في حفل هادئ بسيط بـمنزل أكرم، كانت تقام خطبة فيروز وأحمد خطيبها الحالي. تجلس جواره بفستانها الأزرق وحجابها الأبيض ومساحيق تجميل خفيفة تبرز ملامحها. وجهها الملائكي لا يظهر عليه أي تعبير، حتى ابتسامتها الخفيفة التي تزين ثغرها لا تكشف ما بداخلها. مدت يدها اليمنى المرتجفة أمامه ليضع تلك الحلقة الذهبية بها، التي أصبحت الرابط بينهما.
لم يدري أحد بذلك الذي ينظر إليهم من بعيد، مختبئًا عن أنظار الجميع. وجواره شريف شقيقه، الذي أصر أن يبقى بجواره بهذا اليوم. يعلم أنه ليس بخير، ولكن ما باليد حيلة. أعينه الثاقبة تراقب، وتلك الوخزات تزداد بشكل مؤذي له. ضغط على صدره محل الألم، ولكن لا يهدأ. أطلقت الزغاريد تدوي بالأرجاء، وأحمد يقبل يدها برقة.
استند برأسه على الحائط، وهو يشعر أنه قد انتهى الأمر. ابتسامتها التي توزعها بين الحين والآخر تعلمه أنه لم يعد يفرق معها. شعر بالأرض تهتز أسفله وتسحب من تحت قدميه. تقدم منه شريف، يضع يده على كتفه يربت عليه. ليلتفت إليه ويشير إلى موضع جلوسها، وهو يقول بخفوت: "اتخطبت." ابتلع لعابه بصوت مسموع، وهو يبتسم ساخرًا قائلاً: "غريبة الدنيا دي أوي يا أخويا. أهو أنا كنت بحلم بيوم زي اللي عايشه خطيبها دلوقتي."
نظر إليها وهي تحتضن زينة التي تبتسم بفرحة عارمة بصديقتها. ثم أعاد بصره نحو شقيقه قائلاً: "بس مكنتش أتوقع إني هبقى متفرج." أغمض عينه بقوة حين تشوشت الرؤية لديه، ليكمل بصوت مختنق ونبرة متمزقة ألمًا: "أحلامنا راحت، حبنا راح... قصدي حبها راح. أنا حبي ليها عمره ما هيروح... معدلش حق في أي حاجة، حتى النظرة مش من حقي. يوم ما يكون في إيد تانية مع إيدها تكون إيد واحد تاني مش إيدي." نظر شريف إليه بحزن قائلاً بعقلانية:
"متصعبش الأمور عليك يا شهاب." فتح عينه ينظر إليها تميل راقصة مع أصدقائها وعائلتها، ليهمهم من جديد: "هي صعبة أصلاً يا شريف، صعبة أوي." انتهى من جملته قبل أن يضغط أكثر على صدره ويغمض عينه من جديد، يستقبل الظلام الدامس الذي كان يختفي ويظهر أمام عينه. قدمه لم تعد تحمله، وقبل أن يسقط لحق به شقيقه مسندًا له قبل أن يسقط، ويجلسه على المقعد القريب منه. وهو يراه غائبًا عن الوعي.
انحنى يحاول إفاقته، وهو يربت على وجنته ويفرك فوق صدره، وهو يهمس له بقلق: "شهاب فوق، شهاب فوق، بلاش فضايح يا شهاب." لكن لا رد، وكأنه جثمان قد فارقته الروح للتو. بحث شريف بعينه عن أي شيء يستطيع أن يجعله يفيق، ولكن لم يجد شيئًا. أمسك بيده من جديد يفركها بين يديه، وهو ينادي باسمه حتى يستيقظ. شعر بالخوف الشديد عليه، ليلف يده على العرق النابض برقته. تنهد حين وجده ينبض. دس يده بجيب بنطاله وأخرج هاتفه يحادث شقيقه الأصغر
(إياد) . وحين آتاه الرد هتف شريف سريعًا: "الووو، إياد، أنت لسة في شقة شهاب؟ كويس، تعالي على بيت حماه بسرعة، شهاب أغمي عليه." أغلق الهاتف دون أي كلمة أخرى حتى يتحرك شقيقه بشكل أسرع. وبالفعل ما مرت سوى ثلاث دقائق، وكان شادي بالشقة يبحث عن شهاب. ليخرج له شريف نحو شقيقه ليتحدث إليه بسرعة قائلاً: "عايزين نخرجه من غير ما حد يشوفه. ابعد الناس اللي هنا دي وتعالى."
انصرف شريف إلى شقيقه، في حين اصطنع حجة لكي لا يبقى أحد أمام الباب الجانبي للشقة، وذهب ليحمل شقيقه الأكبر مع شريف نحو الأسفل سريعًا قبل أن يلاحظ أحد. وقفت زينة جوارها تربت على كتفها حين وقفت فجأة. مالت تهمس في أذنها: "مالك يا فيروز؟ نظرت إليها فيروز بتوتر، جال على ملامحها وهي تقول: "قلبي اتقبض، حاسة إن فيه حاجة." نظرت زينة حولها تتفحص الجميع حولها، ومن ثم همست لها: "طب اهدي، مفيش حاجة، أنتِ بس متوترة."
اقترب أحمد منها ينظر إليها بابتسامة وهو يقول بهدوء: "في حاجة يا فيروز؟ نظرت إليه مبتسمة وهي تهز رأسها بنفي قائلة: "لا أبداً يا أحمد، مفيش حاجة، صدعت شوية بس." "لو عايزة نخلص الحفلة، كفاية كدا." تحدث أحمد بجدية، لتبتسم هي تقول بإحراج: "لو مش هتضايق، ياريت." هز رأسه بنفي يقول بهدوء: "لا أبداً مش هضايق ولا حاجة، ثواني." ذهب ليتحدث مع أكرم لينهي هذا الحفل. لتنظر زينة إلى فيروز موبخة إياها:
"أنتِ غبية يا فيروز يا بنتي، افرحي شوية، بلاش نكد." تأففت فيروز وهي تنكزها قائلة: "أفرح إيه، أنتِ كمان؟ أنا عايزة أرتاح. وبعدين هفرح إزاي وقلبي مقبوض كدا؟ خلينا نخلص الحفلة بدل ما تحصل حاجة تنكد علينا كلنا." "ربنا يستر. روحي بقي يا عروسة، سلمي على حماتك العزيزة." دفعتها زينة بعد جملتها لـ تتقدم من والدة أحمد لمصافحتها. وانتهى الحفل على خير، وذهب الجميع. حتى والدة أحمد أصرت على الرحيل.
جلست أحمد جوار فيروز على الأريكة، في حين أشارت إليه بالطعام الموجود أعلى الطاولة أمامهم وهي تقول: "مبتأكلش ليه يا أحمد؟ الأكل مش عاجبك؟ نظر إليها مبتسمًا وهو يقول: "أبدًا، الأكل جميل، بس أنا كدا كفاية عليا. هروح بقي." "بس أنت مأكلتش ولا قعدت." وقف يرتدي سترته، وقد خلعها قبلاً، وهو يقول: "بجد تعبان جدًا وعايز أنام. هكلمك لما أروح." تقدم منه أكرم حين رأى أحمد يقف مستعدًا للمغادرة. نظر إليه بتساؤل قائلاً:
"إيه يا أحمد، مستعجل كدا ليه؟ "معلش يا عمي، أنا همشي بقي." ربت أكرم على كتفه مودعًا، وهو يقول بحنو: "على راحتك يا حبيبي." ودع أحمد الجميع وذهب حيث منزله. في حين نظر أكرم إلى ابنته مبتسمًا بسعادة لها قائلاً: "مبارك يا حبيبتي." تقدمت منه فيروز بطفولية وهي تزم شفتيها قائلة: "مبارك على النتيجة ولا على الخطوبة؟ عشان أنا زعلانة منك جدًا." ضحك أكرم وهو يفرده يديه إليها، حتى ركضت إليه لتحتضنه. والدها يقبل قمة رأسها وهو يقول:
"مبارك على الاتنين يا حبيبتي. أنا كنت واثق في ربنا إنك هتنجحي وهتبقي أحلى دكتورة في الدنيا." قضمت شفتيها السفلية بإحراج وهي تبتعد عن والدها قائلة: "احم، طب والشغل يا بابا؟ قرص أكرم وجنتها مداعبًا إياها بمرح وهو يقول: "بكرة إن شاء الله هنروح المستشفى اللي قولتلك عليها." انصرف والدها. حين لمعت عينها بفرحة عارمة، ودق قلبها بسعادة. وأخيرًا قد يكون سوف تصبح طبيبة كما تمنياه هما.
عند تلك النقطة، غامت عينها إلى الأزرق الداكن، ثم رفعت رأسها بشموخ وهي تثبت لنفسها أنها أصبحت ما تريد. هي فقط، هي من اجتهدت، هي من سهرت الليالي، هي من نجحت، لا هو. هي من حققت، لا هو. هي من نالت ما تمنت، لا هو. كلمة "هو" لم تعد موجودة بحياتها، سوى لزوجها المستقبلي "أحمد"، وأنه لا يستحق منها إلا كل الاحترام والحب، ولا يستحق أي شيء يزعجها منه.
خلعت حجابها الذي أخنقها بعد تلك الأفكار، ودلفت إلى غرفتها، مغلقة الباب خلفها. واستندت على الباب متنهدة بقوة، وهي تغمض عينيها، تهمس لنفسها بهدوء: "أحمد كويس يا فيروز، ميستحقش منك إنك تفكري في غيره." تقدمت من خزانة ملابسها تخرج منها ملابس منزلية خفيفة على جسدها المرهق أثر المجهود التي بذلته فترة التحضير لخطبتها. إلا أن انقباضة قلبها لا تنزاح عنها، بل تشعر بأغلال تقيد قلبها وتعصره بقوة. شرعت في تبديل ملابسها
وهي تزفر بقوة قائلة: "استرها يا رب." *** خرجت من سيارة الأجرة نحو البناية التي تقطن بها. ما إن دلفت حتى وجدت من قطع عليها طريق عبورها واقفاً أمامها. نظرت إليه بضيق، من غيره سيفعل؟ جاءت لتعبر من جواره، ليقف أمامها مرة أخرى. تأففت وهي تنظر إليه، ليتحدث بهدوء قائلاً: "جاية منين دلوقتي؟ دحرجت بؤبؤت عينيها بملل وهي تصيح به: "ملكش دعوة، خليك في خطيبتك."
أبعدته عنها وتخطته ذاهبة من أمامه، إلا أنه أسرع يقفز من جوارها ليصبح أمامها بلحظة. شهقت بتفاجؤ، ليتحدث هو مرة أخرى قائلاً: "آسف." عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إليه بصمت، ليتحدث هو مرة أخرى قائلاً: "ما قولت آسف بقي خلاص، كنت بضايقك لما رميتي عليا الماية." أزاحته بيدها وهي تقول بحدة: "ابعد لو سمحت." أمسك بيدها قبل أن تبعدها، لـ يبقل باطن كفها، قبل أن تسحبها سريعًا من يده، لتسمع يتحدث قائلاً:
"ابعد ولو سمحت يا زينة، أنا عارف إنك زعلانة إني قولتلك كدا، أو يمكن غيرانة، بس أنا بصالحك أهو." صكت على أسنانها وهي تتحدث بغيظ: "أنا لا زعلانة من حد ولا غيرانة على حد، اعمل اللي انت عايزه، أنا مليش دعوة بيك." أكملت طريقها نحو الأعلى، ليتنهد هو قائلاً: "طب على فكرة أنا بحبك وعمري ما هحب غيرك. وعلى فكرة كمان، محدش يلمي مكانه في قلبي زيك."
ابتسمت باتساع وهي لازالت تواليه ظهرها، ومن ثم أكملت صعودها إلى الأعلى، وهي تكاد تقفز من الأرض من شدة فرحتها بحديثه. وقد تناسى هو أنه كان من يقاطعها ولا يتحدث إليها. *** بأقرب مشفى لمنزل السيد أكرم، كان يقف شريف مع شقيقه إياد يتحدثون في حالة شهاب، والذي حدث له فجأة. كان شريف يعلم أنه ليس شيئًا مفاجئًا، حدث ذلك من أثر فقدانه لتلك صاحبة العيون الفيروزية. ولكن تحدث بهدوء قائلاً:
"مفيش حاجة يا إياد، الدكتور طمني، هو ضغطه عالي بس وهيبقى كويس." تحدث إياد بضيق من شعوره أن شقيقه يعامله أنه لازال طفل صغير: "أنا مش صغير يا شريف، وعايز أعرف إيه اللي حصل لشهاب وليه أغمي عليه كدا فجأة، وأساساً كان عندهم خطوبة." تنهد شريف وهو يتحدث قائلاً: "شوية إرهاق، وأديك قولت كان عندهم خطوبة وكان في مجهود عليه وكدا يعني." نظر إياد إليه بعدم تصديق وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، وهو يقول:
"ماشي يا شريف، متقولش، بس أنا هعرف إيه اللي حصل لأخويا." دفعه شريف نحو الغرفة وهو يتحدث بضيق: "طب تعالي نشوفه، زمانه فاق." دلفوا إلى الداخل، وقف إياد بجانب شقيقه يربت على كتفه وهو يقول: "شهاب، أنت فايق؟ آلام شهاب بتعب شديد، وكأنه دهس أسفل عجلات قطار. جسده مفكك، أضلعه يشعر أنه غير قادر على تحريك إصبعه الصغير حتى. تنهد شريف وهو يربت على كتفه قائلاً: "شهاب، أنت كويس؟ الدكتور طمني."
بالفعل، هو لا يريد الإفاقة من ما هو به، يريد الإطالة بنومته. لا يريد رؤية ما آل إليه الواقع. نظر إياد إلى شريف وهو يقول: "أنا عايز أفهم يا شريف، فيه إيه؟ طالما شهاب مفيهوش حاجة، مفاقش ليه؟ غربت عيني شريف وهو يقول بضيق: "ما خلاص بقي يا إياد، وقعت دماغي، مش كفاية اللي إحنا فيه." زفر إياد وهو يذهب إلى جانب شقيقه، يميل نحوه وهو يهمس بهدوء:
"شهاب، لو زعلان من حاجة، الدنيا متسواش حاجة عشان تزعل، يا حبيبي فوق كدا، إحنا جنبك أهو." تأوه متألم خرج من شهاب، وهو يضغط على جفنيه بشدة، حتى فتح عينه ببطء شديد. نظر إلى شقيقه بنظرة ضعيفة لم يراها من قبل. لينظر إلى شريف بتساؤل. في حين نظر شريف إلى الأسفل متهربًا من نظرات شقيقه، ليهمهم شهاب بتعب: "أنا كويس يا إياد، متقلقش." نظر إياد إليه بحزن قائلاً: "أنا متعودتش عليك كدا يا شهاب، أنت فيك إيه؟ أنت اتخانقت مع ياسمين؟
طيب؟ أغمض شهاب عينه بعصبية شديدة، وقد توترت أنفاسه وصدره يصعد ويهبط بقوة. حتى نظر إليه إياد بقلق قائلاً: "خلاص، بلاش كلام يتعبك.. قادر تروح؟ هز رأسه بنفي. لـ يسرع شريف قائلاً: "لا، بلاش يروح النهاردة، إحنا هناخده معانا البيت يرتاح أحسن معانا." نظر إياد بريبة فيما بينهم، وهو يهز رأسه بإيجاب موافقًا. أعانه إياد على القيام لـ يسند ظهره على الفراش، وهو يقول: "ياريت أروح بيتنا أحسن." ***
في صباح يوم جديد، تجلس ياسمين بالردهة تهز قدمها بعصبية. فهو لم يعد منذ البارحة، ولم تراه. لقد كانت تفكر أنها تخلصت من الكابوس الخاص بها المسمى "فيروز"، لـ تراه ما هو الكابوس التالي في حياتها. لا يرد على هاتفه، ولا أحد من عائلته يرد عليها. زفرت بضيق وهي تقف تنظر إلى ساعة الحائط. تصك على أسنانها بغضب. ظلت تثور داخلها وتدور حول نفسها بعصبية شديدة، حتى دلف شهاب إلى الداخل. تجاهل وجودها وتوجه نحو غرفته. لـ تبرق هي بعينيها وهي
تقف أمامه قائلة بصراخ حاد: "كنت فين يا شهاب من امبارح، ومبتردش عليا ليه؟ لا أنت ولا حد من أهلك." زفر بضيق وهو يتجاهلها تمامًا، يفتح باب غرفته ويدلف إلى الداخل، غير مهتم بالرد عليها. في حين ركضت هي تسبقه قبل أن يغلق الباب. وضعت يدها على خصرها وهي ترفع حاجبها لأعلى قائلة: "كنت فين يا شهاب؟
كشر عن أنيابه كأسد يريد التهام فريسته. صك على أسنانه وهو يتقدم منها بغضب، وقد نسي كل ما به من تعب، وظهر ما بداخله من كره وحقد. أمسك بذراعها بقوة حتى تألمت وصدر صوت تأوه عالٍ منها متألمة من شدة قبضة يده على لحم ذراعها، لـ يصرخ بها بكل ما بداخله من غضب: "إياك تتكلمي معايا بالطريقة دي وتفكري إنك تعملي فيها مراتي بجد. أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟
أنتِ متفرقيش حاجة عن أي كلبة ماشية تدور على واحد وتستلقط رزقها في الشارع. لو فكرتي في مرة تعمليها فيها مراتي أو تكلمني كدا تاني، أنا قولتلك قبل كدا هعمل إيه، ولا تحب أكرر؟ أمسك بها بقسوة أكثر من السابق وألقاها بعنف خارج الغرفة، وأصدر سبابته أمام وجهها قائلاً بتحذير: "مش عايز أشوف خلقتك النهاردة، غوري، روحي عند أهلك." أغلق الباب بقوة بوجهها، وهو يتنفس بصعوبة من فرط الانفعال. استند على الباب وهو يضع يده على صدره،
وهو يقول بغل: "يارب مشوفش وشك تاني يا شيخة." هزت رأسها بإيجاب متوعدة، وهي تغادر نحو غرفتها. فتحت خزانة الملابس وأخذت منها ملابسها وأبدلت ملابسها سريعًا، ووقفت تضع حجابها وهي تقول بحقد: "أقسم بالله هنكد عليك وعليها دلوقتي حالًا، يا ابن ميرفت." خرجت من الغرفة حاملة حقيبتها متوجهة نحو منزل والدها. وقفت أمام الشقة ترن جرس الباب. فتحت لها والدتها مرحبة بها بحفاوة وهي تقول: "تعالي يا حبيبة ماما، ادخلي." دخلت ياسمين
إلى الداخل بدلال قائلة: "عاملة إيه يا مامتي؟ "كويسة يا حبيبتي، اقعدي." ابتسمت والدتها مشيرة نحو المقعد لـ تجلس ياسمين بارتياح وهي تقول: "نادي لبابا بقي وفيروز، عشان عندي ليكوا خبر حلو أوي." ابتهج وجه والدتها وهي تنادي على والدها وفيروز. خرج أكرم من الغرفة واستقبل ابنته بترحاب، في حين خرجت فيروز بتكاسل لـ تجلس جوار والدها، وهي تنظر إلى ياسمين التي تتفحصها بمكر قائلة: "صباح الخير يا عروسة، لسة نايمة؟
هزت فيروز رأسها بنفي وهي تقول بهدوء عكس ما داخلها من تأفف: "لا يا ياسمين، صاحية من زمان. شاغلة بالك ليه يعني؟ صاحية ولا نايمة؟ ربتت هناء على ساق ياسمين وهي تقول بتفاؤل: "إيه الخبر الحلو اللي عندك يا حبيبتي؟ ابتسمت بكيد وهي تنظر بداخل عيني فيروز قائلة بدلال: "هيبقى عندكوا حفيد قريب، أنا حامل."
بهت وجه تلك المسكينة الجالسة أمامها، ترى الدلال والغنج التي تتحدث بهم، تشك أنها هي ذاتها ياسمين شقيقتها العزيزة التي كانت تعشقها. ازدردت لعابها بصعوبة وهي تستمع إلى التهنئة من والديها والفرحة العارمة التي طغت عليها، لكنها بعالم آخر، عالم كان من نسج خيوط خيالها وأحلامها الوردية. سقطت الخيوط بل تمزقت، وأصبح كل ما هو وردي أطلي باللون الرمادي. نظرت إليها ياسمين من أعلى إلى أسفل وهي تقول: "إيه يا روز؟ مفيش مبروك؟
ابتسمت فيروز رغمًا عنها، وتحدثت بهدوء تتمتم بتمني: "مبروك يا حبيبتي، ربنا يقومك بالسلامة ويجعله ذرية صالحة." ابتسمت ياسمين بسماجة وهي تقول: "يارب يا حبيبتي، عقبال ما نشيل عيالك أنتِ وأحمد." ابتسمت فيروز ترجع خصلة متمردة مالت على عينها، وهي تقول: "تسلمي يا حبيبتي. صحيح، فكرتيني، أدخل أكلمه بعد إذنك." والـ يقف والدها عن المقعد ممسكًا بهاتفه قائلاً: "وأنا هبارك لشهاب." ضحكت ياسمين قائلة:
"ده فرحان جدًا يا بابا، قعد يفكر في اسم للبيبي معايا طول الليل، مش مصدق نفسه." انسحبت إلى غرفتها بهدوء وأغلقت الباب خلفها. وقفت أمام المرآة تنظر إلى نفسها لـ تبتسم بسخرية وهي تقول بخفوت إلى نفسها: "حبيب العمر هيبقالُه ولد من غيرك... ميستاهلش ولا ضفر منك يا فيروز، دا أكتر واحد إذاكي في الدنيا. إياكي تخوني أحمد حتى لو بتفكيرك، أحمد ميستاهلش منك تفكري في واحد زي دا يا فيروز، ميستاهلش." ***
يجلس "علي" جوار والدته بسيارة أحد الأقارب الذي كان السبب بخروجه من القسم، متوجهين نحو القاهرة. مسدت والدته على شعره وهي تقول بعتاب: "كذا يا علي، تعمل كدا وتخسرني أخويا وتخسر يا حبيبي." تأفف بضيق وهو يقول بحدة: "ماما، بلاش بقي كلام في أم الموضوع دا، أنتِ شايفة بقالي قد إيه في القسم، طالع عيني." احتضنته والدته بحنان وهي تقول: "معلش يا حبيبي، على ما عرفت أطلعك، وأدينا هنرجع القاهرة." تنهدت وهي تقول:
"على الله بس أخويا يرضى يكلمني تاني." اعتدل علي مبتعدًا عن والدته، وقد ظهرت ابتسامة بجانب شفتيه وهو يهمس قائلاً: "واللي لبستني الليلة ومسألتش عني، أنا هوريها." ربتت والدته على كتفه وهي تتساءل قائلة: "بتقول إيه يا علي؟ ابتسم إليها وهو يغمز بعينه قائلاً: "متشغليش بالك أنتِ يا ماما."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!