قبلها. شوف دلوقتي انت مخنوق وتعبان بسبب ردة فعلك. المهم إننا اطمنا عليها وإنها دماغها مش في الانتحار. غالية أأقل بكتير من إنها تعمل كده." أومأ بصمت وهو يزيد من ضمه إليها. تنهد باختناق وهو يضع رأسه أعلى صدرها بقوة، كأنه يخبئ رأسه فيها. سرير الراحة، وهي منبع راحته بأكملها. في صباح اليوم التالي.

هبط عبيده إلى الأسفل متوجهاً نحو الملحق الخاص بالشاليه، وجد مازن ينام على ظهره على الأريكة، عيناه مفتوحة حمراء، كأنه لم يذق للنوم طعم. جلس بجواره على المقعد ولم يتحدث سوى بعد دقيقة وأكثر: "انت كنت صح يا مازن؟ غالية مكنتش بتنتحر، أنا اللي من خوفي عليها اتغبيت واتهور." استمع مازن إلى تلك الجملة وكأنها أنعشته حقاً، فانتفض ينظر إلى عبيده قائلاً بأمل: "بجد يا عبيدة؟

الحمد لله يارب، الحمد لله. هي أكيد شايفة إن فريد ميستهلش حتى البكا عليه، مش الانتحار." استنشق الهواء بكثرة، ورُسمت على وجهه ابتسامة كبيرة بلهاء جعلت عبيدة يبتسم لا إرادياً. بعد دقائق أخذ عبيده مازن حيث الشاليه ليناولوا وجبة الإفطار معاً. وضعت نجلاء وصفاء وأوليان الفطار على السفرة بابتسامة، كما أخبرهم عبيده تماماً أن ينسوا ما حدث بالأمس. بينما صعد عبيده إلى غرفة غالية التي مازالت نائمة، فابتسم واقترب منها يصحيها برفق:

"غالية اصحي يلا يا حبيبتي." اتجه إلى الشرفة وفتحها، فدخل الضوء الكثيف منها، فضايقت وهي نائمة ووضعت ذراعها أعلى عيناها، فضحك واقترب منها يزيح يدها، ففتحت عيناها بضيق، وجدت أخيها أمامها مبتسم الثغر، فرغماً عنها ابتسمت بخمول، فقال بحب وهو يقبل جبينها بقوة: "صباح الخير يا حبيبتي، يلا اجهزي عشان الفطار جهز ومش هنفطر من غيرك، دقيقتين وتبقي تحت، اتفقنا."

أومأت برأسها وهي تتثاءب، واضعة كفها على فمها، فابتسم وغادر. قامت تمط جسدها بقوة، وابتسمت، لابد أن تفتح صفحة جديدة في حياتها وتنسى الماضي بما حدث فيه. هبطت بخطوات سريعة مبتسمة، جعلت قلب مازن يتقافز داخل أضلعه من فرحته بوجودها. بينما صفاء قلبها يطمئن. وتناولوا الإفطار في سعادة ومرح، ناسين أو متناسين ما حدث. في البناية التي يسكن بها فريد.

فتحت چني عيناها بصعوبة، متأوهة بخفة. رمشت عدة مرات حتى استطاعت أن تفتح عيناها بشكل كامل. عقدت ما بين حاجبيها بتعجب شديد، أين هي؟

تلك ليست غرفتها إطلاقاً. نظرت بجانبها، فجحظت عيناها بصدمة، فريد نائم بجانبها لا يستره شيئاً إطلاقاً. نظرت إلى جسدها بفزع، وجدت نفسها هي الأخرى عارية، لا يسترها أي شيء. ازدادت دقات قلبها حتى كادت أن تصم أذنيها، وتحركت بفزع. وقعت عيناها على بقع حمراء تحتل الأريكة النائمة عليها، فصكت على وجهها برعب وصدمة، ماذا فعلوا؟ هل فقدت عذريتها؟ ما كانت تخطط له لتقع غالية به، هي من وقعت به. تفكيرها انقلب عليها.

شهقت بفزع وبكت بصدمة وهي تحاول ستر نفسها، ونظرت إلى فريد الملقي أرضاً، تصرخ باسمه حتى انتفض من نومته هاتفاً بنزق: "إيه؟ لم تقل صدمته وهو يراها بهيئتها تلك. نظر إلى هيئته هو الآخر، وقد فهم ما حدث دون معاناة للتذكر. سرعان ما ضحك بقوة، ضحكات عالية شديدة، وهي تنظر إليه بصدمة وبكاء شديد، لما يضحك وهم في كارثة. أدمعت عينيه من الضحك وهو يقول بتقطع شديد: "شوفتي اللي كنتي بتفكري فيه؟ اهو حصل، بس فيكي انتي."

أنهى جملته المتهكمة الساخرة، وانفجر ضاحكاً هو الآخر، بينما هي تحاول أن ترتدي ثيابها بأيدي مرتعشة بسبب بكاءها الشديد. انتهت حياتها، فقدت أعز ما تملك أي بنت، وبسهولة تامة، دون غصب حتى. ارتدت ثيابها بإهمال، وجلست تبكي بقوة وهي تصك على وجهها بحسرة ورعب، وتفكر في الأيام التالية. فقدت حياتها بالكامل في لحظة واحدة، فقدت كل شيء. كانت تخطط أن يحدث نفس الشيء، ولكن لابنة خالتها، لغالية، ليست لها. لما وقع السحر على الساحر.

أغمضت عيناها تصرخ بهياج شديد، كأنها جُنت بالفعل، وهو يجلس أمامها عارياً كلياً ببرود شديد، كأنه لم يفعل شيئاً. نظر إليها بضيق من صراخها العالي وقال ببرود وهو يقوم متجهاً نحو غرفته: "خليكي انتي صوتي هنا، أنا داخل أنام." نظرت بصدمة إلى فراغه، فقد تركها ودخل لينام، وتذهب هي للجحيم. ماذا ستفعل الآن؟

يجب أن يتزوجها بأسرع وقت، ووقتها ستنتهي تلك المشكلة، وسينضرب عصفورين بحجر واحد. ستنتهي مشكلتها، وستنجرح غالية، وفي كلتا الحالتين لن تفقد شيئاً. في الصعيد: دخل ناجي إلى قسم الشركة بأرجل مرتعشة، رغم الهيبة المسيطرة عليه دائماً، وطلب الدخول إلى مكتب الضابط المسؤول عن قضية يوسف. جلس أمام الضابط بهيبته المعهودة، والضابط ينظر إليه بملامح هادئة باردة، وهو يقول:

"حفيدك اتمسك متلبس في قضيتين يا حاج ناجي. قضية دعارة في شقته اللي باسمه، وكان هو وصاحبه وبنتين عليهم قواضي آداب، وكان معاهم مخدرات بكمية كبيرة، مش للتعاطي، للإتجار." جحظت عينا ناجي بصدمة، حتى كادت أن تخرج من محجرها، خاصة بعد جملة الضابط الأخيرة. شعر أن الموضوع كبير وفوق تحمله بكثير.

كان يعتقد أن ما يفعله يوسف طيش شباب كما يسمونه، ولكن حيازته على كمية كبيرة من المخدرات لم يصدقها إطلاقاً. شعر بثقل كبير في لسانه ورأسه، وبعدها لم يشعر بشيء إطلاقاً. كان يظن أن يوسف رجله وسنده في تلك الحياة، العكاز الذي سيستند عليه فيما بعد. كان يتركه لنفسه ولحاله، وهو متأكد أنه إن طلبه، سيلبي يوسف طلبه في الحال. لم يرفض له طلب أبداً. كان يفضله دائماً. هو رجل إذاً لن يخطئ. هو رجل إذاً هو الصح دائماً.

كان يعتبرها فتاة ستجلب له العار في أي لحظة. والعكس أصبح صحيح في حالته هو، الرجل هو من وسخ اسمه واسم عائلته الكبيرة في فضيحة كبرى لن ينساها ولن تنساها بلدته أبداً. كل ذلك جعله يقع أرضاً بأعين مفتوحة وجسد هامد، فاقداً لملذات الحياة. وقع ولم يجد عكازه الذي ظن أن سيسنده في كبره. وقع وسيظل طريح الفراش حتى يفقد أنفاسه الأخيرة، نادماً على ما فعلته يداه طوال السنوات التي عاشها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...