أوقف السيارة أمام أحد المولات التجارية. نظرت إليه منتظرة أن تعلم ماذا سيفعل. ما كاد أن يفتح باب السيارة حتى أوقفاته هي حين أصدرت صوتًا من حنجرتها. التفت ناظرًا إليها باستفهام. لـ تنفي برأسها وهي تقول: _أوعى تكون نازل معايا كمان. هز رأسه بإيجاب، وهو يفتح باب السيارة ويترجل منها بهدوء. لـ تخرج هي سريعًا وتقف أمامه قائلة: _استني يا حسام، متهزرش. مينفعش تدخل معايا. هشتري حاجات بنات.
أمسك بيدها وهو يجذبها معه بعد أن أغلق السيارة. إلى الداخل وهو يقول مبتسمًا: _عارف، وداخل معاكي. غربلت عينيها وهي تسحب يدها منه وتذهب بخطى سريعة نحو أحد محلات بيع الملابس الحريمية. لكي لا يلحق بها، إلا أنها لم تدري إلا وهو يسحبها من الخلف بحدة. صرخت بصوت خافت وهي تلتفت إليه تزيح يده عنها. في حين كان يتحدث هو صاكًا على أسنانه: _ياريت نبطل حركات العيال دي.
تأففت بضيق لـ يدفعها نحو المحل بخفة. وهي ترمقه بغضب. وقفت بأعين زائغة تنظر نحو ما تحتاجه ولا تستطيع الاقتراب منه. أغمضت عينيها بقوة. لقد ندمت أشد الندم أنها أباحت بمكان ذهابها. في حين وقف هو يعقد ذراعيه خلف ظهره، يكبح ضحكته على مظهرها المتوتر. وأكثر منه غاضب. وقفت أمامهم إحدى البائعات تبتسم متحدثة بلباقة نحو زينة: _تحت أمرك يا فندم. بتدوري على حاجة معينة؟
قضمت زينة شفتيها السفلية بإحراج. وما كادت أن تميل نحو أذن الفتاة لـ تجلب لها ما تريد حتى قطعها حسام قائلاً ببساطة متناهية: _كنا عايزين كل حاجة العروسة بتاخدها. عايزين نجهز القمر يعني. التفتت زينة إليه بوجهها الذي ازدادت حمرته به. تبرق عينيها نحوه وهي تقول غاضبة: _أنا لأ عروسة ولا نيلة على دماغي. سيبني بقى في حالي. ظل مبتسمًا ببرود استفزها. وهو ينظر إليها وكأنها لم تكن تقول شيئًا. أشارت البائعة نحو
الداخل وهي تقول ببشاشة: _طب اتفضلي، نقي الحاجات اللي على ذوقك. تقدمت البائعة. وما كادت أن تتقدم زينة حتى لمحته يستعد للذهاب معها. لـ تقف أمامه تدفعه بصدرها وهي تقول بحدة: _حسام، إحنا مش صغيرين على لعب العيال ده. نظر إلى يدها التي على صدره وإلى وجهها الغاضب. ورفع حاجبه لأعلى بمعنًى: وماذا بعد؟ لـ تسحب يدها سريعًا عنه وهي تتحدث برفق عله يلين: _يعني أنت ترضى إن حد يختار لمراتك حاجات بنات؟
يعني اللي ما ترضاهوش عليك، ما ترضاهوش على غيرك. علم ما ترمي إليه. وداخله يعلم سبب ثورته أثر حديثها. إلا أنه ابتسم ببرود وهو يعدل لها حجابها الساقط دائمًا عن كتفها قائلاً: _ما تخافيش يا حبيبتي، محدش هيختار لبس مراتي غيري. أشار إليها عند كلمة "مراتي". وأشار إلى نفسه عند كلمة "غيري". ثم غمز بعينه. لـ تتفهم مقصده. لـ تنظر إليه بشموخ قائلة: _مش يمكن حد غيرك؟
التفت برأسه عنها. يغمض عينيه بقوة وهو يسبها بداخله. لا يريد فقدان السيطرة على نفسه. وخاصة أنها تضغط على تلك النقطة كثيرًا. لـ يعود ملتفتًا إليها وهو يقول من بين أسنانه: _اطمني، مش حد غيري. تركته وخرجت من المحل سريعًا. لـ يسرع هو خلفها يمسك بحقيبتها يلحق بها. لـ تترك الحقيبة بكامل إرادتها. ومن ثم تبتعد عنه. مضيقة عينها وتبدأ بالصراخ بصوت عالٍ مستغيثة: _الحقوني! حرامي خطف الشنطة من دراعي! الحقوني!
نظر إليها بصدمة. ولم يكاد أن يصدر أي ردة فعل حتى التف حوله مجموعة من الشباب. بهدف الدفاع عن تلك الفتاة الضعيفة التي تمت سرقتها. دفعه أحد الشباب بكتفه وهو يقول بحدة: _مش عيب عليك تسرق وأنت شكلك ابن ناس كده. جذب منه الحقيبة. ومد يده بها نحو زينة. التي نظرت إلى حسام الغاضب وبشدة. وعينه الحمراء التي تدفع لها بشرارات الغضب الشديد داخله. ابتلعت ريقها وهي تقول بهدوء: _خلاص يا جماعة، ما حصلش حاجة. دا...
قاطعها ذات الشاب وهو ينظر إليها قائلاً: _ما تخافيش يا ست البنات، مش هيقدر يعملك حاجة. ابتسم حسام بعصبية وهو يمرر سبابته على عينه. في حين لطمت زينة وجنتيها وهي تعلم ما معنى تلك الحركة الصادرة منه. كادت أن تتحدث مكذبة ما قالت. وأنه لم يسرقها. أنه ابن عمها. لـ تجد حسام يمسك بتلابيب ذلك الشاب قائلاً بابتسامة: _بس هعملك...
ضرب حسام رأسه برأس ذلك الشاب بقوة. لـ يبتعد عنه. وما كاد أحد آخر أن يقترب منه. لـ يرفع يده وهو يشير نحوها قائلاً بصوت جهوري: _البت دي بنت عمي وخطيبتي.
نظر الجميع إليها. لـ تهز رأسها بإيجاب قبل أن تحني رأسها إلى الأسفل. لـ يتقدم منها جاذبًا إياها بعنف إلى الخارج. وهي لم تعترض. لقد أكلها الندم. بكل مرة تدمر علاقتها به أكثر من السابق. وبالفعل ما قالته لها فيروز صحيح. أن دلالها لن يجدي سوى الابتعاد والافتراق. ويمكن أن يمل من طفولية تصرفاتها.
صعدت إلى السيارة معه بهدوء. دون أن تنطق ببنت شفة. حتى وصل إلى المنزل. ركضت خارج السيارة سريعًا. ومنها إلى داخل البناية. إلا أنه لحق بها. أمسك برسغها يبتسم قائلاً: _لا معلش، استني. الحرامي عايز يرجع اللي سرقه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس بارتجاف: _حسام، والله أنا... أخرس حديثها حين حملها من خصرها يعلقها من ثيابها ببوابة البناية من الداخل. شهقت بتفاجؤ ثم صرخت به بخوف: _حسام، نزلني!
تأمل مشهدها هكذا. ومن ثم صعد تاركًا إياها خلفه. في حين صرخت هي به بخوف غامضة عينيها بشدة: _أنا آسفة، والله آسفة. ما كانش قصدي. لكنه لم يعرها أي انتباه. وصعد. إلا أنه دخل من بوابة البناية أحد جيرانهم. لـ تسرع هي بالصياح به بتحذير: _ما تهبدش البوابة الله يخليك. نظر إليها الشاب بصدمة وهو يقول مذهولاً: _آنسة زينة، إيه اللي معلقك كدا؟ تمسكت حتى لا تسبه. إلى متى سـيتسأل ذلك الغبي؟ تتحدث إليه برجاء:
_الله يخليك، نزلني من هنا. وضع الشاب الحقائب الموجودة بيده على الأرض. وهم بالاقتراب منها. إلا أن صوت حسام من أعلى الدرج جعله يتراجع. حين تحدث إليه غاضبًا: _على الله تمسكها تنزلها من مكانها. هحطك مكانها. تحدث محذرًا. لـ يحمل الشاب الحقائب مرة أخرى ويصعد الدرج. ولك يلتفت إلى هؤلاء المجانين مرة أخرى. نظرت إليه بتوسل وهي تقول: _حسام، عشان خاطري نزلني من هنا. هز رأسه بنفي وهو يجلس على الدرج قائلاً بغيظ:
_خليكي كدا عشان تتربي شوية. وتعمليلي فيها عيلة. دا حتى العيال عندهم عقل. عندك؟ أخرج هاتفه يقوم بالعبث به. متنهدًا بارتياح غير عابئ بصوتها المترجي وتوسلاتها بأن ينزلها. وأنها بالفعل خائفة وبشدة. ***
وصل إلى البناية المقيمة بها ابنته. وهو بالأصل لا يعلم كيف وصل بعد ما شعر به من ألم الصدمة. ابنتاه بذات الوقت. واحدة تحادث شابًا من خلف ظهرها. والأخرى أخذته منها بأفعالها المشينة المخجلة. يا لروعة تربيته. ابنته كانت تفعل ما حرمه الله وهو لا يعلم. ومع من.
مع من آمنه على شرفه وعرضه. لقد خانوا ابن أخيه. وكان أول من طعنه بظهره. ركض سريعًا على الدرج وهو لا يدري بنفسه ما يفعل. تنفس بلهث وهو يطرق بكلتا قبضتيه على الباب بقوة وغضب شديد. استمع إلى صوت ابنته من الداخل تطلب من الطارق الانتظار. لـ يزيد من طرقه بقوة حتى فتحت الباب. ابتسمت بوجه والدها وهي تقول بسعادة: _بابا، تعالي يا حبيبي اتفضل.
نظر إليها أكرم بعينين حمراوين يطلق منها الشرار الغاضب. لـ يبهت وجهها وهي ترى والدها غاضبًا وبشدة. وبطريقة لم تراها من قبل. انقبض قلبها بخوف وهي تنظر إليه قائلة: _في حاجة يا بابا؟
تلقت صفعة قوية على يد والدها أطاحت بها على الأرض. تصرخ بألم واضعة يدها على بطنها. ولكن لم يهتم أكرم بما سـيحدث لها. إنما يريد أن يريح داخله. لـ ينحني يمسك بخصلات شعرها ويجذبها بعنف نحو الداخل. ويغلق الباب خلفه بقوة. وهي تزحف بقدميها لـ تجاري جذب والدها لها. وبدأت بالبكاء وهي تقول وهي تصرخ بألم: _ابعد يا بابا عشان خاطري. في إيه بس؟
جذبها أكرم بقسوة أكبر حتى وقفت على قدميها. وهو لازال يمسك بخصلاتها يجذبها من جذورها قائلاً: _أنا تعملي فيا كدا يا بنت الكلب. تأوهت بألم شديد وهي تمسك بيد والدها تبعده عنها. وتسقط دموعها بغزارة على وجنتيها قائلة: _أنا عملت إيه يا بابا؟ إيدك بتوجعني. عشان خاطري. نظر إليها بشر وهو يصفعها مرة أخرى. يهزها بيده بقوة وهو يقول من بين أسنانه: _زنا يا بنت الكلب. زنا. دا أنا ربيتكوا برموش عيني. كنت أعمل معاكي إيه تاني؟
عملت الغلط من الصح. أنت بنتي. تضربيني في ضهري. قال جملته. ولم يستوعب بعد أنه يقول ذلك لابنته العزيزة. حتى عندما شهقت بحدة وجحظت عينيها بصدمة لمعرفة والدها بما فعلت. لم ينتظر أي كلمة منها. إنما أنهال عليها باللكم والصفع. حتى أبعدها عنه بحدة. فقط بسبب حملها. لا شيء آخر. يخشى أن يزهق روحًا ليس لها أي ذنب. إن لم تكن حاملًا. لكانت بـعداد الموتى الآن. صفعها مرة أخرى وهو يصيح بها:
_أنا في آخر عمري أقف أسمع عن بنتي كلام زي دا. قصرت معاكي في إيه؟ عشان تعملي فيا كدا يا بنت الكلب؟ دارت عينه وهو يقول بتيهة: _وأنا أقول شهاب مستعجل كدا ليه على الجواز؟ نظر إليها مضيقًا عينيه عليها. وهي تبتعد زاحفة إلى الخارج. وهي على الأرض تبكي بقوة. ناظرة إلى والدها بخوف وهي تحاول أن تحمي نفسها من بطشه. لـ يركلها بقدمه وهو يقول بصوت عالٍ غاضب:
_ما خطرش على بالي إن بنتي تكون زي أي واحدة لا اتربت ولا عرفت التربية. دي شكلها إيه؟ ألقى بالمقعد بقدمه حين دفعه بحدة. وهو يقول: _يا بنت الكلب. ضيعتي شرفك وكرامتك وعفتك عشان إيه؟ أنا هتجن عشان إيه؟ تضحكي على الراجل اللي عايز أختك عشان إيه؟ تضيعي نفسك عشان إيه؟ تضيعيني. ليه؟
أمسك بمزهرية موجودة بجواره وألقاها عليها. لـ تصطدم بذراعها بقوة. وتحطمت إلى قطع صغيرة. مع جرحها جرحًا غائرًا. ولم يهتم والدها بصراخها المتألم. بل ألم قلبه وصدمته بابنته كان أقوى بكثير. لـ تنظر إلى الدماء الغزيرة النازفة من ذراعها. وهي تبكي متوسلة أباها قائلة: _يا بابا بـ... قطعها قبل أن تكمل. واضعًا سبابته على شفتيه وهو يقول بتحذير: _أوعي تنطقي بابا دي تاني. أنتِ سامعة؟
أنتِ من النهاردة لا بنتي ولا أعرفك. ولا يشرفني تبقي أنتِ بنتي. ما كاد أن يغادر. حتى أتى بذات الوقت شهاب من العمل. ويبدو على وجهه الإرهاق الشديد. ابتسم حين التقى بوجه أكرم. وتحدث مرحبًا وهو يغلق الباب قائلاً: _أهلًا وسهلًا يا عمي. تلاشت ابتسامته حين رأى ياسمين متسطحة على الأرض تتأوه بألم. وينزل من ذراعها الدماء تسيل بغزارة. نظر إلى أكرم وهو يتقدم منها قائلاً: _في إيه يا عمي؟ حصل إيه؟
اقترب منه أكرم ببطء. لـ شعوره بأنه سـيسقط بأي لحظة. وهو يشعر بنغزات متتالية بقلبه لا تتوقف. نظر إليه وهو يقول: _لو كنت جيت قولتلي. كنت دفنت بنت الكلب دي. كنت دفنتها في سابع أرض. نظر إليه شهاب مطولًا. ولم يتحدث. لـ يكمل أكرم بحدة: _ما قولتليش ليه إنك عايز فيروز؟ وأنا كنت منعتك تكسر قلبها من الأول. لية مقولتليش؟ مكنتش الأخوات خسروا بعض. وقف شهاب بعد أن كان يرى وضع ياسمين. وما كاد أن يتحدث. إلا أن أكرم قاطعه صارخًا:
_حرمك وابن عمتها كانوا في علاقة مع بعض قبل جوازكوا. صرخت ملامحه بالغضب الشديد. وهو يهدر صارخًا: _نـعــــــم!!!! انت بتقول إيه يا عمي؟ تقدم أكرم من ياسمين وركلها بقوة بقدمه وهو يقول باشمئزاز: اهي عندك اهي اسألها. وعلى فكرة هي وعلي اللي حطولك حاجة في الأكل واتفقوا عليك. وكانت فكرة علي إنها تروح لعمك مش أبوك، وفكرته برضه إنها تصور نفسها معاك. ويا عالم الواد اللي في بطنها ابنك ولا لأ. بصق عليها أكرم وتركها. وفتح الباب
ليلتفت إليه وهو يقول: وإياك أي حد يعرف، على الأقل على ما أحمد يكتب على فيروز الأسبوع ده. كان الألم يقتل ويدمره، يسحقه به وهو يغلق الباب ويخرج من الشقة. في حين التفت شهاب نحو ياسمين وهو يرمقها بشراسة، غير عابئ بصوت بكاءها أو تأوهها أو أي شيء آخر. يشعر بنفسه لا يمت للرجولة بصلة بعد أن خدع من تلك الحقيرة عار والديها. لينحني على ركبته أمامها، يمسك بذراعها موضع الجرح، يقبض عليه بقوة. في حين صرخت هي متألمة.
ليجذبها تجلس لينظر إلى داخل عينها بعينين متسعتين يخرج منها شرار غاضب وهو يسحق أسنانه غاضباً. نظرت إليه بخوف وهي تهمس بألم: اسمعني يا شهاب بالله عليك. جذب خصلات شعرها يقرب وجهها منه وهو يصرخ بوجهها بزئير حاد: أنا أضرب على قفايا يا بت، أنا أصلح غلط مش غلطي. صرخت بفزع من رؤية وجهه الغاضب قريب منها، وجهها الذي امتلأ بالدموع وهي ترتعد. ليقف ولا يزال ممسكاً بخصلاتها يجرها خلفه وسط توسلات وترجٍ أن يتوقف حتى لا تتأذى.
وصل بها إلى المطبخ وتركها بقوة. ويذهب ليأخذ سكين حاد النصل ويتقدم منها من جديد نحوها. حاولت التراجع وهي تصرخ بالنفي، وألا يفعل بها ذلك. إلا أن قواها لم تساعدها على هذا. ليصل إليها يجلس على ركبتيه أمامها يمسك بذراعها بقوة ويضع السكين على رقبتها موضع العرق النابض بالحياة. وهو يتحدث إليها بقسوة قائلاً: وديني وإيماني إن ما نطقتي بكل حاجة من الأول لحد دلوقتي هكون دابحك من غير تفاهم. ***
فتح أكرم باب الشقة وأغلق الباب خلفه بعنف وألقى ما بيده على الأرض. وهو يبحث بعينين ضيقتين داخل الشقة ليهدر صارخاً: فيروز! أجابته فيروز من داخل غرفتها بأنها قادمة إليه، رغم قلقها من نبرة صوت والدها. ما كادت أن تخرج حتى وجدت والدها يدلف إلى الغرفة بعنف. لأول مرة نظرت إلى وجه والدها بقلق وهي تتقدم نحوه قائلة: مالك يا بابا؟ جاءت هناء زوجته على صوته العالي الحاد الذي ينادي به على فيروز على غير العادة وهي تقول متسائلة:
بتزعق ليه يا أكرم؟ تنفس لثانية، وبالثانية الأخرى كان يصفع فيروز بقوة حتى سقطت على الفراش. خلفها شهقت هناء بخضة عند صرخة فيروز بألم. دفعت هناء أكرم وتقدمت نحو فيروز تحتضنها حين أجهشت بالبكاء وهي تضع يدها على وجهها. ربتت هناء على ظهرها وهي تقول بحدة: انت اتجننت يا أكرم؟ عملت إيه عشان تضربها؟ تقدم منها أكرم وبوجه حزين تحدث وعيناه دامعة، لم يعد يسيطر على ألمه بعد ذلك:
أنا هكتفي بالقلم دا بس عشان عرفتي شهاب من ورايا. لاني مش هساويكي بال*** ياسمين. كسرتي فرحتي بتربيتكوا، خونتي ثقتي فيكوا. تنظر إليه هناء منذهلة مما يقول، وقد اتسعت عيناها وهي تنظر ما بين فيروز وأكرم. ولم تجد سوى الصمت والبكاء من ابنتها. لتبتعد عن فيروز وهي تقول بصدمة: انت بتقول إيه يا أكرم؟ في إيه فهمني؟ مسح أكرم عينه بعنف وهو يشير نحو فيروز قائلاً بخيبة أمل: أقولك إيه يا هناء؟
أقولك إن فيروز نور عيني وروح قلبي كانت بتكلم شهاب ومن زمان من ورانا. ولا أقولك إن ياسمين أول ما العين شافت وأول ما القلب حب خانت كل سنين تربيتي ليها وباعت نفسها لابن أختي وخدت اللي بيحب أختها منها. أقولك إيه؟ ضربت هناء على صدرها بصدمة وفجعة مما يقول زوجها. ثم ارتمت على الفراش جالسة وهي تضرب بكلتا يديها على قدميها وهي تصيح بصراخ عالٍ وقلب يدق بعنف من شدة رعبها مما سمعت: يا خيبتك يا هناء، يا خيبتك.
ثم نظرت إلى زوجها وهي تبكي. لتقف تتقدم نحوه تمسك بذراعه وهي تقول: عرفت منين يا أكرم الكلام دا؟ معقول يا أكرم ياسمين... مش معقول. أشاح أكرم برأسه بالجهة الأخرى وهو يقول بحسرة: بقي معقول يا هناء؟ بنتك حطت رقبتي تحت جذمة اللي يسوى واللي ما يسواش. ثم التفت نحو فيروز يحادثها بقسوة لاول مرة تشاهده بها: اسمعي، أحمد هيكتب عليكي الأسبوع الجاي. صرخت باستنجاد وهي تركض لتقبل يد والدها وهي تقول برجاء:
أبوس إيدك يا بابا، أنا بحاول أتعود على أحمد عشان خاطري يا بابا متخلنيش أكره. سحب يده منها. لتربت هناء الباكية على كتفه وهي تقول: لا يا أكرم كدا هنظلمها العمر كله. رمق فيروز بطرف عينه وخرج من الغرفة. لتحتضن والدتها التي لم تكف عن البكاء. لقد تحطمت سنوات التعب والسهر على تربيتهم. تملك منها القهر لتبدأ بالبكاء بصوت مرتفع وشهقاتها تعلو وتعلو. وينتفض قلبها بحزن شديد وهي تحتضن فيروز التي كانت تبكي بقوة هي الأخرى. ***
نظرت إليه بخوف بعد أن أتمت حديثها واعترافها بكل شيء. أبعد السكين عن رقبتها بعد أن أطالتها بحرج صغير. وهو يقول بألم: يا ولاد الكلب ضيعتونا يا شوية***. ألقى السكين بعيداً عنها. وقبل أن يقف كان من نصيبها صفعة قوية تلقتها هي منه حتى طرقت رأسها بالحائط بعنف. وازداد بكاءها وانكمشت على نفسها أكثر. اصطك على أسنانه وهو يقول بغضب شديد وهو يقبض على يده بقوة:
والله وبالله هندمكوا على اللي عملتوه وهخليكي تتمني اللي جرى ما كان، بس مش هتطولي. أشار إلى بطنها وهو يقول بحدة: الواد اللي في بطنك ابني ولا لأ؟ صمتت بـبكاء. لـيهزها بـقدمه و هو يصرخ بها من جديد بـذات الجملة. لـتشهق هي بـبكاء مجيبة: ابنك أنت، والله ابنك. مسح العرق عن جبهته وهو يقول باستحقار: وانت هيفرق معاكي إيه؟ مانتي لعبتي لعبة حلوة قوي عشان تلاقي اللي يستر عليكي. ازداد بكاءها وهي تضع يدها على أذنها قائلة:
كفاية بقى، كفاية. أنا كدا كدا لازم أنزله عشان لازم أستأصل الرحم. ارتاح بقى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!