برضو مش فاكرة أنا مين؟! بلعت قبل ما ترد بارتباك: ع..عيو.نك... _مالها عيوني؟! لفت نفسها براحة عشان تبص في عيوني و اتكلمت بثقة: _عيونك... مألوفين! ابتسمت بجانبية قبل ما أتكلم: _نص أهل البلد عيونهم خضرا، إيه المميز في عيوني؟! ردت بإصرار: _بس الأخضر الباهت دا بالذات... مألوف! سكت شوية و أنا ببادلها النظرات، محدش فينا بيغمض و كأنه تحدي مين اللي هيرمش الأول، و مش عارف ليه...
مش عارف ليه دا فكرني بأول مرة اتقابلنا فيها قبل عشر سنين كاملة! *** فلاش باك قبل عشر سنوات: بملابس ممزقة و مهترئة و يدين ممتلئتين بالغبار و شحم السيارات، و جسد مغطى معظمه بالكدَمات كان يستلقي الشاب ذو الخمسة عشر عاماً على إحدى المقاعد في حديقة عامة دون إيلاء اهتمام حقيقي بأي شئ آخر يجري حوله.
يضع يديه أسفل رأسه يتخذها كوسادة بينما يطالع السماء الزرقاء الشاسعة و يتمنى لو كان طائراً ليتمكن من التحليق بعيداً بحرية مع سرب الطيور المحلقة تلك. كان منغمساً تماماً في عالمه الخاص عندما حُجبت صورة السماء الصافية فجأة بوجهٍ صغير... وجه فتاة صغيرة! أمالت الفتاة رأسها قليلاً و تحدثت بينما تدقق النظر في وجهه: _بتوجعك؟! _ها؟! أجاب بعدم فهم في البداية قبل أن يستوعب أنها كانت تستفسر عن الكدمة الزرقاء حول عينه اليسرى.
اعتدل ليجيبها بابتسامة مزيفة لا تشي عن كونه كاذباً: _لا، مش بتوجعني متخافيش! عقدت الصغيرة حاجبيها بعدم اقتناع و من ثم مدت إصبعها لتلمس الكدمة و ما إن فعلت ذلك حتى تأوه بألم و تراجع للخلف على الفور مبتعداً عنها. أشارت بإصبعها السبابة نحوه و كأنها أمسكته بالجرم المشهود متحدثة: _اها... كنت عارفة إنها واجعاك! تنهد يرفع يديه باستسلام قبل أن يرد مجارياً لها: _ماشي... كشفتيني.
ابتسمت الفتاة برضا و انحنت لتفتح حقيبتها و تخرج منها مرهماً قبل أن ترفعه أمام وجهه متحدثة: _دا هيخليها تخف! طالعها بذهول لثانية قبل أن ينفي برأسه متحدثاً: _لا شكراً، هي هتخف لوحدها. أجابت الصغيرة بإصرار بينما تفتح المرهم: _متخافش، الدكتورة غزال هتساعدك تخف. وسع عينيه بدهشة متحدثاً: _واو... اسمك غزال؟! هزت الفتاة رأسها بالإيجاب فهمهم قبل أن يعود لسؤالها مجدداً: _و نفسك تطلعي دكتورة لما تكبري؟! نظرت في عينيه مباشرةً
قبل أن تجيب بثقة: _أنا مش نفسي أطلع دكتورة، أنا بالفعل دكتورة، بص... تحدثت بينما تفتح حقيبتها على وسعها أمامه لتظهر له ضمادات الجروح و لفائف الشاش و مقياس حرارة و غيرها من الأدوات التي كانت أدواتاً حقيقية تماماً باستثناء السماعة الطبية التي كان لونها وردياً. طالع الأدوات الطبية باستغراب، لماذا ستحمل فتاة صغيرة كل هذا معها؟! تساءل في نفسه قليلاً و عندما عاد للنظر إلى الفتاة مجدداً استوعب شيئاً ما...
لقد كانت توجد بالفعل العديد من الضمادات على وجهها و ذراعيها و ساقيها. مد يده ليلمس الضمادة على جسر أنفها متحدثاً بشفقة مغلفة بالفضو.ل: _مين اللي عمل فيكِ كدا؟! _م..محدش، أنا بقع لوحدي كتير مفيش حد بيضربني خالص! أجابت سريعاً فعلم أنها بالفعل تتعرض للضرب لذا تحدث بحاجب مرفوع: _متأكدة؟! _يعني..في شوية عيال في فصلي كدا بيضربوني.. أجابت بصوت منخفض قبل أن تردف سريعاً: _بس أنا كمان بضربهم و مش بسكتلهم!
تجمد في مكانه عاجزاً عن الرد لوهلة قبل أن يرسم ابتسامة لطيفة و يربت على رأسها متحدثاً: _شطورة. ابتسمت برضا جراء المديح بينما عاد لسؤالها مجدداً: _طب و مين اللي اداكِ الحاجات دي بقى؟! لاحظ ملا.محها التي تبدلت فجأة إلى التعاسة قبل أن تجيبه أخيراً بابتسامة حزينة و منكسرة: _ماما كانت ممرضة، أخدتهم منها بعد ما.... توقفت عن الحديث فجأة بينما تعض على شفتها بضيق.
"ماتت" هي لا تريد أن تنطق بتلك الكلمة لكنه و على كل حال فهم، لقد خسرت والدتها إذاً. ابتسم و انحنى ليتحدث محاولاً تغيير الموضوع: _طب مش هتحطيلي المرهم عشان أخف و لا إيه يا حضرة الدكتورة؟! ابتسمت غزال بسعادة و اقتربت منه تضع له المرهم بأصابع رقيقة و حذرة تخشى إيلامه! طالع ملامحها المركزة و تردد قليلاً قبل أن يسألها: _قولتيلي إن في عيال في فصلك بيضربوكِ، ب..بيعملوا كدا ليه؟! أجابت بعدم مبالاة: _بيقولوا على شكلي وحش.
وسع عينيه بصدمة، لقد أجابت ببساطة دون أن ترمش حتى، أليست متأثرة بكلماتهم؟! تأوه بألم عندما ضغطت بغير قصدٍ منها على الكدمة نتيجة لحركته المفاجئة فتحدثت سريعاً: _أنا آسفة. نفى برأسه مرتين بمعنى لا بأس، طالع عينيها العسلية الواسعة كأعين الغزال و بشرتها السمراء الصافية ليتحدث: _متزعليش من كلامهم، انتِ جميلة يا غزال! أجابت بابتسامة واسعة: _و أزعل ليه؟ ما أنا عارفة إني جميلة و إنهم بيعملوا كدا عشان غيرانين مني بابا قالي.
همهم و ابتسم معجباً بثقتها بنفسها، لو كان لديه أب مثل هذا هو بالتأكيد كان ليكون في وضعٍ مختلفٍ تماماً عما يعيشه الآن! أنهت دهن المرهم له ثم ابتعدت لتحمل حقيبتها و سارت مبتعدة بينما تتحدث: _لازم أمشي دلوقتي قبل ما حد ياخد باله إني اتأخرت، سلام... لوح لها بينما يراقبها تبتعد، لقد كانت فتاة لطيفة حقاً، فكر في نفسه بينما يبتسم بصدق على ما فعلته لأجله و بينما هو كذلك إذ تفاجئ بها تركض عائدة باتجاهه مرة أخرى.
طالعها باستغراب بينما تقترب منه قبل أن تتوقف أمامه أخيراً لتتحدث بأنفاسٍ لاهثة: _نسيت... أقولك حاجة. أمال رأسه متحدثاً بحيرة: _ايه؟! _عينيك حلوين... تجمد في مكانه بصدمة قبل أن يرمش مرتين و يتحدث مشيراً إلى نفسه: _عي... نيا أنا؟! أجابت بابتسامة: _اها، مش عارفة مين اللي قدر يضرب حد جميل زيك بس متسمحولوش يعمل كدا تاني!
أنهت حديثها لتعود للابتعاد عنه سريعاً بينما ظل هو متجمداً في مكانه للحظات يحاول استيعاب ما تفوهت به تلك الطفلة، إذاً هي و على الرغم من ملابسه الممزقة و يديه المتسختين و الكدمات التي تنتشر في جسده كانت لا تزال..... تراه جميلاً؟! *** ابتسم ليث أسفل وشاحه بينما يستمر بالنظر إلى غزال التي كانت تطالعه بدورها تنتظر ما سيتفوه به تالياً، فتح فمه ليتحدث أخيراً: _لطالما جذبتك عيوني يا غزال...
ابتلعت غزال بتوتر حينما بدأ بالاقتراب أكثر منها، نبرة صوته تنخفض أكثر حتى باتت كلماته تخرج في صورة همس خفيف: _بس هتكون حاجة مؤسفة إنك تفتكري العيون و تنسي صاحبها مش كدا؟! سحبت غزال نفساً عميقاً قبل أن تمد يدها ناحية الوشاح بنية إزالته و كانت المفاجئة أنه استسلم لها كلياً يتركها تفعل ما تشاء! يا ترى كيف ستكون ردة فعلها حينما تراه بعد كل تلك السنوات و أخيراً؟
فكر في نفسه، أغمض عينيه و انتظر بهدوء بينما تزيل الوشاح الأسود عن وجهه ببطء. *** في نفس الوقت: استيقظت رؤى في منتصف الليل تشعر بصد.اع في رأسها و آلام حادة في جميع جسدها بينما بالكا.د تتذكر ما حدث. تلفتت حولها لترى الملابس الملقاة في كل مكانٍ على الأرض و كانت تلك اللحظة نفسها التي أدركت فيها أنها كانت... عارية؟!!
تجمدت في مكانها بفزع و سحبت الغطاء على جسدها بينما تحاول تذكر ما حدث بالضبط و كيف انتهى بها المطاف هنا، في غرفة غريبة و تستلقي على السرير دون ثياب! بدأت تعود بذاكرتها للخلف ببطء، تتذكر أنها ذهبت لتقابل لؤي في المخزن: _و الفستان دا جايباه برضو من باريس؟! كانت تنتظره هناك بثوبٍ أرجوانيٍ قصير عندما دخل و تحدث بذلك فجأة. _لا يا روحي من إيطاليا... أجابته بينما تقترب منه مكملة: _تحب تتأكد من الخامة بنفسك؟!
لعق شفته السفلية بابتسامة جانبية قبل أن يجيبها: _و ماله؟ نشوف الخامات... لكنه أبعدها عنه فجأة قبل أن يكمل: _بس بعد ما تجاوبيني على أسئلتي الأول. ابتسمت و أومأت بالإيجاب فتحدث: _الخدامة اللي اسمها ريم، تعرفي إيه عنها؟! _و انت متوقع إني أعرف أسامي الخادمات؟ توقفت عن الحديث قليلاً قبل أن تكمل بنبرة ساخرة: _و بعدين عايز منها إيه؟ دي اللي شفتها معاك في الجنينة قبل كدا؟! ابتسم بجانبية قبل أن يجيبها:
_لا مش هي، واحدة تاني... ضيقت حاجبيها بضيق قبل أن تتحدث بغضب: _أنا مش قادرة أفهمك، قدامك أنا و مع ذلك رايح تجري ورا الخادمات دول؟! اومال لو كانوا حلوين؟!! _انتِ عندك استعداد تسمحيلي أعمل اللي أنا عايزه فيكِ؟! ابتلعت رؤى و تراجعت للخلف بقلق متحدثة: _ق..قصدك إيه؟ عايز تعمل إيه بالظبط؟! اقترب منها و حرك يده على خصلات شعرها الشقراء الناعمة قبل أن يجيب بهمس:
_متعمليش فيها بريئة يا رؤى، انتِ فاهماني كويس..نفس اللي شفتيني بعمله مع الخادمة. ابتلعت و أجابت بقلق: _ممكن أسمحلك تبوسني بس لكن أكتر من كدا... لازم تتجوزني الأول! ابتعد عنها ليقهقه بعلو قبل أن يتحدث: _انتِ فاكرة إني يوم ما أتجوز هتجوز واحدة رخيصة بايعة نفسها بالساهل زيك كدا؟! التف وجهه للجهة الأخرى فجأة عقب الصفعة التي تلقاها من رؤى قبل أن تتحدث و قد امتلأت عينيها بالدموع: _اخرس يا حيوان! ابتسم بجانبية
في حين بدأت تصرخ فيه بغضب: _كنت بشوفك دايماً و انت بتعمل كدا معاهم فحاولت أقرب منك أنا كمان زيهم، عمري ما عملت كدا لأي حد تاني أنا كنت...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!