الفصل 8 | من 15 فصل

رواية غزوة حب الفصل الثامن 8 - بقلم اسماء ايهاب

المشاهدات
17
كلمة
4,614
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

في المشفي الخاصة بصديق السيد أكرم، تم تعيين فيروز قبل قليل، وتسير الآن بجوارها زميلة لها تريها المشفي بالكامل والقسم الخاص بها. وهم يتحدثان معًا على النظام العام للمشفي، حتى ودعتها زميلتها وذهبت إلى العمل. حين رن هاتف فيروز، أخرجت الهاتف من جيب سترة العمل. ابتسمت حين وجدته أحمد، فتحت الاتصال واضعة الهاتف على أذنها، واستمعت إلى صوته الهادئ من الطرف الآخر لترد عليه قائلة بهدوء:

_الحمد لله يا أحمد بقيت دكتورة رسمي في المستشفى. استمعت إلى صوته مرة أخرى وهو يتحدث، وحين انتهى ردت هي قائلة: _يعني هتتأخر؟ عادي ممكن أروح لوحدي. طب خلاص هستناك. سلام.

انتهت مكالمتهم ووضعت فيروز الهاتف مرة أخرى بجيبها، وبدأت بالسير من جديد تشاهد تفاصيل المشفي وتصميمها، حتى وصلت أمام غرفة. انتبهت إلى نفسها ونظرت حولها لتجد أنها بالعناية المشددة. قبضت حاجبيها باستغراب وهي تمد يدها إلى باب الغرفة، فتحتها ببطء وأطلت برأسها إلى الداخل لتجد شابًا متسطحًا على الفراش محاطًا بالأجهزة ويبدو أنه غافي. نظرت إليه مطولًا حتى شعرت بأحد يضع يده على كتفها. التفتت لتجدها إحدى الممرضات تقف خلفها مبتسمة. أغلقت فيروز الغرفة وبادلتها

ابتسامتها وهي تقول: _ازيك؟ أنا فيروز، دكتورة في قسم الأسنان. مدت الممرضة يدها نحو فيروز قائلة: _أهلًا يا دكتور، أنا شيماء. هزت فيروز رأسها مبتسمة وهي تصافحها. أشارت الممرضة إلى الغرفة خلف فيروز وهي تقول: _هو حضرتك تعرفي المريض اللي جوه دا؟ هزت فيروز رأسها بالنفي وهي تقول باستغراب من ذاتها: _ولا عمري شفته ولا عارفة إيه اللي جابني عنده أصلًا. هو ماله؟ عنده إيه؟

_ده عامل حادثة، العربية اتقلبت بيه ٣ مرات وعامل عمليتين ومن ساعتها وهو في غيبوبة. أدلت شيماء بالتفاصيل لتنظر فيروز نحو الغرفة ومن ثم نحو شيماء وهي تقول بتنهيدة: _ربنا يشفي كل مريض يا رب. ذهبت فيروز إلى قسم الأسنان لتبدأ عملها بنشاط، تزيح عن رأسها تفكيرها بماذا أخذت قدماها إلى تلك الغرفة بالتحديد، لماذا العناية المشددة ومن بداخلها؟

هي حتى لا تعلم من يكون أو أي شيء عنه. هزت رأسها بالنفي تنفض أفكارها المستمرة بصراخ داخل عقلها، وتوجهت لتبدأ عملها والتركيز به فقط.

خرج شهاب من غرفة العمليات يرفع يديه قليلًا إلى الأعلى بعد أن أغرقها بالمعقمات الطبية، وتوجه نحو غرفته خالعًا زيه الطبي ويرتدي ملابسه ليجلس على المقعد التابع لمكتبه. تنهد بتعب وهو يريح ظهره إلى الخلف. تمتم بالحمد لله عز وجل، فقط نجحت العملية رغم إرهاقه تلك الأيام وعدم توازنه. لاحت ابتسامة طفيفة على شفتيه وهو يستمع إلى صوتها الذي يطن بأذنه دون مبرر وبشكل متتابع مبهج لقلبه المحطم وروحه المهلكة. صوتها وصوت ضحكتها

وكأنها تهمس بأذنه الآن: _مش قولتلك إنك هتنجح؟ فكر فيا دايمًا هتنجح يا شهاب. زادت ابتسامته اتساعًا وهو يرد عليها بنبرة أكثر سعادة وكأنها بالفعل بجواره وكأنها بالفعل تهمس له الآن وكأنها تشجعه وتزيد من حماسه: _خليكي دايمًا جنبي وأنا هنجح يا عيون الفيروز.

التفت إلى الجهة اليسرى مبتسمًا، ولكن تلاشت ابتسامته رويدًا رويدًا وهو يجد الغرفة خالية إلا منه. كل هذا وكان يتهيأ له فقط أنها بجواره وأنها تحدثه. انطفأت روحه وعاد الحزن يخيم على ملامح وجهه الرجولية الصلبة. قبض حاجبيه بحدة وعاد إلى ذاته وهو يغمض عينيه بقوة ويلتفت إلى الأمام من جديد. أخرج هاتفه على غرفة الدردشة الخاصة بهما، راجع كل كلمة بينهما حتى وجد رسالة صوتية منها. فتحها ووضع الهاتف على أذنه حتى يكون صوتها بداخل روحه قبل أذنه. استمع

إلى صوتها الضاحك قائلة: _فاكر لما قعدت تعاكس وأنا مش عايزة أرد لحد ما زهقت منك؟ كان في إيدي شنطة في الشوز بتاعي الجديد رميتها فيك وجريت. انتهت الرسالة الصوتية وبدأ هو بالقهقهة بصوت عالٍ وذات بحة مميزة لديه. كرر الرسالة عدة مرات وبكل مرة يضحك بنفس الطريقة. نظر إلى الهاتف يفتح أحد الرسائل الأخرى ليسمع صوتها الباكي هذه المرة وهي تتحدث قائلة: _مش هعرف أنام وأنت زعلان مني عشان خاطري يا شهاب متزعلش مني رد عليا وريحني بقى.

استند على الهاتف بجبهته وهو يغمض عينيه بألم. هذه هي فتاته الصغيرة، حبيبته الرقيقة، كانت تبكي لأسباب لا تذكر بينهم. فماذا حدث لكي يا صغيرتي بعد ما فعلته بكِ؟ ضغطت جبهته على رسالة أخرى دون أن ينتبه، وهذه المرة كان الألم يمزقه إلى أشلاء. صوتها السعيد الذي يشدو بأذنه وفرحتها العارمة الظاهرة بنبرتها قائلة:

_خلاص وعد مش هنزعل من بعض تاني أبدًا. روحي كانت بتروح مني لما مردتش عليا. إياك بعد كده متردش عليا يا شهاب. إياك. افتكرت إنك هتبعد عني ودي أكتر حاجة كانت هتوجعني يا شهاب. أبعد الهاتف عنه ينظر إليه مطولًا حتى أغلقت شاشته. الابتعاد فقط كان سيؤلمها، فماذا عن ما حل بها؟ ماذا عن زواجه من شقيقتها؟ ماذا عن علمها بحمل ياسمين؟ ماذا عن خذلانها وألمها الآن؟

بالفعل هو تألم عند خطبتها، بالفعل لم يتحمل، ولكن مهما كان ما شعر به أو سيشعر به لن يكون بمثابة واحد في المائة من ما شعرت هي به من شعورها بالصدمة من ما فعله. يعلم أنها تحتقره الآن، ولكن هو لازال يعشقها ولن تكون بحياته أنثى من بعدها. حين شرد بتفكيره بزواجها كان يريد أن يدفن تحت سابع أرض قبل أن يرى ذلك اليوم، فماذا عنها وعن ما عانته. صرخ متأوهًا بقوة وكأنه زئير من ليث جريح ليس بيده حيلة وهو يلقي الهاتف من يده بقوة على سطح المكتب. أعاد ظهره إلى الخلف وهو يتنفس بقوة حد اللهاث واضعًا يده على صدره وهو يشعر بالاختناق. ليهب واقفًا عن المقعد يدور حول نفسه بالغرفة وهو يجذب خصلات شعره. هو لا يتحمل، كيف هي تتحمل؟

لاحت إلى ذاكرته مشهدها أمام أحمد وهو يضع بيدها تلك الحلقة الذهبية التي تسمى رابط زواج. هز رأسه نافيًا، يرفض الاستسلام لتلك الفكرة وهو يهمس مقتنعًا: _أنا مش أناني يا فيروز، أنا موجوع، موجوع أوي وحاسس بوجعك. لو ليا الحق أقولك، لو ليا الحق أرجعك لحضني تاني، لو ليا حق هاخدك ونمشي نروح دنيا بعيد عن العالم المقرف ده. صدقيني مش أناني يا فيروز.

ظلت يتمتم بألم بكلمات عديدة مشابهة لتلك الكلمات وكأنه يحدثها هي وكأنها أمامه الآن. ابتسم ببهوت وهو يهمس: _ده انتي عيون الفيروز. *** في جلسة عائلية بسيطة احتفالًا باستلام فيروز للعمل، وقف الجميع حول الطاولة المستديرة الموضوع عليها الكعك وبه شمعة على شكل رقم واحد. انحنت قليلًا ونفخت الهواء لتطفئ الشمعة ويصفق الجميع لها. ابتسم أكرم وهو يقبل رأسها قائلًا: _مبروك يا حبيبتي. احتضنته فيروز وهي تقول بسعادة:

_الله يبارك فيك يا بابا. شكرًا إنك دايمًا جنبي وبتساعدني. مسد على رأسها لتبتعد وتتلقى التهاني من والدتها السعيدة أيضًا، وبفتور من قبل ياسمين، وبهدوء من قبل شهاب التي لم ترد بأي حرف بل اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها. التفتت إلى أحمد حين سمعت صوته الهادئ الحنون قائلًا: _مبروك يا روز. نظر إلى والدها ليجده غير منتبه، ليرفع يدها يقبل كف يدها برقة وسط خجل فيروز الشديد وهي ترد بهدوء: _الله يبارك فيك يا أحمد.

سحبت يدها قبل أن يراها والدها، ولكن كانت هناك أعين أخرى مراقبة بل مدققة بشدة بكل حركة تصدر عنهما. ابتعد عنهم وهو يشعر بالضيق وقد زادت وتيرة أنفاسه، ولكن أيضًا غير مسموح له حتى التعبير والتنفيس عن ما بداخله. نظر نحوهم من جديد بطرف عينه ليجدها تضحك بجواره وتبدو سعيدة للغاية. فرك وجهه بغضب، في حين ذهبت إليه ياسمين بصحن يوجد به بعض من الكعك والحلوي وقفت أمامه مبتسمة قائلة: _اتفضل يا حبيبي. تنفس بقوة وهو يقول بحدة:

_مش عايز حاجة. وضعته أمامه على الطاولة أمامه وجلست بالمقعد المجاور له وتتحدث إليهم بهدوء قائلة: _مش أحمد كلم بابا على التجهيزات يا حبيبي؟ عارف قلتله إنك ذوقك حلو أوي وإنك ممكن تروح معاه تنقي عفش الشقة. صمت ولم يتحدث حتى تقدم منه أحمد جالسًا بالقرب منهم وخلفه الجميع. مدت فيروز يدها بالملعقة لوالدها تطعمه، في حين تحدث أحمد قائلًا:

_أنا فعلًا ناوي أنزل أجيب العفش وهيبقى مبسوط لو كنت معانا يا شهاب بما إنك جهزت شقتك قبلي وفاهم. تلقائيًا وجهت أنظاره نحوها ليجدها تتبادل المزاح والضحك مع والدها، ليعود ببصره نحو أحمد متسائلًا بما يلوح بخاطره قائلًا: _هو مش لسه بدري على العفش يعني؟ ممكن تجيب العفش قبل الفرح بشهر مثلًا؟ يتساءل متمزقًا يريد إجابة لما العجلة بالأمر؟

هو بالتأكيد لن يذهب معه إلى أي مكان ويعلم ما ترمي إليه ياسمين، ولكن هذا السؤال يلح عليه ليجيب أحمد بهدوء وهو يضع الصحن الخاص به على الطاولة: _لا مش بدري ولا حاجة، مانا اتفقت مع عمي الخطوبة ٦ شهور بس باذن الله وأنا عايز أنزل أشوف الأنتريه والسفرة وأوضة النوم عشان لو مفيش حاجة عجبت روز هنعمله عمولة.

سيتوقف قلبه حتمًا الآن، تأكله نيران ثائرة بداخله. جملة تخرج من أحمد ببساطة وسلاسة، إلا أنها بمثابة خناجر تغرز بقلبه بلا رحمة. الخطبة ستة أشهر ويريد أن يشتري غرفة نوم يشترك بها مع حبيبته ويدللها أمامه أيضًا. اندفعت الدماء بأوردته وهو يهب واقفًا قائلًا باقتضاب: _إن شاء الله. التفت إلى أكرم وهو يقول بهدوء: _أنا رايح يا عمي. لينظر إليه أكرم باهتمام قائلًا: _ليه يا ابني لسه بدري؟ فرك شهاب عينه وهو يتحدث قائلًا:

_معلش عندي عملية بكرة بدري ولازم أنام. تصبحوا على خير. تقدم شهاب نحو الباب ولحقته ياسمين وهي تسحب حقيبتها تتعجل بالرحيل خلفه. توجهت أنظارها نحوه تعلم ما تقوله ملامح وجهه، تعلم نفضت جسده تنبعث منها الغضب الشديد. تنهدت بضيق وهي تنظر نحو الباب الذي خرج منه وقد شردت في شئ ما حتى انتبهت إلى أحمد الذي وقف يستعد للرحيل هو الآخر. ***

وقف يراقب من داخل سيارته حين وصلت إلى المشفي محل عملها، وحين نزلت من سيارة أحمد بعد أن ودعته كان داخله يثور وكأنه يريد ارتكاب جريمة الآن. هل يصح أن يذهب إليه ويشرع بقتله؟

يقسم أنه سيرتاح ولن يندم بمثقال ذرة واحدة على ما فعله. صك على أسنانه بغضب وهو يخرج من سيارته يلحق بها بعد أن ذهب أحمد وقبل أن تخطو خطوة داخل المشفي نادي اسمها بحدة. دق قلبها بقوة بين ضلوعها، لا تعلم هل بالفعل ينادي باسمها أم أنه مجرد تهيؤ. إنه موجود. أغمضت عينيها بقوة وهي تتنفس ثم فتحت عينيها قبل أن تلتفت ببطء وهدوء إلى الخلف. وجدت أمامه هيئته غاضبة، ولكنه لا يقل ولو نسبة بسيطة عن غضبها الآن. صكت

على أسنانها وهي تقول بغضب: _نعم؟ جاي هنا ليه؟ عايز مني إيه؟ طالعها بأعين متفحصة، وبقلب مفتوح تحدث: _هتتجوزيه؟ مبسوطة وأنتِ معاه؟ وافقتي بسهولة إنك تتجوزي بعد ٦ شهور؟ قطعته فيروز بحدة وهي تنظر إليه بذهول. لازال يتحدث، كيف له أن يكون وقحًا إلى ذلك الحد؟ رفعت سبابتها أمام وجهه وهي تصيح به بعصبية: _ملكش دعوة بيا أنت سامع؟ أنا بجد مشوفتش بجاحتك. ليك عين تيجي وتكلمني أصلًا؟

أنا بكره نفسي كل ما أبص في وشك وأفتكر إني في يوم كنتـ... صمتت وهي تصك على أسنانها بغضب من نفسها قبل منه. نكست رأسها إلى الأسفل وهي تتنهد قائلة بهدوء: _ابعد عني لو سمحت. كفاية أوي اللي حصل. كفاية أوي اللي أنا عيشته بسببك. حاول إمساك يدها وهو يقول بعينين مترجيتين: _هتعرفي النهارده كل حاجة يا فيروز.

أبعدت يدها، بل وابتعدت عنه خطوتين إلى الخلف، وقد بدأت بالبكاء بعد أن كانت تحاول كبح دموعها ولكنها لم تستطع. فقط نظرت إليه وهي تقاوم ضعفها متحدثة إليه: _أنا مش عايزة أعرف حاجة. ولا هعوز أعرف منك حاجة. أنا ليا اللي شوفته واللي عيشته ومش هسمح بأي تاني تأذيني. ارحمني بقى وسيبني أعيش مع إنسان بيحبني ويحافظ عليا. اقترب منها وأمسك بذراعها رغماً عنها برفق وهو يقول بصوت ضعيف:

_أنا بحبك يا فيروز وأنتِ عارفة. اتكلمي، عاتبي، اشتمي، اضربي، أنا موافق بأي حاجة بس بلاش جوازك منه. أنتِ بتموتيني بالبطيء. أبعدت يدها عنه بحدة وهي تتحدث قائلة: _أنت أناني أوي دلوقتي همك نفسك بس وأنا كنت إيه بس؟ تعرف عادي مش مستغرباك دلوقتي خالص. وبخصوص العتاب فالعتاب يعني عشم والعشم يعني حب وأنا لا عشمانة ولا بحبـ... يسرع هو قائلًا بصوت ملهوف: _بس أنا عشمان يا عيون الفيروز.

أغمضت عينيها بقوة وهي تضع يدها على أذنها تضغط عليها بشدة، ومن ثم نظرت إليه داخل عينيها نظرة انتشلتها من داخل روحها القوية التي اكتسبتها بفضله. وهي تهمس: _بكرهك. إياك تنطق الاسم ده تاني. أنت أكتر حد أنا بكره في الدنيا كلها يا جـــوز اخــتــي. ضغطت على حروف كلماتها الأخيرة والتفتت لتغادر، ليتحدث هو سريعًا قبل مغادرتها داخل المشفي بأنفاس عالية: _وأنتي أكتر حد أنا بحبه في الدنيا كلها يا عيــون الفــيــروز.

فعل مثلما فعلت، لتسرع هي نحو باب المشفي وهي تضع يدها على فمها باكية بحرقة. حرقة قلب عاشق سبع سنوات عاشت بهم بحلم وردي لطالما أرادت أن يطول وألا تفيق من غفوتها المسمى بالعشق. كانت غارقة حد النخاع بحبه وفاقدت على أسوأ كابوس تتمنى أن تراه في حياتها. سبع سنوات من الخداع. سبع سنوات من كلمات العشق واللقاءات والنظرات. كان كل هذا خدعة ولا تصف ذلك إلا أنها جريمة باسم العشق. ***

ركضت على الدرج مسرعة سعيدة، فهي ستخرج للتنزه وشراء ما يلزمها. قطع سعادتها وصوت غنائها البشع ظهره أمامها فجأة مما جعلها تشهق متوقفة عن نزول الدرج. حين تحدث هو قائلًا: _هوب هوب رايحة فين كدا؟ نظرت إليه بسماجة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بضيق: _ملكش فيه. ابعد عايزة أعدي. فرد ذراعيه أمامها يمنعها من تجاوزه وهو ينظر إليها مبتسمًا وهو يقول: _مفيش نزول غير لما تنطقي يا حبيبتي.

شتمت بخفوت، إلا أنه سمعها جيدًا، ليلتضم عينيه بتوعد وهو يصيح بها: _لما تعوزي تقولي حاجة سمعيني. اسمع اللي بتقولي كدا. زمت شفتيها وهي تنظر إليه باقتضاب قائلة: _مقولتش. نظر إليه متسائلًا بضيق: _رايحة فين؟ أجابت بصدق وهي ترفع طرف حجابها الذي انسدل عن كتفها: _راحة أشتري شوية حاجات. نزل عن الدرج من أمامها وهو يقول: _يلا هاجي معاكي. لحقت به ووقفت أمامه ترفع يدها أمام وجهه وهي تقول: _تيجي معايا فين؟

أنا راحة أجيب حاجات بنات. أنت تيجي معايا ليه؟ تقدم منها خطوة بعد أن رأت العبث جالي بنظراته، لتبتعد هي عنه خطوتين حتى وقف ينظر إليها قائلًا بخبث: _عادي أنقي معاكي مش أنتِ هتجبيهم تلبسيهم ليا يبقى أنقي. اتسعت عينيها منذهلة من حديثه الخبيث وكست الحمرة وجنتيها بقوة وهي تقول بضيق منافي لخجلها: _ألبس إيه ليك وتنقي إيه؟ يخربيت قلة الأدب بجد.

تقدم منها مرة أخرى لـ تخطو هي مبتعدة عنه حتى وضع يده على الحائط خلفها محاصرًا إياها وهو يغمز بعينه قائلًا: _وأنتِ تموتي في قلة الأدب. رفعت سبابتها أمام وجهه، ورغم ارتجافة يدها إلا أنها صاحت به غاضبة: _حسام احترم نفسك وابعد عني خليني أمشي. أمسكت بيده تبعده عنها، إلا أنها لم تقدر على فعل ذلك، كأنه تصلب ولم تعد قادرة على جعله يتحرك. رفع حاجبيه وهو ينظر إليها قائلًا:

_ما هو لو تعقلي شوية هتبقي ست البنات والله، بس أنتِ على طول الجنونة شغالة. اعتدل بوقفته عاقدًا ذراعيه أمام صدره وهو يتحدث قائلًا: _وأقولك على حاجة لو مجتش معاكي مش هتنزلي ولا هتخطي خطوة برا العمارة. _نعم!! أنا مستأذنة من بابا و ميهمنيش اللي بتقوله ده. وضع يده بجيب بنطاله وأشار إليها باليد الأخرى إلى اتجاه باقي الدرج وهو يقول: _طب اتفضلي كدا جربي وهنشوف عمي نفسه هيقول إيه لما يعرف إنك خرجتي وأنا قولت لأ. دبت بقدمها

بالأرض متأففة بانزعاج منه: _يا حسام بقى. ابتسم وهو ينظر إليها قائلًا: _أيوه كدا أنتي تقولي يا حسام بقى وأنا أقولك. ده آخر كلام عندي وفي الآخر هاجي معاكي يا زينة. تأففت بصوت مسموع وهي تركض على الدرج نحو الخارج، وهو نزل خلفها حتى وقف أمام سيارته وهو يقول: _تركبي بالذوق وأنتِ مبتسمة وتقوليلي ميرسي يا حبيبي. ابتسمت باقتضاب وهي تصعد إلى السيارة وهي تقول من بين أسنانها:

_حسبي الله. أنت متر أنت أنت نص متر ربع متر ومش تحصل كمان. ظهر الغضب على وجهه وهو يتقدم منها لتشهق بخوف وهي تمسك بباب السيارة تغلقه سريعًا. ضرب على سطح السيارة وهو يقول بغيظ: _صبرني يارب.

خرج أكرم من محل عمله بموقع للمعمار إلى الخارج حين أبلغه أحد العاملين أن يوجد شخص ينتظره بالخارج ويلح على رؤيته. ما إن خرج أكرم ورأى "علي" هو من ينتظره، لـ يسرع نحوه وقد تحولت ملامحه من الهدوء إلى الغضب الشديد. تقدم منه وأمسك بتلابيب ملابسه وهو يهزه بين يديه قائلًا بصراخ: _ليك عين تيجي هنا قدامي يا كلب؟ بس المرادي أنا مش هسيبك. أمسك "علي" بيد أكرم ينزلها عنه وهو يقول بنبرة باردة استفزت أكرم وكاد أن يفتك به:

_براحة عليا يا خالي دا أنا حتى جاي أصلح غلطي. صفعة قوية تلقاها علي يد أكرم الغاضب، ليضع يده على وجهه وقد تشرست ملامحه قائلًا: _لا يا خالي متعملش فيها مربي الأجيال واللي مفيش منه. دا أنا جاي أقولك على حتة مفاجأة. لم تلين ملامح أكرم بل كانت تزداد غضبًا وعصبية أكثر من السابق مع كل كلمة ينطقها "علي" الذي ابتسم بمكر قائلًا: _ولأني عرفت غلطي جاي أقولك على كل حاجة يا خــالـي.

لا يزال ينظر إليه أكرم بصمت حتى ألقى بوجهه قنبلة موقوتة كانت المدمر الحقيقي لأكرم حين نطق قائلًا: _أصل خلاص في حد صلح غلطتي مع ياسمين ولبسها فـ أنا جاي أقولك على حاجة يهمك تعرفها عشان تعرف إن مش ابن اختك بس اللي وحش. لا يا خالي أنا جاي أقولك إن ياسمين كانت على علاقة بيا قبل جوازها. دا حتى أنا شاكك إن اللي في بطنها ابني.

اتسعت عيني أكرم بصدمة شديدة كانت بمثابة خنجر مسموم بالنسبة له غرز بقلبه بشكل مؤذٍ. اهتز كيانه وأصبحت الدنيا تدور من حوله لـيسنده "علي" وهو يقول بـخبث: _لا لا يا خالي اجمد شوية. دا أنا مقولتش غير حاجة بسيطة توقعك كدا. نظر إليه أكرم بعينين حمراوين والشياطين يتراقصون أمام عينه الآن. دفعه بقوة حتى كاد "علي" أن يسقط إلا أنه تمسك جيدًا لـ يصرخ بكل ما لديه من قوة ويشعر أن قلبه سيخرج من قفصه الصدري:

_أنت كداب. ياسمين بنتي أنا لا يمكن. أنا هموتك بإيدي يا ابن الكلب. هجم عليه أكرم وكاد أن يفتك به، إلا أن الصدمة التالية كانت بمثابة الضربة القاضية له حين أنزل "علي" يد خاله بحدة وهو يقول بحدة: _متفكرش إن كل حاجة عندك مثالية يا خالي. ياسمين خدت شهاب من أختها. شهاب بيحب فيروز وكان هيتقدملها. ياسمين راحت قبل ما يتقدم لفيروز وقالتله على حملها منه واضطر يتجوزها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...