تحميل رواية «غزالة عبيدة» PDF
بقلم فاطمه عماره
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تلك الصغيرة التي وقعت عيناه عليها لمرة واحدة لم ينساها ولم تغب عن عقله ولو لثوانٍ، أصبح مولعاً بها وبكل تفاصيلها. بالرغم أنها ابنة عمته الوحيدة، إلا أنه لم يرها سوى مرة واحدة، ولكن احتفظت عيناه بملامحها الصغيرة. ظن أنه إعجاب، وأن ما يشعر به شعور خاطئ وليس حقيقياً. ولكن توالت الأيام والشهور وثلاث سنوات، وما زال يفكر بها مولعاً بأدق تفاصيلها. ولكن عندما رآها للمرة الثانية، كانت كارثة حلت عليها، كارثة بدلت حياتهما كلياً حتى أصبحت رأساً على عقب. كانت تعيش تعيسة بأحكام مؤلمة غير عادلة، فهي بنت إذاً ل...
رواية غزالة عبيدة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطمه عماره
صعد بها بصعوبه وهي تفرك بأقصي قوتها لتنزل من بين يديه، تصرخ بصوت مختنق باكي وتتحدث بكلمات غير مفهومه بسبب بكاءها الشديد. تحاول دفع جسده ليحررها ولكنه يحتضنها لصدره أكثر حتى لا تنفلت من بين ذراعيه. فتح باب غرفته بمعاناه ودخلها مغلقاً الباب بساقه، ثم جعلها تنزل أرضاً لكنه لم يتركها بل احتضنها بقوه بين ذراعيه.
رفع أحد ذراعيه يحركه بحركات طوليه رتيبه لتهدأ، ولكن وصلها بكاء قوي عنيف جعلت الدموع تتشكل داخل عينيه. تنهد بإختناق يحاول تهدأتها ويفشل في نهاية الأمر.
دقائق طويله وعصيبه وهو يقف في منتصف الغرفه يحجزها بين ذراعيه. هدأت شهقاتها شيئاً فشيئاً وهو لم يتحدث مطلقاً سوى بكلمات صغيرة تهدأها مما هي به.
رفع وجهها وكم آلمه مشهدها هذا، عيناها حمراء داميه مُنتفخه، وجهها شوهته الدموع. رتب خصلاتها المُشعته لا يعرف سبب تشعُتها هذا، لكنه خمن من المجهود التي بذلته في ضرب الأفعى چني.
مسح دموعها بإبهاميه بحنان وهو يربت على ظهرها بلين وقال بحنو شديد:
"اهدي يا أوليان كفاية عياط واحكيلي عملتلك إيه...؟!"
أغلقت عيناها بتعب شديد وقصت له ما حدث بالتفصيل دون أن تنكر شيئاً، وقد أصبحت الدموع تتكون في خضراوتيها من جديد. جز على أسنانه بغل وغضب، ولكنه ابتسم وقال:
"جدعة يا أوليان إنك مسبتيش حقك. أوعي حد يعملك حاجة وتسكتي، حتى أنا فهماني."
لمعت عيناها تلك المرة ليست بالدموع ولكن بشيء آخر. كلماته جعلتها تطمئن. شفت روحها المُنهكة جعلت ابتسامة ضعيفة ترتسم على ثغرها وقالت بنبرة مرهقة:
"أوعدك لو قالتلي حاجة تاني هحط صوابعي في عينيها..!"
ضحك بعدم تصديق، لكنه أومأ برأسه موافقاً حديثها واحتضنها من جديد. شدد من احتضانها وأغمض عينيه بتوعد عنيف. ابتعد قليلاً وقال:
"نامي وارتاحي شوية يا أوليان."
أومأت بابتسامة فتركها ورحل. اتجه إلى الغرفة التي تنام بها چني ودخلها بعنف دون طرق، لكنه لم يجدها. تركها دون أن يُغلق الباب وهبط بخطوات كبيرة غاضبة إلى الأسفل. وجدها كما هي تجلس ببرود أمام التلفاز. اتجه إليها وجذبها من خصلاتها بقوة جعلتها تصرخ بألم وغضب:
"ابعد عني، أنت اتجننت يا عُبيده..!"
شدد من جذب يده لخصلاتها الحمراء وقال بغضب من بين أسنانه الملتحمه:
"أقسم بالله يا چني إن ما اتعدلتي لهخليكي متسويش جنيه في سوق النسوان كله."
وضعت كفها على كفه لتزيله، ولكنه شدد مرة أخرى بعنف وقال بصوت خفيض لكنه محذر وقاسي:
"أوليان وغالية خط أحمر. حذاري تهوبي ناحيته. أنا ساكتلك عشان خاطر أمي بس.. لكن وحياة أمك هتسوقي فيها، هرميكي علقة موت تخليكي تمشي على العجين متلخبطيه."
دفعها بقسوة حتى جلست على الأريكة بطريقة مُهينة، ناظراً إليها بغضب وقسوة متوعداً إياها إن فعلت شيئاً آخر.
صعد إلى غرفته من جديد وجدها تسطحت الفراش وغفت بالفعل. أغمض عينيه بألم. بكاءها الشديد وانتفاضتها العنيفة بين يديه جعله قلبه يتفتت لقطع صغيرة مُحطمة.
زفر بغضب وجلس بجانبها موازياً لها، يحرك كفه على خصلاتها بهدوء يتمنى أن يغمض عينيه ويفتحها يجد حياتهم عادية هادئة دون مسافات أو فواصل.
ابتسم فقد تغيرت أوليان معه بشكل كلي، لا تتحدّاه ولا تبتعد عنه، تنتظر مجيئه لتتحدث في أي شيء. ولكن وجود چني في نفس المنزل أزعجه بشدة، جعل قلبه غير مطمئن. يعلم بأنه كفيل لحمايتها، ولكن كيف سيحميها من كلمات چني السامة؟ أيطردها من بيته؟ ولكن والدته، فمهما حدث هي ابنة خالته.
جز على أسنانه حانقاً وأقسم إن فعلت شيئاً آخر سيفعل ما يفعله ولن يهتم بشيء، فهي تستحق أولاً وأخيراً.
رن هاتفه فابتسم مفاجأة: أوليان ها هي قد وصلت الآن. نظر إليها بحب كبير وتركها وانصرف هابطاً إلى الأسفل. وجد والدته وخالته فاتجه إليهم ولم يعير چني وخالته بالاً وقال:
"كنتي فين يا أمي؟"
ابتسم بهدوء قائله:
"كنت في الفيلا عند خالتك يا حبيبي، كانت حابة تعرف الأمور ماشية إزاي فروحت معاها."
أومأ برأسه وقال بنبرة هادئ:
"طب تعالي من فضلك عاوزك دقيقة..!"
عقدت حاجبيها بقلق تشكل بوضوح داخل مقلتيها وقامت متلخفة خلفه حتى دخلت غرفة المكتب. وجدته يتنهد بقوة فسألته بنبرة قلقة:
"في إيه يا عُبيده؟ غالية وأوليان حصلهم حاجة..؟!"
عض شفتيه بغضب وقص لها ما فعلته وقالت چني في حق أوليان، وأنها لم تحترمها ولم تحترم المنزل المتواجد به. وأكمل قائلاً:
"لو سمحتي يا أمي، ياريت متسيبيش البيت طول ما الحيوانة دي هنا. أنا مش مطمنلها أبداً ومش عاوز آخد رد فعل وحش معاها. وده مش عشان خالتوا عشانك أنتِ، فـ ارجوكي يا أمي طول ما هي هنا أنتِ كمان تبقي موجودة."
اشتعلت أعين صفاء هي الأخرى بغضب وتضايقها من چني أصبح أضعافاً الآن، فزفرت بضيق شديد وقالت:
"متقلقش يا حبيبي، مش هسيب غالية وأوليان لوحدهم في البيت تاني. وچني دي لو عملت حاجة تاني أنا اللي هقفلها. أنا كنت مخدوعة فيها، ربنا يهدي."
ربت على منكبها بحنو وسمع باب الفيلا يطرق فاتجه إليه سريعاً قائماً بفتحه. وجد خدمة التوصيل ومعهم ما طلبه فابتسم وحاسبهم ثم أغلق الباب.
نظر إلى الحقائب في يده بإبتسامة ونظر إلى والدته وغمزها فضحكت بسعادة فتركها وصعد إلى الأعلى.
في الطابق العلوي.
دخل الغرفة وجدها مازالت نائمة، تعشق النوم بكثرة. تمنى أن تعشقه هو الآخر. تنهد متعباً وقام بفتح الحقائب ورص ما بها بنظام على الأريكة الوثيره الموجودة بالغرفة. عدة أشياء متأكد بأنهم سينالوا إعجابها، يتمنى هذا من أعماق قلبه المُتيم بها.
انتهى فابتعد ينظر إليهم بسعادة ويتنهد بحب كبير. ثم التفت متوجهاً إليها. هزها برفق هامساً اسمها عدة مرات حتى ابتدت تفيق. ابتسمت بكسل ما إن رأته أمامها كإنه منبع الأمان التي دوماً افتقدته واعتدلت بمساعدته فقال بمرح:
"بتعشقي النوم عشق..!"
ضحكت بصوت مبحوح من أثر نومها العميق وفركت عيناها لتفيق. اعتدلت وقالت بعدما تثاءبت:
"هروح أغسل وشي..!"
أومأ إيجاباً فتحركت بخطوات بطيئة شبه مغلقة لعيناها لدرجة أنها لم تنتبه لشيء إطلاقاً ودخلت المرحاض لتغسل وجهها ليساعدها على الإفاقة بشكل كامل.
لحظات وخرجت تجفف وجهها بالمنشفة ثم أزالتها. جاءت لتضعها على الأريكة شهقت بصدمة وفرحة.
ألقت المنشفة تقع أرضاً بإهمال وتفحصت الأشياء التي جلبها: ألوان عديدة للرسم، اللوح الخشبي للرسم. لمعت عيناها بتأثر، حلم حياتها يتحقق أمام عينيها دون مجهود منها. ابتسمت ابتسامة كبيرة والتفتت تنظر إليه بأعين لامعة ممتنة.
كان يراقبها بشغف كبير. كل حركة لمسة أو همسة منها تجعله يحلق في السماء كـ طائر حر يفعل ما يريده دون قيود.
دق قلبه بسعادة لرؤية لمعة عينيها تلك واتجه إليه. سبقته هي وارتمت بين ذراعيه لأول مرة.
وقف هو منصدم عده لحظات، سرعان ما لف ذراعيه حولها رافعاً إياها حتى أصبحت قدماها لا تلامس الأرض بل تتأرجح وهو يحتضنها بقوة غير مصدقاً رده فعلها نهائياً.
ارتسمت ابتسامة كبيرة سعيدة على شفتيه وقلبه يرقص داخل أضلعه بسعادة لم يشعر بها يوماً سوي معها.
احمر وجهها بشدة عندما أدركت ما فعلته. حاولت الهبوط ولم تستطع. أدرك خجلها منه فابتسم بحب ووضعها أرضاً برفق.
حاوط وجهها بين كفيه وحاول يُنسيها خجلها الشديد منه وقال:
"تعالي أفرجك على باقي الحاجة."
أومأت بقلب مضطرب يرقص ويغرد داخل أضلعها واتجه نحو الأشياء التي جلبها خصيصاً لها:
"دا تليفون جديد، واحد ليكي وواحد لغالية والاتنين نفس اللون عشان تتفرجي على اليوتيوب براحتك وعلى الرسم زي ما انتي عاوزة."
نظرت إليه وابتسمت بسعادة واحتضنت الهاتف لصدرها وهي تضحك. ضحك هو الآخر وهو يُمليها ما ابتاعه من أجلها وأجل حلمها وأكمل قائلاً:
"هعملك أوضة هنا تكون خاصة بشغلك ولوحك، تعملي فيها اللي انتي عاوزاه."
رفعت أنظارها تهمس له ممتنة:
"أنا مش عارفة أقولك إيه، أنا حاسة إني في حلم جميل أوي خايفة أصحى منه."
وضع إبهامه على شفتيها يقاطعها قائلاً:
"أنتِ مش في حلم، أنتِ هنا في واقع حقيقة بتعشيها فعلاً طول ما أنا معاكي. اؤمري وأنا أنفذ."
ابتسمت تتنهد براحة وهي تراقب ملامحه عن كثب. قلبها يدق بسعادة يُعلن عن شيء لم تختبره هي من قبل.
ضحكت واردفت بمرح قائلة بسعادة:
"أنا نفسي أشوف البحر وأركب يخت وأمشي على الشط وآكل آيس كريم."
ضحك هو الآخر بأعين شقية سعيدة وقال وهو يتلاعب بخصلاتها:
"يا سلام! إيه الأحلام البسيطة دي؟ عنيا ليكي يا غزالة. غالية تخلص امتحاناتها وأخدكوا ونسافر في أي مكان فيه بحر."
أومأت بإبتسامة كبيرة صدرها ينتعش بفرحة عارمة تنظر إليه بحب داخل أعينها لا تستطيع البوح عنه.
قبل جبينها بحب قبلة طويلة بشغف وهبط ليتركها مع نفسها قليلاً، يشعر بأن قلبه سينفجر من قوة حبه لها.
في اليوم التالي.
في شركة نصار.
دخل عُبيده مكتب فريد بسبب صوت مازن العالي كأنه يتشاجر. دخله بخطوات سريعة مهرولة وجد فريد يجلس على مكتبه ببرود ومازن أمامه يصرخ فيه قائلاً بغضب جحيمي:
"بطل البرود اللي في دمك ده ورد عليا يا مُتخلف! كنت غاطسان فين؟ ولا أنت في البيت ولا في أي مكان نعرفه وتليفونك مغلق."
وقف عُبيده يحرك أنظاره بينهم. لم يُعجبه فريد ولا نظراته إطلاقاً ومازن يصرخ بغضب شديد حتى قال فريد بنبرة باردة خالية من أي شيء:
"كنت زهقان ومازلت ومش قادر اشتغل ولا عاوز أصلاً. سيبني في حالي لغاية ما أروق."
رد عليه عُبيده بنبرة خشنة قوية:
"وبالنسبة للشغل يا فريد بيه، هيستناك لما تفك من زهقتك؟!"
رفع فريد أنظاره يحدقه بقوة بنظرة لم يراها عُبيده في عينيه من قبل. نظرة كارهة نافرة وقال بذات النبرة الباردة الصقيعية:
"جيب غيري يا عُبيده باشا طالما الشركة هتقع من غير شغل فريد..!"
تحرك عُبيده بحركات رتيبة بطيئة وعيناه لم تُفارق عين الآخر وقال بنبرة صارمة:
"أنا مش عاجبني اللي أنت فيه ومش فاهمه، بس مسيري هفهمه يا فريد. بس عشان صحوبيتنا هتغاضى عن كلامك وعن نظرة عنيك لغاية ما تعقل وتيجي تقولنا مالك."
التفت وغادر بأعين غاضبة وتبعه مازن الذي يخبط كفاً بأخيه غير مصدقاً. يحاول تذكره ما حدث بينهم آخر مرة. لم يحدث شيء سيئاً أبداً ليقلب حاله بتلك الطريقة. إذاً ماذا حدث..؟!
دخل عُبيده مكتبه بعصبية مفرطة وخلفه مازن الذي قال بضيق شديد:
"فريد دا مبقاش طبيعي، أكيد اتجنن."
نظر إليه عُبيده قائلاً بنبرة خشنة:
"فريد مش مريح نهائي..!"
زفر مازن بضيق وجلس على المقعد المقابل للمكتب وقال:
"من آخر مرة اتكلمنا فيها وحاله اتقلب، معرفش إيه حصله؟!"
سأله عُبيده بإهتمام:
"اتكلمته في إيه؟ يمكن اتضايق من حاجة؟"
هز مازن رأسه يميناً ويساراً قائلاً بنفي:
"لا محصلش مني حاجة تضايقه، أنا متأكد. أنا كل اللي قولتهوله إنك اتجوزت. افتكر إنك اتجوزت چني وأنا قولته له لأ، بنت عمتك اللي في البلد!"
جلس عُبيده ناظراً إلى مازن بإهتمام شديد وقال:
"إيه اللي حصل بعدها يا مازن؟!"
رفع مازن كتفيه وقال بتذكر:
"ولا حاجة، بس أنا استغربت طريقته وقتها وقام مشي بسرعة، بس محطتش في دماغي يعني. أنت عارف فريد، بتُهب منه."
عض عُبيده شفتيه من الداخل. قلبه يعمل ثائراً يفكر في مئة اتجاه، كلاهم يُشعل النار داخل جسده. زفر بغضب ومازن أمامه يجلس شارداً كـ حالته في الأونة الأخيرة.
في قصر "نصار".
دخلت غَاليه بإرهاق شديد وجلست على أحد الأرائك الوثيرة بإهمال مغمضة عينيها بتعب. كانت خائفة بشدة من تلك المادة تحديداً لأنها شديدة الصعوبة، ولكنها مرت بخير كـ سابقيها.
فتحت عيناها عندما شعرت بأحدهم يجلس بجانبها وابتسمت بمضض عندما وجدتها چني التي قالت بمكر ونبرة ذات مغزى:
"أنتِ برضه معملتيش دايت يا غالية؟ لو متعرفيش دكتور كويس ممكن أوديكي للدكتور اللي بتعامل معاه، صدقيني نفسيتك هتفرق جداً."
رفعت غَاليه حاجبها الأيسر بتهكم ساخر على حديث چني المستفز وقالت:
"لا ميرسي يا چوچو، أنا جسمي عاجبني أوي كده وأنا مبسوطة بيه. حتى عُبيده كسفك كسفة وحشة أوي وقال لك نفس كلامي ده. فوجهه نظرك في جسمي متلزمنيش يا بيبيه."
رفعت شعرها للخلف وأكملت بثقة وعلى وجهها ابتسامة واسعة:
"أما نفسيتي أنا مضايقة ومضغوطة بسبب الامتحانات. أنتِ عرفاني متفوقة وشاطرة في دراستي عكسك تماماً، يعني نصايحك دي خليها لنفسك أو تحطيها في أي باسكيت هنا في القصر هتلاقي كتيييير. تيك إير يا بيبي."
حدقتها بأعين لامعة مُبتسمة الثغر عندما وجدت وجهها أصبح شديد الاحمرار من الغضب والإحراج.
ضحكت بصوت عالٍ وهي تصعد درجات السلم فزادت من حنق چني أضعاف مضاعفة.
ضغطت چني على كفها بغيظ شديد من كلمات چني التي التقطها بوجهها بكل ثقة. أين غَاليه التي كانت تبكي من أقل شيء وهي صغيرة...؟!
أزاد الغل والحقد داخل قلبها وتغلل بعمق. قامت لتبدل ثيابها وتخرج من هذا المنزل الكئيب من وجهة نظرها السطحية المغرورة دائماً.
في غرفة عُبيده.
طرقت غَاليه الباب ودخلت مُبتسمة. وجدت اوليان جالسة أرضاً حولها الكثير والكثير من الأشياء، لوح أوراق بيضاء كبيرة والعديد من الألوان مختلفة الأشكال والأنواع.
ضحكت وجلست بجانبها على الأرض وتنهدت وصمتت. فقالت أوليان وهي تلوي شفتيها:
"مالك يا حزينة؟ ما أنا مكلمكِ من شوية وكنتي كويسة يا برميل النكد أنتِ."
ضحكت غَاليه بقوة وفردت جسدها على الأرض وقالت:
"قابلت چني بوز الأخص وقالت كلام يحرق الدم، بس أنا اديتها مرحمتهاش."
اشتعلت أعين اوليان بغضب وقالت:
"قالتلك إيه الزفتة دي...؟!"
ضحكت اوليان وقصت لها ما حدث بالتفصيل حتى ردها عليها. فضحكت اوليان بصوت عالٍ وقالت بنبرة مرحة للغاية:
"جدعة يا بت والله. كنتي هتحرقي دمي لو مكنتيش رديتي البت اللي تحت دي. بعد كده هنوزع كرامتها في أكياس شيبسي. كلامها زي السم وقليلة الذوق بصراحة."
تنهدت غَاليه وقالت:
"سيبك منها. المهم إحنا كويسين. عاوزاكي ترسميني يا لولو بليز."
ابتسمت اوليان بفرحة من طلبها هذا وقالت بلهفة ونبرة سريعة للغاية:
"أكيد طبعاً هرسمك. أنا فرحانة أوي."
احتضنها غَاليه بحنو شديد وقالت بهمس:
"ربنا يديم فرحتك يا حبيبتي. أنا هروح أغير هدومي وأرتاح شوية وبعدين نقعد نرغي للصبح."
أومأت أوليان بحب فأنصرفت غَاليه لتستحم وتبدل ثيابها لترتاح من يوم مُتعب وشاق للغاية. بينما ظلت أوليان كما هي ممسكة بقلمها الرصاص تبدأ في رسم أحدهم حتى تعبت فقررت أن تُكمل في وقتٍ لاحق.
من شدة تعبها في الرسم لساعات متواصلة نامت مكانها على الأرض وهي تحتضن ما قامت برسمه إلى قلبها. وجهها يرسم عليه إمارات الراحة والأمان.
بعد مرور ساعة دخل عُبيده الغرفة بوجه جامد واجم. تفاجأ من نومتها تلك. ابتسم رغماً عنه هامساً بداخله أنها تعشق النوم أكثر من أي شيء آخر. تقدم ببطء وخفة حتى أصبح جانبها. انحنى بجسده جالساً على عقبيه بجانبها. وجدها تحتضن ورقة بيضاء. أخذها بخفة. سرعان ما ابتسم بتفاجئ وقلبه دق بأمل كبير. وجد ملامحه تتوسط صورة. لم تكن الرسمة قد اكتملت ولكن ملامحه واضحة وظاهرة. تنهد بعشق ونظر إلى ملامحها المُريحة لحدقتي عينيه العاشقة لرؤيتها.
كان من ثوانِ يشعر بالغضب والضيق والآن الدنيا لا تسعه من الفرحة والسعادة.
وضع الورقة بعناية على الأريكة متوجهاً إليها. قرر عدم إيقاظها لتغفو كما تريد. حملها بحنو واتجه إلى الفراش واضعاً إياها برفق شديد. خلع جاكيته حلته البنية واضعاً إياها بإهمال على الفراش وتمدد بجانبها لأول مرة. نظر إلى ملامحها عن كثب وقرب مغمضاً عينيه سابحاً في نوم عميق.
بعد مرور ثلاثة أيام.
رن هاتف چني برقم غير معلوم فردت بنبرة غير مهتمة قائلة:
"مين..؟!"
رد عليها الطرف الآخر بإنه يريد مقابلتها بشكلٍ ضروري في النادي التي تذهب إليه دوماً.
حاولت الاستفسار مئة مرة ولكنه لم يُجيبها بحرف، فقط يريد مقابلتها في أقرب وقت ممكن للتحدث.
أغلقت المكالمة بضيق ولامبالاة ولكنها جلست تفكر من هو وما الموضوع الهام الذي يريده بها. انتصر الفضول داخلها، لابد أن تعرف من هو وماذا يريد. ستذهب لمقابلته لتعرف.
خرجت من الغرفة وجدت أوليان تخرج من غرفتها وتغلق الباب خلفها. اشتعلت عيناه بالغضب والحقد. استمعت ضحكة أوليان العالية وهي تنظر إلى هاتفها بكره وقررت فعل أي شيء لتهدأ من نيران قلبها قليلاً.
تحركت خلفها بخطى بطيئة ولانشغال اوليان بالهاتف لم تنتبه لخطواتها. كادت أن تضع قدمها على الدرج لتهبط وجدت من يدفعها بقسوة وغل حتى سقطت على وجهها تأخذ درجات السلم العالية على جسدها ورأسها. أما چني فأختفت تماماً. دخلت غرفتها تضحك بصوت عالٍ كأنها انتصرت في مسابقة.
في الأسفل خرجت صفاء ونجلاء على صوت الصراخ وما إن رأوا مظهر اوليان وقع قلبها في أرجلهم من الخوف وركضوا اتجاهها بسرعة وهم يصرخون باسمها بنبرة مُلتاعة خاصة بعد رؤية الدماء على الأرضية الرخامية.
رواية غزالة عبيدة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطمه عماره
دخل المشفي يركض مهرولاً برعب بعد اتصال والدته به وإبلاغه بوقوع أوليان أرضاً من فوق الدرج. خرج من الشركة راكضاً بجنون وشيء بداخله يكاد يُحطم من كثرة خوفه. سأل عن مكانهم بنبرة ملتاعة وركض حيث المكان المتواجدون به.
وجد والدته وعمته يقفون أمام غرفة ما مغلقة. نجلاء تبكي بقوة وصفاء تربت على ظهرها تحاول تطمئنها. ركض إليهم بسرعة يسألهم بنبرة خائفة مرتعبه بصوت لاهث:
- في إيه... أوليان حصلها إيه...!!
نظرت إليه صفاء وقالت بعدم فهم لما حدث:
- مش عارفة يا ابني، كنت أنا وعمتك في المطبخ بنحضر الأكل وفجأة سمعنا صوت جامد، طلعنا لقيناها مرمية على الأرض ودماغها بتنزف.
دُق قلبه برعب، تحولت عيناه إلى نظرة هلع قصوى. وجه أنظاره ناحية الباب عندما استمع إلى صوت فتحه واتجه إلى الطبيب مسرعاً يسأله بنبرة متلهفة:
- طمني يا دكتور أرجوك...!!
رد عليه الطبيب بعملية:
- الحمد لله، الأشعة أثبتت إن مفيش شرخ والمخ سليم محصلوش حاجة رغم إن الوقعة شديدة. رجلها اليمين اتكسرت بسبب الوقعة ودماغها فيها كام غرزة بسيطة. هتفضل معانا لحد الصبح عشان نطمن عليها وبإذن الله هتبقى كويسة.
أخذت نجلاء وصفاء أنفاسهما براحة بمقدار قليل، مهما حدث فالأهم إنها بخير لم توجد إصابات بالغة. بينما عبيدة دخل الغرفة بجنون وعيناه تتفحص أولايان النائمة بتلهف شديد. جلس بجانبها رافعاً كف يدها يُقبله بحب وعيناه. هبط بجسده واضعاً شفتيه أعلى جبينها يُقبّلها وانتظر هناك طويلاً.
أنفاسه اللاهثة تلهب بشرتها البيضاء الناعمة. نظر إلى ملامحها بخوف. رفع كفه يحركه برقة على جبهتها المصابة وحمد الله كثيراً إنها بخير.
جلسوا بجانبها كثيراً وهي نائمة وهم فقط ينظرون إليها باهتمام شديد.
فتحت أوليان عيناها متأوهة بخفوت فانتبه لها الجميع أولهم هو. ابتسم بلهفة وانحنى قليلاً ليتفحصها ويطمئن عليها. فتحت عيناها بشكل كامل وجدته هو أمامها كما تجده دائماً. تجمعت الدموع في مقلتيها سريعاً شعرت بالرعب أثناء سقوطها من فوق الدرج العالي، لأول مرة تخاف بعدما رأته وتزوجته.
هبطت دموعها سريعاً وشهقت بألم شديد. حمل رأسها يضمها إلى صدره بحنو ويده اليمنى ملتفة حول ظهرها يهمس لها بكلمات مهدئة بنبرة حنونة للغاية:
- بس يا أوليان، معلش عدت على خير الحمد لله.
تشبثت بملابسه بقوة وانخرطت في وصلة بكاء عنيفة بسبب ألمها ولحظات الخوف التي مرت بها وهو فقط يهدهدها كطفلة صغيرة. وصفاء ونجلاء يهدئونها بكلمات بسيطة والاثنين يدعون لهم بصدق.
أصر عبيدة على التواجد مع أوليان وانصرفت نجلاء وصفاء على مضض.
أغلق عبيدة باب الغرفة بإحكام واتجه إلى أوليان مرة أخرى وعلى وجهه ابتسامة خفيفة. جلس بموازاتها وقال:
- أخليكي تقعدي شوية بدل النومة دي.
أومأت إيجاباً، هي حقاً تعبت وملت من نومتها على ظهرها لعدة الساعات المنصرمة. ساعدها عبيدة على الجلوس واضعاً الوسادة خلف ظهرها لتريحها وقال:
- كده مرتاحة..؟
أومأت بخفوت تشعر بألم رهيب في رأسها وعينيها فأغمضت بتعب. تنهد بحزن على وجعها وسأل الطبيب وأخبره إن شعورها بالألم من آثار الوقعة فلم تكن هينة على الإطلاق.
رفع كفه على خصلاتها يمشطها برفق وحنو حتى يليه ولو قليلاً وقال:
- احكيلي بقى وقعتي إزاي، ماسكة التليفون اللي لحس عقلك ومخدتيش بالك مش كده؟!
قال جملته الأخيرة بعتاب ففتحت عيناها وقالت بصوت مبحوح مختنق:
- أنا موقعتش...!!
عقد حاجبيه مستغرباً وقال:
- موقعتيش إزاي، أمال إيه اللي حصل..؟
هبطت دموعها وقالت بنبرة متألمة حزينة للغاية:
- في حد زقني، وقعني...!!
فتح عيناه على آخرهما مزهولاً وانتفض واقعاً ينظر إليها في ذهول وقال بنبرة حادة للغاية:
- احكيلي اللي حصل بسرعة..!!
انقبض قلبها لوهلة من صراخه وقصت له ما حدث بإيجاز قائلة:
- أنا فعلاً كنت ماسكة الموبايل بتفرج على فيديو ولسه هنزل السلم عادي، حد زقني جامد فوقعت.
تنفس بغضب، أنفاس حارقة ملتهبة وقد خمن بل تأكد من وراء تلك الوقعة. التفت ليغادر بغضب شديد فأوقفته قائلة بلهفة:
- انت رايح فين...؟!
صرخ بحده في وجهها قائلاً:
- رايح أطلع عينها وأجرجرها من شعرها وأعرفها قيمتها..!!
هبطت دموعها وقالت برجاء:
- متسبنيش هنا لوحدي..!!
وقف ينظر إليها بأعين حمراء ملتهبة وصدره يعلو ويهبط بغضب شديد. حاول تهدئة نفسه حتى لا تفزع من حدته وغضبه، هي لم يكن لها ذنب لتراه في تلك الحالة.
اتجه إليها وهو يجز على أسنانه بتوعد سيذيقها الويلات چني. جلس بمحازتها زافراً بضيق شديد وجذب رأسها هامساً:
- حقك عليا أنا بس، قسماً بالله ما هسيب حقك وهعلمهالك الأدب يا أوليان.
رفعت أنظارها تنظر إلى عينيه الصادقة في قولها وابتسمت بخفوت، وأغلقت عيناها تريد الراحة. أزال الوسادة من خلف ظهرها وجعلها تتمدد على ظهرها بهدوء مراعياً قدمها المكسورة وتمدد بجانبها. فتحت عيناها وقالت بخجل وهي تحاول الابتعاد عنه:
- انت بتعمل إيه، قوم..!!
ضحك بمكر وأحاط خصرها بذراعه وقال وهو مغمض العينين:
- اتمسي يا أوليان ونامي، مهياش أول مرة يا أختي..!!
فتحت عيناها على أوسعها وقالت بخضة:
- نعم يا أخويا، بتقول إيه..؟!
فتح عيناه ونظر إليها وإلى ملامحها وانفجر ضاحكاً من هيئتها، عيناها المتسعة، شفتيها المنفرجة وحمرة وجهها اللذيذة. وأومأ قائلاً:
- أيوه مش أول مرة يا غزالة، كنت بنام جنبك وأنتي نايمة بس أنتِ نومك تقيل حبتين بتنامي ومبتحسيش بنفسك.
ازدادت حمرة وجنتيها أكثر وأغمضت عيناها فابتسم وقال بتنهيدة حارة:
- اتعودي يا غزالة عشان هنام كده طول.
همست قائلة بخجل:
- انت بقيت قليل الأدب من امتى...؟!
ضحك بصوت أعلى وقال بخبث:
- لا أنا كده لسه مؤدب، نامي يا حبيبتي نامي..!!
دق قلبها بعنف لازل مرة ينطقها. تعلم إنه يحبها ولكن نطقها له مذاق خاص على قلبها. فرفعت عيناها بتلقائية تنظر إليه فابتسم قائلاً بهمس:
- بحبك يا أوليان، والله بحبك..!!
دفنت وجهها بعنقه بخجل ولكنها ابتسمت ابتسامة واسعة شعر هو بها فابتسم بسعادة كبيرة.
دق قلبها بعنف أخبرها إنه يحبها. كم تريد إخباره بأنها تحبه هي الأخرى ولكنها لن تعبر عنها فقط بكلمة. فهو أخبرها بحبه بعدة طرق، أولها اهتمامه بها وحنانه عليها وخوفه من أي شيء سيء يمسها.
حركت رأسها بين تجويف عنقه وابتسمت بصوت جعله يبتسم ويحرك رأسه ليراها. نظر إلى عيناها اللامعة وقال بابتسامة واسعة:
- في واحدة رجلها مكسورة ودماغها فيها 5 غرز وتضحك...!!
أغمضت عيناها وابتسمت باتساع وقلبها يدق بقوة. بينما هو يتابعها بحب ودون تصديق يتمنى أن يكون ما فيه الآن حقيقة. قبل رأسها عدة مرات وقال بهمس:
- ربنا يقدرني وأقدر أسعدك.
فتحت عيناها وقالت بنبرة ممتنة:
- انت على طول بتسعدني، ربنا يخليك ليا.
أقسم إن الغرفة تضيق عليه الآن. لا يسمع ولا يرى شيئاً غيرها. كلمة صغيرة جعلت قلبه يطرب بسعادة وعيناه تلمع بعشقها الأبدي. فتنهد تنهيدة طويلة ووضع كفه الأيمن يحركه على وجنتها اليمنى بحنو وهمس:
- مش قادر أقولك على اللي حاسس دلوقتي، حاسس إني امتلكت العالم. إن العالم كله صغير أوي وبين إيديا.
ترقرق الدموع داخل خضراوتيها متأثرة بما يقول ونسيت تعبها ألمها وكل شيء. وقالت:
- نفس إحساسي دلوقتي. عارف طول ما انت جنبي أنا مبقاش خايفة يا عبيدة. بحس بأمان مش طبيعي. بحسك زي السد اللي واقف قدام أي حاجة بتحاول حتى تأذيني.
ابتسم بسعادة وقلبه يرقص بفرحة عارمة. كل كلمة تقولها تُنعش قلبه داخل أضلعه. تنهد وقال مبتسماً:
- انتي لازم تخفي بسرعة عشان نعمل فرحنا. موافقة تتجوزيني بجد قدام الناس كلها.
ابتسمت وقالت بنبرة هامسة خجلة:
- موافقة.
انحنى يقبل ما بين عينيها وذراعيه يحتضنان جسدها بحماية وقال هامساً بعدما أغمض عينيه:
- نامي يا أوليان. عاوز أنام ودماغي بترن بآخر كلمة قولتيها.
ابتسم بمكر قائلة بعبث:
- في كلمة تانية أحلى..!!
فتح عيناه سريعاً بلهفة وقال:
- أيه هي...؟
ردت بنبرة عابثة:
- تدفع كام..؟
رد سريعاً بلهفة:
- عمري كله...!!
كادت أن تنكشه لكنها ابتسمت بسعادة وقالت بصدق بأعين لامعة:
- بحبك.
فتح عيناه وأغمضها عدة مرات متتالية غير مصدقاً ما قالته. فهمس مبتسماً ببلاهة:
- انتي قولتيها ولا بيتهيألي..؟
ابتسمت وقالت وهي تنظر لملامحه بحب:
- قولتها وهفضل أقولها طول ما أنا عايشة...!
تنهد براحة وقال بارتياح:
- عارفة أنا بحبك من امتى..؟
قاطعته بقولها:
- عارفة..!!
نظر إليها سريعاً وقال:
- انتي شوفتي المذكرات...؟
أومأت وقالت بتأكيد:
- أيوه..!!
دق قلبه لوهلة وقال:
- حسيتي بمشاعر من ناحيتي بس عشان قرأتي المذكرات..؟
ابتسمت وقالت بصدق شعر به فجعلت الابتسامة ترتسم باتساع على شفتيه:
- لا مش عشان كدا، من قبلها. المذكرات دي اللي عرفتني إنك بتبادلني نفس الشعور مش بتعاملني حلو شفقة.
انحسرت ابتسامته وقال بضيق:
- نفسي عرق الغباء اللي بيطلع منك فجأة دا يعطل يا أوليان.
ضحكت بصوت عالٍ ثم تنهدت بتعب وقالت:
- حاسة إني تعبت، دماغي صداعت، ينفع آخد مسكن تاني..؟
ابتسم وقال:
- للأسف مينفعش، غمضي عنيكي وهطفيلك النور، هتبقي كويسة.
أومأت وأغمضت عيناها فقام بإغلاق الإضاءة وتمدد بجانبها حتى شعر بانتظام أنفاسها فنام هو الآخر وابتسامة واسعة تحتل شفتيه.
بعد مرور ثلاثة أيام.
جلس عبيدة بضيق شديد على الفراش ينظر إلى أوليان بغضب جامح وصدره يعلو ويهبط بغضب شديد. منذ وصولهم من المشفى للقصر وهو يريد إفراغ شحنة غضبه على چني التي تتصرف ببرود تام كأنها لم تفعل أي شيء. وتلك المحتالة الصغيرة توقفه عن ما يريد. لا يعرف لما فقد صبره، فقال بحده:
- أنا بجد مش فاهم دماغك، مش عاوزاني أنزل أكسر دماغها بتمنعيني ليه يا أوليان..؟
قالها بحده عالية جعلتها تنكمش للحظات لكنها ابتسمت وقالت بهدوء:
- عشان عاوزه أنا اللي آخد حقي منها، مش كل ما تحصل حاجة أنت اللي تاخد حقي. عاوزه أحس بنفسي وبشخصيتي. عبيدة كتير عليا...!!
نظر إليها بغضب كبير، دائماً ما تستدرجه بتلك الطريقة. فجز على أسنانه وقال بحنق:
- لا مش كتير يا متدلع هانم، بس فهميني هتعملي إيه. أوليان أنا حاسس بنار بتحرق فيا وهي قدامي وأنا عارف إنها السبب في اللي حصلك...!!
مدت ذراعها فتنهد وجلس بجانبها فقالت بحب:
- والله حاسة، بس أنا عاوزه أنا اللي أجيب حقي وأمسكها من شعرها على اللي عملته معايا. أدفعها حق اللحظات اللي حسيت فيها بالرعب يا عبيدة.
هبطت دموعها في ثوانٍ جعلته يتنهد بألم شديد ويحتضنها بقوة بين ذراعيه وهمس:
- حاضر يا أوليان، هعملك كل اللي انتي عاوزاه بس متعيطيش بسبب الحيوانة دي عشان دمي بيفور أكتر.
رفعت وجهها وأزالت دموعها بكفيها وابتسمت بخفة فضحك وقال بمزاح:
- إلا قوليلي، هو كل قرار هرجع فيه بسببك؟ كلمة منك بتسحرني يا غزالة.
ضحكت بخفوت ورفعت ذراعيها قائلة وهي ترمش بعينيها عدة مرات:
- طب شيلني، نزلني تحت يلا.
ضحك بقوة وارتمي بظهره على الفراش غير مصدقاً ما تفعله. شاركته هي في الضحك، فقال بمزاح:
- ظهري بقى عاوز ظبط زوايا يا بنتي، ارحمي أمي..!
لوت شفتيها بشخريه قائلة بنبرة متهكمة:
- أمّال عضلات إيه دي، نفخ..؟!
ارتفع حاجبيه بدهشة وقام مقترباً منها بشدة وهمس بتوعد بجانب أذنها اليسرى:
- ممكن أديكي بوكس دلوقتي يعرفك نفخ ولا طبيعي..!!
وضعت يدها على وجهها بشكل تلقائي وقالت بلهفة:
- لا طبيعي طبيعي، شيلني بقى.
رفعها بسهولة شديدة بين ذراعيه وقال بنبرة خشنة:
- ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا.
ضحكت فابتسم وهبط بها إلى الأسفل حيث يجلس الجميع. نظرت إليهم چني بحقد شديد فما فعلته عن قصد بها جعلتها تتدلل عليه بطريقة أثارت حنقها.
جلست أوليان بابتسامة بعدما اطمأن عليها الجميع بحرارة عدا أشجان التي تحدثت ببرود، وچني التي لم تتحدث.
همست أوليان بجانب أذن عبيدة:
- عاوزه أروح المطبخ.
عقد ما بين حاجبيه وقال بدهشة:
- ليه؟ لو جعانة أقوم أجيبلك اللي عاوزاه.
نفت برأسها وقالت بهمس:
- لا، عاوزه أروح. ساعدني.
رغم عدم فهمه ما يدور في رأسها لكنه قام وساعدها على الوقوف. جاء ليحملها فقالت بضحك:
- المطبخ قريب، ساعدني وهمشي واحدة واحدة.
ضحك بخفوت وحاوط جسدها بذراعه حتى وصلا إلى المطبخ. خرج من بها فقالت بابتسامة:
- تعالي نعملهم قهوة.
رفع حاجبيه بصدمة وقال بحده:
- نعم يختي؟ انتي قايمة وانتي تعبانة عشان تعملي قهوة؟ انتي اتجننتي..!
ضحكت بعدم تصديق، يغضب سريعاً ويهدأ في ثوانٍ. فقالت:
- بسلي نفسي يا عبيدة، بطل شخط ونطر بقى، تعبتني..!!
نظر إليها شزراً وتوجهه وجلب الأشياء وضعها أمامها وقال بمضض:
- اتفضلي أما أشوف أخرتها معاكي.
ابتسمت بخبث وبدأت في إحضار القهوة. جعلته يحمل الصينية وقالت بخبث:
- شيلها انت بس، أنا اللي هقدم.
نظر إليها يريد أن يعرف ما تخطط له ولكنه لم يفلح. قرر أن يجعلها تفعل ما تريد فخرج بالصينية وهي خلفه بخطوات بطيئة للغاية حتى وقفت وقالت بابتسامة:
- عملتلكم قهوة إنما إيه جنان...!!
أخذت الكاسات من على الصينية التي يحملها عبيدة وقدمتها هي ببطء شديد وهو يريد الانفجار في وجهها غضباً فما تفعله يضر قدميها المجبرة منذ ثلاثة أيام فقط. جز على أسنانه بغيظ ولكنه لمح نظرة ماكرة في عينيها خصوصاً وهي تأخذ فنجال القهوة الخاص بـ چني تتحرك اتجاها ببطء وعلى وجهها ابتسامة واسعة.
لحظة واحدة وصرخت چني عندما سقط فنجال القهوة الساخن على قدميها وانتفضت تصرخ بألم وانتفضت أشجان وصفاء معها.
صرخت چني بغضب وألم شديد:
- انتي عمياء مبتبصيش!
ابتسمت أوليان وقالت ببراءة شديدة:
- سوري، مكنش قصدي.
صعدت چني إلى الأعلى ومعها أشجان الغاضبة. فقالت أوليان بضحك وصوت عالٍ مقلدة النجمة المصرية الشهيرة عبلة كامل:
- حطّلها مرهم مكان الحرق يا هاني...!!
وضع عبيدة الصينية على المنضدة وانفجر ضاحكاً. شاركته غالية الضحك بضحكات صاخبة. وأخيراً فهم مغزى ما فعلته. لم تكن أوليان سهلة كما يتوقعها البعض.
هدأت نوبة ضحك أوليان وقالت لصفاء بابتسامة هادئة:
- أنا آسفة لو حضرتك زعلتي، بس چني هي اللي زقتني من على السلم وحصل اللي حصل، فحبيت أردلها شوية من اللي شوفته.
ظنت إنها ستثور عليها لأجل ابنة أختها إلا إنها قالت بغضب شديد:
- لا چني دي زودتها أوي، أنا معادش هآمن ليها هنا تاني مع عيالي..!
ابتسمت أوليان بحب كبير. فضحك عبيدة على مكر صغيرته وقال:
- قصير بس مكير، طلعتي مكارة ودماغك بلوة مسيحة.
ضحكت أوليان وشاركها الجميع وقد هدأ قلبها قليلاً بعد ما فعلته. فهي أقسمت إنها لن تصمت لأحد يجرحها أو يقلل منها.
بعد مرور أسبوع.
غادرت أشجان وچني قصر نصار. خروج عقبه زفرة ارتياح من الجميع بخروج چني خصيصاً من المنزل.
استعادت أوليان صحتها بشكل ملحوظ كما اقتربت المسافات بينها وبين عبيدة. حياة يغلبها الكثير من المرح والدلع من جهة أوليان.
مرت اختبارات غالية بسلام مما جعل توترها يهدأ كثيراً.
فريد أصبح غامضاً للجميع خصوصاً مازن وعبيدة الذي يكتم غضبه منه بإعجوبة ولا يريد تصديق ما يشعر به تجاهه.
في المساء وضع عبيدة أوليان في السيارة ليذهب بها إلى المشفى لكي يزيلوا جبيرة قدمها بعد الاطمئنان عليها. جلس على مقعد السائق وتحرك. زفرت أوليان وقالت:
- إيه العربية الصامتة دي؟ شغلنا حاجة تفرفشنا كدا.
ضحك عبيدة وشغل المسجل على إحدى الأغنيات الرومانسية فزمّت أوليان شفتيها وقالت:
- عاوزه أسمع مهرجانات، بقولك عاوزه أفرفش.
نظر إليها شزراً وقال بتهكم:
- مهرجانات..؟ مبسمعهاش يا أختي، معنديش مهرجانات.
ردت بثقة:
- بسيطة.
أخرجت هاتفها وجعلته يصله بالسيارة وقامت بتشغيل أحد المهرجانات العالية وقامت بالترديد وهي تحرك يدها يميناً ويساراً وتحرك رأسها في كل الاتجاهات.
بينما هو ينظر إليها ويضحك بقوة وهي تردد وتستمتع بالوقت حتى توقفت السيارة أمام المشفى.
أطفأ المسجل وهبط متجهاً إلى الباب الخاص بها فتحه وحملها بين ذراعيه فأغلقت هي الباب بقوة جعلته يصرخ بحدة:
- بالراحة يا أختي، مش باب شقة هو..!
ضحكت بمرح كأنها لم تفعل شيئاً فحرك رأسه بيأس على أفعالها وطفوليتها الشديدة لكنه مبتسماً بحب.
بعد مرور يومان في الصعيد تحديداً.
وقفت إحدى السيارات أمام الدار الكبيرة وهبط منها شاب وفتاة. طرق الشاب الباب وقال بلهجة قوية:
- دا بيت الحاج ناجي منصور..؟
رد عليه الطرف الآخر وقال بلهجة خشنة وهو ممسك بعصاه المعدنية يستند عليها:
- أيوه هو وأنا يوسف ولد ولده، خير....؟
رواية غزالة عبيدة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطمه عماره
خرج بها من المشفى حاملاً إياها بين ذراعيه مرة أخرى.
وضعها في السيارة بهدوء واتجه إلى مقعده وجلس متنهدًا بتعب على ضيقها وحزنها فقال بنبرة هادئة-
- أوليان أنا قبل ما أطلع من البيت قولتلك لسه بدري على إنك تشيلي الجبس، يا حبيبتي إنتي رجليكي مكسورة بلاش إهمال وعند في حاجة تضرك.
مررت كفها على وجهها بضيق شديد وقالت-
- بس أنا حاسة إني كويسة يا عبيدة رجليّا مش وجعاني، الجبس دا مضايقني حاسة بخنقة مش طبيعية.
تنهد وجذب رأسها يحتضنها بهدوء وقال بنبرة هادئة-
- إنتي متضايقة منه عشان حاكم حركتك بس يا حبيبتي استحملي عشانك إنتي قبل أي حاجة، إنتي سمعتي الدكتور قال غلط فكه دلوقتي.
وأومأت بصمت وتنهدت تنهيدة مطولة مختنقة أما هو قبل رأسها بحنو وحرك السيارة متجهًا نحو القصر.
وضعها في الفراش بهدوء وقال-
- محتاجة حاجة يا حبيبتي..؟!
نفت بابتسامة بسيطة وقالت بضحكات خفيفة-
- غالية توتر الامتحانات خلص بس توتر النتيجة اشتغل هيحصلها حاجة.
تنهد وهو يفك أول زر من قميصه وقال-
- غالية من زمان وهي كده و100 مرة أقولها وأحاول أهديها بس هي اللي في دماغها في دماغهاش.
أشاكستها وقالت-
- دماغها ناشفة حجر زي أخوه.
ضحك بصوت عالي واتجه للمرحاض يبدل ثيابه، خرج بعد دقائق قليلة متجهًا إليها جلس بجانبها وقال بحزن مصطنع-
- أنا دماغي ناشفة يا أوليان أنا غلبان خالص والله..!
ضحكت بقوة وهي ترى ملامحه التي تتحول لملامح مسالمة بريئة وقالت-
- إنت مفيش أطيب منك بس دماغك ناشفة وحمقي.
ضرب رأسها بخفة فضحكت بخفوت، تثاءب وقال-
- تعالي ننام عندي شغل كتير أوي بكرة.
تمددت بجانبه فاحتضنها بهدوء وأغمض الاثنان عينيهم وبعد دقائق ذهبا في ثبات عميق.
بعد مرور يومين في الصعيد تحديدًا وقفت إحدى السيارات أمام الدار الكبيرة وهبط منها شاب وفتاة.
طرق الشاب الباب وقال بلهجة قوية-
- دا بيت الحاج ناجي منصور..!!
رد عليه الطرف الآخر وقال بلهجة خشنة وهو ممسك بعصا معدنية يستند عليها-
- أيوه هو وأنا يوسف ولد ولده خير..!!
أزال فريد النظارة السوداء التي تغطي عيناه الغامضة ومسك كف جني التي تبتسم ابتسامة بها غل كبير بينما يقف يوسف أمامهم يتفحصهم بعدم فهم حتى قال فريد-
- إحنا ضيوف وعايزين الحاج ناجي منصور في موضوع مهم.
أفسح لهم يوسف الطريق فدخل الاثنان بخطوات منتظمة ثابتة وأعينهم تلتف في كل الأركان.
أشار يوسف إلى غرفة ما كبيرة وقال بلهجته الصعيدية-
- يا مرحب بضيوفنا، اتفضلوا إنه وهبلغ جدي..!
أومأ فريد إيجابًا ودخل هو وجني جلسوا على الأرائك ذات الطابع القديم فسألته جني بنبرة متحمسة للإيذاء الغير-
- إنت متأكد إن ناجي دا هيقدر يبهدل حياتهم..؟!
ابتسم فريد ابتسامة ماكرة حاقدة وقال-
- اللي عرفته خلاني متأكد إنه هو اللي هيعمل كل حاجة واحنا هنبقى بعيد إنتي تاخدي عبيدة تعملي فيه اللي يعجبك وأوليان تبقى ليا أنا..!!
لو اتشفتيها بسخرية شديدة عبيدة يعشق أوليان تلك الصغيرة ذات العيون القوية الحادة والذي بجانبها يخطط لإيذاء صاحبه حتى ينال تلك الفتاة ما بها يزيد عنها هي، جني التي يتهامس عنها الجميع، من خطبها منذ أشهر قليلة تركها حتى يتزوج من أخرى حتى وإن لم تكن تحبه ولكنه جرح كرامتها كما تعتقد.
فسألته بنبرة متهكمة-
- إشمعنا أوليان اللي إنت وصاحبك هتموتوا عليها.
التمعت عيون فريد بالحقد وقال بنبرة بها كره شديد-
- أوليان دي أنا شفتها لأول مرة في عزا أبوها، كانت صغيرة أه بس عود البت عليها جسم ميقولش إنها 15 سنة إبدًا، اتهوست بيها وقلت هستنى كام سنة لغاية ما تكبر وكتمت على الخبر دا ومقولتش لحد أي حاجة.
طول الفترة اللي فاتت بعرف بنات وبسافر وآجي بس هي لسه في دماغي شكل جسمها مش مفارقني، يجي عبيدة ابن نصار ياخد كل دا بمنتهى السهولة زي ما كل حاجة خدها بسهولة.
لو اتشفتيها وكل حديثه لم يعجبها إطلاقًا فزفرت بغضب شديد وقالت-
- إشمعنا مازن اللي متهوسش زيك.
وضحك فريد بقوة على غباء صديقه وسذاجته الشديدة وقال-
- الغبي دا بيموت في غالية أخت عبيدة، بيعشقها عشق كده بس الهانم العبيطة بتحبني أنا تتمنى نظرة واحدة مني!!
لمعت عيون جني وابتسامة واسعة رسمت على شفتيها وشردت تفكر في شيء ما، ضحكت بخبث عندما تخيلت ما تريد فعله وقتها ستكون ضربت عصفورين بحجر واحد كما يقولون.
وبعد دقائق قليلة ودخل عليهم رجل في السبعينات من عمره يتضح على وجهه الجمود والقسوة عيناه حادة منطفئة من بريق الحب والحنان يلبس جلباب ثقيل من اللون الأسود تعلوه عباءة بنية اللون ما زال يحتفظ بعمامته البيضاء ويمسك في يديه عصا خشبية كبيرة.
وقف فريد بابتسامة واسعة وعيناه تدرس ما أمامه بتفحص كبير، شعر من طلته تلك إن كل ما يريده سيحدث عن طريقه هو.
شركة "نصار"
جلس عبيدة على المقعد بإهمال عيناه مفتوحة بصدمة كبيرة، وقع الهاتف من كفه دون أن يشعر به، دقات قلبه علت بشكل ملحوظ فقد علم للتو إن فريد وجني وصلوا لمنزل ناجي منصور، لم يعتقد إن جني وفريد بتلك الدناءة والقذارة.
شعور مؤلم لم يتحمله أبدًا يعلم إن جني شخصية مغرورة حاقد تريد إن تفعل الكثير حتى تثبت لنفسها شيء هلامي لا أساس له من الصحة.
أما صديقه يتحالف مع جني ضده لماذا؟!
تلك المرة تأكد من شكوكه.... أيعقل إنه رأى أوليان وأعجب بها؟!
تلك المرة انتفض بغضب ونيران الغيرة تأكل أحشاءه بقسوة.
تنفس بقوة عدة أنفاس متتالية رافضًا تلك الفكرة التي أتت برأسه، يفكر في أي شيء آخر.
زفر ببركان يأكل جسده بنهم غير قادر على التفكير، جسده يشتعل وعقله قد شُل تمامًا.
ما الذي جمع بين جني وفريد وليه ذهبوا للصعيد لأهل أوليان إلا وإذا كانوا يتمنون شرًا...!!
تفاقم غضبه وتفاقمت نيران الغيرة داخل أضلاعه، قام يهاتف أحدهم يبلغه أوامره الصارمة الغاضبة بنبرة خشنة غاضبة.
وجد نفسه يحمل أغراضه وينصرف مسرعًا دون التفوه بكلمة، أول شيء فعله اتجه لأحد شركات الحراسة وقام بتزويد الحراسة على القصر لثلاث أضعاف الحراسة الموجودة في الوقت الحالي.
كما صمم على تزويد عدد الكاميرات بحيث يوجد كاميرا في كل شبر صغير وكبير داخل القصر.
يشعر بنيران حارقة تأكل خلاياه، غموض فريد واختفائه نبرة حديثه ونظرات عينيه لم يرتاح لهما أبدًا.
كان يكذب نفسه مرارًا وتكرارًا لا يريد تصديق ما يأتي في باله ولكن اليوم قد تأكد.
تجمع عناصر الحقد والشر ولكن لن يستطيعوا فعل شيء معه سيذيقهم الويلات.
سيجعلهم يندمون على ما فعلوا وما فكروا به ولن يسامحهم ولن يغفر لهم...!!
أوليان دق قلبه بخوف شديد عليها، لن يسمح لأحد بإيذائها سيفديها بروحه ولن يطولها أحد.
يشعر بالخوف والغيرة والغضب، رفع كفه يحركها على خصلاته بعنف وباليد الأخرى يقود بها السيارة بعدم تركيز.
كل دقيقة يتصل بأحد يسأله عن الجديد ولكن لا يوجد شيء جديد لم ينصرفوا من البيت حتى الآن.
زفر بغضب وحرقة حتى وصل للقصر، هبط من السيارة وأشار لحراس البوابة فأتوا مسرعين فقال بلهجة قوية للغاية لأول مرة يسمعوها منه-
- في حراس زيادة في الطريق جايين هنا، مش عايز شبر واحد في القصر مش متأمن، عنيكوا الأيام الجاية متغفلوش، خليكوا ورديات في ناس هتيجي تركب كاميرات مش عايز دبانة حتى تحوم حول القصر غير لما أعرف مكانها فاهمين؟
أومأوا بتأكيد رغم عدم فهمهم لأي شيء، التفت عبيدة وانصرف متجهًا نحو الداخل وعقله سينفجر، فتح هاتفه وأرسل لمازن رسالة صوتية على الواتساب يبلغه بها ما حدث بالتفصيل ليكون على دراية بما يحدث.
أنهى المكالمة ودخل القصر بملامح واجمة لا يريد التحدث أو سماع أي شيء نهائيًا، دخل ووجد الجميع يجلسون بهدوء كعادتهم أمام التلفاز يتحدثون في أمور شتى.
ألقى عليهم التحية باستعجال وكاد أن يصعد الدرج فنادته والدته بلهفة أغمض عينيه بضيق وزفر ولكنه حاول الهدوء واتجه قائلًا-
- نعم يا أمي..!!
ابتسمت صفاء وقالت بفرحة شديدة-
- كنا بنتفرج على القاعات وعجبتنا حاجات كتير أوي تعالى شوف إنت كنا عايزين نفرح بقى دلوقتي.
نظر لأوليان التي ابتسمت فور أن رأته رأى في عينيها حماس وفرحة كبيرة لما تقوله والدته ابتلع غصة مريرة مسمّنة داخل حلقه وقال بصوت مختنق-
- معلش يا أمي خلينا نأجل الفرح الفترة دي في مشاكل كتير في الشغل هخلصها ونفكر في كل اللي عايزينه.
قال جملته وانصرف سريعًا لا يريد إبلاغ أحد بما حدث سيتلبس القلق أجسادهم وقلوبهم خاصة هي جاهد حتى تكون هادئة مبتسمة جاهد حتى تلاشى الخوف والذعر من عينيها وقلبها لا يريدها خائفة مرتعبة مثل السابق فقرر الانصراف سريعًا.
أخذ ملابس بيته ودخل الحمام ليستحم وضع جسده تحت الماء البارد لدقائق طويلة لا يريد الخروج من الحمام حتى لا يقابل عينيها القلقة يعلم إنها قلقانة عليه الآن لكنه لا يريد أن يخبرها أي شيء.
تنهد بغضب وهو يرتدي ثيابه ليخرج من الغرفة وكما خمن وجدها تجلس على الفراش شاردة حتى انتبهت إليه فتحركت بخطوات بطيئة حتى وصلت إليه تسأله بلهفة-
- مالك يا عبيدة إنت كويس...!!
جاهد ليبتسم ولكن ابتسامته جاءت باهتة ذابلة وأومأ إيجابًا ليطمئنها وقال-
- أنا كويس يا حبيبتي بس في مشاكل كتير في الشغل ملعبكة الدنيا مش عايزك تزعلي عشان الفرح.
قاطعته على الفور وهي تضع يديها على شفتيه وعينيها تراقب ملامحه بقلق شديد تشعر إنه يخفي عليها شيء ما عبيدة فيه شيء عيناه قلقتان خائفتان تشعر به بكامل كيانها فقالت سريعًا-
- أنا عمري ما أزعل أبدًا، أنا قلقانة عليك حسّي إنك مخبي عليّا حاجة، متقلقنيش أرجوك.
التمعت عيناها بدموع الخوف وهي تراقبه بتفحص لم يجد حلًا سوى احتضانها ليطمئنها ويطمئن نفسه إنها بين ذراعيه مأمونة بقلبه قبل أي شيء، احتضنها بقوة وهمس-
- صدقيني مفيش حاجة، بس الشغل متكوم على دماغي الفترة دي.
ابتعدت عنه لن تضغط عليه لكن قلبها يشعر بإن هناك شيء يخبئه عنها فأومأت بصمت دون أن تنطق بحرف واحد حتى قبل رأسها مطولًا بحب وقال وهو يتجه للفراش-
- هنام شوية يا غزالة وهصحى نسهر سوا انزلي إنتي عشان ميقلقوش.
أومأت تاني بصمت وانصرفت بخطوات بطيئة حتى خرجت من الغرفة، أغلقت الباب خلفها بإحكام أما هو ففتح عينيه مرة أخرى لن يستطيع النوم إطلاقًا وعقله يعمل كالماكينة الدائرة تعمل بلا توقف.
اعتدل حيث يجلس ممدًّا لساقيه وظهره يستند على الفراش وضعًا ذراعه اليمنى خلف رأسه انتبه لوصول إشعارات على هاتفه أخذه سريعًا وجد رسالة صوتية من مازن سمعها وجد الآخر يصرخ ويسب ويلعن فريد وجني وعائلة أوليان.
أكمل رسالته قائلًا-
- مكنتش أعرف إن فريد وسخ للدرجة دي مش مصدق اللي عمله دا مش مستوعب، هنعمل إيه يا عبيدة.
وضع عبيدة إصبعه على زر تسجيل الرسالة وقال بنبرة هادئة باردة للغاية-
- مش إحنا اللي يتلعب علينا يا مازن خليك هادي وبارد أكأنك لا فاهم ولا عارف حاجة عشان وقتها هخليهم يلعنوا الساعة اللي جمعوا فيها الدنيا.
أنهى رسالته وأغمض عينيه بغضب جحيمي يتمنى أن يكون هذا كابوسًا يتمنى أن لا ينخدع في صديقه وابن خالته يعلم إنها حاقدة ولكن يصل بها إن تتآمر عليه وعلى زوجته..!! إنها بالفعل مريضة..!!
يعلم إن أوليان قلقانة حزينة عليه كاد أن يهبط من على الفراش لينزل إليهم يطمئنهم على حاله وجد الباب يُفتح وأوليان تنحني بجسدها لتحمل الصينية مرة أخرى،
اتجه إليها بخطوات راكضة قائلاً بحدة-
مش هتبطلي اللي بتعمليه دا يا هانم رجلك مكسورة افضلي كده اتنططي وبرده مش هتفكيه قبل ما يخلص الميعاد.
أخذ منها الصينية يضعها على المائدة ناظراً إليها بضيق شديد وعيون غاضبة حادة صارخاً فيها-
بطلي إهمالك دا يا أوليان متعصبنيش عليكي ..!!
عضت شفتيها من الداخل بقوة ونظرت إلى الأسفل ولم ترد.
تنهدت بضيق شديد ومازالت واقفة بينما هو ينظر إليها مُتنهداً ويائساً منها ومن أفعالها تلك.
حملها اتجه بها حيث الفراش وقال بنبرة حاول بث الهدوء بها-
أوليان كام مرة حذرتك من المشي عليها بتمشي خفيف وقلنا ماشي لو إنه غلط لكن متفضليش طالعة نازلة لا وكمان شايلة صينية بين إيديكي.
أومأت بهدوء ورفعت رأسها تنظر إليه بتفحص وقالت بلا مبالاة لما قاله منذ قليل:
مالك يا عبيدة..؟!
ابتسم بسعادة ولكنه لن يخبرها بشيء:
أنتي مصممة إن في حاجة لو إني بقولك ضغط شغل وكله.
وقام وحمل الصينية وتوجه بها ناحيتها واضعاً إياها في منتصف الفراش وقال:
أنا جعان ومبعرفش أكل لوحدي هتشاركيني ولا أقوم جعان..!!
ابتسمت بخفة وبدأت تأكل بهدوء ولكنها تراقبه بتفحص قلبها غير مطمئن ولكنه يطمئن بوجوده فصمتت.
المهم أنه بجانبها كفيل أن يطمئنها يكفي أنها بين ذراعيه تتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه هو.
بينما هو يحاول أن يضحك ويمزح حتى يُلهيها عن التفكير المسيطر على عقلها والقلق الذي حاوط قلبها يأكلها بضراوة.
في الصعيد
كان الجميع يجلس على مائدة كبيرة وضع عليها أنواع عديدة من الطعام والابتسامة تشق وجه الجميع فقد أوهمهم فريد أن جني كانت خطيبة عبيدة الذي طردها من حياته وعاملها بقسوة وعنف ليتزوج أوليان.
أما هو فقد كان السبب في نجاح عبيدة الكبير وقد طرده عبيدة من العمل دون سبب وعندما علم ما حدث من صديقه المقرب قرر أن يتشارك معهم لينتقما سوياً من عبيدة.
تحالف الجميع وكلاً منهم يفكر في أمر ما جني التي تفكر كيف أن ترد الإهانة لعبيدة أضعافاً وأوليان وجني وكلاهم بطريقة مختلفة.
فريد الذي يفكر في أوليان التي هوسه بجسدها وهذا ما يفكر به دائماً وكيف يأخذها لتصبح له هو فقط.
بينما يوسف يفكر كيف أن يكسر أوليان تلك الصغيرة التي جعلت الصعيد كله يضحك عليه بسببها وسبب ذلك الرجل الذي تزوجها.
بينما ناجي لا يريد شيء سوى أخذ ثأر حفيده الذي ما زال يعاني من ضرب عبيدة المبرح له كما أنه لم ينسي ما حدث عندما جعل عبيدة رجاله يضعون يوسف بطريقة مضحكة على حماره ويزفونه في البلدة.
ابتسم فريد ابتسامة واسعة وقال:
الآكل دا عيش وملح يا حاج ناجي، إيدينا في إيدين بعض وكل واحد هياخد حقه صح، بس عاوزين نهدي عشان ميتوقعوش ضربتنا اتفقنا.
أومأ ناجي ويوسف الذي ابتسم ابتسامة كبيرة وهو ينظر إلى جني الشاردة في أمر هام..!!
بعد مرور ثلاثة أيام
دخل عبيدة غرفة فريد بابتسامة عادية وجده يجلس واضعاً عينيه داخل الحاسوب فقال بمزاح-
فريد بيه أخيراً انتظرنا وعبرنا وحشتنا يا راجل.
ضحك فريد بقوة وكلاً منهم يحمل للآخر مشاعر مختلطة أكثرها الغضب ولكن ما خُفي كان أعظم وقال-
معلش يا صاحبي كنت مخنوق الأيام اللي فاتت بس خلاص هديت والدنيا هتبتدي تتظبط من جديد.
أومأ عبيدة برأسه وقاد أن يلتفت برأسه ولكن أوقفه فريد متردداً بحرج زائف فقال عبيدة بهدوء-
عاوز تقول إيه يا فريد..؟!
ابتسم فريد ابتسامة واسعة متذكراً الاتفاق الذي تم بينه وبين جني أمس وقد قرر اللعب بحقارة مع صديقه فقال بحرج-
أنت عارف إننا صحاب من زمان بس كنت مكسوف أطلب منك الطلب دا يا صاحبي.
عقد عبيدة بين حاجبيه بعدم فهم حقيقي لما يدور في عقل الآخر وقال متنهداً بخنقة:
من غير مقدمات كتير يا فريد عندنا شغل كتير.
ابتسم فريد بإتساع وقال-
أنا بطلب منك إيد غالية يا صاحبي..!!
كان مازن أمام الباب كاد أن يدخل ولكنه تصلب محله بصدمة جعلت الدماء تقف داخل أوردته وقلبه يتوقف لثوان.
لم يرَ بحياته بمثل حقارة فريد ولن يرى.
وأكثر ما لا يفهمه هو ماذا يريد فريد بالضبط...!!
رواية غزالة عبيدة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطمه عماره
14=الفصل الرابع عشر....<<غزاله عُبيده>>
★روح في جسدين★
استمع عُبيده الي طلب فريد بجسد مُتشنج مُلتهب ، حافظ علي ثباته بإعجوبه هو فقط يريد ضرب فريد حتي يتكسر عظامه ويُشل جسده حتي يفرغ شحنه غضبه الثائره فيه وحده ، تصنطع الهدوء وحافظ علي أعصابه الا تنهار أمامه رغم ما به من بركان ثائر نشط علي وشك الانفجار
بينما مازن يقف خارج الباب بأعين لامعه بالغضب والغل وجسده متشنج كإنه علي وشك قتل أحد منذ فتره كان مستعد ان يقف صامتاً ويري زواجهما بسبب حب غاليه له ولكن ولكن بعد ان علم نيه فريد لن يسمح بما يُفكر به إطلاقاً انصرف بقوه متجها الي مكتب عُبيده يأخذ المكتب ذهاباً واياباً بخطوات راكضه عنيفه
مازال عُبيده واقفاً بإبتسامه سوداء فقط يراها فريد بإنها كترحيباً به وبطلبه الحقيـر ويقف امامه ينتظر لرده علي أحر من الجمر رد عُبيده المُبتسم بنبره هادئه
- طبعاً يا صاحبي مش هلاقي لـ غَاليه حد احسن منك آمنله عليها انت عارف غَاليه دي حته من قلبي بنتي قبل ما تكون اختي مبستحملش عليها الهوي عندي استعداد أكل لحم اللي يفكر يزعلها وهو حي عشان كده هبقي مطمن عليها معاك
ابتسم أكثر وقال بنبره عاديه هادئه لم يتضح منها شئ غير ان ابتسامه فريد اذدات اتساعاً ولم يشعر بشئ من كلام عُبيده الغامض او من تهديداته المتواريه ولكن صدم من تكلمله كلام عُبيده الذي قال
- بس انا مأجل خطوبه او جواز لغاليه في الوقت الحالي طبعاً ابويا الله يرحمه كان مخطط ان غَاليه تخلص الكليه وتبدأ بقي في الدراسات العليا وما شاء الله غَاليه متفوقه في دراستها وانا مش عاوز اي حاجه تعطلها عن اللي ابويا وهي بيحلموا بيه
ضغط فريد علي كفه بقوه هو لا يريد بمخططه ان يفسد فهو يريد ان يأتي موضوع خطبتهم بسرعه قصوي حتي يستسني له دخول القصر والخروج منه كيفما يشاء فقال بوجهه مقتضب كإن الامر أحزنه
- ما هي ممكن تكمل اثناء فتره الخطوبه وكمان بعد جوازنا يا عُبيده انا مش همنعها أكيد...!!
حافظ عُبيده علي ابتسامته الواسعه وثباته الزائف وربت علي كتف فريد بدعم مصطنع وهو يريد ان يقتله في تلك اللحظه الذي نطق فيها بإسم أخته وقال
- انا عارف طبعاً يا صاحبي بس دي وصيه ابويا الله يرحمه ان غاليه متخرجش من بيته غير وهي مخلصه كل حاجه وطالما بتحبها هتستناها يا فريد ، انا رايح مكتبي سلام..!!
خرج عُبيده وفي لحظه التفاته تلاشت ابتسامته الزائفه وحل علي ملامحه غضب شديد يكاد يمسك أعصابه وخرج متجهاً الي مكتبه
بينما جز فريد علي اسنانه بحنق شديد واتجه الي المكتب يزيل ما عليه بعنف حتي سقطت الاشياء ارضاً مسببه دوساً عالياً ، أخذ هاتفه يُحدث چني يبلغها ما حدث فقد دمر عُبيده خططه نهائياً وقضي علي ما فكر به هو وچني...!!!
ردت عليه چني بلهفه تريد سماع ما يُسرها فبنجاح خططتها ستنهار علاقه عُبيده وأوليان وستُسبب لـ غَاليه جرحً عميق تكاد لا تشفي منه آبتسمت وردت بلهفه
- هـا يا فريد وافق صح...؟!
قص لها فريد ما حدث بنبره غاضبه فزُهلت چني وتضاعف غضبها ولكنها صمتت لثوانِ وقالت بنبره غاضبه
- هقولك تعمل ايه اسمعني كويس...!!
أخبرته بما فكرت به وإبتسمت بعدها بشيطانيه بسنما هو ابتسم وقد اعجبه تفكيرها السريع هذا وقال بنبره متلهفه
- طب اقفلي وانا هبعتلها مسدچ دلوقتي...!!
أغلقت چني الخط بينما امسك فريد هاتفه بين يديه ليكتب لـ غَاليه رساله نصيه تحتوي علي
<< غَاليه انا بحبك من زمان ومش قادر اسكت واداري مشاعري عنك اكتر من كده.... انا طلبت ايدك من اخوكي النهارده بس اتصدمت انه هو مش هيوافق علي خطوبه او جواز غير بعد ما تخلصي دراستك خالص...غَاليه انا مستعد استناكي عمري كله بس انا مش قادر ابعد اكتر من كده...وافقي واقنعيه يا غَاليه وانا عمري ما هحرمك من دراستك بالعكس هساعدك...بحبك>>
ارسل محتوي رسالته وضحك بصوتٍ عالي يعرفها حمقاء من الدرجه الاولي سيرفرف قلبها بين أضلعها عندما تقرأ محتوي رسالته وستقنع اخيها ببكاءها بالتأكيد وهو لن يشتطع ان يرفض لها طلباً خصوصاً إن كان سيسعدها...!!
دخل عُبيده مكتبه بعنف صارخاً في السكرتيره بإنه لا يريد أي عمل الآن وان تلغي جميع مقابلاته اليوم ، دخل وجد مازن يقف بغضب وملامحه عنيفه شرسه وقال فور ان رآه
- اوعي تكون وفقت علي طلب فريد يا عُبيده ، فريد دا وسخ وهيدمرها ، هيجرحها وهيأذيها
حرك خصلات شعره بعنف وقد تهدج صوته بسبب كتمه للدموع والبكاء منذ فتره طويله وقال بعنف : انا هقتله الحيوان دا مش هسمحله يأذيها لو علي جثتي انا ساكت وعارف بحبها ليه في صمت وهو جاهل لا طلع وسخ وعارف انها بتحبه عشان كده عاوز يستغلها
انا استحملت اللي مفيش بشر يقدر يستحمله كنت بقف بعيد واشوف نظرات حبها ليه وساكت ونار الوجع بتحرق في جسمي من غير رحمه كنت مستعد ابعد واسيبهم لبعض لو كان بيحبها ويشيلها علي دماغه لكن دلوقتي لا
نظر اليه بدموع وأعين حنراء وقال بشراسه غير معهوده منه : انا بقولك قدامك أهو وفي وشك يا عُبيده انا بحب غَاليه ومش هسمح لحاجه تأذيها
كان يسمع كلامه وغضبه وهو واقفاً بصمت وجسده متشنج غاضب كل ما يفهمه انه كان الاحمق الوحيد مازن يعلم بحب أخته لفريد وهو لا يعلم مازن يحب أخته وهو ايضاً لا يعلم ولكن كل هذا لا يهم ولكن ما ان عرف بإن فريد يعلم بحب غَاليه له معني ذلك انه سيستغل تلك النقطه لصالحه ، انتصبت كل خليه من جسده ما ان اخبرها بطلبه هذا ..؟!
أصدر زئير غاضب من حنجرته كإنه أسد جائع يريد الانقضاض علي فريسته ليتناولها بنهم وشراسه ، فريد يعلم ما يفعله تماماً وهو لن يسمح بأذيه غَاليه حتي لو بكلمه
اتجه اليه مازن بخطوات راكضه وقال وهو يحاول تنظيم انفاسه اللاهثه : قولي يا عُبيده قولتله ايه ، رديت عليه بـ ايه؟!
نظر اليه عُبيده بوجهه خالي من أي تعابير وقال : رفضت طبعاً انا مش هسمح بـ أن غَاليه تدخل طرف في اللعبه الوسخه اللي عاملها فريد واللي اكيد چني عارفها ومخططين ليها سوا ورحمه ابويا لاهندمهم علي كل دا ، هما بيلعبوا علي المكشوف وانا ههدم الدنيا علي نفوخهم
نظر الي مازن وقال بنبره حاده عنيفه : انت عارف من امتي ان غاليه بتحب فريد وانت كمان يا بيه بتحبها من امتي وهنا نايم علي ودني مصرحتنيش ليه..؟!
ابتلع مازن ريقه الحاف بصعوبه وقد اختنق تنفسه لما يمر به من احداث منذ فتره طويله بينما كان يعلم عُبيده ان مازن يحب أخته بجنون لذلك كان متقلب المزاج منذ فتره طويله كان يريده هو ان يأتي ويصارحه ولكن للاسف لم يعرف بحب غَاليه لفريد كان يريد ان يعلم ما بها وسبب تغيرها الدائم وحزنها العميق كان ينتظر منها ان تأتي وتصارحه بما هي فيه
جلس مازن علي أحد المقاعد وقال بنبره حزينه مكسوره وقلبه يتألم : انا بحبها من زمان بس عمري ما لمحت ولا قولت عشان كنت غبي كنت بحبها في صمت ، جت فتره ولاحظت نظراتها لفريد وابتسامتها ولهفتها كنت بموت وسكت واتمنتلها بس السعاده وانها تبقي كويسه ومفكرتش في نفسي كنت بتوجع الف مره علي وجهها وانا شايف فريد متحاهلها رغم ان حد حد يبصلها وفريد موجود يعرف انها بتحبه وهو مُتجاهل ، رغم فرحتي انه مبيحبهاش علي قد وجعي بإنها حزينه بسبب كدا
كنت مستعد افضل احب في صمت طالما هي هتبقي كويسه وسعيده بس لحد كده ومش هقدر فريد دا طلع وسخ وابن ******** مش هسمحله يدمرها بالطريقه البشعه دي مش هسمحله
يقف كـ الاسد الغاضب لا يستطيع التفكير الا في غَاليه خوف كبير مقتحم قبله في تلك اللحظه لا يريدها ان تنجرح مثل هذا الجرح سيسبب لها آلام بشعه مبرحه لن تستطيع مداوتها بسهوله
أخذ مُتعلقاته الشخصيه بكفٍ مُرتعش وقال بهم كبير
- انا لازم امشي دلوقتي يا مازن ، ادعي ان فريد الكلب ميكنش بعت لغاليه رساله لاني ساعتها هشوفها بتنهار قدامي وللاسف مش هقدر ادخلها في اللعبه الوسخه دي ساعتها هستحمل انها تتألم شويه وهقدر اداويها هحاول اكيد هعمل اراجوز لغايه ما تبقي كويسه اهون عندي اني اعمل للوسخ دا اللي في دماغه
اقترب مازن وقال بأعين لامعه بالدموع وبقلب مُحطم من الوجع وروح متألمه عليه وعليها وقال
- اسمحلي اكون قريب منها يا عُبيده انا مش عارف هعملها ايه او لازمتي ايه جمبها بس انا عاوز اشاركها وجعها وحزنها ارجوك
أغمض عُبيده يعناه وابتسم بألم كبير وقال
- اول ما نخلص من القرف اللي حوالينا لو غَاليه حبتك واتقبلتك مش هتكون غير ليك بس المهم هي همتك انت بقي يا بطل
ابتسم مازن مزامنه مع هبوط الدموع من عيناه لم يستطع ان يكتمها تلك المره بداخله شحنه غضب كبيره لن تهدأ سوي بقتل چني وفريد لن تهدأ مُطلقاً
في قـصر " نصـار"
منذ نصف ساعه تقريباً وهي تقف في منتصف غرفتها بأعين مصدومه وشفاه مُنفرجه تقرأ الرساله عده مرات مُتتاليه دون كلل او ملل علي الاطلاق
ضحكت بسعاده ضحكات عاليه صاخبه وقلبها يكاد ان يتوقف من سرعه دقات السعاده
انفاسها مضطربه لاهثه من فرحتها إكنها كانت في سباق انتصرت فيه تواً
لا تستطيع التصديق يحبها مثل ما تحبه وطلبها من أخيها ، عيناها لامعه عقلها غير مصدق ولكن قلبها الصغير سينفجر من كثره المشاعر التي به
تقرأ الرساله مرات ومرات مستغربه من رده فعل أخيها الغير منطقيه علي الاطلاق ولكنها ستحدثه ستجعله يوافث ستجعله يقول كلمه الموافثه ليُحيي قلبها
ابتسامه كبيره مرسومه علي شفتيها منذ ان وقعت عيناها علي الرساله النصيه التي ارسلها فريد ، تريد ان تراسله وتخبره انها تحبه مثلما يحبها هي ولكن لن تفعل ، خجلها يمنعها وبشده
جلست علي الفراش بإهمال تقفز وتقوم تقفز وتقوم بجنون ، شعرت بإن الحياه أصبحت ورديه ، تأخذ انفاسها براحه لم تفكر في أي شئ غير انه يحبها مثلما تحبه هي ولن تنجرح في حبه كما كانت تعتقد...!!
وصل عُبيده الي القصر كان يريد ان يدخل لغرفه غاليه أولا لكي يطمئن قلبه ان فريد الحقير لن يفعلها ولكنه غير رأيه بسرعه حتي لا تشك أخته في أي شئ
دحل غرفته وجد أوليان تجلس وترسم بإبتسامه حالمه ما ان رأته وقفت تبتسم اكثر وتحركت اليه ترتمي بين احضانه بقوه ، احتضنها بعنف وذراعيه يكبلنان حسدها بقوه ، يشعر بالرعب عليها وعلي غَاليه لن يتحمل اذا مسهما سوء سيفعل المستحيل لحمايتهن والحفاظ عليهن
استغربت شده ضمته لها ، من قوتها شعرت بألم طفيف ولكنها لم تتحدث فسرتها بإنه اشتاقها ، هو حقاً اشتاقها ولكن خوفه علين الآن كبير للغايه يكسو اي مشاعر آخري ..!!
حاولت الابتعاد فتركها تبتعد ولكن لم يبعدها كثيراً مازالت اسيره جسده تلفح انفاسه بشرتها البيضاء ، حاوطت وجهه بكفيها برفق وأعيناها تتفحص عيناه ووجهه بقلق منذ عده ايام وعُبيده متغير تشعر بقلقه وخوفه ولكنه لا يريد الافصاح فقالت بقلق بالغ
- عُبيده حبيبي انت بقالك كتير متغير شكلك متوتر وقلقان ، صارحني يا عُبيده فيه ايه انا هموت من القلق
تنهد بعنف وهو يندر اليها بتيه وضياع كبير وتشتت ، لا يجد كلاماً ليخبرها به لا يريدها ان تعود للخوف والقلق كل ما يعرفه ان نساءه بخطر وخطر شديد خطر أصابه هو بالرعب
اللعنه علي ناجي يوسف فريد وچني اللعنه عليهم جميعاً ليتهم يموتوا ويختفوا من فوق الارض مره واحده ليرتاح وترتاح البشريه من امثالهم تلك...!!
شعرت بخوف أكبر عندما صمت ولم يتحدث ولم يرد عليها قلقها ذاد شعورها بالخوف اشتد فقالت بنبره خائفه مرتعده وقد انتفض جسدها
- هو ناجي ويوسف عملوا حاجه..!!
شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه فـ اؤمأ نفياً بعنف ليطمئنها ولكنها لم تصدق شكوكها ذادت خوفها اصبح مضاعفاً فبكت بطريقه هيستيريه وقد تأكدت شكوكها ، لقد عاد الشيطان من جديد عاد منبع خوفها الاول والآخير ، ليته مات ليته مات هو ويوسف لتنسي الخوف والرعب للابد...!!
حاول تهدأتها فتحدث بنبره متلهفه قائلا
- مفيش حاجه حصلت صدقيني محدش يقدر يجي جمبك ابداً ، انا بس عرفت ان يوسف الزفت خرج من المستشفي من كام يوم فباخد احتياطي بس عشان كدا تلقيني مشغول ومش فريش زي الاول ، انا باخد احتياطي عشانك صدقني ، محدش هيمسك طول ما انا عايش
هدأت شهقاتها بعد عده دقائق ولكنها مازالت دموعها تهبط دون توقف ، عاد خوفها من جديد ، حاول لهيها وتهدأتها وهو بداخله نار لا تريد الانطفاء لا تهدإ ولا تنطفئ ، تنهد بإختنــاق وقال بهدوء
- عشان خاطري اهدي متوجعيش قلبي يا اوليان ، انتي مش واثقه فيا
رفعت عيناها سريعاً اليه تنفي ما قاله هي لا تثق الا به ولا حب غيره ولا تريد من الحياه شوي ان تكن بجانبه وبين ذراعيـه
وجد جشدها يهدأ ويترخي ، يهمد بسن ذراعيه فحملها ووضعها علي الفراش وهو يجز علي اسنانه بعنف وغضب
ترتعب من مجرد ذكر اسم ناجي يشعر بنار تأكل أحشائه ماذا كان يفعل بها هذا الحقير لترتعب منه بهذا الشكل..؟!
نامت وهي متمسكه به بشده كإنه تخشي بُعده عنها تنهد بوجع وهو يراقب ملامحها الخائفه الحزينه تلك ويشعر بالنيران تأكل أحشائه
قام بهدوء وبدل ثيابه وهو يراقبها بحزن ، طُرق باب الغرفه عده مرات لا يعلم لما دق قلبه بخوف تزامناً مع كرقات الباب الخافته ، اتجه اليه وفتحه فوجد غاليه امامه بأعين لامعه بها بريق لم يراه في عيناها من قبل وابتسامه كبيره مرسومه علي ثغرها
قالت غاليه بإبتسامه كبيره : كنت مستنياك من بدري يا عُبيده لما لقيت عربيتك تحت جتلك عاوزه اتكلم معاك
ااااه من النيران التي تندلع بقساوه داخل احشائه يتمني ان ما يفكر به لم يحدث يتمني ان فريد لا يكون بمثل تلك الحقاره ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن
ابتسم بصعوبه وقال بإيماءه خفيفه عقله متأكد حدوثها وداخله يتمني حدوث العكس فقال
- روحي اوضتك يا حبيبتي وانا جاي وراكـي
اومأت بحماس وركضت بخطوات سريعه وخفيفه كإنها لا تزن شئ فقط بسبب فرحتها
أغمض عيناه بوجع شديد وأغلق الباب بإحكام علي أوليان واتجه نحو غرفه غاليه دون النطق بكلمه واحده
وقف غاليه تبتسم بتوتر وخجل تريد ان يخبرها هو اولا بما عرفته من الرساله ولكنه يقف امام ينتظر ما تريد ولا يتحدث
قررت التحدث هي فقلبها سيتوقف فقالت بتردد
- مش عاوز تقولي حاجه يا عُبيده..!!
قالتها وهي تبتسم بخجل وتردد كبير وقد احمر وجهها من الخجل الشديد وقتها قد تأكد ان فريد اخبرها وقد لعب لعبته الحقيره عليها لانه يعلم ان عبيده لن يفرض عليها شئ ولن يحزنها ابداً فقال بعدم فهم مصطنع
- حاجه ايه يا حبيتي ، مش انتي اللي عاوزه تقوليلي علي حاجه..؟!
عقدت حاجبيها بإستغراب شديد لما يتعامل اخيها معها بتلك الطريقه...؟! لما لم يأتي ويخبرها عن طلب فريد ويخبرها عن ما قاله له ، لما تشعر بشئ غريب بأخيها
لما دقات قلبها اصبحت تبطئ وجسدها تجتاحه البروده بهذا الشكل تنحنحت وقالت
- مش فريد طلب ايدي منك الصبح في الشركه...؟!
تلك المره أغمض عيناه بعنف كبير وصرخ : يا ابن الكلب ورحمه ابويا ما هرحمكككككك....!!!
انتفضت غاليه بعنف وخوف وقد ابتعدت كثيراً وتجمعت الدموع داخل عيناها تنظر اليه بعدم فهم وقلبها اصبح يدق بخوف كبير
فتح عُبيده عيناه وقال بنبره حاده رغم الوجع الكبير الذي يشعر به : ايوه قالي وانا مش موافق علي جوازك من الوسخ دا...!!!
هزت رأسها يميناً ويساراً تنفي ما يقول اخيها وقد انسابت دموعها بحزن وعلت شهقات بكاءها لا تعرف ما السبب ولكن هي لن تتحمل اي سبب فقالت ببكاء شديد
- ليه يا عُبيده انا بحبه..!!
اغمض عيناه بقوه يحارب نفسه الا يبكي امامها الان وقال وهو يقترب منها وقد قرر مصارحتها تتألم وهي بين يديه اهون ان يجرحها فريد الحقير فيما بعد
- غاليه انا عارف ومتأكد انك بتثقي فيا وبتحبيني زي ما انتي اكيد متأكده اني بحبك وبخاف عليكي من نسمه الهوا فريد دا خاين ووسخ وحقير مبيحبكيش ومش عاوزك هو عاوز يخطبك بس عشان يقدر يدخل ويطلع من البيت براحته عشان عينه علي مرات اخوكي
فريد الوسخ حط ايده في ايد چني وسافروا الصعيد لاهل اوليان عشان يتحالفوا معاهم ويعرفوا يهدوا حياتنا كلنا
انا عارف انك مش مصدقه ومش مستوعبه بس فريد عاوز يجرحك بس يا غَاليه بس ورحمه ابويا لهسففه تراب الارض قصاد دموع عنيكي دي
فتح هاتفه علي الصوره التي التقطها حراسه لفريد وچني امام بوابه ناجي منصور وجعلها تنظر اليها
اما هي فكانت كـ التائهه ضائعه تسمع وتري فقط دون القدره علي أخذ رده فعل ولو صغيره ولكن عقلها مشوش لا تستطيع الاستيعاب
توقف عقلها عن العمل كما تباطئت دقات قلبها بشكل كبير مُبالغ فيه واصبح جسدها بارد كـ الثلج وسقطت مغشياً عليها.
وووويتبع
رواية غزالة عبيدة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطمه عماره
فتح عينيه بهلع وهو يشعر بجسدها يرتخي بين يديه. سقط معها أرضاً وقلبه سقط معه خوفاً وفزعاً عليها. كفّاها باردتان كالثلج، وجهها شاحب، دموعها تغرق وجنتيها، وجهها يظهر عليه الحزن والوجع حتى وهي مغمضة العينين.
من صدمته وخوفه لم يتحدث ولم يصرخ، فقط ينظر إليها وقلبه ينكوي من الحزن وجسده يغلي من الغضب. أنفاسه سريعة غاضبة، ينظر إليها بعينين ملتبستين بدموع الخوف عليها.
حملها وهو يتحرك ببطء، كأن الهم أثقل خطواته. وضعها على الفراش برفق شديد وجلس بجانبها وهو يراها ذابلة ضعيفة، والأقسى موجوعة.
أخذ من عطورها ونثرها على يده، وضعها أسفل أنفها لتفوق من إغمائها. كرر فعله مرة، اثنتين، ثلاث، حتى بدأت تفتح عينيها بهدوء. نظرت إليه، نظرت إلى أخيها وشهقت بعنف.
شهقات عالية متتالية، تبكي كما لم تبكِ من قبل، تبكي قبله، قبل عينيها، تشعر بوجع عظيم. كانت منذ ساعة وأكثر أسعد إنسانة في العالم بأكمله، بينما الآن هي أتعس واحدة.
تبكي وتشهق بعنف وهو يحتضنها بقوة ومواساة ويربت على ظهرها، كأنه يعتذر منها على ما تشعر به. يشعر بذنب عظيم تجاهها، ليت لم يصاحب هذا الحقير. كانت هي الآن بسلام دون هذا الجرح العميق الذي وجعه قبلها، الذي شطر قلبه لنصفين وهو يرى أخته الوحيدة تبكي وتتألم.
لا يعلم ما يجب عليه فعله، ما تؤمر به سينفذه على الفور، ولكن لا يوجد شيء مهما كان ثمنه يداوي جراح قلب نازف، يشعر بالوجع والخزي. سقطت من السماء السابعة أرضاً بعنف، أوجعها وحطمها وشطر قلبها الضعيف لنصفين.
هدأت وصمتت، ولكن بشكل يقلق. وجهها الشاحب أقلقه، جعل قلبه يرتجف بخوف.
أغمض عينيه بتعب، يشعر بمتاعب الدنيا بأكملها محملة على ظهره. نظر إليها بخوف عميق يتخلله، وهو يراها صامتة، شاردة، كأنها لم تكن تبكي منذ لحظات.
هدوئها الغريب جعل الخوف يتزايد أضعافاً مضاعفة. ابتلع لعابه بخوف وقال بصوت مختنق وهو ينظر داخل عينيها الذابلتين:
"غالية، أنا حاسس بيكي. صدقيني أنا بتقطع وأنا شايفك كده. والله حاسس بنار في جسمي كله، سكاكين باردة بتنغز جوه قلبي وأنا شايف بنتي بالشكل دا. فريد ميستهلكيش، الوسخ ده ميستاهلش دمعة واحدة تنزل من عيونك. دموعك غالية زي اسمك. الحقير ده ميتبكيش عليه ولا لحظة يا غالية. صدقيني هاخدلك حقك منه، هاخد حق كل دمعة نزلت من عينك كوت قلبي."
حاوط وجهها الشاحب بين كفيه وابتسم بوجع يكاد يبكي وهو يرى حالتها تلك:
"إنتِ تستاهلي راجل يشيلك فوق راسه ويحطك في عينيه، راجل يحبك يخاف عليكي من نسمة الهوا. أنا مش هسلمك لأي حد، هسلمك للي يصونك ويخلي الابتسامة مرسومة على وشك."
هبطت دموعه رغماً عنه، يشعر بنار حارقة تلتهم جسده التهاماً. يشعر بوجع شديد في قلبه.
هي صامتة، لا تتحدث ولا تبكي، فقط تنظر إلى الفراغ، وقلبها مشطور. عقلها توقف عن العمل، كأنها لا تريد الحياة بعد ما عرفته ورأته بعينيها.
فريد وجنى اجتمعا سوياً لكي يفرقا شمل عائلتهم باستخدامها هي. فريد يمثل عليها الحب ليستغلها، وجنى تقف من بعيد تبتسم بنصر. وهي الحمقاء الوحيدة التي برسالة واحدة منه طارت من السعادة وشعرت بأنها محلقة كطير ترفرف بأجنحتها في السماء.
وبعد دقائق، فاقت من حلمها الجميل على كابوس بشع لا تريد تصديقه، ولكنه للأسف الواقع المرير التي ستتعايش معه مرغمة، كارهة، نافرة منه.
عض على شفتيه يحاول التحكم بأعصابه، يشعر بأنه سينهار بين لحظة وأخرى. أوليان في غرفته كانت خائفة، منهارة. أخته بين ذراعيه تشبه الأموات في شحوب وجهها ونظراتها الفارغة. والدته التي عندما تعلم سيتألم قلبها. عائلته تنهار واحدة تلو الأخرى، وهو يقف يشعر بالهم، التعب، والثقل الشديد.
وجدها تغمض عينيها بهدوء، شعر بالقلق. وضع كفه أسفل أنفها، وجدها تتنفس بانتظام. نامت أم تمثل النوم؟ لا يعلم.
وقف بجد متعب ثقيل، ينظر إليها بحزن شديد وكفه يضغط على خصلاته بعنف. لن يقف صامتاً وهو يعلم أنهم يتآمرون عليه.
خرج من الغرفة قاصداً غرفة والدته. لابد وأن تعرف كل شيء حتى تقف بجوار ابنتها المنهارة وزوجته الخائفة المرتعبة.
صرخت صفاء بصدمة عندما قص لها عبيدة كل شيء. وقلبها انقسم لوجع ابنتها. دموعها تسابقت كنزول المطر على وجنتيها وركضت لغرفة ابنتها تطمئن عليها. ولكن وجدتها غافية. شعرت بالرعب، فاحتضنتها بقوة وتملكت إلى صدرها ودموعها تتسابق. أغمضت عينيها بوجع لهذا الأمر. كانت ابنتها متغيرة، صامتة معظم الوقت.
ليتها قست عليها لتعرف سر تغيرها، حتى تنصحها أن تتحكم في قلبها كي لا تتألم. وضعت ابنتها على الفراش وخرجت قائلة بصوت غاضب لعبيده:
"عبيدة، أنا مش هقف وشايفة عيالي بينهاروا كده. إنت عارف إنهم بيتأمروا عليك عشان يأذوك في أختك ومراتك. متستناش حاجة تانية ليهم يا عبيدة."
أغمض عبيدة عينيه بقوة، هو فعلاً عقله توقف عن التفكير في أي شيء. فقال بصوت مختنق موجوع:
"أنا مش مستني حاجة يا أمي. أنا دماغي واقفة، مش عارف أفكر ولا عارف أعمل إيه. كل اللي حاسس إني عايز أقتلهم وبطريقة بشعة تطفي النار اللي قايدة في جسمي بتاكلها بغل."
جلس بإهمال، وقفت صفاء تبكي على حالهما جميعاً. قلبها يكاد يتوقف من الوجع على الجميع. ابنها وحزنه الشديد، ابنتها التي تحطم قلبها لشظايا، وزوجة ابنها الخائفة النائمة بوضع الجنين، وهي ونارها المشتعلة بسبب ما يحدث حولها.
أزالت دموعها وجلست بجانبه وقالت:
"أول حاجة، إحنا لازم نبعد عن هنا فترة كبيرة يا عبيدة، مكان محدش يعرف إننا موجودين فيه. أوليان تطمئن إن جدها مش هيطولها، وغالية تبعد وتغير جو ونحاول ننساها، رغم إني عارفة إنه صعب."
قالت جملتها الأخيرة باختناق، وقلبها يتفتت لرؤية ابنتها بهذا الشكل. زفر عبيدة أنفاسه بقوة، يشعر بأنه لا يستطيع التنفس براحة وحياته تنقلب أمامه رأساً على عقب. أومأ موافقاً وقال:
"حاضر يا أمي. هكلف مازن ومديرين الشركة يتولوا هما مسؤولية الشركة الفترة دي، وبالليل نسافر في أي مكان بعيد، بس الأول أوليان هتروح المستشفى تفك الجبس."
فرك وجهه بعنف، وقد فكر في مازن وحبه الشديد لغالية، ولكن أخته في حالة انهيار وحزن شديد، فكيف سيستطيع مازن الدخول لقلبها؟ كيف يُنسيها ما هي به؟ هي تتألم هنا وهو الآخر يتألم هنا.
نظر عبيدة إلى والدته وهمس باختناق:
"أنا تعبان يا أمي، حاسس إن الدنيا مستكتره عليا الفرحة. الدنيا بتضيق من حواليا أوي وأنا شايف غالية بالشكل ده."
جذبت رأسه تحتضنها بقوة ودموعها تنهمر دون توقف، وقلبها يلعب بقسوة. جنى وفريد فقالت بهدوء كاذب:
"خلي أملك في ربنا كبير يا حبيبي. ربنا هيحلها. أما جنى وفريد دول حسابهم هيبقى عسير أوي لأنهم طلعوا أعن من أهل أوليان."
خرج من بين ذراعيها، مؤكداً بهزة من رأسه وعينيه الحمراء غاضبة، تعصف بمشاعر متضاربة يتفوقها الغضب.
قام بتعب واتجه إلى غرفته حيث مازالت هي نائمة. مجرد ذكر اسم ناجي أرعبها، جعل كل خلية من جسدها تنتفض بخوف شديد. اتجه نحوها وأيقظها بهدوء، فقامت منتفضة خائفة. هدأت فور أن رأته أمامها، وجدت نفسها تحتضنه بقوة كأنها وجدت أمانها يتجسد أمام عينيها. تنهد بتعب وألم وحرك كفه بحركات طولية مهدئة وقال:
"إهدي يا حبيبتي ويلا البسي عشان نروح المستشفى نطمن على رجلك."
أومأت بصمت واتجهت بخطى بطيئة، ترتدي أي شيء قابلها بإهمال. هي حتى لم تكن قادرة على انتقاء ملابسها بعناية. كلما خرجت معه.
حملها بين ذراعيه وهبط بها الدرج، والصمت هو سيد الموقف. ذهب بها المشفى وتم فك جبيرة ساقها، ونصحه الطبيب بالاهتمام وعدم الركض والضغط عليها لفترة محدودة. فأومأ بصمت وحملها وخرج.
في السيارة، هي صامتة، ليست متحدثة كباقي الأيام، تضحك وتغني وترقص بيدها بحركات خرقاء. كان هو يضحك عليها بصوت عالٍ، وعيناه على الطريق بشرود، وهي تضع رأسها على زجاج السيارة بصمت خارجي وخوف ورعب داخلي.
في القصر، دخلت صفاء غرفة ابنتها المظلمة. أنارت الإضاءة ونظرت إليها بوجع. ابنتها تتمدد جسدها على الفراش تنظر إلى الأشياء بجمود دون إبداء أي رد فعل.
حاولت بصعوبة كبت دموعها. كانت نجلاء في المطبخ تقف تعد الطعام بحزن شديد. وضعت الطعام لغالية على الصينية وحملته وصعدت. دخلت الغرفة هي الأخرى ولمعت عيناها بالدموع. تنهدت بتعب وقالت بثبات مصطنع:
"أنا عملتلك كل الأكل اللي إنتِ بتحبيه يا غالية."
قالت جملتها ووضعت الصينية على المائدة الصغيرة التي تتوسط الغرفة. ومدت يدها على منكب صفاء تضغط عليه بدعم. لا تريدها تبكي دون فعل كما فعلت هي مسبقاً.
نظرت إليه بتحذير صامت أن يكف عن البكاء، فمسحت صفاء عينيها من الدموع واتجهت نحو ابنتها بابتسامة ألم وجلست بجانبها على الفراش وقالت:
"يلا يا غالية يا حبيبتي عشان تاكلي. عمتك نجلاء عملتلك الأكل اللي بتحبيه. إنتِ مش شامة ريحته تجنن؟"
رغماً عنها، سقطت دموعها. لم تستطع التحكم بدمعاتها الساخنة التي هبطت على وجنتيها، ألهمتهم، وهي ترى ابنتها في تلك الحالة الصعبة.
بينما لم تنظر إليهم غالية ولم تنطق، بقيت كما هي صامتة، جامدة. عيناها فقدت الحياة، وجهها شحب شحوب وجوه الموتى، كأنها حزينة منذ سنة وأكثر.
لم تستطع صفاء البقاء في الغرفة، فانصرفت جاهشة في البكاء، تلعن جنى وفريد بصوت عالٍ. بينما جلست نجلاء بجانب ابن أخها وقالت بحزن دفين:
"أوعي تبقي ضعيفة وتستسلمي للأمر الواقع يا غالية. أوعي تغلطي غلطتي يا بنتي وتعيطي، تحزني وتسكتي. هتندمي ندم عظيم. هتحسي إن عمرك بيروح واللي حواليكي بيتأذوا عشان بس استسلمتي."
"فريد ده مش الراجل اللي يتزعل عليه ولا إنك حتى تنزلي دمعة من عينيكي عشانه. ده تدوسي عليه برجلك زي حشرة قرفانة منها. يمكن الحشرة أحسن وأفضل لأنها مبتأذيناش في حوالينا بشر ملعونين عايشين بس عشان يأذوا اللي حواليهم."
"الناس دي بتبقى عندها عقدة نقص يا غالية، بيحسوا بمتعة بأذية اللي حواليهم أو التقليل منهم. إنتِ أحلى وأجمل مليون مرة من جنى. تصدقي إن نفسي فريد وجنى يجتمعوا مع بعض عشان هما شبه بعض، عندهم نقص وغرور هيجيبهم الأرض. لكن إنتِ غالية يا حبيبتي، هتعوزي الراجل اللي يصونك ويسندك. أنا عارفة إنك تعبانة وموجوعة وكمان مصدومة، بس يمكن كلامي ده ينبهك لحياتك شوية."
"أمك بتتقطع وهي شايفاكي كده، وأخوكي مش شايف قدامه، حاسس إن بنته بتروح من بين إيديه."
وضعت نجلاء كفها على وجه غالية تحركه بلطف شديد وأكملت:
"هسيبك مع نفسك شوية، عاوزاكي تركزي في كل كلمة قولتهالك. أوعي تسيبي حياتك تتسرسب من بين إيديكي من غير فايدة. اليوم اللي بيروح مش هيجي زيه يا غالية، وكله من عمرنا يا بنتي."
أنهت كلامها وتنهدت بوجع وحزن على حالها، فمن يراها يقسم أنها ستموت بعد دقائق من هيئتها تلك.
خرجت نجلاء وأصبحت غالية بمفردها، صامتة، مصدومة، عقلها لا يستطيع العمل. شعرت بآلة حادة مدببة اخترقت قلبها بقسوة دون رحمة. وهمها أنه يحبها ويريدها زوجته، وهو يفعل هذا كتمثيلية حقيرة مبتذلة بالاتفاق مع جنى ابنة خالتها..؟!
لماذا تفعل معه هذا؟ لماذا يتفقان على تدميرها وتحطيم قلبها المسكين؟ لماذا فعلوا ذلك معها..؟!
هبطت دموعها بكسرة، وقد شعرت بوجع كبير بقلبها لدرجة أنها وضعت كفها عليه تضغط بقوة وانفجرت باكية. أغمضت عينيها بقوة وهي تضغط بقسوة على قلبها، تريد إيقاف نبضه حتى ترتاح من وجعه المتزايد.
وصل عبيدة وأوليان التي تتحرك بجانبه بصمت، وجدوا صفاء تبكي بشدة في حضن نجلاء التي تربت برفق على ظهرها وتهمس بكلمات بسيطة تحاول تهدئتها، ولكن دون فائدة.
اندهشت أوليان وتحركت بخطوات سريعة إليهم تقول في لهفة وهي توزع نظراتها القلقة بين والدتها وزوجة خالها:
"إيه؟ بتعيطي ليه يا طنط؟ إيه اللي حصل يا ماما؟"
نظرت نجلاء إلى عبيدة وتنهدت بتعب. ازداد قلق أوليان وانقبض قلبها خوفاً. ونظرت إلى عبيدة وصرخت ببكاء:
"إنتوا لازم تعرفوني إيه اللي بيحصل. حرام عليكوا، قلبي هيقف من الخوف."
حاوطها عبيدة بذراعه بقوة وقص عليها ما حدث بالتفصيل. لن يجد فائدة في تخبئة الأمر عنها. فتحت أوليان عيناها بصدمة وهي تستمع لما يقوله عبيدة. طال الأذى غالية بسببها. هي السبب الأول والأخير فيما يحدث. اقشعر بدنها بقوة. غالية الآن محطمة وتعتبر هي السبب الرئيسي للأذى التي تتلقاه غالية.
جلست بإهمال، غير مصدقة لما يحدث حولها. فجأة انقلب نعيمها إلى معاناة. قبضت قلبها الغريبة عندما رأت جنى للمرة الأولى ليست من الفراغطلاقاً. فهي شعرت أن حياتها ستنقلب رأساً على عقب وأن الحياة التي فتحت ذراعيها لها فجأة ستغلقهم عليها بقسوة لتدمرها وللأبد.
نظر عبيدة لها بتفحص، وقد علم ما يدور داخل عقلها الصغير. كان متأكداً أنها ستفكر بتلك الطريقة التي ستجعلها تصمت وتحزن.
زفر أنفاسه القوية بعنف، آملاً أن يهدأ وتهدأ نيران جسده حتى ولو قليلاً، ولكن دون جدوى.
اتجه عبيدة إلى والدته وقبل رأسها مطولاً بحنو قائلاً:
"إهدي يا أمي، كل حاجة هتتحل. صدقيني."
أومأت برأسها بعدما هدأت قليلاً وتنهدت مطولاً بتعب. بينما صعدت أوليان بصمت، وراقبها عبيدة بعينين حزينتين متعبتين وصار خلفها.
دخل الغرفة وجدها تجلس على الفراش تدفن وجهها بين كفيها، تبكي بصوت عالٍ بشهقات عالية. فرك وجهه بعنف، هو حرفياً استنزفت طاقته بأكملها. شد خصلاته بقوة وتنهد واتجه نحوها يجلس بجانبها، وقبل أن ينطق بكلمة، وجدها تتكلم بصوت مختنق باكي:
"كل ده بسببي. تخيل لو مكنتش جيت وقابلتني، كانت غالية متخدعتش بالطريقة البشعة دي."
رفعت عينيها وقالت بشهقات عالية:
"كان نفسي تقولي ابعد عني وسيبني، يمكن المشاكل تهدى وتقل، بس مش هقدر يا عبيدة، مش هقدر أعيش بعيد عنك. صدقني مش هقدر."
احتضنها بقوة كأنه يؤكد لها أنه لا يستطيع إبعادها عنه، أنه من يحتاجها بجانبه، ليس العكس. فقال بصوت قوي:
"أوليان، بلاش جنان. كله مقدر ومكتوب. ربنا رايد يورينا قلوب اللي حوالينا وجواهم إيه من نحيتنا. ربنا له حكمة في كده. له حكمة إني أشوفك وأحبك وتبقي مراتي، وله حكمة إن غالية تعرف نوايا فريد الحقيرة عشان متفضلش متعلقة في قشة لآدمي وسخ وحقير. صدقيني كل حاجة هتتعدل. أنا كنت ناوي أصبر أشوف آخرهم إيه، بس لا، يا ويلهم مني يا أوليان، يا ويلهم."
ابتعدت تنظر إليه بضياع، حيرة، وخوف عليه قبل أي شيء، ومن بعده غالية التي وجدت بها الأخت والصديقة. تنفست أنفاس طويلة كأنها تعطي لرئتيها أكبر قدر ممكن من الهواء. بينما ابتسم عبيدة ابتسامة لم تصل لعينيه وقال:
"عايزك تهدي ومتفكريش بدماغك الصغيرة دي تاني، فاهمها؟"
أومأت بتعب، فقال:
"عايزك تحضري شنطة ليكي عشان هنسافر بكرة أو بالليل الفجر نروح أي مكان نريح فيه أعصابنا ونبعد شوية."
حملته ووضعت قبلة مطولة على جبهتها وانصرف متجهاً إلى غالية، بينما هي تريد أن تذهب إليها، ولكنها هائفة من تلك المقابلة. غالية تدمرت بسبب فريد الذي كان يريدها هي. لها كل الحق أن عاملتها بضيق أو قسوة، حتى، ولكنها ليس لها ذنب في أي شيء...!!
هي حتى لا تعرف فريد إطلاقاً، لا تتذكر أنها رأته. تولد كره كبير اتجاهه دون أن تراه. جنى وفريد أصبحت تكرههم وتنفر منهم بعد ناجي ويوسف. تتمنى هلاكهم جميعاً ولن تشفق حتى عليهم.
دخل عبيدة غرفة غالية، فأغمضت عينيها سريعاً حتى لا يعلم أنها مستيقظة. هي لا تريد أن تتحدث أو أن تسمع شيئاً، لا تريد الجدال، ليس لديها قوة لتخرج حرفاً من جوفها. هي لا تريد الكلام أو الاستماع لأي شيء..!!
جلس هو بجانبها يتلمس خصلاتها بحنو أبوي وأخوي شديد، متنهداً بقوة وقال:
"تعرفي يا غالية، كل دمعة نزلت من عينك ولدت جوايا غل عمري ما كنت أتخيل إنه يبقى في قلبي وحياة. كل دمعة نزلت من عيونك هجيبلك حقك تالت ومتلت."
قبل جبينها مطولاً وخرج، وهو متأكد أنها مستيقظة واستمعت إلى كل كلمة أخبرها بها.
رفع سماعة هاتفه يطالب أحدهم، الذي أجاب بعد ثوانٍ قليلة بلهفة قائلاً:
"أؤمرني يا عبيدة بيه."
ابتسم عبيدة ابتسامة سوداء قاتمة، لا مرح بها ولا مزاح، وتنهد بعمق كأنه يخطط لشيء ما، وقال بهدوء يحسد عليه:
"لما تلاقي يوسف راح للشقة إياها اللي بيسهر فيها مع الأوساخ اللي زيه، عرفني بعدها ثانية عشان ألحق أعمل اللي في دماغي."
ثم أغلق المكالمة وقرر أن يبدأ مخططه. به يوسف الذي سيحطم قلب ناجي، ووقتها لن ينفع مخطط فريد وجنى. سيجعلهم يلتفون حول أنفسهم فقط لأنهم خططوا لأذية عائلته....!!!
رواية غزالة عبيدة الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطمه عماره
كان يجلس في شقته وملامح الغضب ظاهرة علي قسمات وجهه بوضوح. يرفع يده التي تحمل كوباً مملوءاً من أحد المشروبات الكحولية ثم ألقاها علي طول يده بعنف. كل دقيقة يتفقد هاتفه، خاصة الرسائل، ويزمجر بغضب. غالية لم تهتم ولم ترسل له رسالة مكونة حتى من كلمة واحدة.
أرسل رسالة لچني أنه يريد التحدث معها في أمر ضروري، وأنه سينتظرها بشقته، وأرسل إليها العنوان بنفس الرسالة.
قذف هاتفه بغضب وعيناه تتخيل أوليان أمامه تضحك وتبتسم لعبيدة. عقله القذر يتخيل لهما أوضاعاً تجعل جسده يشتعل من الغضب ويزيد مقدار الكره للجميع.
قام بخطوات بطيئة ودخل إلى المرحاض ليستحم حتى يستطيع الهدوء ليفكر في خطة أخرى يستطيع بها الدخول والخروج من القصر بحرافية دون أن يشك أحدهم به.
مرت نصف ساعة، كان هو يجلس في الصالة الواسعة ينتظر چني، وبجانبه زجاجة مليئة بمشروب الكحول وكوب يحتوي على القليل منه. يشرب ويتخيل مخططات عجيبة هدفها أن يحصل على جسد أوليان، هدفه الأول والأخير.
عبيدة هو المثالي في نظر الجميع، ينجح، يسافر، والوسط بأكمله يتحدث عنه وعن ذكائه. وبعده مازن المنضبط. ضحك بسخرية عارمة عليهما الاثنين، يتخيلهما صديقه القريب وهو دائماً يبعد عنهما كلياً وجزئياً، لم يقتنع بمبادئهم يوماً. يسهر، يشرب، ويزني، وأمامهما الشخص المحترم، الهزلي قليلاً.
ضحك ضحكات ساخرة وهو يتخيل شكل عبيدة بعدما يحصل على ما يريده. رن جرس الباب، فقام يفتحه بهدوء. وجدها چني المتألقة دائماً بتنورتها السوداء المصنوعة من خامة الجلد الطبيعي التي تفصل فخذيها ببراعة، وبلوزتها الحمراء التي تظهر مفاتنها بوضوح دون عناء. دخلت وصوت حذائها العالي يرن مع كل خطوة. ابتسم فريد بانتشاء وهو ينظر إلى مفاتنها بوقاحة معلنة.
جلست واضعة قدماً على أخرى بكبرياء وقالت وهي تنظر إلى كل أركان الشقة:
"إيه اللي أنت عايش فيه دا؟ كل حاجة على بعضها كده؟ إيه..؟!"
ضحك ضحكات متقطعة وعيناه تتفقدها دون خجل وقال وهو يحرك كفه على خصلاته بعشوائية:
"عازب بقي يا چوچو، عاوزة الشقة تبقي مترتبة إزاي..؟!"
نهض واقترب منها حتى جلس بجانبها ملتصقاً بها وقال وهو ينظر إلى عينيها عن قرب:
"تحبي تشربي عصير فريش ولا تشربي كاس معايا..؟!"
قالها وهو يشير إليها على زجاجة المشروب الكحولي الموجود على المنضدة. فابتسمت وهي تقول:
"المهم نوع نضيف ولا مش قد المقام..!!"
نظر إليه مستنكراً عجرفتها وترفعها المبالغ فيه، ونهض قائلاً وهو يصب من المشروب في كوب كبير:
"لا متقلقيش، فريد مبيشربش مضروب..!!"
ضحكت وأخذت منه الكوب بعدما انتهي منه وقدمه لها. أخذته وتجرعت منه على مهل، ثم زمت شفتيها بإعجاب وهي تأخذ رشفة أخرى كبيرة، بينما هو جلس أمامها وقال:
"خطتنا فشلت، غالية مبعتتش رسالة حتى من ساعتها، لا حس ولا خبر...!!"
أغمضت عينيها بغضب جامح، كما كانت تتوقع، غالية الحمقاء تابعة لأخيها ولأوامره الصارمة. عضت شفتيها بضيق وتفكير وقالت:
"كنت عارفة، غالية تابعة لأوامر سي السيد أخوها اللي لسه عايش في أيام السبعينات، الجو القديم ده."
تجرع الكوب كاملاً من ضيقه ووضعه بحدة على المائدة وهو ينظر إليها قائلاً:
"وبعدين لازم نلاقي حل، بفكر أبعتلها رسالة تانية أطلب منها أقابلها في أي مكان."
اللمعت عيناها بفكرة مؤذية وابتسمت ابتسامة واسعة وقالت بثقة عالية:
"that's a good idea."
ثم قالت بخبث:
"وغالية الهطلة بتحبك، كلمتين حلوين منك هيدوبوها وتقدر تاخد منها اللي أنت عاوزه، وساعتها هتتخطبوا على أمل إنكم تتجوزوا كمان، وده غصب عن عبيدة، وساعتها اللي أنت عاوزه هيحصل."
نظر إليها باستغراب شديد من تفكيرها الشيطاني هذا، ولكنه ضحك بقوة، فتلك الفكرة لم تخطر على ذهنه نهائياً. چني حقاً تفكيرها شيطاني مثل نظرات عينيها، فسألها مستفسراً:
"إنتي ليكي بتكرهي غالية كده؟ رغم إنها بنت خالتك، ومظنش إنها آذيتك."
تجهمت ملامحها بحقد وغيظ، وغرورها دائماً سابق تفكيرها، فقالت:
"غالية اللي متحوطة دايماً بحماية، ودايماً شايفة نفسها المثالية المتفوقة اللي بتجيب تقدير كل سنة. أخوها أهني وهي كمان. وبعدين هو أنا اللي هقولها روحيله ولا هي بغباوتها اللي هتجري عليك..؟!"
ضحكت بقوة وتجرعت الكأس بأكمله دفعة واحدة وقالت:
"أنا يدوب صاحبة الفكرة، ال idea's owner يعني. هي اللي غبية وهتجري..!!"
ارتفع جانب وجهه بابتسامة واسعة وهو ينظر إليها وإلى ملامحها المتجهمة، خصوصاً وهي تفكر في أذية غيرها مثله تماماً، ولكنه مغيب مثلها تماماً.
أخذ المشروب وصب له ولها مرة أخرى، يشربون يتحدثون حتى شعر كل منهم بثقل كبير برأسه وغفوا كلاً منهم بمكانه، لا يعرف كلاهما غفوا أم غابوا عن الوعي من كثرة المشروب الذين تجرعوه.
***
وقف مازن خلف الباب الداخلي للقصر بتردد كبير. يرفع يده ويضغط على جرس الباب أم يلتف ويغادر بهدوء. قلبه يتمزق من الألم وهو يعلم أنها تعاني بالتأكيد مما حدث. شُل جسده بعجز عندما أخبره عبيدة بالرسالة التي أرسلها فريد إلى غالية، وأنه اضطر أن يبلغها كل شيء وحالتها النفسية متضررة للغاية.
وقتها صرخ مازن بغضب شديد، ولعن فريد والجميع، وصمم أن يذهب إليه ليناله منه، ولكن أوقفه عبيدة بمعجزة، واعداً إياه أن الجميع سينال عقوبتهم وبالترتيب.
أخذ قراره ووضع إصبعه بتصميم على الجرس. لحظات وفتح له إحدى العاملين بالقصر مرحباً به، فدخل مازن بهدوء. هبط عبيدة سريعاً عندما علم بوجود صديقه، ووجد نظراته تائهة، ضائعة، عيناه حمراء ملتمعة بالدموع.
أخذ كفه ودخل به المكتب وهو غاضب لحالة الجميع، حتى صديقه الأقرب موجوع ويتألم. وقف الاثنان أمام بعضهما في منتصف غرفة المكتب، وفجأة رمى مازن جسده بين ذراعي صديقه يحتضنه بقوة، وفعل عبيدة المثل.
همس مازن بصوت مبحوح مختنق للغاية كأنه على حافة الانهيار والبكاء:
"أنا تعبان أوي يا عبيدة، مخنوق، حاسس إن روحي بتطلع. إن طول الفترة اللي فاتت كنت ساند طولي عشان عارف إن هي كويسة، بس دلوقتي مش قادر حتى أقف على رجلي."
خرج من بين ذراعيه ومسح وجهه بعنف يتنفس أنفاس متلاحقة وقال بتردد:
"أنا كنت عاوز أشوف غالية، حتى لو من بعيد، عشان خاطري يا عبيدة."
ابتلع عبيدة لعابه بألم وهو يتذكر مظهر غالية الذي يتقطع لها قلبه لفتاً بملامحها الشاحبة والهالات السوداء التي غزت أسفل عينيها بضراوة. صوتها الذي لم يسمعه منذ ما حدث منذ يومين. لم يسمع صوت عالية نهائياً.
تنهد باختناق وجلس وجعل مازن يجلس بجانبه، وأومأ إيجاباً وهو يقول:
"أنا كنت هاخدهم وأسافر فجر الليلة عشان أبعدهم عن الجو اللي هما فيه ده، وكنت هوكلك أنت وبقيت مديرين الأقسام بالشركة الفترة دي. بس أنا قررت إنك تيجي معايا، هحتاجلك يا مازن، مش هقدر لوحدي."
ابتسم مازن بلهفة لكونه فقط سيبقى بجانبها، سيراها. وجد حاله يؤمأ بتلهف ويقول:
"أنا هاجي معاك، مش هكلمها في أي حاجة صدقني، أنا عاوز أكون جنبها بس يا عبيدة، هعمل أي حاجة عشان تخرج من اللي هي فيه ده، حتى لو اضطريت أعملها شقلباظات."
ضحك عبيدة بخفة وهو ينظر لملامح صديقه التي تبدلت من الوجع والحزن وانقلبت فجأة إلى اللهفة والحماس. تنهد يرى الحب والعشق يتجسدان بوضوح داخل مقلتي مازن. هو بالفعل سيطمئن لوجود أخته معه، ولكن بإرادتها هي دون التدخل منه.
ابتسم عبيدة ابتسامة خفيفة باهتة لا روح بها ولا حياة وقال بنبرة عادية متعبة:
"قوم حضر هدومك طيب وتعالى بسرعة، هنمشي مع بعض من هنا."
أومأ مازن بحماس وركض بالمعنى الحرفي للخارج، وطلق خليه منه تنتفض بتوتر كبير، يكفي أن يتواجد بجانبها، يشبع عيناه العاشقة لها ولو قليلاً، سيحاول التحدث إليها، سيحاول إلهاؤها وأن يُنسيها فريد وكل شيء سواه.
صعد إلى سيارته وحرك المقود متجهاً إلى شقته ليلملم أشياءه ليسافر معها.
صعد عبيدة إلى غرفته بعدما دخل إلى غرفة غالية، وجدها نائمة أو متصنعة النوم كحالها في اليومين السابقين. تنهد باختناق وقلبه ينزف بغزارة من الألم عليها. سيحاول بشتى الطرق إصلاح ما أفسده الحقير فريد داخل قلبها.
وجد أوليان تجلس على الأريكة تنظر إلى التلفاز بشرود، تشعر بحزن كبير على غالية وما حدث معها. يبدو أن الجميع عانى ويعاني، ليست بمفرده.
لم تشعر به وبدخوله من شرودها في حالة غالية، هي الآن لم تستطع الدخول لغرفتها والتحدث معها، تخشى رد فعلها، وفي كل حال من الأحوال لن تغضب منها نهائياً، فهي في حالة نفسية قاسية عليها.
نظرت إليه عندما شعرت بالأريكة تهتز بعدما جلس عليها بثقله بإهمال. نظرت إليه دون حديث، ثم التفت بعنقها تشاهد التلفاز الصامت بصمت.
تنهد عبيدة مختنقاً، بيته أصبح صامتاً، يسود عليه الحزن والكآبة من الكبير إلى الصغير، كلاهما في حالة نفسية مدمرة. فرد جسده على الأريكة واضعاً رأسه على فخذها ونظر إلى عينيها بعدما نظرت إليه، وكفها يلعب بخصلاته بتروٍ وحنان.
"تعرفي يا غالية إنك انتي اللي مصبراني على اللي بيحصل ده، مش عارف من غير وجودك كنت هعمل إيه وحالتي كانت هتبقى إزاي. أنا مجرد ما ببصلك بتفائل وبقول إن كل حاجة هتعدي إن شاء الله. عاوزك تحاولي تكوني طبيعية يا غالية، عشانك وعشاني. ابتسامتك كانت بتديني طاقة ممكن أهد بيها جبل. عارف ومتأكد إن اللي حصل متعب ومؤذي لينا كلنا، خصوصاً غالية. أنا بتقطع وأنا شايف حالتها كده، بس ربنا كبير. أنا متأكد إن غالية مش زعلانة على الحيوان ده على قد ما هي زعلانة على نفسها وخجلانة من قلبها اللي حب واحد بقذرته. بس هي مش ملامة، الحب مش بإيديها. اللي بيأذينا إننا يا إما نكمل في وجع قلبنا ووقتها نبقى أغبياء وضعفاء، يا إما نتحكم فيه ونفوق لنفسنا وحياتنا، ودا يبقى منتهى القوة."
ابتسمت بخفة وهي تسمع إلى حديثه المحق. عبيدة جائزة كبيرة من الله لها، تتمنى أن تكون تستحقها بالفعل. كانت ترتب خصلاتها برقة وهمست:
"عارف يا عبيدة إنك هدية من ربنا ليا ولكل اللي حواليك. أنا واثقة إنك هتقدر تخرج غالية من اللي هي فيه. هي مصدومة، حبت واحد ميستاهلش دمعة من عينها، بس زي ما قلت، مراية الحب عامية. مش ملامة إنها حبته، بس أكيد نفسيتها هتتحسن. لما تقعد مع نفسها وتفكر صح، هتلاقي إن ربنا بيحبها، إنه كشفلها الشخص دا بدري قبل ما يحقق اللي كان في دماغه. أما چني دي، الله لا يسامحها من كل قلبي، ربنا ينتقم منها."
اعتدل في جلسته وقبل وجنتها برقة شديدة واحتضنها وهو يتنهد تنهيدة مطولة بصوت مسموع وقال:
"كل حاجة هتتعدل طول ما إحنا مع بعض وجنب بعض. المهم إن عيلتنا كاملة، كل شيء يهون بقي..!!"
بعد نصف ساعة دخل عبيدة غرفة غالية، وجدها تنتصف الفراش مغمضة عينيها. اقترب منها بهدوء شديد حتى أصبح موازياً لها، قبل جبينها بحب، قبلة طويلة حانية واحتضنها دون كلام، بينما هي لفت ذراعيه حول جسده بقوة، ولكن لم تنطق بحرف واحد. ابتسم ابتسامة واسعة لأنها أحاطته بكلتا يديها بتلك القوة. أغمض عيناه يناجي ربه أن يريح قلبها ويزول الألم سريعاً.
أبعدها عنه مسافة بسيطة وقال بحب وهو يمشط خصلاتها بأصابعه:
"غالية، أرجوكي اتكلمي، قولي أي حاجة، طمنيني بيها قلب أخوكي."
رفعت عينيها له أخيراً تهمس بصوت مثقل متعب بشدة:
"أنا كويسة يا عبيدة، متخافش..!!"
نظر إليه بفرحة كبيرة واحتضنها مرة أخرى، يكاد يمنع دموعه من السقوط بمعجزة. أخذ نفس طويل به شيء من الراحة وقال وهو يقبل كفها:
"الحمد لله يا حبيبتي. غالية، لازم تفوقي لنفسك وتفكري في غالية وبس. فكري بعقلك، لأن ساعتها صدقيني هترتاحي. أرجوكي يا غالية."
أومأت بصمت. هي حزينة على حالها وحال قلبها التي كرهته منذ يومين. صورته مع چني أمام منزل عائلة أوليان لم تفارق عقلها. شعرت بالغضب الشديد من نفسها قبل أي شيء. هي من أحبت، هي من جعلت قلبها يتمادى في حبه وتعلقه به. لم يظهر لها شيء عن مشاعره إطلاقاً، ولكن عندما وجدها فرصة لإيذاء غيره اغتنمها. ولكن لحسن حظها أن عبيدة أخاها. نظرت إليه نظرات ممتنة. لولا الله، وهو، لكانت مازالت عمياء لا ترى شيئاً.
نظر إليها بحب وأمل وقال:
"عاوزك انتي اللي تحضري شنطتك يا غالية، إحنا هنسافر نغير جو كام يوم."
أومأت بهدوء، فقبل جبينها مرة أخرى وخرج. بينما هي سقطت دموعها بكثرة، لا تعلم ما يجب عليها فعله في محنتها ووجع قلبها. هي ليست آلة صماء ستضغط على زر ما بها وتنساه. ولكن حقارته التي ظهرت للعيان جعلتها تنفر منه.
أزالت دموعها بكفيها بهدوء وقامت بخطوات بطيئة تشعر بكل عظمة من جسدها تتألم بقسوة وانعدام رحمة.
هبط الجميع وكان قد وصل مازن، الذي ابتسم بحب وشغف فور أن رآها. تنحنح عبيدة وقال:
"غالية حبيبتي، اركبي انتي عربية مازن والشنط معاكوا، وأنا هاخد أوليان وعمتي وماما."
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتي مازن، بينما غالية لم ترد. هي لم تكن معهم من الأساس، هي فقط معهم بجسدها فقط.
بالفعل صعدت غالية إلى سيارة مازن، الذي فتح لها الباب ثم أغلقه من خلفها. وقد صعد إلى مقعده وبدأ بتدوير السيارة، ومن بعدها تحرك وخلفه عبيدة.
شعر بتوتر كبير وهي بجانبه تتنفس من نفس الهواء الذي يتنفسه. شعر أنه يتعلم القيادة للمرة الأولى، يشعر بتوتر كبير. ابتسم بحنان وهو يسألها باهتمام كبير:
"إنتي كويسة يا غالية؟"
أومأت بصمت قاتل ذبحه لرؤية عينيها ذابلة، ولكنه ابتسم عندما قالت بعد تنهيدة كبيرة:
"هبقى كويسة..!!"
ابتسم بحب وقد قرر الصمت وأعطاها المساحة الكافية، لن يكن أنانياً. يعلم أنها تتألم بضراوة وهو سينتظرها لسنوات طوال إن لزم الأمر.
***
بعد منتصف الليل.
خرج يوسف من الدار وهو يضع هاتفه على أذنه يتحدث إلى أحد أصدقائه بصوت حاد مسموع:
"كفاية يا أحمد، زهقتني بنفس الحديد. قلت لك جاي أهو، وسهرتنا صباحي، المهم هتكيفنا..!!"
ضحك يوسف عالياً بعدما استمع إلى رد صديقه بأنه هيأ لهما المكان والبنات ليسهروا كعادتهم، سهرة مميزة مليئة بالمشروبات والمحرمات جميعها.
لم يشعر يوسف بأنه مراقب من أحدهم، فدخل إلى أحد المباني التابعة له ولجده بثقة عالية. وقتها رفع أحدهم هاتفه وقال بلهفة:
"يوسف لسه داخل البيت اللي بيسهر فيه ديماً يا عبيدة باشا."
أومأ الرجل مؤكداً واتجه إلى الطريق المعاكس وظل يراقب الذي سيحدث بعد وقت طويل.
بينما على الجهة الأخرى، مازال عبيدة كفه الأيمن يمسك مقود السيارة، بينما الأيسر يضع الهاتف على أذنه وابتسامة خبيثة تحتل وجهه وقال مرحباً:
"أهلاً ياسر باشا، اللي اتكلمنا فيه حصل، والبيه مشرف هناك. عاوز أسمع أخبار حلوة."
انتظر دقيقة ثم أغلق الخط وقد علت ابتسامة حقيقية شفتيه. نظرت إليه أوليان بعدم فهم لتقلبه وهمست تسأله برفق حتى لا تسمع والدتها ووالدة عبيدة كي لا يستيقظا من نومتهما:
"في إيه يا عبيدة..؟!"
نظر إليه للحظات وقد علت ابتسامته مرة أخرى وهو يراقب سيارة مازن أمامه ثم قال بغموض:
"باخدلك حقك يا يا غـزاله. دقيت أول مسمار في النعش ولسه...!!!"
رواية غزالة عبيدة الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطمه عماره
صوت الأغاني الشعبية يرن في جميع أنحاء الشقة الواسعة وفتيات ترقصن بطريقة مقززة ليظهرن مفاتنهن بوقاحة دون خجلٍ أو خوف من مصيرهن سواء في الدنيا والآخرة.
والشباب يجلسون أرضاً يضحكون وينظرون إلى أجسادهن ومفاتنهن بأعين راغبة تأكلها الرغبة يحتسون المشروبات الكحولية والمخدرات في سجائرهم التي تفوح رائحتها في الشقة بأكملها.
كل دقيقة وأخرى ترتفع ضحكات عالية مائعة ليست دلال منهم بينما ضحكات تخرج من فمِ عاهرات لثير غرازهم الحيوانية لينالوا المال آخر ليلتهم القذرة.
ساعتين أو أكثر وقد دخل كل شاب وفتاة غرفة لينفردوا بهم ويفعلوا الفاحشة التي حرمها الله دون تفكير أو شعور بالذنب وتأنيب الضمير.
قد ماتت ضمائرهم وفقدوا عقولهم وتنعموا بالدنيا ونسوا أشياء أخرى أكثر أهمية وبقاء فـ الدنيا مهما اتسعت فهي بالنهاية فانية..!!
انتفض يوسف عن الفراش بخضة كبيرة عندما استمع إلى صوت كسر الباب رغم أن عقله غائب من كثرة المشروبات التي تناولها ولكن الصوت كان عالياً ومفزعاً للغاية لدرجة أنه انتفض عن الفراش ولكنه لم يستطيع فعل شيء نهائياً.
تصلب موضعه عارياً وهي عارية..!!
وقد دخل عدد من أفراد الشرطة إلى غرفته والغرفة الآخرى التي بها صديقه وتم أخذهم بطريقة مهينة يستحقونها ويستحقون ما أبشع منها.
استمع الحي بأكمله إلى صوت صافرات الشرطة واجتمع الجميع مبتسمين الثغر كإنهم نالوا جائزة كبرى كان يريدون الشكوى ضد يوسف ابن كبير الصعيد وأعوانه ولكن خوفهم الجمهور ولكن أخيراً نالوا مرادهم..!!
لم ينطق يوسف بحرف كانت أفراد الشرطة تدفعه بقوة نحو سيارة الشركة وهو صامت جامد عيناه متسعة بصدمة وزهول ها هو مُلتف بإحدى ملائات الفراش في مشهد يراه الكبير والصغير وبجانبه صديقه والفتاتان.
وصلت سيارة الشرطة إلى القسم التابع للمنطقة ومن بعدها وصلت رسالة لعُبيدة جعلت ابتسامته تتسع ها هي ضربته الأولى قد نجحت وستتليها الثانية والثالثة والرابعة...!!
★___★
وصلت السيارتان بعد ساعات من القيادة المُمتعة لمازن رغم صمت غالية الذي دام طيله الطريق ولكنه مستمتع لوجودها بجواره يشتم نفس الهواء التي تتنفسه هي كم حزن على زبلان وجهها وضمور عيناها في أيام قليلة تبدل شكلها كلياً ولكنها لم تفقد رونقها وجمالها من وجهة نظره.
حمحم ليلفت انتباهها ورسم على وجهه ابتسامة بسيطة رائعة وقال بنبرة هادئة
- الحمدلله على السلامة يا غَالية..!!
نظرت إليه وأومأت بإبتسامة بسيطة مُرهقة تشعر بأن جسدها مُحطم كلياً تشعر بإختناق شديد خرجت من السيارة تتحرك ببطء تتجه نحو سيارة أخيها التي أمامها ببضع أمتار بسيطة لكن ضعف جسدها لم يحتمل.
كان يُتابعها بعيناه الحزينتين العاشقتين لها يرى ضعف جسدها وهزله الواضح يريد قتل فريد بنصل بارد حتى يتألم حد الموت حتى موته بأبشع الطرق لا يكفيه.
انقبض قلبه بخوف وهو يرى جسدها يميل كادت تسقط لولا ذراعيه القويتان، ركض نحوها بسرعة قصوى فكانت المسافة بينهما قصيرة للغاية وتحكم من خصرها قبل أن تسقط وهو ينادي باسمها بذعر.
وقتها ركض عُبيدة بلهفة يحمل جسد أخته بحنو بين ذراعيه راكضاً نحو الشاليه الخاص بهم كلف أحدهم أن يقوم بتنظيفه هو والملحق الخاص به لصديقه.
لم يستطع مازن الصمود ودخل خلفهم الشاليه غالية لم يغش عليها لم تفقد وعيها بل فقدت سيطرتها على جسدها من سوء التغذية والحزن الذي تمر به.
صعد بها عُبيدة بخطوات سريعة إلى الطابق العلوي ودخل أول غرفة قابلته وضعها بعناية على الفراش ودقات قلبه تتعالى بخوف عظيم وهو يراقب حالتها وجهها الشاحب ذرات العرق المنتشرة على جبينها البارد صوت تنفسها الغير منتظم كإنها كانت تركض مسافة كبيرة دون توقف أو راحة يبدو أنها تعاني من فقر دم شديد بسبب سوء تغذيتها في الأيام السابقة، حاول كتم دموعه المتلألئة داخل مقلتيه بصعوبة أما صفاء لم تستطع التحكم وخرجت من الغرفة وهي تلعن جني وفريد بقسوة ودموع عيناها تهبط دون توقف.
وأوليان التي وقفت بجانب غالية على الفراش تراقب حالتها المتدهورة بحزن بالغ هي من تريد قتل فريد هذا الذي تسبب لتلك الوردة اليافعة أن تذبل بهذا الشكل.
مازن يقف بالخارج وأعصابه تنهار من الخوف والقلق يتحكم في قدميه أن تنساق وتذهب إلى الغرفة ليطمئن عليها بصعوبة شديدة يريد رؤيتها والاطمئنان على حالتها تلك ولكنه يمسك نفسه بصعوبة لا يريد التهور الآن.
بعد دقائق فتحت غالية عيناها الذابلة وجدت أخيها يجلس أمامها ينظر إليها بلهفة كبيرة فابتسمت بوهن حاوط خصرها ورفعها لتستند بظهرها على الفراش واضعاً وسادة كبيرة خلف ظهرها تساعدها على الاستلقاء بشكلٍ مُريح.
خرجت أوليان لتعد لها بعض الطعام البسيط فهي تعلم أن عُبيدة كلف أحدهم أن ينظف الشاليه بالملحق الخاص كان كلفه بملء الثلاجات بجميع الأطعمة فهبطت لتعد طعام بسيط يساعدها على القيام بدل من ذبولها بهذا الشكل.
بينما عُبيدة يمسك كفها بين كفيه يضغط عليهم بقوة قليلة لا يستطيع الحديث لا يجد من الكلمات ما يكفي لوصف ما به من مشاعر متضاربة بين الغضب، الحزن، الخوف والقلق الذي يفتك به دون رحمة بينما غالية تنهدت بإختناق كبير وقالت بصدق
- أنا مش زعلانة عليه على قد ما أنا زعلانة على نفسي يا عُبيدة صدقني..!!
نظر إليها بحيرة كبيرة يشعر أنها دُمية تتحدث ليس أخته تماماً حتى صوتها يخرج من بين شفتيها ضعيفاً للغاية فقال بتعب
- غالية أنتِ حالتك بتتدهور كل يوم عن التاني ازاي عايزني أصدق إنك مش زعلانة على الحيوان دا، أنتِ مبقتيش غالية أبدا شكلك صوتك عينيكِ اتبدلتِ يا غالية، طالما مش زعلانة عليه يبقى تقومي أقوى تظهري له إنك مش فارق معاكِ الحيوان دا كان بيلعب بيكِ أظهري قوتك قومي اتفسحي واتصوري ونزلي صورك زي عوايدك لكن متذبوليش بالشكل دا.
كان يتحدث مختنقاً موهوماً بحالتها تلك يأخذ أنفاسه بصعوبة وهو يراها بتلك الحالة دقائق قليلة ودخلت أوليان بتوتر وهي تحمل بين ذراعيها صينية متوسطة الحجم تنظر إلى غالية بتردد كبير وقالت بصوت حاولت أن تحعله ثابتاً ولكنه خرج متوتراً ومتردداً
- أنا جهزت فطار حلو وجبت المربى اللي بتحبيه.
رسمت غالية ابتسامة على شفتيها وهي ترى أوليان مبتسمة بتوتر خائفة تعلم ما يدور بخلدها لكنها بعيدة كل البعد عما حدث لها فقالت بحب
- أنا هاكل عشان أنتِ اللي جهزتيه عارفة لو عُبيدة كان هو اللي عمله مكنتش هاكل.
قالت جملتها بمرح جعلت غالية عيناها تلمع بسعادة أما عُبيدة رفع حاجبه الأيسر مستنكراً وداخله ينتعش بفرحة عارمة لكنه قال بنبرة متهكمة ساخرة
- يا سلام يختي طب اشبعوا ببعض بقى..!!
تصنع العبوس وقام من مجلسه كاد أن يخرج من الغرفة بغضب طفولي فضحكت غالية وقالت بصوت مُرهق
- مقدرش على زعلك والله تعالى..!!
ابتسم ابتسامة كبيرة وتنهد براحة واتجه إليها يحجزها بين ذراعيه بحماية كبيرة وكفه يربت على ظهرها بدعم وقوة شعرت هي بهم فابتسمت، ابتعد عُبيدة ينظر إليهم وقال
- افطروا مع بعض وأنا هخرج أشوف مازن زمانه ميت من القلق.
قال جملته الأخيرة بقصد وعن عمد ثم ابتسم وخرج ليرى صديقه الذي كان بالفعل يموت قلقاً على حالتها.
بينما جلست أوليان على حافة الفراش تُطعم غالية كـ طفلة صغيرة بفمها وغالية تبتسم بحب على مساعدتها ودعمها تنهدت بقوة وهي ترى دعم كل من حولها وحبهم الكبير لها.
انتهت أوليان من إطعام نفسها وإطعام غالية بحب بسنما ابتسمت غالية بحب صادق لتلك الصغيرة التي تملك حباً وحنان كبير داخل قلبها الصغير هذا.
جلست أمامها أوليان بتوتر ظاهر وسألتها مترددة
- أنتِ كويسة يا غَاليها.
وأومأت غالية بإبتسامة باهتة ومسكت كف أوليان البارد كـ الثلج وقالت بصدق
- هبقى كويسة طول ما أنتوا كلكوا جانبي بالشكل دا.
ابتسمت أوليان وربتت على كفها بحنو وحملت الصينية وخرجت لتطمئن والدتها وزوجة خالها ذات القلب الخائف الملتاع على ابنتها.
تنهدت صفاء براحة عندما استمعت إلى كلام أوليان بخصوص ابنتها، غالية بالفعل تحتاج إلى وقت لتصبح أفضل ما سمعته ومرت به ليس بهين إطلاقاً.
كانت صدمتها كبيرة في من أحبته بصدق لكنها ستتعافى من تلك الصدمة لكن بمرور الوقت بالتأكيد الإنسان ليس بآلة ليضغط على زر ما يطيب....!!
بينما في الملحق الخاص بالشاليه.
جلس عُبيدة بجوار مازن بصمت شارداً في اللاشيء فقد استمتع قليلاً بما فعله في يوسف..!!
مازن بجانبه قلبه يدمي حزناً عليها وعلى نفسه لكنه مخطئ في بداية الأمر كان يحبها بصمت ولم يصرح بحبه لها إطلاقاً ليته كان صارحها منذ زمن ولم يخبئ مشاعره ولم يكتمها بهذا الشكل يمكن كانت تغيرت الظروف للأفضل..!!
لكنه سيصبر ويظل معها مرافقاً إياها حتى تشفى مما هي به سيصبر حتى لو سنوات ووقتها لن يتنازل عنها أبداً مهما حدث..!!
استأذن عُبيدة ليذهب يستريح قليلاً ومازن أيضاً ولكن متى ستأتيه الراحة الفعلية بإزالة آلام وآوجاع قلبه..؟!
اطمأن عُبيدة على غالية التي نامت ودخل غرفته وجد أوليان تنظره بإرهاق شديد لتطمئن عليه فابتسم واحتضنها بقوة معبراً عن كم المشاعر التي بداخله لو تعلم كيف يتحكم بنفسه في وجودها، استنفز صبره مرات عديدة ليته لم يوعدها بإقامة عُرس حقاً سيجن من قربها منه وبعدها في ذات اللحظة ولكنه يريد إسعادها بإقامة عُرس فخم يليق بها وبحبه وعشقه لها.
يريد رؤيتها بثوب الزفاف الأبيض الذي انتقاه بالفعل لها يريد ويريد الكثير ولكن ما يحدث هذا كثيراً وفوق تحمله.
شعر بجسدها يرتخي بين يديه فرفع وجهها فقالت بعينين مغلقتين
- عاوزة أنام يا عُبيدة.
ضحك بخفة واحتضنها بقوة وتمدد على السرير وهي بين أحضانه يحتضنها بين ذراعيه بحماية فنام كلاً منهما بهدوء.
بعد مرور أكثر من ساعة فتح عُبيدة عيناه بإرهاق شديد وألم في رأسه يكاد يفتك به اعتدل على الفراش يمسك بكفيه رأسه يضغط عليها بقوة التفت نحو أوليان وابتسم بخفة يكاد لا يصدق أنه يتحكم بنفسه ليبتعد عنها يختنق شوقاً للمسها ولمس شفتيها كل تلك المدة وهو بعيد كي يحقق لها أمنيتها إقامة حفل زفاف كبير هو نفسه يريد إقامة حفل الزفاف ليُسعدها.
اقترب منها بخفة يدقق في ملامحها بحب تنهد تنهيدة طويلة معبأة بمشاعره الجياشة نحوها رفع إبهامه يُحركه على شفتيها بهدوء وبطء وشغف كبير.
ابتسم بخفة وانحنى برأسه لمسه صغيرة لشفتيها لا تضر أبداً وضع شفتيه على ثغرها يلثمه بهدوء وحب لعن نفسه ليته ما فعلها الآن هو يريد أكثر يريد التعمق أكثر وأكثر ابتعد عنها بإعجاب لاعناً نفسه ولكنه مبتسم مقدار حبها في قلبه كبير لا يمكن وصفه بمجرد كلمات..!!
زفر أنفاسه بقوة وفتح حقيبة الملابس وأخذ منها شورت من قماش الجينز طويل وعليه تيشرت ودخل إلى الحمام لينعش جسده، خرج بعد دقائق عدة خارجاً من الغرفة بأكملها متجهاً نحو غرفة غالية.
لم تكن نائمة أو جالسة على الفراش كعادتها في الأونة الأخيرة، هي هناك في أقصى الغرفة تقف بداخل شرفة كبيرة أمام منظر ساحر أمامها البحر والهواء ينعش جسدها من كل الاتجاهات شعرها يتطاير هناك وهناك وبذراعيها تضم جسدها كإنها تحميه من قوة دفع الهواء، اتجه إليها عُبيدة بخطوات هادئة وبداخله يتمنى زوال ألمها كلما يراها في حالتها يود قتل فريد يود فصل رأسه عن حسده بمنتهى العنف ولكنه سيجعله يندم أشد الندم على فعلته وعلى ما ارتكبه في حقه والأهم في حق غاليته..!!
وقف بجانبها فالتفتت هي له تنظر إليه في صمت تشعر بحزنه الكامن في مقلتيه بسبب حالتها رغم عنها تشعر بحزن كبير يفتك بقلبها ولكن ما يؤلمها أكثر هو حزن عائلتها وجميع من حولها في لحظة كانت وضعت رأسها على كتفه فابتسم عُبيدة ورفع ذراعه اليمنى يحاوط جسدها بأمان وحماية ولم ينطق أي منهما بالكلمات.
أوقات كثيرة الكلمات لا تُعبر عما يشعر به الإنسان، أوقات تقف الكلمات كـ غصة مسننة تؤلم الحلق ما لها من فائدة بينما ضم العين تكفي، ضم الجسد يكفي أحياناً كثيرة عن مجرد كلمات منطوقة محفوظة..!!
لفّت هي الأخرى ذراعها على خصره تضم جسدها المرهق إليه تتنهد بأنفاس طويلة وهمست بحزن
- عارفة إنكوا تعبانين بسبب إنكوا شايفيني في الحالة دي.
رفعت عيناها تنظر إليه مبتسمة ببهوت قتل واكملت حديثها بصدق جعله يشعر بالراحة
- أنا هخرج من الحالة دي يا عُبيدة صدقني بس محتاجة شوية وقت،
محتاجة وقت أراجع أفكاري وأبص لنفسي ممكن..؟!
ابتسم وحرك رأسه بحركات رتيبة هادئة تدل على الإيجاب.
بينما هي ابتسمت بهدوء ودفنت نفسها في جسده تضم جسدها إليه بقوة تشعر بأمان كبير.
دخلت عليهم أوليان التي استيقظت تواً من النوم، غسلت وجهها فقط ومازالت خصلاتها مشعثة مضحكة من أثر نومها.
قفزت على جسديهما الاثنين جعلتهم يضحكون، وما زاد ضحكاتهم عندما راو خصلاتها مشعثة بهذا الشكل.
لم تهتم وضحكت معهم بصخب شديد، وتلك تمت ليلتهم الأولى.
بينما في الملحق يجلس مازن أمام التلفاز دون حتى أن ينظر إليه، كل تفكيره معها هي.
كاد قلبه أن ينخلع عندما وجدها ستقع لولا يديه التي وازنت جسدها قبل سقوطه.
تنهد باختناق كبير ولكنه همس بتصميم:
- معاكي للنهاية يا غالية، مش هتنازل عن حبي ليكي ولا هتنازل عنك أبداً، بحبك وعشان حبك ده مستعد أعمل أي حاجة في الكون تسعدك..!!
ابتسم بتصميم، سيفعل كل وأي شيء فقط لإسعادها، هي تستحق..!!
في اليوم التالي دخل فريد إلى الشركة بصيق ووجهه غاضب بملامح متجهمة.
يريد أن يدخل لعُبيده ويقنعه بالأمر مرة أخرى، وإن صمم على رأيه سينفذ خطة جني وهو يعرف غالية ساذجة غبية ستطيعه...!!
صُدم عندما علم أن عُبيده ومازن في إجازة، لما لا يعلم؟!
ولما مديري الأقسام هم من يتولون الأمر..؟!
أين هو إذاً..!!
اتجه إلى مكتبه ونيران من الغضب اشتعلت في جسده عندما رأى شخصاً آخر يجلس على مقعده يتصرف ويعمل كإنه مكتبه هو.
اتجه إليه يقف أمامه بغضب صارخاً في وجهه بحدة قائلاً:
- إنت قاعد هنا بتعمل إيه ومالك قاعد مريح كده كإنه مكتب أبوك...؟!
رفع الشاب الثلاثيني الذي كلفه عُبيده بهذا الأمر عينيه ينظر إلى هذا الغاضب ببرود أشعل الغضب في جسده أكثر وقال بنفس برود نظراته:
- أنا هنا قاعد في مكتبي بأمر من عُبيده باشا نصار صاحب الشركة يا أستاذ، أنا اللي من حقي أسألك إنت مين وبتتكلم كده ليه..؟!
أزداد غضب الآخر وتشنج جسده من الغضب وعدم الفهم، دي ما هي سوى مزحة، مقلب سخيف من صديقه كمقالبهم السخيفة دائماً.
اتجه إليه يجذبه بحدة من ياقة قميصه وهو يسبه بلفظ بذيء وقال:
- غور يا للا من هنا...!!
دفعه الشاب بقوة جعلته يتراجع عدة خطوات للخلف وتمشك بنظراته ونبرته الباردة وقال وهو يشير إلى لوحة رخامية صغيرة تنتصف المكتب من الجهة الأمامية:
- إنت اللي تغور من هنا، ده مكتبي وده اسمي ولا إنت أعمى مبتشوفش....!!
نظر فريد إلى ما يشير إليه الشاب ووجد بالفعل اسماً ليس اسمه، شعر بالصدمة تغزو جسده تجتاحه بقوة وبرود قارسة يشعر بها الآن.
عقله توقف عن التفكير حتى أنه لم يشعر بالشاب وهو يدفعه للخارج مغلقاً الباب في وجهه بعنف.
صنم فريد للحظات غير مصدقاً ما حدث، هذا مقلب سخيف ولكنه غير محتمل.
رفع هاتفه ليهاتف عُبيده ولكن وجد هاتفه مغلقاً، فهاتف مازن.
زمجر بعنف عندما وجده مغلقاً هو الآخر..!!
خرج من الشركة يصعد إلى سيارته يلف في الشوارع دون هوادة وجسده يرتجف غضباً حتى حل المساء.
اتجه إلى المكان الذي يسهر به دوماً.
دخل فريد إلى النايت كلاب المعتاد عليه ولكنه لم يكن يرقص أو يتمايل مع أحدهم كعادته، بل كان يجلس على البار يحتسي الكثير والكثير من المشروبات حتى أنه لا يستطيع فتح عينيه.
عقله واقف عن التفكير، لا يصدق ما حدث ولم يستوعبه للآن.
حمل الكوب وتجرعه برشفة واحدة ووضعه بحدة على البار الرخامي وهو يرى من حوله بأعين شبه مغلقة..!!
قام يتحرك بخطوات مترنحة يخرج من المكان غير قادر على التحرك.
صعد إلى سيارته يضع المفتاح بنفاذ صبر فهو لأكثر من دقيقتين يحاول وضعه ولكنه لم يرَ بشكل كامل.
شغل سيارته يتحرك دون تركيز كاد أن يحدث بدلاً عنه حادث مئة بسبب سواقته الغير متزنة.
وقف أمام البناية ينظر إليها بعمق يتأكد أهي البناية التي يسكن بها أم تشبهها.
ضحك ضحكات متقطعة صاخبة وخرج من السيارة بترنح يدخل البناية بخطوات غير منتظمة ومن يراه ينظر إليه بإشمئزاز وغضب...!!!
في نفس الوقت خرجت جني هي وصديقتها من مقر عملها وهي مصدومة عيناها تكاد أن تخرج من محجرها من هول الصدمة.
وصديقتها بجانبها تكاد لا تستوعب شيئاً من الذي حدث منذ دقائق قليلة، فقد استغنوا عن عملها كيف؟!
جني التي كانوا يطلبونها شخصياً لتصبح بطلة إعلانات ومجلات وصحف شهيرة تم الاستغناء عنها هكذا وبمنتهى البساطة؟!
صرخت وغضبت منهم ولكن قابلوا غضبها هذا ببرود شديد..!!
وكالة إعلانات كبيرة بهذا الحجم استغنوا عنها بلا سبب، أحلامها تنهار أمام عينيها ولا تمتلك أي شيء للدفاع..!!
لم تكن تلك الشركة فقط بل كل شيء حولها استغنى عنها ببساطة كإنها كانت بلا قيمة..؟!
جني التي كانت تغتر على الشركات البسيطة عندما يطلبونها..؟!
الآن هي طُردت وليس لها وصف آخر.. طُردت من عملها..!!
أحلامها أصبحت كالرماد المنثور على الأرض، بمجرد رياح بسيطة ستقذفه بعيداً دون رجعة.
فتح باب الشقة ودخلها، قذف جسده بإهمال على الأريكة وتمدد حتى ينام، هو يحتاج إلى النوم بعمق.
بعد نصف ساعة رن جرس الباب ليس مرة واحدة بل عدة مرات جعلوه يستيقظ متأففاً بغضب يسب ويلعن الطارق الذي لم يحمل إصبعه عن الزر.
فتح الباب بعنف بأعين شبه مغلقة ووجد جني تقف أمامه بأعين حمراء متورمة كإنها كانت تبكي لفترة طويلة.
أفسح لها الطريق فدخلت هي الأخرى بترنحها، هي الأخرى تجرعت الكثير من المشروبات.
نظرت إليه وقالت بثقل:
- شغلي استغنى عني يا فريد، كل الشركات الكبيرة اللي كانت بالتحليق عليا اشتغل معاها استغنت عني، تخيل حتى الشركات الصغيرة اللي كنت برفضها دلوقتي هي اللي رفضتني.
أنهت كلامها وضحكت بقوة ضحكات عالية صاخبة وهي تجلس بثقل جسدها على الأريكة الوثيرة.
جلست على الأريكة فارتفع فستانها يكشف عن فخذها بوقاحة.
جلس فريد أمامها وعيناه تكشف جسدها يتفحصه دون حياء.
شعر بنار تشتعل داخل جسده، قام من مجلسه يتحرك حتى جلس بجانبها ملتصقاً بها فنظرت إليه في سكر مبتسمة ببلاهة.
أما هو وضع كفه على فخذها المكشوف يحركه على جسدها بلمسات قذرة، هي مستسلمة للغاية.
وضع كفه على عنقها من الخلف يقربها منه يقبلها برغبة عارمة ويده تحاول نزع ملابسها حتى نجح في هذا الأمر وغاب هو وهي بعقل تائه...!!!
جلسة عائلية يشاركهم بها مازن، يضحكون يحاولون بطرق غير مباشرة أن يلهوها عن حزنها وهي تعلم ذلك فتبتسم بحب على ما يحاولون فعله.
استمرت الجلسة لساعات طويلة حتى تعب الجميع وكل منهم ذهب لينام..!!
أما هي وقفت في غرفتها تنظر إلى البحر بعمق، هي تجيد السباحة والآن تريد السباحة تريد أن تنسي وتلهو نفسها عن التفكير.
ابتسمت وارتدت ملابس تناسب البحر وهبطت.
اتجهت نحو البحر حتى أصبحت أمامه مباشرة، لم تفكر للحظة ودخلت رغم تأخر الوقت والظلام لكنها لم تخشاه.
هي لن تدخل لمسافات بعيدة، هي تريد اللعب واللهو فقط.
المكان مظلم سوى من الأنوار التي تحيط المكان الخاص بعُبيده.
تسبح وابتسامة واسعة على شفتيها تفعل شيئاً تحبه وتغرم به ولكن تشعر بجسدها يخمل بشدة.
أصبحت لا تجيد التحكم في يديها وساقيها، رأسها تثقل، تحاول الخروج ولكن للأسف لا تستطيع حتى غابت تماماً عن الوعي...!!
رواية غزالة عبيدة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمه عماره
خرج مازن إلى الشرفة الصغيرة يستنشق الهواء بكثرة، وتفكيره فيها هي كما يفعل دائمًا، يفكر فيها، عقله مشغول بها وقلبه مفتون بها. يؤلمه قلبه بقوة، ولكن ليس بيده شيء ليفعله، خاصة في الوقت الحالي. سيحاول الاقتراب، ولكن من بعيد، لن يعبر لها عن مشاعره مرة واحدة، سيقترب منها خطوة بخطوة. سيساعدها على نسيان هذا الحقير فريد، سيساعدها للتغلب والنصر على حزنها هذا الذي يمزق قلبه بقوة. رفع رأسه عالياً ينظر إلى السماء بابتسامة باهتة متألمة، يناجي ربه أن يلهمه الصبر حتى يحصل على حبها من أعماق قلبها، ولكنه سيصبر، لن يتهور ولن يتسرع.
نظر إلى البحر بابتسامة سرعان ما اختفت وهو يراها تسبح هناك، لن يخطئ فيها أبداً، نعم المكان شبه مظلم، ولكن ثمة ضوء هناك يظهرها بوضوح، خاصة له. ركض بسرعة عالية نحوها، وقلبه يكاد أن يتوقف عن الخفقان من خوفه الشديد عليها، خاصة عندما وجدها همدت وسكنت. أسرع في خطواته حتى وصل إليها، ورمى بثقل جسده في الماء دون تفكير، ولو حتى للحظة واحدة. قلبه يدق بسرعة شديدة من خوفه ورعبه عليها. وصل إليها ومسك بجسدها حتى لا تنحرف بعيداً بسبب موج البحر، حتى خرج بها من الماء، وضع جسدها على الشاطئ، لا يعرف ماذا يفعل غير البكاء وهو يضغط على قلبها بقوة حتى ينعش قلبها، ويصرخ بصوت عالٍ باسمها وباسم عبيدة، الذي انتفض خائفاً وهو يستمع إلى صديقه يصرخ باسم غالية وباسمه، وكذلك أوليان التي انتفضت هي الأخرى، والجميع.
هرول عبيدة يفتح الشرفة اتجاه الصوت، ونظر بذعر لصديقه ولجسد أخته الملقي بإهمال على الأرض. هرول دون حتى أن يرتدي شيئاً في قدمه، وأوليان خلفه. صفاء ونجلاء الذين خرجوا يصرخون بذعر وخوف.
وصل عبيدة بسرعة ورقد على ركبتيه أمام جسد أخته الذي يهتز بقوة بفعل دفعات مازن على صدرها. نظر عبيدة إلى وجهها بصدمة دون أن يأخذ أي ردة فعل، عقله شُل عن التفكير نهائياً. دموعه اخذت تسيل على وجنته دون الشعور منه. ظل مازن يضغط ويضغط بقوة. انتبه عبيدة، وضع كفه على صدغها يضغط عليه، وانحنى على فمها ليجعلها تتنفس حتى لا تضيع منه، ووقتها سيضيع الجميع.
لحظات من الخوف والرعب حتى سعلت غالية بقوة، حتى احمر وجهها وادمعت عيناها. احتضنتها صفاء الباكية بصوت عالٍ وشهقات، وجهها يعمل صدى في أرجاء المكان، إلى قلبها بحماية قلبها الذي كاد أن يتوقف عن خفقانه من الرعب عليها. بينما مازن جلس بإهمال، وأعصاب جسده انهارت، يكاد لا يستطيع رفع ذراعه حتى. عبيده الذي يتنفس بسرعة، وأنفاس متسارعة خوفاً، قلقاً وغضباً منها وعليها.
فتحت غالية عيناها تتذكر ما حدث، آخر ما تتذكره سباحتها في الماء وهي تشعر بلذته، وبعد ذلك لم تشعر بشيء إطلاقاً. صرخت فجأة عندما نزعها عبيدة من جسد والدتها الباكية بعنف شديد، آلمها وهو يقول بغضب أعمى وهو يهزها بعنف شديد:
"بتنتحري يا غالية؟ عاوزه تموتي؟ انتي اتجننتي؟!"
فتحت عيناها بصدمة وبكت بخوف، كادت أن تنفي ما يقول بصدق، ولكن هوى عبيدة بصفعة قوية على وجهها جعلتها تصرخ بألم، وانفجرت باكية غير مصدقة ما فعله أخوها للتو. رأت مازن يبعد عبيدة عنها بعنف شديد ويصرخ فيه بقوة:
"ابعد يا عبيدة، انت اتجننت؟!"
دفعه عبيدة بقوة وملامحه قاسية غاضبة، وجهه أحمر بشدة، عروق رقبته وصدغه نافرتين من شدة الغضب المتمكن منه، ونظر إلى غالية الباكية وصرخ فيها:
"عاوزه تموتي نفسك، انتي أنانية يا غالية، أنانية، مبتفكريش غير في نفسك، مفكرة إنك لما تموتي هترتاحي، كل دا عشان حبيتي واحد حقير ووسخ، عاوزه تموتي عشانه، مفكرتيش فيا؟ مفكرتيش في امك اللي كانت هتموت وراكي؟!"
اندفع ناحيتها يمسك جسدها يحركه بين ذراعيه بقوة وغضب:
"عاوزة تموتي؟ موتي يا غالية، موتي وريّحيني، احنا كدا كلنا هنموت بسببك."
دفعها للخلف بقوة، وهي من خوفها لم تستطع الحديث أو التكلم، لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها ولو بكلمة، ولو بنفي ما يقول، تشعر بإن لسانها مربط، غير قادرة أبداً على الحديث من قوة دفعته، وقعت أرضاً، وأول من لحقها هي أوليان التي ركضت إليها تحتضنها بقوة وهي تبكي، بينما صفاء تجلس أرضاً بإهمال تنتحب بعنف، ونجلاء بجانبها تحتضنها تمسد على ظهرها بهدوء.
مازن يمسك عبيدة بقوة وهو غاضب بقوة منه لما تهور وصفعها، لما آذاها بكلامه، لما خوفه عليها انقلب لغضب شديد منها بهذا الشكل، بم تكن تحتاج سوى احتضان. ليته كان يستطيع أن يحتضنها ويطمئنها أنه بجانبها ولم يتركها.
رفعت أوليان غالية، ساعدتها على القيام وسندتها لتدخل إلى الشاليه. صعدوا الاثنان نحو غرفة غالية، وساعدتها أوليان لدخول المرحاض وهي صامتة، فقط تبكي بصمت وحزن شديد. هي لم تقصد الانتحار، نعم أخطأت أنها هبطت إلى البحر في هذا الوقت، ولكن لم تكن تقصد أن تموت غرقاً، لم تكن تقصد إطلاقاً.
صرخ مازن وهو يدفع عبيدة للخلف قائلاً بغضب جحيمي، وبكاءها يمزق نياط قلبه:
"انت اتجننت يا عبيدة؟ بتضربها؟ بتضرب اختك وانت عارف انها في صدمة؟ مسمعتهاش ليه يا اخي؟ خوفك لغى عقلك؟ إيه هرفك انها انتحرت؟ نجمت سيادتك؟"
دفعه بعنف وأكمل بحدة عالية:
"انت غبي يا عبيدة، غبي ومتسرع، اختك كانت محتاجة حضنك مش محتاجة القلم اللي ضربتهولها."
نظر إليه بعنف وتحرك متجهاً إلى الملحق وجسده يغلي من الغضب. نعم غاضب منها حد الجحيم، ولكن صدمتها عندما فاقت أبلغته أنها لم تقصد الانتحار أبداً.
صديقه الغبي المتسرع دائماً. جز على أسنانه بغضب خانقاً من فعلته الهوجاء، يشعر بأنه صفعه هو لست فعلها معه ولم يفعلها معها هي. صرخ بغضب وهو يتذكر تشنجها، خوفها، صرختها المتألمة التي أدمت قلبه.
خرجت غالية من المرحاض تلبس ثيابها بإهمال واضح، ساعدتها أوليان في تكملة ثيابها وساعدتها على الجلوس على الفراش براحة، ومشطت خصلاتها برفق. انتهت وجلست أمامها تنظر إليها بصمت. رفعت غالية عيناها الباكية وقالت بصوت ممزق من الألم:
"مكنتش بحاول انتحر يا أوليان، صدقيني والله ما قصدت، ولا الانتحار جه على بالي من الأساس، أنا كنت عاوزة أعوم بس، وكنت بعوم فعلاً، بس حسيت إني أعصابي فكت مرة واحدة، معرفش السبب، حاولت أطلع مقدرتش، وبعديها مش فاكرة حاجة. والله يا أوليان ما انتحرت."
انتهت حديثها بشهقة عالية متألمة، فأحتضنتها أوليان بقوة وقلبها يؤلمها على حالها. بينما وقف عبيده خارج الغرفة بصدمة وقلبه يؤلمه بقسوة، وعقله يسبه على بشاعة ما فعله. لاول مرة يصفعها، لاول مرة يزجرها أمام أحد، حتى إن غضب منها كان يعنفها بعيداً عن والدته وأي حد. واليوم الذي صفعها فيه، صفعها أمام الجميع.
شعر بغصة مسننة تؤلمه في منتصف حلقه، بينما صفاء ونجلاء يقفون بجانبه وقد استمعوا إلى كل شيء. هدأ قلب صفاء قليلاً أن ابنتها لا تريد الانتحار ولا تفكر فيه حتى. كادت أن تدخل ولكنها تراجعت، ستتركها مع أوليان يتحدثان سوياً أولاً.
أخذت نجلاء وجلسوا بجانب الغرفة حيث يوجد مكان فارغ يوضع به أريكتان كبيرتان ومقعدان وشاشة تلفاز كبيرة أمام البحر. سينتظران هنا.
بينما دخل عبيده غرفته بغضب من نفسه، يولم نفسه ويعنفها بقوة، ولكنه كان خائفاً عليها بشدة وقتها. عقله وقف عن التفكير، كل ما هو مسيطر عليه خوفه فقط عليها ورعبه من أن يحدث لها مكروه. هو لا يعتبر غالية أخته فقط، بل ابنته، قارورته الغالية.
بعد نصف ساعة دخلت أوليان الغرفة، ووقفت تنظر إليه بغضب شديد، لاول مرة تشعر به منه. لم يستمع إلى أخته، فقط صرخ عليها وصفعها بقسوة أمام الجميع.
وقفت أمامه، فنظر إليها بحزن. لم تهتم، وصرخت فيه بحدة وعتاب:
"غالية مكنتش بتنتحر، كانت بتعوم، يمكن الوقت هو اللي غلط، لكنها كانت بتعوم وأعصابها سابت فحصل اللي حصل. المهم انها مكنتش بتنتحر ولا حتى فكرت في الانتحار. انت بقى عملت إيه؟ ماديتهاش فرصة واحدة تتكلم، زعقتلها وكمان ضربتها قدام كل الموجودين. اول مرة أعرف إن غضبك بيعميك بالطريقة دي يا عبيدة. انت متسرع وغضبك بيعمي عنيك."
تلمعت عيناها بالدموع، وتركته تدخل إلى المرحاض كأنه تهرب منه فيه.
جلس عبيده متصنماً، حزيناً على ما آلت إليه الأمور بسبب تسرعه الدائم هذا. ماذا يفعل الآن؟ كل المحيطين به يعاتبونه، حتى والدته وعمته. كانت نظراتهم المعاتبة كفيلة بحرق روحه. مازن حتى أوليان، نظراتهم اخترقت روحه وقلبه. غضبه أعماه بالفعل، لكنه لم يقصد جرحها أبداً، هو فقط كان خائفاً، بل مرعباً عليها.
وقف أمام غرفة غالية بتردد شديد، خاصة بعدما استمع إلى بكاءها هذا الذي جعله يضرب رأسه بقوة، نافراً من حاله. استجمع شتات نفسه وطرق بخفة ودخل. ما إن رأته غالية، ازدادت بكاءها بشدة حتى ارتجافتها زادت وهي تقول:
"والله ما كنت بنتحر يا عبيدة، صدقني!"
تلمعت دموع كثيفة داخل مقلتيه حزناً عليها. اقترب منها بخطوات سريعة وجلس أمامها على الفراش وهمس بخزي اتضح بشدة في نبرته وعلى ملامحه:
"أنا آسف يا غالية، حقك علي قلبي يا حبيبتي، أنا آسف، بس والله كنت مرعوب عليكي. أنا مبعتبرش نفسك أخوكي يا غالية، أنا أبوكي، أنا اللي ربيتك، سامحيني عشان خاطري."
ابتسمت بوهن وهي تحرك رأسها إيجاباً، فجذب رأسها يحتضنها بقوة، مؤنباً حاله. هي حتى لم تعاتبه، لم تحزن منه، يمكن أنها تشعر به.
لفت ذراعيها حول خصره بقوة، دموعها تهبط في صمت. بعد دقائق أبعدها عنه ينظر إلى وجهها بحزن، خدها أحمر بشدة من صفعته العنيفة التي هبطت عليه. اقترب يقبل وجنتها بحنان، وأصابعه تمر عليها برفق شديد، وعيناه ترسل إليها كم نادم على فعلته تلك. ابتسمت بوهن وبدأ جسدها في الارتخاء مجدداً، هي تحتاج النوم لساعات طويلة. وضع جسدها برفق على الفراش وتنهد بحزن، تعب وغضب. وضع عليها الغطاء بإحكام وظل جوارها يربت على جسدها برفق شديد حتى نامت بالفعل.
قام وأغلق الإضاءة ودخل إلى غرفته، بينما نجلاء وصفاء دخلوا غرفة غالية النائمة، سيظلان معها ليطمئنوا عليها.
دخل عبيده غرفته بتعب، وجدها ممدة على الفراش تعطيه ظهرها ولم تلتفت له. تحرك وتمدد هو الآخر وشدها اتجاهه حتى أصبحت محاصرة بين جسده. حاولت التحرر من قيدته تلك التي تحبها بل وتعشقها، ولكنها سكنت عندما استمعت إلى همسه الضعيف:
"كنت خايف ومرعوب عليها يا أوليان. غالية مش أختي، غالية دي بنتي. أبويا مات وهي صغيرة، أنا اللي توليت مسؤوليتها، توليت كل حاجة وأنا عندي 17 سنة، حتى شركته. أنا حاسس إني أبوها وأخوها وصاحبها، حتى. أنا فعلاً اتهورت واتغبيت، بس والله ما كنت حاسس بنفسي أبداً. أنا دلوقتي تعبان ومخنوق ومحتاجلك جنبي، مش بعيد عنك."
كانت دموعها تتسابق من نبرة صوته الحزينة المتألمة، فالتفت بين يديه واحتضنت عنقه بقوة وهي تقبل رأسه قبلات كثيرة متفرقة، تشعر به وبألمه، تدعو الله أن يريح قلوبهم جميعاً. همست بجانب أذنه بحب:
"حاسة بيك وبخنقتك دي يا عبيدة، بس اختك محتاجالك جنبها. اسمعها يا حبيبي قبل ما تاخد أي ردة فعل تزعلك انت قبلها. شوف دلوقتي انت مخنوق وتعبان بسبب ردة فعلك. المهم إننا اطمنا عليها وإنها دماغها مش في الانتحار. غالية أأقل بكتير من إنها تعمل كده."
أومأ بصمت وهو يزيد من ضمه إليها. تنهد باختناق وهو يضع رأسه أعلى صدرها بقوة، كأنه يخبئ رأسه فيها. سرير الراحة، وهي منبع راحته بأكملها.
في صباح اليوم التالي.
هبط عبيده إلى الأسفل متوجهاً نحو الملحق الخاص بالشاليه، وجد مازن ينام على ظهره على الأريكة، عيناه مفتوحة حمراء، كأنه لم يذق للنوم طعم. جلس بجواره على المقعد ولم يتحدث سوى بعد دقيقة وأكثر:
"انت كنت صح يا مازن؟ غالية مكنتش بتنتحر، أنا اللي من خوفي عليها اتغبيت واتهور."
استمع مازن إلى تلك الجملة وكأنها أنعشته حقاً، فانتفض ينظر إلى عبيده قائلاً بأمل:
"بجد يا عبيدة؟ الحمد لله يارب، الحمد لله. هي أكيد شايفة إن فريد ميستهلش حتى البكا عليه، مش الانتحار."
استنشق الهواء بكثرة، ورُسمت على وجهه ابتسامة كبيرة بلهاء جعلت عبيدة يبتسم لا إرادياً.
بعد دقائق أخذ عبيده مازن حيث الشاليه ليناولوا وجبة الإفطار معاً.
وضعت نجلاء وصفاء وأوليان الفطار على السفرة بابتسامة، كما أخبرهم عبيده تماماً أن ينسوا ما حدث بالأمس. بينما صعد عبيده إلى غرفة غالية التي مازالت نائمة، فابتسم واقترب منها يصحيها برفق:
"غالية اصحي يلا يا حبيبتي."
اتجه إلى الشرفة وفتحها، فدخل الضوء الكثيف منها، فضايقت وهي نائمة ووضعت ذراعها أعلى عيناها، فضحك واقترب منها يزيح يدها، ففتحت عيناها بضيق، وجدت أخيها أمامها مبتسم الثغر، فرغماً عنها ابتسمت بخمول، فقال بحب وهو يقبل جبينها بقوة:
"صباح الخير يا حبيبتي، يلا اجهزي عشان الفطار جهز ومش هنفطر من غيرك، دقيقتين وتبقي تحت، اتفقنا."
أومأت برأسها وهي تتثاءب، واضعة كفها على فمها، فابتسم وغادر. قامت تمط جسدها بقوة، وابتسمت، لابد أن تفتح صفحة جديدة في حياتها وتنسى الماضي بما حدث فيه.
هبطت بخطوات سريعة مبتسمة، جعلت قلب مازن يتقافز داخل أضلعه من فرحته بوجودها. بينما صفاء قلبها يطمئن. وتناولوا الإفطار في سعادة ومرح، ناسين أو متناسين ما حدث.
في البناية التي يسكن بها فريد.
فتحت چني عيناها بصعوبة، متأوهة بخفة. رمشت عدة مرات حتى استطاعت أن تفتح عيناها بشكل كامل. عقدت ما بين حاجبيها بتعجب شديد، أين هي؟ تلك ليست غرفتها إطلاقاً. نظرت بجانبها، فجحظت عيناها بصدمة، فريد نائم بجانبها لا يستره شيئاً إطلاقاً. نظرت إلى جسدها بفزع، وجدت نفسها هي الأخرى عارية، لا يسترها أي شيء. ازدادت دقات قلبها حتى كادت أن تصم أذنيها، وتحركت بفزع. وقعت عيناها على بقع حمراء تحتل الأريكة النائمة عليها، فصكت على وجهها برعب وصدمة، ماذا فعلوا؟
هل فقدت عذريتها؟
ما كانت تخطط له لتقع غالية به، هي من وقعت به.
تفكيرها انقلب عليها.
شهقت بفزع وبكت بصدمة وهي تحاول ستر نفسها، ونظرت إلى فريد الملقي أرضاً، تصرخ باسمه حتى انتفض من نومته هاتفاً بنزق:
"إيه؟"
لم تقل صدمته وهو يراها بهيئتها تلك. نظر إلى هيئته هو الآخر، وقد فهم ما حدث دون معاناة للتذكر.
سرعان ما ضحك بقوة، ضحكات عالية شديدة، وهي تنظر إليه بصدمة وبكاء شديد، لما يضحك وهم في كارثة.
أدمعت عينيه من الضحك وهو يقول بتقطع شديد:
"شوفتي اللي كنتي بتفكري فيه؟ اهو حصل، بس فيكي انتي."
أنهى جملته المتهكمة الساخرة، وانفجر ضاحكاً هو الآخر، بينما هي تحاول أن ترتدي ثيابها بأيدي مرتعشة بسبب بكاءها الشديد. انتهت حياتها، فقدت أعز ما تملك أي بنت، وبسهولة تامة، دون غصب حتى.
ارتدت ثيابها بإهمال، وجلست تبكي بقوة وهي تصك على وجهها بحسرة ورعب، وتفكر في الأيام التالية. فقدت حياتها بالكامل في لحظة واحدة، فقدت كل شيء. كانت تخطط أن يحدث نفس الشيء، ولكن لابنة خالتها، لغالية، ليست لها. لما وقع السحر على الساحر.
أغمضت عيناها تصرخ بهياج شديد، كأنها جُنت بالفعل، وهو يجلس أمامها عارياً كلياً ببرود شديد، كأنه لم يفعل شيئاً. نظر إليها بضيق من صراخها العالي وقال ببرود وهو يقوم متجهاً نحو غرفته:
"خليكي انتي صوتي هنا، أنا داخل أنام."
نظرت بصدمة إلى فراغه، فقد تركها ودخل لينام، وتذهب هي للجحيم. ماذا ستفعل الآن؟
يجب أن يتزوجها بأسرع وقت، ووقتها ستنتهي تلك المشكلة، وسينضرب عصفورين بحجر واحد. ستنتهي مشكلتها، وستنجرح غالية، وفي كلتا الحالتين لن تفقد شيئاً.
في الصعيد:
دخل ناجي إلى قسم الشركة بأرجل مرتعشة، رغم الهيبة المسيطرة عليه دائماً، وطلب الدخول إلى مكتب الضابط المسؤول عن قضية يوسف.
جلس أمام الضابط بهيبته المعهودة، والضابط ينظر إليه بملامح هادئة باردة، وهو يقول:
"حفيدك اتمسك متلبس في قضيتين يا حاج ناجي. قضية دعارة في شقته اللي باسمه، وكان هو وصاحبه وبنتين عليهم قواضي آداب، وكان معاهم مخدرات بكمية كبيرة، مش للتعاطي، للإتجار."
جحظت عينا ناجي بصدمة، حتى كادت أن تخرج من محجرها، خاصة بعد جملة الضابط الأخيرة. شعر أن الموضوع كبير وفوق تحمله بكثير.
كان يعتقد أن ما يفعله يوسف طيش شباب كما يسمونه، ولكن حيازته على كمية كبيرة من المخدرات لم يصدقها إطلاقاً. شعر بثقل كبير في لسانه ورأسه، وبعدها لم يشعر بشيء إطلاقاً.
كان يظن أن يوسف رجله وسنده في تلك الحياة، العكاز الذي سيستند عليه فيما بعد. كان يتركه لنفسه ولحاله، وهو متأكد أنه إن طلبه، سيلبي يوسف طلبه في الحال. لم يرفض له طلب أبداً.
كان يفضله دائماً.
هو رجل إذاً لن يخطئ.
هو رجل إذاً هو الصح دائماً.
كان يعتبرها فتاة ستجلب له العار في أي لحظة.
والعكس أصبح صحيح في حالته هو، الرجل هو من وسخ اسمه واسم عائلته الكبيرة في فضيحة كبرى لن ينساها ولن تنساها بلدته أبداً.
كل ذلك جعله يقع أرضاً بأعين مفتوحة وجسد هامد، فاقداً لملذات الحياة. وقع ولم يجد عكازه الذي ظن أن سيسنده في كبره. وقع وسيظل طريح الفراش حتى يفقد أنفاسه الأخيرة، نادماً على ما فعلته يداه طوال السنوات التي عاشها.
رواية غزالة عبيدة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطمه عماره
فتح عيناه بتعب شديد وجد نفسه في غرفه بيضاء اللون. ادمعت عيناه بخزي، حاول تحريك جسده لكنه لم يستطع. حتي تحريك انمله من اطرافه.
هبطت دموعه بكثرة متذكراً حديث الطبيب منذ يومان عندما علم بعجزه الكامل في اطرافه الاربعة. لما فاق الان!! لما الآن تحديداً؟ يشعر بأنه قاسي ظالم لا يهمه في الحياة سوي نفسه ويوسف..!!
يوسف هذا الذي ظنه رجله، حمايته. العكاز الذي سيستند عليه عندما يقع. ولكن ماذا حدث؟ جلب له العار والفضيحة التي لا ولن تُنسى..!!
ظلمها، كسرها، ضربها وهانها لانها بنت. يكره امها بسبب عدم رضاه علي زواج ابنه من بنت المدينة. كان يريد ان يتزوج من بلدته ليعيش معه تحت طوعه كما كان يفكر بعقله العقيم دائما..!!
الان هو مسطح على الفراش عاجز وحيد، ويوسف في زنزانة بسبب ما فعله. وكل هذا بسببه هو. بس تربيته له. بسبب تفضيله له دوماً.
فقط وهو على الفراش تذكر ما كان يفعله مع تلك الطفلة المسكينة. تذكر صرخاتها الصاخبة. شهقاتها العالية. بكاءها دون توقف. تذكر نظرة عينيها المرتعبة عندما تراه فقط. كإنه شبح. كان هو يستلذ بتلك النظرة كثيراً..!!
ادمعت عينيه بدموع غزيرة وهو يتخيلها امامه تنظر اليه بإبتسامة واسعة وأعين جريئة متحدية. وكأنها تخبره ها أنا أمامك...!!
أغمض عيناه بعجز كبير. حتى دخل إليه الطبيب ليطمئن على حالته. ومن بعدها ذهب في ثبات عميق.
في الزنزانة التي بها يوسف.
يجلس على الارضية القاسية يضم ساقيه لجسده. وهو ما زالت ملتف بتلك الملاءة. منتظر عرضه على النيابة العامة ومن ثم تحويله الى المحكمة لينال عقابه الذي يستحقه.
ما زال صامتاً كإنه أصبح أبكم. ليس لديه القدرة على الكلام. قُبض عليه في مشهد بشع لن ينساه بسهولة. لا يعلم سر الهدوء الذي هو به الان. لما لا يصرخ، يغضب ويسب كعادته. أن سلطته الان شعر انه انتهى. بعدما علم ما حدث لجده. شعر بإن ما به الان نهايته. لذلك استسلم بضعف.
كل ما فعله في حياته من فسقٍ يحصده الآن..!!
في الشاليه خصوصاً في الشرفة الخاصة بغرفة عبيدة.
وقف في الشرفة وهاتفه على اذنه. يستمع الى آخر الأخبار. تفاجئ حقاً بما حدث لناجي. هل سقط؟ لما فعله يوسف..!!
حزن بشدة عليه لدرجة أنه عجز متأثراً بما حدث له..؟! لماذا لم يحزن على تلك البريئة التي ظلمها طيلة السنوات السابقة؟ شعر بالنفور منه ومن كل شئ يخصها.
استمع بإهتمام الى باقي الأخبار. صعق وانتفض بغضب عندما علم أن چني ما زالت في شقة فريد منذ ثلاثة أيام. ماذا يفعلون معاً؟ لم يهمه أمرها. ولكن بنهاية الأمر هي ابنة خالتة. ما سيقال عنها يخصه. ويخص والدته واختها..!!
زفر انفاسه بغضب شديد. وأغلق الهاتف بغضب. كان مغلقاً هاتفه لمدة يومان ليسترخي قليلاً. اما الان هو في عاصفة نارية تكاد ان تأكله.
هل يبلغ اوليان بما فعله في يوسف ام لا؟
يخبرها بما حدث لناجي بشأن عجزه وتواجده في المستشفى. ان يسكت ويكتم عن الأمر. هي لم تهتم بأمرهم حتى لم تسأل عليهم. يشعر بأنه سيحزنها عندما يأتي بسيرتهم امامها.
فكر قليلاً. لماذا لا تفرح بما حدث لهم؟ فهم أكثر من آذاها ودمروا نفسيتها. انتفض قليلاً عندما هزته هي برفق. فكان في عالم آخر. نظر اليها وجد تنظر اليه بقلق يغزو مقلتيها. وبلهفة وخوف وهي تراه في تلك الحالة. وجدها تقول بقلق شديد.
- مالك يا عبيدة انت كويس..؟!
للحقيقة هو لا يعرف ما يجتاحه. اهو بخير ام لا. ما يشعر به انه مضغوط بقوة من كل الاتجاهات. لعب في خصلاته بقوة فاركاً وجهه بعنف قليلاً. وهي تكاد ان تختنق من خوفها عليه. فأعادت سؤالها مرة أخرى بنبرة أكثر قلقاً وتلهفاً عليه. حاول الابتسام. ولكن خرجت ابتسامته باهتة ضعيفة وهو يقول.
- انا كويس. بس في حاجات كتير لازم تعرفيها.
أومأت بقلق وضربات قلبها تعلو بقوة. شعر بإنها تحتاجه. تحتاج للامان الذي يبعث اليه من خلاله كما يشعر. فضم جسدها اليه وقص لها ما حدث بالتفصيل. مما حدث ليوسف بواسطته هو وما ترتب عليه من دخول ناجي للمستشفى. وما فعله مع فريد وچني. كان خائفاً حقاً من ردة فعلها. كان خائفاً من ان يراها تبكي بانهيار كعادتها عندما تستمع الى سيرة ناجي تحديداً.
ولكن ما صدمه حقاً هو خروج ضحكات عالية منها. ضحكات عالية بشدة. أذهلته حقاً. شعر بإن وجهها أشرقت به الحياة. ظل يراقب تعابير وجهها الغير مفهومة وهو صامت فقط يراقبها عن كثب. يشعر بها وبوجع قلبها الشديد الذي تدارية خلف ضحكاتها العالية. صمتت اخيراً تنظر اليه في ابتهاج تقول ببشاشة.
- بجد..؟! يعني اخيراً خلصت منهم. سبب رعبي وخوفي حتى لغاية دلوقتي. كنت حاسة لاخر لحظة انهم ممكن يأذوني. كنت دايماً خايفة. حتى بعد ما بعدت عنهم. رغم الامان اللي بحسه معاك. بس كنت خايفة تحصل حاجة تبعدك عني وتبعدني عن الامان دا. انا دلوقتي حاسة براحة محسيتهاش من سنين يا عبيدة. حاسة اني حرة ومطمئنة. بس هتفضل انت سبب اماني وراحتي يا عبيدة. اوعي تبعد عني.
جذبها اليه يعانقها بقوة وهو يؤكد لها انه سيظل بجانبها دائما وابداً. لن يسمح ببعدها عنه ولو لثانية. احتضنته هي الأخرى بقوة وهي تزفر براحة شديدة. ابتعدت عنه بمسافة قليلة تنظر الى عينيه برجاء صامت وهي تقول.
- عاوزه اشوفه يا عبيدة. عاوزه اشوف ناجي..!!
نظر اليها بتردد. لا يريدها ان تذهب اليه وتراه. حتى وان كان ناجي عاجزاً. ف اوليان ترتعب منه. وخوفها ما يؤلمها. حتى عندما كان في الصعيد يوم كتب كتابه عليهم. بالرغم من حصار رجاله لناجي. لكنها كانت تنظر اليه مرتعبه. من الواضح هي لا تخاف منه لشخصه. ولكن تخشى من ذكرياتها معه التي تتجسد امامها دائما خصوصاً في وجوده. فقال.
- لا يا اوليان...!!
مسكت ذراعه برجاء تقول بإلحاح شديد.
- بالله عليك يا عبيدة مترفضش. عشان خاطري عاوزه اشوفه. ارجوك...!!
نظرت الى عينيه برجاء. عيناه ترجوه ان يوافق. لا يدري ماذا يفعل. يخشي عليها بشدة. حسناً سيوافق. وان حدث اي شئ يؤذيها سيأخذها ويذهب. حتى وان كان هذا ضد رغبتها. فقال على مضض شديد.
- ماشي يا اوليان. بس لو حصل حاجة هرجعك بعدها بثانية غصب عنك..!
أومأت بلهفة. فظل يراقبها بخوف ينهش قلبه. وغضبه مما يفعله فريد وچني الان. بعث رسالة الى احد رجاله بالاستمرار في مراقبتهم. وابلاغه بأي شئ يحدث على الفور. نظر اليها عبيده وقال بنبرة جادة.
- بس مش دلوقتي يا اوليان. نقضي رحلتنا الاول. مش هنعكر صفو حياتنا عشان ناس آذونا. انا جايبك هنا تتبسطي. فاهمه..!!
أومأت بلهفة مع ابتسامة كبيرة مرسومة على ثغرها. ارتفعت على اصابع قدميها تقبل وجنته برقة. جعلته يغمض عينيه متأثراً بقربها هذا الذي يدمره. أخذ نفس عميق قبل ان يقول بمزاح.
- انا مش ابن اختك يا غزالة عشان تبوسيني من خدي..!!
نظرت اليه بعدم فهم. فهي لم تكن واعية عندما سرق من شفتيها قبلته الأولى. فضحك عالياً بنظرات ماكرة مقترباً منها يقبلها على حين غرة بنهم وشغف شديد. جعلها تفتح عينيها بصدمة. لكنها ساكنة مستسلمة بين يديه. لم تفعل شئ سوى الاستسلام.
ابتعد عنها بأعين شقية ملتمعة بالعشق الشديد. اما هي تلونت وجنتيها بحمرة قانية تنظر الى كل الاتجاهات بتوتر وخجل. ابتسم بحب وقبلها مرة أخرى. قبله سريعة لم تأخذ الا ثانية أو أقل. وحاوط وجهها بين كفيه قائلاً بعذاب.
- دي تصبيرة يا غزالة. الصياد تعب خلاص وجاب آخره بصراحة. استعدي بقي عشان اول ما ننزل من هنا نجهز لفرحنا. عارفة لو حصل اعصار هعمل الفرح برده.
ضحكت برقة على تعابيره المغتاظة كطفل صغير. فرفع كفها يقبله بحب شديد. ثم قال وهو يتنفس بعمق.
- استعدي عشان هنطلع كام يوم باليخت.
اقترب منها وهمس بجانب اذنها بنبرة أجشة للغاية.
- بعد فرحنا هطلعلك رحلة باليخت برده. بس ساعتها هنكون لوحدنا..!
طبع قبله رقيقة على وجنتها. وتركها وغادر ليخبر الجميع ليضبوا حقائبهم ليقضوا يومان في عرض البحر للاستجمام.
في الشقة الخاصة بفريد:
تجلس على الاريكة بعصبية جامة. تحرك ساقيها بتوتر وغضب. فريد يتعامل معها ببرود. هي لا تراه من الأساس. عندما تحدثت معه بشأن الزواج ضحك بصخب وتركها وغادر دون بنت شفة. حتى من وقتها لا تراه يأتي متأخراً. لا يعطيها فرصة للتحدث حتى. ويدخل سنام مغلقاً الباب خلفه بالمفتاح كي لا تدخل وتتحدث معه. هو فقط تاركها بمنزله مستلذاً بعذابها وغضبها. تركها فقط ليستمتع..!!
فتح باب الشقة ثم أغلقه بعنف. وابتسم ساخراً عندما وجدها مازالت جالسة كما تركها. لم تيأس..!!
وقفت منتصبة بلهفة عندما رأته. وتحركت تقف امامه تصيح بحده عالية.
- وبعدين يا فريد هتفضل تهرب مني لغاية امتي...!! انت لازم تتجوزني عشان تصلح غلطتك..!!
نفس رد فعله الأول. ضحك ضحكات عالية بصخب يشعل غضبها أكثر منه. توقف ينظر اليها بسخرية شديدة قائلاً بنبرة فجة متهكمة.
- غلطتي..!! ليه ضربتك على ايدك يا قطة ولا شربتك حاجة صفرا! فوقي يا چني. كله كان بمزاجك. شغل الهبل بتاعك دا ميخلش على فريد..!!
اشتعل جسدها بغضب من اهانته وحديثه اللاذع الموجه اليها. وقالت بعصبية.
- غلطتنا احنا الاتنين. انا كنت شاربة ومش حاسة بحاجة. حصل غصب عنا. بس وبعدين لازم نصلح اللي حصل دا. وساعتها هنضرب عصفورين بحجر واحد. هنصلح الغلطة ومن الناحية الثانية هنكسر قلب غالية وعبيدة كمان. لأنه هيزعل لأخته.
نظر اليها بعمق وعلى وجهه ابتسامة كبيرة ساخرة. ينظر اليها مشمئزاً وقال.
- عاوزاني اتجوزك انتي؟! دا انتي دماغك دماغ ابليس. ابليس نفسه بيحكي على دماغ الإجرام دي..!! انا مش بتاع جواز يا قطة. ويوم اتجوز هتجوز واحدة بس انتي عرفاها كويس. غير كدا يبقي هرم. بصراحة. وبعدين انا خدت منك اللي عاوزه اتجوزه واتجوزك ليه؟!
بهتت ملامحها بصدمة شديدة. اما هو دخل الى غرفته ببرود شديد. جلست على الارض بصدمة وتيقنت ان فريد سيتركها في مصيبتها وحدها..!!
في البحر تحديداً.
على متن اليخت تقف اوليان تنظر الى البحر بفرحة طفلة صغيرة لم تكمل عامها الخامس بعد. تنظر اليه بإنبهار وأعين تلمع بفرحة وسعادة. وهو يراقبها مبتسماً بصمت فقط. يراقبها بأعين تلمع ببريق عشقها. وقف خلفها يحتضن خصرها برقة. فأراحت رأسها على صدره تتابع المنظر بفرحة شديدة. اقتربت برأسها تنظر الى الماء اسفلها. تحاول مد ذراعها لتطول الماء دون فائدة. بسنما هو ضحك بعلو صوته ضحكات صاخبة سعيدة. فرحت جذبت اذن الموجودين الذين نظروا اليهم بسعادة فقط يتمنون ان تدوم.
اخذها من ذراعها متجهاً الى مؤخرة اليخت. جلس على حافته وجعلها تجلس امامه. فوضع يده في الماء يحركها بتناغم. وفعلت هي المثل ولكن بطريقة سريعة مضحكة. ازداد لعبها في الماء مما جعل الماء يغرقهم هما الاثنان. وهي تضحك وهو يبادلها ضحكاتها بآخرى اشد علواً وسعادة.
ابتسمت اوليان بعشق تهمس بحب.
- انا فرحانة اوي حاسة اني عيلة صغيرة. انا اول مرة اشوف البحر. عبيدة معاك انت. عارف اي حاجة فرحتني كانت معاك انت. انت اول وآخر حاجة حلوة في حياتي.
نظر اليها بدفء شديد وتنهد بإرتياح. ومسك كفها يقبله برقة.
- وانا صدقيني سعادتك دي بتخليني طاير يا غزالة..!!
ابتسمت بحب وتحركت على يديها وركبتيها وجلست بجانبه. فضمها هو بحنان. وكلاهما ينظر الى البحر يستمتع بنقاء مياهه الصافية.
على الجهة الأخرى.
وقفت غالية تنظر الى البحر بإبتسامة صغيرة. تتابع حركة الموج بعمق وتركيز. تسرح به. تتنهد كل دقيقة وأخرى. وهو يتابعها بأعين عاشقة خائفة عليها. يبتسم لابتسامتها تلك. تنحنح واقترب منها يحدثها برفق.
- ايه رأيك مبسوطة..!!
نظرت اليه وابتسمت بتوسع وقالت.
- المكان هنا مريح للأعصاب بشكل مش طبيعي.
أومأ مؤكداً بإبتسامة. وجاءت على باله فكرة عظيمة. فقال بهدوء.
- طب بما ان المكان عجبك بقي ايه رأيك أخدلك كام صورة..!!
أومأت موافقة. كادت ان تخرج هاتفها. فقال بتلقائية شديدة.
- هصورك على موبايلي وهبقي ابعتهالك.
شعرت بالغرابة ولكنها وافقت. وبالفعل التقط اليها عدة صور رائعة بأوضاع مختلفة. وهي تضحك مرة. وهي تلعب في خصلاتها مرة. ومرة أخرى تحرك ذراعيها بشكل مضحك. هي تفعل هذا لتخرج من قوقعة حزنها. اما هو كان في غاية سعادته وهو يراها تبتسم بتلك الجاذبية.
انتهى. فقالت وهي تضحك.
- تعالي اصورك انت كمان. بصراحة المكان يجنن.
ابتسم بسعادة وعطاها الهاتف. فالتقطت له عدة صور جذابة. ثم أعطته الهاتف. فقال بتردد.
- بما اننا طالعين الرحلة دي سوي. تعالي نتصور انا وانتي صورة..!!
وقفت بجانبه فالتقط اليها صورة سيحفظها في قلبه. ليست في ذاكرة هاتفه. ابتعد مبتسماً وقال.
- انا بعشق الصيد. اصطدتي قبل كده...؟!
أومأت بالنفي. فقام يجلب ادوات الصيد الخاصة به. فهو جهزها خاصة عندما فكر في هذا المشهد. كان يتخيل هذا المشهد عندما اخبره عبيدة بسفره معهم. وقف على السور الذي يفصلهم عن البحر. وثبت صنارته بحرفية كإنه صياد محترف. واشار اليها لتقترب. فأقتربت بهدوء. فقال ضاحكاً بمرح.
- اهم حاجة في الصيد الصبر..!!
ضحكت ومسكت هي الأداة. اما هو فقط ينظر اليها بحب. تنهد مطولاً وظل بجانبها يختلق الأحاديث ليتحدث معها.
قضوا يومان رائعين. يومان حاول الجميع بشتى الطرق ان يكونوا بجانب غالية. لتبدأ ان تكون ابتسامتها حقيقية. وقد شعرت بمدى غبائها.
بعد مرور خمسة عشر يوماً.
كانت چني تركت فريد منذ مدة. وتجلس مع والدتها في فيلتهم الخاصة. خرجت من المرحاض الخاص بغرفتها تمسك بطنها بألم شديد. لا تعرف ما حل بها. فمنذ عدة أيام تشعر بتوعك شديد يكاد يفتك بها. دائماً تشعر بالغثيان.
جلست على الارض تفكر فيما يحدث معها. جحظت عيناها بصدمة عندما جاء على بالها الحمل..؟!
بالتأكيد لا لم يحدث..!!
وقفت برعب تهاتف إحدى الصيدليات القريبة من منزلهم. تطلب منهم اختبار دقيق للحمل. وظلت تنتظر بلهفة ورعب شديد يكاد يخنقها. رن جرس الباب. فقامت بلهفة تفتحه. أخذت الحقيبة البلاستيكية وصعدت حيث غرفتها. بعدما أعطت العامل نقوده وبوفرة. فهي لم تكن بوعيها من الأساس.
خرجت من الحمام دموعها تجري على وجنتيها برعب. عندما تأكدت من وجود الحمل. النتيجة إيجابية. اذا هي تحمل طفل داخل أحشائها. ماذا تفعل الان..!!
جلست على الارض بصدمة شديدة تنظر الى الاختبار بنظرات ضائعة شارده. فريد أنكر وجودها. وعندما أبلغته بأن يتزوجها ضحك ورفض. اما الان ماذا ستفعل؟ فريد لن يعترف بما فعله. هي تتأكد من ذلك..!!
لم تسمع خبطات والدتها الخفية التي عقبت دخولها الغرفة بهدوء. سرعان ما صرخت بلهفة وهي ترى ابنتها تجلس أرضاً بهيئة مبعثرة رثة. بينما انتفضت چني بخوف وصدمة عندما وجدت والدتها امامها. ولكنها لم تملك الوقت الكافي لتخفي اختبار الذي يؤكد حملها.
صرخت اشجان بصدمة كبيرة وهي ترى اختبار حمل في يد ابنتها تمسكه بكف مرتعش. أخذته منها وهي في حالة ذهول. وجدت نتيجته إيجابية. تكاد لا تصدق ما تراه. ابنتها فعلت علاقة مع احدهم وتحمل منه..!!
نظرت الى ابنتها بصدمة غير مصدقة ما فعلته للتو. بينما چني تبكي بقوة وانهيار. مسكت اشجان خصلاتها شعر ابنتها بغضب وهي تصرخ.
- انتي عملتي ايه. عملتي في نفسك ايه. يا نهار اسود انطقي قولي هببتي ايه؟
لم تجد چني ما تقوله. ولكن وجدت لسانها ينطق بجملة واحدة.
- عبيدة اللي عمل فيـا كده...!!
في قصر نصار.
الجميع يجلس في الصالة الكبيرة. وكلاً منهم يمسك في يده البوم يحمل الكثير من الصور. عبيده واوليان يختاران القاعات بهاتفه. اما غالية تبحث عن موديلات الفساتين الجديدة الراقية. اما نجلاء وصفاء يفكران وينتقيان اثاث جناح عبيده. ينتقيان احسن الأشياء ثم يعرضانها لاوليان وعبيده ليختاروا الافضل بينهم.
كان الجميع في حالة من السعادة والفرح. وصمتت غالية على إشعال إحدى الأغنيات الشعبية التي تفضلها. وقفت في المنتصف ترقص بحركات مضحكة. فقد أصبحت غالية بحال افضل بكثير عما سبقت.
توقفت الأغاني تزامناً مع دق جرس الباب. فركضت غالية لتفتحه. وجدت خالتها صفاء واقفة بأعين حادة قاسية لا تنوي خيراً ابداً.
رواية غزالة عبيدة الفصل العشرون 20 - بقلم فاطمه عماره
وقفت أشجان أمام الجميع تنظر إليهم بنظرات حادة قاسية للغاية. عيناها حمراء ممتلئة بالدموع بسبب فضيحة ابنتها التي تحمل في أحشائها طفل جُلب من الحرام. والجميع يشاهدها بصمتٍ يُصاحبه دهشة كبيرة من هيئتها تلك. هيئة مُشعثة تماماً، ليست تلك أشجان المتألقة دائماً التي تنتقي ملابسها بعناية، تنظر إلى الثوب مائة مرة قبل أن ترتديه، تنظر إلى المرآة بعمق أيناسبها أم لا.
تلك التي أمامهم مختلفة، وجهها شاحب رغم غضبه، عيناها حمراء يلتمع فيها الدموع بوضوح شديد. وهم صامتون ينتظرون حديثها. وعبيدة يقف أمامها ينظر إليها بعمق شديد، يتمنى أن لا يصدق ما حدث له فيما شعر به.
وقفت للحظات، جسدها ينتفض بقوة وصدمة، ونظراتها تواجه عبيدة بغضب يكاد يحرق الأرض ومن عليها. وقالت بصراخ حاد:
- إيه اللي أنت عامله مع بنتي يا عبيدة؟ مش كنتوا مخطوبين؟ وانت بمنتهى الندالة ضربتها وقولت إنها ما تناسبكش؟ حومت حواليها بعد ما اتجوزت وخليتها تحمل منك؟ هي دي آخرتها يا ابن أختي؟ بتطعني في ضهري وفي شرفي؟
شهق الجميع بصدمة كبيرة عداه هو. تحركت صفاء تقف أمام أختها بأعين مشتعلة غاضبة، مدافعة عن ابنها الكبير بقوة.
- انتي بتخرفي؟ بتقولي إيه يا أشجان؟ انتي اتصبتي في عقلك ولا إيه؟ عبيدة مين اللي هيعمل حاجة حرام؟ انتي اتجننتي؟
قالت جملتها بعصبية هائلة وقد اشتعل وجهها هي الأخرى بالغضب الشديد. بينما وجهت أشجان عيناها إلى عبيدة وصرخت بغضب:
- رد وانطق وجاوب أمك وقولها على انت هببته مع بنتي؟
تلك المرة صدح صوتها الغاضب والكل نظر إليها بمفاجأة كبرى من قوة نبرتها التي ولاول مرة يستمع إليها الجميع.
- أنا اللي هرد عليكي قبل ما تتهمي عبيدة بالباطل. روحي اسألي بنتك وقوليلها كانت بتبات فين الأيام اللي فاتت؟ اسأليها باتت عند مين زيادة عن أسبوع؟ ولا حضرتك مكنتيش فاضية تدوري بنتك فين ورايحة جاية منين؟
بهت وجه أشجان، فابنتها أخبرتها أنها في رحلة في إحدى المدن الساحلية، ولكن ثقة وقوة نبرة أوليان جعلوها تبهت تماماً. فتابعت أوليان بحدة:
- وقبل ما تتهمي عبيدة اعرفي إننا كنا مسافرين، البيت دا كله كان مسافر لأكثر من 20 يوم بنتفسح ونشم هوا. بنتك تستاهل قطع رقبتها يا طنط. محدش فينا هيصدق الكدبة اللي بنتك ألفتها عشان تنول اللي هي عايزاه.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية وتهكم وصمتت. بينما هو تحدث بصوت هادئ يغلفه الغضب والحسرة.
- يا ما نصحتك ونصحت بنتك، بس ولا انتي سمعتي ولا هي سمعت وطنشتوا كلامي. بنتك فجرت وغلطت وبتلبسهالي مفكراني أهبل وبرياله مش كده؟
فتح هاتفه واضعاً إياه أمام عينيها يقلب صور كثيرة توضح ابنتها تدخل وتخرج من إحدى البنايات وتابع بصوت حاد.
- بنتك المحترمة لفت على فريد صديقي القذر عشان تهد حياتي وتدمر غالية أختي. بس هي غبية متعرفش إن السحر بيقع على صاحبه. سافرت الصعيد هي وفريد لعم أوليان عشان يتآمروا ضدي ويهدوا بيتي، بس أغبية ميعرفوش إن اللي بيلعب بالنار تحرقه. مش هتطبطب عليه. فريد وطردته من شركتي زي الكلب. مبيسواش حاجة. وهي بمكالمة تلفون قعدتها في البيت من غير شغل. يمكن تبطل غرورها. بس عشان تتربي. وقلت بنت خالتي هربيها شوية. بس بنتك معدية مرحلة قلة التربية بكتير. مستعدة تبيع نفسها عشان تدمر اللي حواليها وترضي غرورها.
أخذت عائلتي وسافرت. تفاجئت أن الهانم المحترمة بتردد على بيت فريد. ولا مش بس كده، فضلت قاعدة هناك. كنت هكلمك بس اتراجعت بصراحة. أكلمك أقولك إيه؟ أمال انتي لازمتك إيه في حياة بنتك؟ أعكنن على نفسي بتاع إيه؟ في واحدة كانت عايزة تبعدني عن مراتي وتهد نفسية أختي اللي لسه أخيرًا طالعة من حالة الاكتئاب والزعل اللي حصلوا بس بسبب بنتك.
دلوقتي بنتك المصون حملت من الحرام من واحد نجس. كانوا فاضيين فقالوا نتسلى ونزني. وتيجي تلبسهالي أنا.
تلك المرة على صوته بشكل مخيف اقشعر له الأبدان وهي أمامه صامتة مزهولة تسمع ما فعلته ابنتها. واستمعت إلى ما يقول.
- بنتك عايزة يتقطع رقبتها وتتربي لأنك نسيتي تربيها. بنتك كدابة ومغرورة ومؤامرة وكمان زانية. بنتك دي لو شفتها هقتلها بدم بارد لو إنها متخصنيش. بس للأسف تقرب لي. أنا لو ساعدتها فمش عشان خاطرك ولا خاطرها. عشان خاطر أمي اللي انتي للأسف الشديد أختها. بس متحلميش إن مساعدتي مني أنا. أنا هجيب لها الوسخ اللي اتنيلت معاه وانتوا تصطفوا مع بعض غير كده مفيش.
نظر إلى والدته بحسم شديد وقال بنبرة قوية جافة.
- وبعد دا ما يحصل يا أمي مش هيكون ليا أي علاقة سواء بـ چني أو أمها بعد كل اللي حصل.
نظر إلى خالته بسخرية عظيمة وقال بغضب.
- روحي قولي لبنتك المحترمة حقيقتها اللي عرفتيها وصدقتيها بما إنك ساكتة مش عارفة تتكلمي. روحي ربيها وبكرة هيكون كتب كتابها على الوسخ لأنهم هما الاتنين شبه بعض ولايقين على بعض.
نظر إلى الجميع وصعد الدرجات بسرعة شديدة. بينما هي خرجت بوجهه شاحب باهت منكسة الرأس بسبب فعلة ابنتها المشينة.
هبط عبيدة بعد عدة دقائق مبدلاً ثيابه، ملامحه متجهمة غاضبة. يضع هاتفه على أذنه يهاتف أحداً وخرج دون أن ينطق بحرف واحد. بداخله يثور بركان من الغضب والكره لـ چني وكل ما يخصها.
جلست أوليان على الأريكة صدرها يصعد ويهبط تتنفس بسرعة وغضب. يكاد جسدها أن يشتعل. بكل ما يمر به الجميع لم تشك به ولو للحظة. لا تعلم للان كيف أتاها الجرأة لتتحدث بتلك القوة والطلاقة في وجود الجميع فقط لتدافع عنه.
جلست غالية بجانبها تربت عليها لتهون ما يحدث. فكل مرة يقترب زفافهم يحدث شيء يعكر صفو حياة الجميع. بينما ربتت نجلاء على منكب صفاء بحزن. بينما الأخرى تبكي بصمت. فأولاً وأخيراً أشجان أختها الوحيدة وجني ابنتها التي دمرت حياة ابنتها الوحيدة.
لم ينتظر عبيدة ليوم غد، فكل شيء سيحدث الليلة ليبدأ حياته مع أوليان دون ضغوط، دون عصبية أو غضب. كفى ما شعروا به في الآونة الأخيرة. هاتف رجاله قائلاً بنبرة غضب شديدة.
- جيبوه من رجليه غصب عنه ودوه على العنوان اللي هبعتهولك في الرسالة دي وافضلوا معاه.
أغلق الخط وبعث العنوان بالتفصيل بـ رسالة نصية. بينما هو في صراع شديد. كذب تلك المصيبة ألف مرة كان يخبر نفسه أن چني ليست بهذا الغباء والضعف. لكنها خيبت ظنونه وكانت حمقاء ضعيفة. قبض على المقود بأنامله التي ابيضت من عنف قبضته عليها.
ظل يتحرك في الطريق ذهاباً وإياباً حتى وصلته رسالة بإنه تم ما أمر رجاله بهم. وقتها تبتسم بتهكم واتجه إلى أقرب مأذون ليأخذه معه.
بعد نصف ساعة دخل عبيدة إلى فيلا خالته بغضب وتقزز من رؤية وجوههم أمامه. وجد فريد يجلس على أحد الأرائك محاطاً برجاله. بينما قال عبيدة للمأذون بنبرة هادئة وهو يشير إلى إحدى الغرف.
- اتفضل هنا يا شيخ. استأذنك دقائق.
ساوم الرجل ودخل إلى الغرف. فأشار عبيدة إلى أحدهم فاتحه وأغلق الباب بهدوء. بينما اقترب عبيدة من فريد وعلى وجهه ابتسامة متهكمة ساخرة وقال.
- ليك وحشة يا صاحبي والله.
نظر إلى فريد بغيظ شديد وقال بحده وهو ينظر إلى رجاله المحاط هو بهم.
- عايز إيه يا عبيدة؟
قلب عبيدة شفتيه ببرود وقال وهو يضع قدم على أخرى.
- وعبيدة نصار هيعوز منك إيه؟ صاحب خائن ووسخ وكمان زاني. بني آدم عض الإيد اللي اتمدتله بكل خير. واحد عينه زايه وبص على مرات صاحبه. واحد وسخ فكر إزاي يأذي أخت صاحبه. بس نسيت أقولك إنك واحد غبي في منتهى الغباء. كمان لو فكرت هتلاقي نفسك خسران. خسرت كل حاجة وأنا اللي كسبت. مقدرتش تعمل أي حاجة رغم تحالفك مع چني هانم وكمان مع أهل أوليان في الصعيد اللي جريت زي العيل الأهبل العبيط عشان تحط إيدك في إيدهم عشان يأذوا صاحب عمرك. بس شوف ربك أكون عارف كل حاجة وأنا اللي ألعبك وأفرمك صح ويبقى 10 صفر ليا يا فريد.
نظر إليه فريد بغضب يعلم أن كل ما قاله صحيح. هو بالفعل خسر كل شيء كان حوله. ابتلع لعابه بغضب من نفسه أولاً. ليته لم يراها ولكنه يكذب. هل بالفعل حبها؟ من متى وهو يحب؟ لم يعلم ما معناه حتى هو. فقط يعشق النساء، يحب أجسادهن فقط. صمت وبقي الاثنان ينظرون إلى بعضهم بصمت يقاطعه الغضب والحدة والعنف من جهة عبيدة.
نظر عبيدة إلى فريد قائلاً بأمر.
- هتتجوزها. هتصلحوا القرف اللي عملتوه لأن الهانم حامل يا فريد باشا. ليك ابن في بطنها من الحرام. عارف يعني إيه هيبقى ليك طفل؟ ولا محتاجني أشرح؟
صدم فريد بشدة لا يعلم ما اتلجم بتلك الطريقة. طفل. ضحك بشدة لدرجة أثارت غيرة عبيدة. لما يضحك وبتلك الطريقة الهيستيرية. انتهى من نوبة الضحك التي انتابته وقال بصوت متقطع.
- طفل؟ أنا هكون أب لطفل ومن مين؟ من الشيطانية چني مرة واحدة. عيل هيبقي حظه زفت زي أبوه بالظبط. أب وسخ وأم أوسخ منه.
نظر إلى عبيدة وقال ضاحكاً.
- انت عارف چني اللي عاوز تسترها دي كانت عايزاني أعمل كده في غالية أختك. متخيل چني اللي انت محموق عشانها دي كانت عايزاني أغتصب أختك عشان انت وهي تتذلوا؟ شوفت إنك أهبل أوي يا ابن نصار.
وقف عبيدة بصدمة زلزلت كيانه عندما استمع إلى حديث فريد الأخير بنية چني الدنيئة تلك. شعر بغصة مؤلمة في قلبه وهو يتخيل غالية أمامه تبكي وتصرخ وجهها بعد ما فعله معها الحقير. حرك رأسه بقوة ليطرد تلك الأفكار الصعبة عن مخيلته. وجد نفسه يتجه نحو فريد يجذبه ويلكمه بقوة وعنف شديدين. فريد يصرخ يتألم ويضحك في ذات الوقت.
بينما چني تقف على الشلم بجانب أختها تضع يدها على شفتيها المجروحة. فقد ألقتها والدتها درساً لن تنساه. وبجانبها والدتها التي شهقت من الصدمة وهي تستمع إلى حديث فريد. لتلك الدرجة ابنتها شيطانية منتزعة الرحمة والأخلاق. نظرت إليها والدتها نظرة لن تنساها. نظرة خزي وقرف. وهي تمسكها وتهبط ليتم الانتهاء من تلك المهزلة.
انتهى فريد من ضربه ووقف ينظر إلى چني التي استمع إلى خطوات نزولها. وقال وهو ينظر إليها بإشمئزاز.
- سهل أوي أديكي علقة دلوقتي تقعدك في السرير سنة متقدريش تقومي من مكانك. بس أنا مش وسخ أيديا. بس إنتي تحديداً. عايزة تأذي غالية. بس غالية أشرف وأغلى كتير من إنسانة بوساختك تأذيها.
نظر إليها من أعلى لأسفل بقرف. ونظر إلى أشجان وقال.
- المأذون هنا والاتنين أهم قدامك ورجالتي معاكي. ودا آخركوا معايا. لكن أشهد على المهزلة دي مش هيحصل. رجالي هيخلصوا اللي بنتك عملته وكدا انتهينا. متشرفش بسكوا قدام عتبة قصرنا حتى.
نظر إلى رجاله وقال.
- كله يتم. وتمشوا من المكان دا يا رجالة.
قال جملته وخرج صاكاً الباب بعنف شديد. صعد إلى سيارته يضغط بكفيه على رأسه بقوة. وكلمات فريد ترن في أذنه بقوة دون توقف. أدار المحرك متوجهاً إلى القصر.
وصل وما إن رأى غالية أمامه اتجه إليها يحتضنها بقوة ويديه تتحرك على خصلاتها وظهرها بحب واطمئنان. أنها بخير لم يحدث لها شيء. وغالية تحتضنه بعدم فهم ولكن تبادله احتضانه بقوة أكبر وهي تتنفس بأمان وراحة دائماً ما تشعر بهم في وجوده.
ابتعد عنها ووقف أمام والدته. انحنى يقبل خصلاتها بقوة وأسف وهو يقول.
- أسف إني علّيت صوتي عليكي يا أمي. بس أرجوكي ابعدي أشجان وبنتها عنا. بنتك كانت هتروح في الرجلين بسبب تفكير چني الشيطاني.
نظرت إليه صفاء بإستفسار. فقص عليها كل شيء حتى يكن لها سبب قوي في البعد. وما إن استمعت صكت على صدرها بذعر غير مصدقة لتفكير چني. تتساءل بالفعل چني إنسانة من لحم ودم أم شيطان خُلق من الجحيم.
هبطت أوليان حيث كانت تضع الألبومات في غرفتهم لتتفقدهم في وقت آخر. ابتسمت ما إن رأته واتجهت إليه بخطوات سريعة. ففتح ذراعه مبتسماً وضم كتفها بهدوء دون حديث. دفاعها عنه، قوة نبرتها، ثقتها فيه كفيلة بأن تجعلوه يعشقها أكثر وأكثر.
وقفت غالية أمامهما تنظر إليهما بنصف عين قائلة بنبرة مغتاظة.
- ممكن بقى ننتهي من الدراما اللي بقالنا كتير عايشين فيها ونفوق عشان عندنا فرح عاوزين نهيص ونفرح بـ قيق.
قالت جملتها الأخيرة برجاء شديد. تنحنح عبيدة حتى يجلي حلقه يحاول أن يبدو طبيعياً هادئاً وقال.
- مين قال إننا مش هنفرح ونهيص؟ مفيش حاجة ولا حد هيمنع فرحتنا. كل حاجة هتم في ميعادها والفرح بعد 10 أيام. أما فين فـ دا مفاجأة. اللي عليكوا تختاروا عفش جناحنا. وأوليان تختار الحاجة اللي تحبها. أما فستانها فـ دا مفاجأة برضه.
نظرت إليه أوليان مبتسمة فرحة ودقات قلبها تعلو وتدق كـ الطبول. بينما هو بادلها ابتسامتها بأخرى أشد عشقاً وشغفاً.
بعد مرور عدة أيام. دخل عبيدة القصر بملامح متجهة عيناه تدور في كل الاتجاهات. يريد أن يلمحها حتى دون جدوى. فقد أمرته والدته وعمته بأنه لن يراها منذ أسبوع كامل. أن لن يراها. وبالفعل سبعة أيام لم يلمحها بهم. تنهد بغضب يكاد يشك بأن والدته وعمته يراقبانه. فكل مرة يخرج من غرفته ليذهب إلى الغرفة التي تمكث بها يجد والدته مرة وعمته مرة أخرى. حتى أنه فزع في إحدى المرات.
جلس على الأريكة وجد غالية تهبط. فأشار إليها فاتجهت إليه بخطى سريعة. فقال بلهفة وهو يجذبها نحوه لتجلس بجانبه.
- غالية مش أنا أخوكي حبيبك؟ هجبلك كل أنواع الشيكولاتات اللي بتحبيها بس خليني أشوفها. أنا قربت أتجنن بجد. حسوا بيا.
ضحكت غالية بشدة دون تصديق. فحدث المثل بالأعلى. فأوليان كانت تعرض عليها أن ترسمها عدة رسومات مختلفة بمقابل أن ترى أخيها خلسة دون علم أحد. فقالت.
- دا أنا بيتعرض عليا صفقات كتيرة أوي. بس بجد صعبانين عليا إنك هتتجنن. بس هي حالتها أصعب. دي بتعيط عشان وحشتها.
وقف ينظر حوله بتوتر يكاد يكسر ما حوله بسبب جنونه ولهفته عليها. فقال.
- عشان خاطر أخوكي اتصرفي. هما فين الإخوة الأعداء.
ضحكت غالية بقوة من تشبيهه الذي أطلقه عليهم منذ إعلانهم عن عدم رؤية عبيدة لأوليان في بادئ الأمر. عرضت نجلاء أن تصطحب أوليان إلى شقتها القريبة من القصر. ولكن رفض عبيدة رفضاً قاطعاً أن تترك المكان نهائياً. وأخبرهم أن يلتزم بما قالوه. لكنه غير مقتنع نهائياً. يكاد يجن من بعدها عنها.
نظرت غالية إليه وقالت بحماس.
- ماما وطنت نجلاء مش هنا بقالهم أكتر من ساعتين بره بيشتروا حاجات. وانت أصلاً جاي بدري. تعالي بس هما دقيقتين بس.
نظرت سهى بغيظ شديد وقال بحده.
- طالما مش هنا مقولتيش ليه من بدري يا لخمة إنتي. بدل ما أنا عمال أتلفت حواليا زي حرامي الغسيل.
كادت أن تتحرك فدفعها بقوة وقعت على الأريكة وركض مسرعاً. فقال بغيظ.
- بقي كده يا عبيدة؟ طب هقولهم.
ردت عليه بصوت عالي من الطابق الأعلى.
- عشان أعلقك من ودنك على باب القصر وأحط عليك عسل أخلي الدبان يعمل عليك حفلة.
عضت شفتيها بغيظ وصعدت خلفه. وجدته يقف أمام باب الغرفة يحاول فتحه ويفشل. فصك على أسنانه بغيظ يكاد يصرخ من الحنق. أما بداخل الغرفة استمعت أوليان إلى محاولة أحدهم لفتح الباب. فـ صفاء أغلقت عليها الباب قبل خروجهم من المنزل حتى تتأكد من عدم رؤيتهم لبعضهم. وقتها ضربت أوليان الأرض بحنق شديد.
اتجهت بخطوات سريعة إلى الباب وشيء ما جعلها تبتسم وهي تهمس باسمه بشغف واشتياق.
- عبيدة.
سمعت تنهيدة طويلة تخرج منه وهو يقول بعشق.
- روح عبيده ودنيته بحالها. وحشتيني. هموت لو مشوفتكيش وخدتك في حضني بجد.
وقفت أوليان على بعد عدة مترات ترفع بين أصابعها مفتاح صغير وقالت بتحدي.
- وريني بقى مين اللي هيفتحلك الباب.
نظر إليها بحدة ولهفة. وجد ملامحها متحدية وعلى وجهها رسمت ابتسامة عريضة غرضها أن تشمت فيه. فقال يحزن مصطنع.
- كده أخوكي يهون عليكي يا غالية.
نظرت إلى ملامحه ونظرة الرجاء التي تسكن عيناه. ورق قلبها. فأتجهت إليه وأعطته المفتاح. فابتسم بسعادة. بينما هي صرخت بألم عندما صفعها بقوة على مؤخرة عنقها وقال بحده.
- بقي شماتة فيا يا كلبة يا كلبة.
ضحك بشماتة وهي تنظر إليه بغيظ. ففتح الباب بالمفتاح ثم أغلقه بعنف في وجهها مغلقاً الباب بالمفتاح.
بعد مرور نصف ساعة كان مازال هو بالداخل. بينما صفاء ونجلاء انتهوا من التسوق ووصلوا إلى القصر. شعرت غالية بالتوتر الشديد. فإن علمت والدتها وعمتها ما حدث سيأجلوا زفافهم ويبعدوا أوليان عن عبيدة شهراً كاملاً كما أخبروهم في السابق.
طرقت غالية على باب الغرفة بتوتر قائلة بلهفة مضحكة للغاية.
- يا منحرف يا منكوس افتح الباب اتفضحنا.
ووو يتبع