نظر إلى صورتها على هاتفه بتأمل مشتاقًا لها. هو بحاجة للحديث إليها مطولًا كعادته معها بالسابق. يريد احتضانها والصراخ بصوت عالٍ أنه بريء من خيانتها كما تعتقد. بداخله أمل أنها علمت كل شيء وستصفح عنه. مرر سبابته على صورتها بالهاتف يكمل تأمله لملامحها بقلب محطم، وصوت والدها يردد بأذنه بميعاد عقد قرانها. يدعو من كل قلبه أن لا يحدث حتى يجد الحل المناسب والتصرف اللائق. فقط لو تفتح مجالًا للحديث معه.
تنهد بثقل وهو يضع الصورة في موضع أكبر، مدققًا على عينيها قائلًا بهمس: _عيون الفيروز. أغمض عينيه، يرجع بظهره إلى الخلف على فراشه. لقد كان يومًا شاقًا كثيرًا وتحمل به الكثير، ولكن لا يغمض له جفن. همس مرة أخرى وهو يقول بهدوء: _أنا عارف نفسي كويس، عمري ما أخونك. لو كنت قلت لك كانت الأمور هتتعقد أكتر. صدقيني، ما كنتش عايز أكسر قلبك لأن قلبي اتكسر قبل قلبك.
فتح عينيه من جديد حين صدح رنين هاتفه بين يديه. نظر إلى المتصل وعقد حاجبيه، فهي السيدة هناء. فتح الاتصال ووضعه على أذنه، وما كاد أن يتحدث حتى صدح صوتها من الطرف الآخر متحدثة ببكاء شديد قائلة: _الحقني يا بني الله يرضيك، عمك واقع في الأرض وشكله مغمي عليه. هب شهاب واقفًا وهو يقول: _أنا جاي حالا يا طنط، متقلقيش.
أغلق الهاتف وركض نحو الخارج قاصدًا مبنى السيد أكرم. صعد الدرج سريعًا حتى وقف أمام الباب يلتقط أنفاسه وهو يطرق على الباب. فتحت له فيروز الباكية وركضت مرة أخرى نحو والدها الملقي على الأرض بغير حول ولا قوة. حتى دون أن تعبأ وتنظره، جلست بجوار والدها على الأرض تتمسك بيده ترجوه أن يفيق. وضع شهاب يده مكان عرق النبض في رقبة أكرم ليجد النبض ضعيفًا، وإذا انتظر سيتوقف على الأغلب. نظر إلى هناء وهو يقول بنبرة عملية:
_لازم ننقله أقرب مستشفى بسرعة. أسنده شهاب ومعه هناء وفيروز حتى توقف أكرم الغائب عن الوعي. انحنى شهاب ليحمل أكرم على ظهره، وتوجهت هناء وأمسكت بمفاتيح سيارة زوجها تمدها نحو شهاب حتى يقودها. ليمسكها شهاب ويتوجه بها نحو الخارج، بل خارج المبنى بالكامل. ليفتح السيارة ويضعه بها برفق، ويصعد هو إليها ليقودها إلى أقرب مشفى للمنطقة.
توجهت فيروز ووالدتها يرتدين أي ملابس حتى يذهبن إلى حيث انتقل أكرم. وبالفعل أسرعن نحو الخارج ومنها إلى المشفى. في حين كان قد وصل شهاب إلى المشفى، وأعانه الممرضون على حمل وإدخال أكرم إلى الداخل، واستقبله قسم الطوارئ لفحص حالته.
منتظرًا شهاب بالخارج، وهو يعلم جيدًا أن ما حدث لأكرم لم يكن المتسبب به سوى ما علمه من حقائق اليوم. يرفع له القبعة، إنه تحمل حتى هذا الوقت. بالأخير قد صدم الرجل بابنته التي كان يفتخر بها ويتحدث عنها برأس مرتفع بشموخ.
انتبه إلى هناء وخلفها فيروز التي أصبحت بوجه أحمر دامي، وعبراتها التي لا تتوقف عن السقوط، تشعر بالذنب بما وصل إليه والدها. ولم يختلف الحال عند هناء، شاحبة الوجه والتي ترتجف بقوة وكأنها تقف وسط المطر الشديد عارية لا حماية ولا غطاء. توجه هو نحوهم وأمسك بيد هناء يجلسها على المقعد الموجود للانتظار، وهو يقول بنبرة مطمئنة: _متقلقيش يا طنط، إن شاء الله خير وعمي يقوم بالسلامة.
آمنت خلفه ليلتفت نحو الواقفة تستند على الحائط تخفي وجهها بيدها، ولكن صوت بكائها واضح. ازدرد لعابه بخوف عليها وهو يتحدث بهدوء: _اقعدي يا فيروز عشان هتقعي. نظرت إليه نظرة واحدة قبل أن تخفي وجهها عنه مجددًا. لاول مرة لا يعلم ما تقصد نظراتها. كان يفهم ما تقول قبل أن تقول حتى من نظرة العين، ولكن هذا المرة مختلفة. لا يقدر أن يحدد ما فحواها. هل هي عتاب أم حزن أم غضب كبير يتركز بقلبها اتجاهه؟ أم تحمله ذنب ما يحدث؟
أغمض عينيه بشدة متنهدًا وهو يتحدث من جديد، لكن مالت نبرته نحو القلق. فهو يعلم أنها عندما تبكي بقوة وهي واقفة لفترة طويلة تسقط مغشي عليها ويمكن أن لا تستيقظ لساعات، وهذا لا يحبذ أن يحدث وأبوها بحالته تلك. ليقول: _مش هينفع تقعي دلوقتي يا فيروز، خلينا نطمن على عمي.
تحركت هي باستجابة لحديثه لتجلس على المقعد المجاور لوالدتها. في حين توجه هو للتساؤل عن أكرم وأين هو الآن وكيف حالته. ولكن كان الرد أنه بغرفة الطبيب الآن، وحين يخرج الطبيب سوف يتم إعلامه بذلك. وقف بمحله عاقدًا ذراعيه أمام صدره، يغمض عينيه بهدوء حتى خرج الطبيب من الغرفة. ليسرع هو نحوه متسائلًا: _طمنا يا دكتور. نظر إليه الطبيب وإلى المجاورين له، ومن ثم تحدث بهدوء:
_انسداد في شريان من شرايين القلب أدى لجلطة، والحمد لله إنكم جبتوه بدري عن ما الحالة تتدهور. أسرعت هناء تقول بلهفة: _وحالته دلوقتي إيه؟ هو عامل إيه؟ هز الطبيب رأسه قائلًا بعملية: _هو كويس وفاق، بس هيرتاح معانا يومين ويقدر بعدها يروح. تركهم الطبيب لتسرع هناء للدخول له ومعها فيروز. في حين ذهب شهاب خلف الطبيب وهو يقول بهدوء: _طمني يا دكتور، إن شاء الله مش هنحتاج عملية توسيع شرايين. نظر إليه الطبيب وتحدث نافيًا:
_لا، هو بخير إن شاء الله، ما فيش داعي للعملية. ياريت بلاش إجهاد وضغط عليه ويستريح اليومين دول. تركه الطبيب وغادر. في حين تقدم شهاب نحو غرفة أكرم، يقف على الباب حتى لا يتأذى أكرم أكثر حين يراه أو يتذكر به ما حدث. قبلت فيروز يد والدها وهي تقول ببكاء: _ألف سلامة عليك يا حبيبي. لم يرد عليها أكرم، إنما ربّت بضعف على يد زوجته الباكية بحرقة بقلبها. انحنت إليه قليلاً تنظر إليه بقلق متسائلة: _حاسس بحاجة يا أكرم؟
أغمض عينيه ثم فتحها بمعني لا شيء. هو بالفعل غير قادر على الحديث الآن. مسحت هناء على خصلاته وهي تهمس إليه بنبرة متحشرجة قائلة: _ربنا يخليكي لينا يا أكرم، ومنشوفش فيك حاجة وحشة أبدًا.
ظهرت شبح ابتسامة على ثغر أكرم وهو ينظر برضا إلى زوجته الحنون المحبة له دائمًا. رأى أعين صغيرته المليئة بالدموع ويدها التي ارتجفت وتراجعت عن والدها. لتراقبها أعينه الحزينة لأجلها وهو يقضم شفتيه بغضب. يريد حرق أرواح من أصابوها بخيبة الأمل بالضعف والانهزام، وأخيرًا خسارة والدها الغاضب منها.
يفكر الآن أنه لولا أكرم وما تعرض إليه لكان ألقى يمين الطلاق بوجه تلك الفاسقة ورميها إلى الخارج. ولكن يريد أن يكون لديها مأوى أولًا حتى لا يفضح السيد أكرم مجددًا. كل ما فعله من الأساس لأجل السيد أكرم والستر لعرض ذلك الرجل الخلوق. ابتعد عن الباب وهو يتنهد بأسى ثقل كبير كجبل منهار أعلى صدره. كل شيء ضده الآن، حتى هي. مرر يده على خصلات شعره وهو يهمس إلى نفسه بإرهاق:
_متعشم تاني فيكي، انتي قلتي العشم يعني حب. ومحدش هيحبك قد ما بحبك. *** أوصلهم شهاب إلى المنزل بعد أن رفضت المستشفى أن يبقى أحد معه. وصف السيارة بمحلها لتربت هناء على كتف شهاب وهي تقول بهدوء: _معلش يا شهاب تعبتك معانا. ابتسم شهاب بود لها، ولمحت عينه صعود فيروز سريعًا وهو يقول: _تعب إيه بس يا طنط، ربنا يقوم عمي بالسلامة.
صعدت هناء إلى شقتها، وتوجه هو أيضًا إلى منزله. فتح الباب بهدوء ودلف إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه. توجه إلى غرفته، إلا أنه استمع إلى صوت أنين خافت آتٍ من غرفة ياسمين. عقد حاجبيه وهو يتوجه نحو غرفتها. وضع أذنه على الباب يسترق السمع إلى ذلك الصوت ليجد صوت تأوه متألم خافت منبعث من الداخل. ليفتح الباب ليتفاجأ بياسمين تضع يدها على بطنها تبكي بقوة وهي تكبح صوت صراخها المتألم. اقترب منها وهو ينظر إليها قائلًا بحذر: _في إيه؟
نظرت إليه برجاء وقد ازداد بكاؤها وهي تهمس بخفوت: _أبوس إيدك هات لي الدوا بتاعي. عقد حاجبيه باستغراب وهو ينظر إلى المكان التي تنظر إليه، ليجدها تشير نحو طاولة الزينة. تحرك نحوها ليفتح أحد الأدراج، مد يده يأخذ علب الأدوية الموجودة ثم أغلق الدرج مرة أخرى. متقدمًا منها، نظر إلى أسماء تلك الأدوية وغامت ملامحه بالجمود. ثم مد يده لها بهم، ووضع يده في جيب بنطاله وهو يراقبها تتناول الدواء. ثم تحدث متسائلًا: _كانسر، مش كده؟
وضعت كوب الماء أعلى وحدة الأدراج وأسندت ظهرها على الفراش وهي تهز رأسها بإيجاب باكية وهي تقول: _أيوة. بلا تعبير تحدث هو قائلًا: _عرفت لما قولتي لي على استئصال الرحم. مين قال لك؟ تحدثت هي بإرهاق متمتمة: _دكتورة نسا، روحت لها لما حسيت بتعب. همهم بصمت وتركها مغادرًا الغرفة. أمسك بمقبض غرفته وألقى نظرة نحو غرفتها وهو يهمس: _ربنا كان الأقوى دائمًا.
روحه الإنسانية لا تسمح له باتباع القسوة الآن. يكفي أن ينتقم الله منها ويريها من أعمالها أمام عينها. هذا أكثر قسوة من ما كان ينوي فعله. *** ألقت الحجاب أعلى الفراش بغل وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا لتسمع صوت طرقعات عظامها. اترمت على الفراش جالسة وهي تطرق بكلتا يديها على فخذيها وهي تقول بغيظ: _أنا يسيبني متعلقة على البوابة ويروح يأكل ويشرب ويتفرج على التلفزيون وأنا متعلقة. ماشي يا حسام، ماشي.
توعدت بآخر جملتها ثم قامت بتبديل ملابسها وتوجهت نحو الفراش لتنعم بالراحة بعد هذا الإرهاق وتوترها بأنها متعلقة ببوابة البناية وأي اهتزاز للبوابة يمكن أن تسقط. حتى أنه لم يسمح لأحد أن ينزلها من مكانها. أراحت جسدها على الفراش لتتنهد براحة.
وما إن أغمضت عينها حتى رن هاتفها يصدح بصوت عالٍ بجوارها على وحدة الأدراج. لتتأفف بضيق وهي تفتح عينها تمد يدها نحو الهاتف تأخذه. وما إن انتبهت إلى اسم المتصل حتى هبت جالسة سريعًا وهي تصك على أسنانها. فتحت الاتصال واضعة الهاتف على أذنها وهي تندفع متحدثة دون انتظار والغضب ينهش بها: _أنت ليك عين تكلمني بعد اللي عملته فيا يا بارد! أنا تعلقني واللي داخل واللي طالع يتفرج عليا.
اشتعلت عينه بنيران غاضبة وهو يقبض على كفه متحدثًا بحدة: _وأنا اللي بكلمك نعتذر لبعض ونفض الموضوع. بس بعد لسانك الطويل ده أثبتيلي إنك عايزة تتربي كمان شوية، وأنا هعرف أتصرف معاكي يا زينة. صرخت به بصوت عالٍ تصيح بغضب قائلة: _نعم! أنت بتقول إنّي مش متربية؟ ومين أصلًا هيسمح لك تقرب مني تاني؟ أنا لا عايزة أشوف وشك ولا أسمع صوتك. ملكش دعوة بيا بعد النهاردة واللي حصل فيه.
ما كادت أن تغلق الهاتف حتى استمعت إلى صوته الحاد من الطرف الآخر قائلًا: _إن قفلتي في وشي يا زينة، يومك هيبقى أسود. ضحكت ساخرة وهي ترد قائلة: _أكتر من كده مظنش. مش عايزة أشوفك تاني يا حسام بجد، وأقولك على حاجة، أحلى بلوك ليك يا ابن عمي. ليصلها صوته بنبرة جامدة قائلًا: _ورحمة أبويا، هتشوفي أيام مني هتتمني ترجعي للدلع بتاعك ده ولعب العيال. أنا هخليكي تعقلي وتركَزي وتبقي بتلفي حوالين نفسك تتمني إني أرضى عنك.
ابتسمت بسماجة وهي ترد عليه بثقة قائلة: _ده في المشمش. ليضحك هو بصوت عالٍ مجلجل جعل دقات قلبها تعلو بخوف منه. وزاد خوفها وانقبض قلبها حين وصلها صوته قائلًا: _أنا هبعتلك على الواتساب اللي هيخلي في موسم الجوافة بإذن الله.
نطق بجملته ساخرًا وأغلق الهاتف. ازدردت لعابها بصعوبة وارتجفت يدها بارتباك وهي تنظر إلى شاشة الهاتف. وصلها إشعار عن وصول رسالة جديد بغرفة الدردشة الخاصة بحسام. ثقل تنفسها بارتباك وهي تفتح تلك الرسالة. نظرت إلى الرسالة واتسعت عينها بصدمة وشحب لونها. ثم وضعت يدها على رأسها قائلة بذهول: _قسيمة جوازي من حسام. ***
وقفت فيروز أمام الغرفة المقيم بها والدها بالمشفى، وقد طلبت من والدتها أن تذهب هي وتبقي والدتها لإعداد بعض الأطعمة الخفيفة لأكرم الذي يعرف عنه الجميع أنه لا يأكل من طعام لم تطهوه هناء. رفعت يدها بتوتر إلى مقبض الباب. تنفست بقوة مرتبكة وهي تفتح الباب بهدوء وخطت نحو الداخل، مغلقة الباب خلفها.
نظرت إلى والدها الغافي موصولًا به بعض الأجهزة الطبية. تقدمت، ومع كل خطوة تسقط منها دمعة رغماً عنها حتى وصلت إلى جوار الفراش المتسطح عليه أكرم. مدت يدها المرتجفة تمسك بيده وجثّت على ركبتيها أمام الفراش. قبلت يده وهي تنظر إليه. ثم رفعت يدها الأخرى تربت على خصلات شعره البيضاء وهي تهمس بخفوت: _أنا آسفة يا بابا، حقك عليا. أنا عارفة إنك زعلان مني عشان كسرت ثقتك فيا.
مسحت على يده تمحو الدموع التي تساقطت عليها وهي تكمل حديثها بعد شهقة حادة خرجت من صدرها: _أنت أول مرة تزعل مني يا بابا، أنت عارف زعلك بالنسبالي إيه؟ وعارفة إنّي السبب في تعبك. ارجوك سامحني يا بابا عشان خاطري. مالت لتضع رأسها على يده وهي تقول بألم:
_كنت صغيرة وطايشة. من سبع سنين أول مرة أسمع كلمة حلوة وتدخل قلبي. كنت فاكرة إنه زي أي واحد بيعاكس، بس لقيته ورايا في كل مكان. كنت حاسة إن عيونه بتراقبني لحد ما كنت بحس بالأمان في وجوده وأحس إن كلمته مش مجرد كلمة أي حد بيقولها، دي كلمته بطبطب على قلبي. كان عايز يسمعني، عايز يسمع كل تفصيلة في حياتي. بقي يشجعني. عمري ما سمحت له يمسك إيدي حتى والله. سبع سنين زي الهبلة عايشة على فكرة الأمير بحصانه الأبيض مستني الأميرة عشان ياخدها على الحصان ويجري بيها لأبعد مكان.
نظرت تراقب والدها هل استيقظ أم لازال نائمًا. لكنها تنهدت بارتياح حين وجدته نائمًا. أغمضت عينها ولا تزال تميل على يده لتكمل بقلب ملتاع قائلًا:
_أول مرة أعرف الحب كان هو نفسه الحب ده. لما بعدت عنه وحسيت بالذنب، جه اتقدملي. بس أنت مدتهوش فرصة يقول بتقدم لمين. وقالت مفيش كلام في جواز غير لما ولادي يخلصوا تعليم. قالي مش هقدر أصحى يوم ما أسمعش صوتك ولا أشوف عيونك. صدقت ومشيت تاني وراه وكانت النتيجة وجع مبيخلصش وجرح مبيلمش. عشان خاطري يا بابا متزعلش مني، مش أنت كمان هتبعد عني.
لم تستطع السيطرة على نفسها بعد ذلك وانفجرت بالبكاء. بكاء حاد يمزق نياط قلبها ويحرق ثنايا روحها. لم تشعر بنفسها ولا بصوتها العالي إلا حين شعرت بيد تربت على كتفها. رفعت رأسها سريعًا لتجده والدها ينظر إليها وعيناه تدمعان. أمسكت بيده تقبلها وهي لازالت تبكي بقوة. حتى تحدث والدها بصوت خافت قائلًا: _سمعت كل كلامك. لتحني رأسها بخزي. ليتحدث أكرم مرة أخرى قائلًا:
_مش قادر ألومك وأنا شايف إن دي حاجة تافهة بالنسبة للي سمعته إمبارح. همست فيروز برجاء قائلة: _أنا آسفة يا بابا عشان خاطري سامحني على اللي عملته. والله أخدت جزائي، وجع ما بعده وجع وأخدت درس عمري ما هنساه في حياتي. أغمض أكرم عينيه وهو يقول بهدوء: _مسامحك يا فيروز، لأن الدرس اللي أخدته كان بإيدي البشر.
لم تفهم فيروز جملته ولا تريد إعادة الحديث بذلك الموضوع، وخصوصًا جملة والدها بأن ياسمين لها يد. تعلم أن وراء ما حدث خدعة من خلف ظهرها بالتأكيد. كانوا على علاقة وهي لا تعلم. احتضنت ذراع والدها وهي تقول بهدوء: _مش مهم أي حاجة غير رضاك عني. *** توجه شهاب مع هناء إلى داخل المشفى بعد أن أصر على الذهاب معها. وقف على باب الغرفة، زفر الهواء بحدة، ومن ثم نظر إلى هناء قائلًا: _ادخلي انتي يا طنط اطمني على عمي واخرجي طمنيني عليه.
تنهدت بعمق وهي تفتح باب الغرفة قائلة: _ادخل يا شهاب، عمك مفيش أطيب من قلبه. ليرد هو قائلًا: _خايف أتعبُه، أنا جاي بس أطمن عليه. لتدلف هناء إلى الداخل وهي تقول بصوت عالٍ نسبيًا: _ادخل يا شهاب. دلف شهاب إلى الغرفة ليلمح فيروز جالسة جوار والدها على الفراش والتي أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى وهي تمسح دموعها. حمحم وهو ينظر إلى أكرم قائلًا: _إزيك النهاردة يا عمي؟ يارب تكون بخير. هز أكرم رأسه بإيجاب دون حرف. ل تتقدم
هناء منه وهي تقول بهدوء: _عامل إيه دلوقتي يا أكرم؟ ابتسم وهو يقول: _متقلقيش، أنا بخير. ابتسمت هي الأخرى تربت على كتفه بحنو وهي تقول: _على فكرة شهاب هو اللي جابك امبارح المستشفى وشالك على ضهرك من الشقة لحد تحت. نظر أكرم إلى شهاب قائلًا بهدوء: _شكرًا يا شهاب. _شكرًا على إيه بس يا عمي، ربنا يقومك بالسلامة.
عينها الجميلة غائبة عنه منذ كثير، يبدو أنها كانت تبكي. نغزة بـصدره متألمة وهو مضطر أن يبعد عينه عنها. نظر إلى أكرم الذي نظر إليه بحدة حين رآه ينظر إلى فيروز. ليقف ويتحدث بنبرة مهذبة قائلًا: _طب أستأذن أنا بقى يا عمي، ألف سلامة عليك. _استنى، أنا عايزك يا شهاب. أوقفه أكرم بتلك الجملة، ثم نظر إلى هناء قائلًا: _خدي فيروز واطلعوا شوية يا هناء. هزت هناء رأسها وهي تميل نحوه قائلة برجاء: _عشان خاطري متتعبش نفسك دلوقتي.
هز رأسه بإيجاب ل تخرج كلاً من هناء وفيروز إلى الخارج. وتقدم شهاب من أكرم قائلًا: _أؤمرني يا عمي. ل يتوالى عليه أكرم بأسئلته وهو يتحدث بجمود ولا يظهر أي تعبير: _طلقت مراتك؟ نفى شهاب برأسه. ل يكمل أكرم قائلًا: _ليه؟ حك شهاب خلف عنقه وهو يقول:
_عشانك يا عمي. أنت متستحقش إن حد يقول عليك كلمة مش كويسة. من الأول عملت كدا عشان محدش يتكلم عليك. أنت مستحق، الكل بيشهد إنك راجل محترم وخلوق. وكمان هي بقاش ليها مكان بعد ما حضرتك اتبريت منها. _كنت بتحبها بجد ولا كنت بتلعب بيها؟ وجاوب بصراحة. كان الجمود سيد نبرة أكرم وهو يتحدث. ل يبتسم شهاب بحزن قائلًا بهمس شريد: _لو أخذوا نور عيني عشان ترجع لي مش هزعل على عيني أد ما هفرح بيها. همسه الشريد بحزن جعل من ملامح أكرم تلين.
ل يسأل مرة أخرى: _للدرجة دي؟ هز شهاب رأسه بإيجاب صامتًا. ل ينظر إليه أكرم بهدوء مطولًا حتى تحدث قائلًا بما حطم الباقي من روحه الباهتة: _بس أنا مش عايزك تجيب سيرة فيروز تاني ولا تفكر فيها. لأنك جوز أختها وعمري ما هينفع دا. أولًا، وثانيًا، فيروز خطيبة أحمد وهتبقى مراته قريب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!