بعد أسبوع: كان آدم جالساً أمام حاسوبه يبحث في القضية التي تم إغلاقها قبل خمس سنوات. وجد موقعاً يتحدث عنها، لكن المقالة كانت مختصرة ولم تحمل أي أسماء. تنهد بيأس وأرسل إيميلاً لصاحب المقالة يطلب فيه مقابلته قبل أن يغلق الحاسوب مجدداً. أراح ظهره للخلف على الكرسي وأغلق عينيه باستسلام. ما هي إلا لحظات حتى شعر بيد تهزه برفق قبل أن يأتيه صوتها: _نمت؟ الغدا جاهز... فتح عينيه يطالعها بحاجب مرفوع: _لسه قاعدة هنا يعني!
تنهدت قبل أن تجيبه: _مش عايزة أرجع هناك تاني، ذكرياتي في البيت هناك... يعني.. تقدر تقول مش أحسن حاجة. همهم بتفهم: _طب وما دام انتِ مرتاحة هنا معايا أكتر من هناك، ممكن أعرف مش موافقة نتجوز ليه؟ أنزلت وجهها في الأرض قبل أن تتحدث بارتباك: _ت.. تاني الموضوع دا؟ أنا مش فاهمة انت عايز تتجوزني ليه مع إني متأكدة إنك مش معجب بيا ولا حاجة! سكت قليلاً قبل أن يتحدث بحزم: _ارفع وشك، بصيلي هنا يا رؤى... _م.. مش عايزة.
قبض على فكها ليجبرها على مطالعته قبل أن يتحدث بنبرة واثقة: _مين قالك إني مش معجب بيكِ؟! _أنا عارفة، مستحيل حد يُعجب بواحدة زيي... _تقصدي ايه بواحدة زيك؟! _ق... قصدي أخلاقي مش كويسة و بشرب خمر و كمان... وكمان كنت حامل من غير جواز.... _حملك كان من اعتداء مش كدا؟! يبقى ايه ذنبك انتِ؟! طالعته بصدمة: _ا.. ازاي عرفت؟ أنا عمري ما قولتلك قبل كدا! _عرفت من أول يوم شفتك فيه و طلبتي إنك تستخبي عندي.. كان واضح من عيونك..
أشاحت وجهها بعيداً قبل أن تتحدث بإحراج حاولت إخفائه تحت ستار الغضب المصطنع: _دا عبط! بطل تقول كلام مبتذل! _بس أنا بتكلم بجد، أقدر أعرف المجرم من عيونه إنه مجرم زي ما بقدر أميز الضحية برضو من عيونها إنها... ضحية، صدقيني مفيش حاجة أصدق من لغة العيون. أعادت نظرها باتجاهه قبل أن تتحدث بسخرية: _بجد؟ و عيوني بتقول ايه بقى؟! سحبها ناحيته: _بتقول كتير... بس دا سر، لو قولتلك شايف إيه هتوافقي تتجوزيني؟!
_ب.. بس انت تستاهل شخص أحسن مني. _أنا عايزك انتِ. طالعته عيناه التي تطالعها بثبات و ثقة، وقبل أن تدرى كان لسانها يتحرك بكلمة واحدة بتلقائية: _موافقة... ابتسم برضا في نفس الوقت الذي وصله فيه صوت إشعار على حاسوبه. نهض سريعاً ليفتحه، وما إن فعل حتى وقعت عيناه على البريد المرسل من..... صاحب المقالة! *** مؤيد// فتحت باب الشقة براحة عشان أتفاجئ بدينا بتجري عليا وهي بتصرخ: _مومو الحقني... الوحش هياكلني! ميلت راسي بحيرة:
_وحش إيه؟! سألتها ولم تضطر لأنتظر أسمع الإجابة لأعرف من الذي تقصده عندما نطت رقية قدامنا فجأة وهي لابسة ماسك لعبة على وشها: _أنا عايز آكل دينا... اتكلمت بصوت عبيط: _مومو... متخليهوش ياكلني! صرخت دينا وهي ماسكة سيف لعبة في يدها وبتشاور على رقية، سحبت منها السيف وخبّيتها ورايا قبل ما أتكلم بمجاراة ليهم: _أنا الأمير النبيل اللي هينقذ الأميرة من الوحش.
بدأت رقية تقلد أصوات الوحوش وهي بتقرب مننا أكتر. هوشتها بالسيف فرجعت لورا، بس وهي بترجع داست على ديل فستانها وكانت هتقع، فمسكت فيها. وبسبب إن حركتها كانت مفاجئة اختل توازني ووقعت فوقيها. رفعت نفسي شوية عشان أبص لعيونها العسلي اللي كانت باينة من تحت الماسك قبل ما أبدأ أرفعه ببطء من على وشها. وأول ما ظهرت ملامحها اتكلمت بتلقائية وأنا لسه باصصلها: _دينا... شكل الوحش في الآخر طلع.... أميرة جميلة.
وسعت رقية عيونها بذهول في حين اتكلمت دينا باعتراض: _لا، أنا الأميرة، إنت بتعمل إيه؟ ابعد عن الوحش! رمشت رقية بعيونها مرتين فجأة وكأنها استوعبت الوضعية اللي كنا فيها، بس دلوقتي. لفت وشها بعيد قبل ما تتكلم بارتباك: _ا.. ابعد عني، عايزة أقوم... ابتسمت بجانبية: _تقومي؟! اتطورنا وبقينا ننطق بحري من أسبوع واحد بس ما شاء الله. قلبت عينيها لفوق بملل: _متتريقش عليا، كله من أختك... ابعد عني اتحرك بسرعة يلا..
اتعدلت من عليها وهي قامت وكملت لعب مع دينا لغاية ما تعبت ونامت على الكنبة. سحبت ملاية خفيفة وغطيتها بيها كويس قبل ما تتكلم: _احكيلي بقى... مالك؟ بصيتلها بحاجب مرفوع باستغراب: _مالي؟! ما أنا كويس أهو... _لا مش كويس، من ساعة ما جيت وانت عمال تفش وتنفخ كل شوية. تنهدت للمرة الألف النهاردة ورجعت راسي على ضهر الكنبة ورايا باستسلام. قربت وقعدت جمبي قبل ما تتكلم بصوت واطي ومتردد:
_ا.. انت عارف إنك لو حكيت اللي مضايقك لحد تاني دا بيخفف عنك وبيخليك أحسن؟! لفيت وشي وبصتلها، كانت قلقانة عليا بجد وملقتش سبب يمنعني إني أحكيلها، مش وكأنها هتروح تقول لحد تاني مثلاً. سحبت نفس عميق قبل ما أبتدي أتكلم: _لما كنت صغير...
طفولتي كانت مختلفة عن باقي الأطفال حبتين بسبب إني كنت الولد الوحيد لعيلتي. ماما كانت طمعانة في الورث وعايزاني أنا أخده من لؤي ابن عمي الكبير عشان كدا عاملتني بمنتهى القسوة والبشاعة تحت حجة إني أطلع راجل. سكت وأنا بفتكر كمية الضرب اللي كنت باخدها لو عملت أي غلط مهما كان بسيط. كمية المقارنة بيني وبين لؤي ونظرات الحقد في عيونها كل ما لؤي سبقني في حاجة أو جاب درجات أعلى مني في المدرسة مثلاً. _ط.. طب وأبوك؟
كان فين لما كانت بتعاملك وحش كدا؟! ابتسمت بسخرية ورديت: _بابا رجل أعمال مكانش فاضي، معظم وقته بيقضيه في الشغل برا البيت لدرجة إن ستي اقترحت على أمي تاخدني أنا ورؤى نقعد معاها علطول... كنا بنروح البيت بس في إجازات بابا اللي بياخدها كل فين وفين. همهمت بتفهم قبل ما تتكلم: _أنا فاكرة ساعة ما جيتوا، شفتك ساعتها مرة أو مرتين.. كنت لسه شاب مراهق، بس دلوقتي... ش.. شكلك اتغير. بصيتلها بحاجب مرفوع وابتسمت بجانبية:
_بقيت وسيم أكتر مش كدا؟! قلبت عينيها لفوق: _ا.. أياً كان.... دا مش موضوعنا دلوقتي، كمل... تنهدت وسحبت نفس عميق قبل ما أكمل: _ساعتها في الوقت اللي ماما كانت بتعاملني فيه كأني عبدها مش ابنها.. ظهرت واحدة من الخدامات، عاملتني كويس على الرغم من تحذيرات ماما إن محدش يقرب مني....... غمضت عيوني براحة وأنا بفتكرها، كانت بتستنى الكل يناموا عشان بس تتسلل لأوضتي وتداوي جروحي بالليل.
"مؤيد، مش عيب الراجل يبكي.." قالتلي في مرة لما شافتني بحاول أكتم شهقاتي ومابينش إني بعيط، وأنا وكأني كنت مستني حد يقولي كدا.. بكيت... بكيت ليلتها من كتر التعب والألم النفسي قبل الجسدي، وهي استنتني أطلع كل اللي جوايا بفارغ الصبر قبل ما نمسح دموعي وتحضني في الآخر وهي بتتكلم بابتسامة دافية. "متزعلش يا مؤيد، إنت أقوى وأشجع ولد شفته في حياتي صدقني."
فتحت عيوني وابتسمت بحزن، كانت أقرب ليا من أمي وهي اللي عوضتني كل الحنان والاهتمام اللي كنت مفتقده في حياتي وقتها. _و.. وبعدين؟! اتكلمت رؤى بتوتر لما لقيتني طولت في السكوت المرادي. _لما بابا روح في الإجازة اتشجعت وحكيتله عن ماما وعن تصرفات الخدامة دي معايا واتفاجئنا كلنا لما لقيناه اتجوزها بعدها بكام يوم بس... طبعاً ماما مسكتش ولما اعترضت واجهها بالحقيقة ومن يومها علاقتي بماما بقت متوترة.....
حتى لو مقالتش إنها بتكرهني كنت بشوف نظرات الحقد والكره جوا عيونها، كانت بتلومني إن بابا اتجوز عليها! سكت وابتسمت بسخرية قبل ما أكمل: _بس مش دا أسوأ جزء في القصة... الخادمة حملت من بابا وفي يوم ولادتها استغلت ماما سفر أبويا وقتلتها وأخدت بنتها حطيتها في دار أيتام... شهقت رقية ووسعت عيونها بعدم تصديق: _اوعي تقولي إنها...
_أيوا، دينا.. كنت صغير ساعتها وصدقتها لما قالت للكل إن مرات أبويا اتوفت في العمليات ومقدروش ينقذوها هي والجنين، بس بعدها بكام سنة اكتشفت الحقيقة. دورت على دينا في كل مكان وأجرتلها شقة مخصوص بعيد عن أهلي عشان آخد بالي منها بنفسي... ابتسمت رقية: _تعرف إنك أخ حنون وطيب، حتى وهي أختك من أبوك إنت بتعاملها كأنها بنتك مش أختك... _دي أبسط حاجة أعملها للست اللي كانت سبب في يوم من الأيام إني مكبرش كشخص معقد ومريض نفسي. سكت
شوية وتنفس قبل ما أكمل: _دلوقتي وبعد السنين دي كلها لقيت ورق ومستندات تثبت كمية الرشاوي والحاجات الفظيعة اللي عملتها ماما في الشركة وبقى عندي خيار إني أحبسها كعقاب بسيط على جزء من الحاجات اللي عملتها، بس.. بس أنا محتار، مش عارف إذا كان دا الصح ولا لا. محستش بنفسي إن عيوني بدأت تدمع غير لما رقية قربت مني ومسحت دموعي قبل ما تحضني فجأة. _عارفة إنه مش وقته بس... أنا بجد بحبك، اعمل اللي يريحك بغض النظر عن هو صح ولا غلط.
همست في ودني فجأة وهي حاضناني وأنا اتجمدت في مكاني بصدمة. *** الساعة الرابعة عصراً: كانت تجلس في الحمام وتغلق الباب على نفسها من الداخل بينما تستمر في البكاء. _غزال متجننينيش.. افتحي الباب وفهميني مالك! لم تجبه فتأوه بيأس قبل أن يتحدث مجدداً: _متقلقيش مش رايح في أي حتة، أديني قاعد هنا أهو... جلس واستند بظهره على الباب ليستمع إلى شهقاتها الخفيفة من الداخل بشكل أوضح. _روحي وقلبي وحياتي إنتِ، دموعك متهونش عليا....
افتحي الباب وقوليلي إيه اللي مضايقك... تحدث بنبرة رقيقة تلك المرة، وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب ورائه ليسقط للخلف على ظهره. طالع وجهها الباكي والمحمر من الأسفل قبل أن تبدأ بالتحدث فجأة بينما تشير إليه باتهام: _إنت اللي مضايقني.. بسببك... بسببك إنت أنا.... لم تكمل حديثها لكنه خمن بالفعل عندما شاهد ما كانت تحمله في يدها. نهض ليسحبه منها سريعاً، وما إن شاهد الخطين الظاهرين على الشاشة حتى وسع عينيه بعدم تصديق.
_إنتِ... حامل!! _ا.. أيوا. زفر نفساً براحة قبل أن يبتسم متحدثاً: _طيب و بتبكي ليه؟ مش عايزة تكوني أم لعيالي؟! ضربته بقبضتها بضعف على صدره: _غبي، أكيد معنديش مانع بس مش في وسط الظروف اللي إحنا فيها دي! سحبها داخل أحضانه وربت على ظهرها بلطف متحدثاً: _أنا آسف، بوعدك إني أخلص كل حاجة بسرعة. رفعت وجهها لتطالعه بعيون لامعة تنذر بسقوط المزيد من الدموع. _ب.. برضو مصمم؟ حتى وأنا حامل؟!
_ما أنا حكيتلك يا غزال، أرجوكي استحملي يومين تاني بس. *** في نفس الوقت: _أنا كنت على معرفة شخصية بيهم، هحكيلك كل اللي حصل ليلتها بالتفصيل... تحدث الرجل الذي كان جالساً أمام آدم في المقهى. كان يغطي فمه وأنفه بكمامة سوداء وعينيه بنظارة شمسية. وعلى الرغم من أنه بدا مألوفاً لآدم إلا أنه لم يهتم حقاً، كل ما كان يريده في تلك اللحظة هو معرفة الحقيقة وفقط...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!