انتهت من ارتداء فستانها المُطرز باللؤلؤ الصغير اللامع. يعطي مظهرًا جذابًا بثوبها الوردي الذي ينسدل برقة على جسدها. يرسم جسدها بحرافية شديدة، وقوامها المنحوت، وخصرها الذي يغوص بالداخل، منفصل عن نصفيها العلوي والسفلي. وقفت أمام المرآة الطويلة التي أظهرتها كاملة. نظرت إلى نفسها، عدلت من هيئتها، ثم أمسكت خصلات شعرها السوداء. عقصته على هيئة كعكة فوضوية. وجهها لا يفسر، فقط أمسكت فرشاه صغيرة مخصصة لوضع مستحضرات التجميل.
أغرقتها بعلبة يوجد بها لون بني فاتح. أغمضت جفنها الأيسر وهي تضع الفرشاه لترسم وجهها بمهارة. فتحت عينها تنظر إلى نفسها. صكت على أسنانها، وقد لمعت عيناها بدموع على وشك السقوط. لتمسك بالفرشاه المغمسة بألوان مستحضرات التجميل. لتمررها على وجهها بالكامل في هستيريا. وهي تأوه بألم شديد يجتاح قلبها. لتصرخ وهي تلقي ما بيدها على الأرض. نظرت إلى نفسها في المرآة. لطمت وجهها بيدها بقوة وهي تهذي بزئير متألم.
"أتزين لكي أذهب لزفاف من أحب في صمت. ومن من؟ شقيقتي!! وبهستيرية وقفت مرة أخرى. تتمايل أمام المرآة وتدور حول نفسها بجنون. لتضحك وهي تأخذ قلمًا صغيرًا لأحمر الشفاه الأحمر الزاهي. وتخطط به على وجهها مرة أخرى وهي تضحك. ألقته على آخر ذراعها وهي تنظر إلى نفسها. كيف شوهت نفسها وأصبحت بشعة للغاية. مررت يدها على وجهها بقوة وهي تدمج هذه الألوان على وجهها. وتضع يدها على المرآة حتى تتلطخ بالألوان.
حالة هستيرية أصابت قلبها المتألم. أغمضت عينيها لتسقط دموعها الساخنة تزين وجنتيها. دموع أنثى أقهرها الحب وكسرها المحب. وغاصت بألم الحياة. لم تنطق بحرف واحد، لم تظهر شيئًا لأحد. لكن بالفعل تذهب إلى زفافه. كم تشعر أن ألم قلبها لن يُشفى أبدًا. تشعر أنها تعيش كالموتى بدنياً، الأحياء. وضعت يدها على قلبها الذي يعتصره الألم بشدة. تأوهت وهي تقع على ركبتيها. في حين طُرق الباب ودلفت صديقتها على الفور.
شهقت وهي تجدها بهذا المظهر. لِتلقي حقيبتها وتركض إليها، تجلس بجوارها وهي تضع يدها على كتفها قائلة بلهفة: "فيروز" التفتت إليها فيروز بأعين خاوية ووجهه لا يظهر على تقاسيمه سوى الوجع. نظرت إليها طويلًا حتى ارتجفت شفتيها وبدأت بالبكاء مرة أخرى بصوت مسموع. أسرعت زينة باحتضانها لِتَرمي الأخرى بأحضانها تبكي وتشهق وتنوح وتخرج آه مؤلمة من أعماق قلبها الممزق.
تحدثت أخيرًا من بين شفتيها بشهقات متلاحقة ودقات قلبها العالية الذي تنبأ أنه سينخلع من بين ضلوعها: "قلبي يا زينة قلبي بيوجعني أوي." أدمعت عين زينة وهي تبعد فيروز عنها. تنظر إلى وجهها الملطخ بالألوان لتمسحه بسبابتها وهي تقول بحزن: "عشان خاطري متعمليش في نفسك كدا يا فيروز." أنزلت رأسها إلى الأسفل تبتسم وهي تبكي وتقول بهذيان: "مش هعمل حاجة خالص، أنا أصلاً عايشة في الدنيا دي ضيفة."
رفعت رأسها إلى صديقتها تنظر إليها ومن ثم تضحك بهستيرية وهي تقول من بين ضحكتها: "تصوري؟ حتى على الدنيا فيروز ضيفة شرف. بكره نفسي أوي وبكره اليوم اللي قلبي دق لحد زيه. وبكره اليوم اللي سمعته بيقولي هاجي أتقدملك." لِتعتدل جالسة على ركبتيها أمامها وهي تقول بمشاعر مختلطة ووجه لا يتفسر: "كنت هموت من الفرحة." أمسكت بيدها تضعها موضع قلبها وهي تقول: "قلبي كان زي دلوقتي بينط من مكانه." أبعدت يدها وهي تنحني إلى الأمام تتكأ
على يدها وهي تقول ببكاء: "بس مرة كانت فرحة، والمرة دي كسرة. مكسورة يا زينة أختي وهو مع بعض." لِتصرخ هي بقوة قائلة: "طب ليه من الأول اهتم بيا؟ ليه من الأول بين حبه ليا؟ كان بيحسسني إني الوحيدة الموجودة في الدنيا؟ ليه قالي هيجي يتقدملي أنا؟ ليه؟ رفعت رأسها وعيناها لازالت تذرف الدموع بقوة وهي تهز رأسها بنفي وعدم تصديق: "ياسمين كانت عارفة مشاعري من ناحيته. كانت عارفة والله العظيم. أنا ما زعلانة من أختي."
أشارت إلى نفسها وهي تقول: "أنا زعلانة من نفسي أوي." احتضنتها زينة بقوة وقد بدأت دموعها في السقوط. لِتبكي فيروز هي الأخرى بقوة أكبر وهي تهمس: "طب ليه يكذب عليا؟ ليه يا زينة؟ أنا عملتله إيه بس؟ مسدت زينة على ظهرها برفق وهي تقول بتساؤل: "وإنتي وافقتي على علي ليه يا فيروز؟ بس طالما إنتي عاملة كدا؟ أزاحت دموعها وهي تنظر إليها كالمذنبون قائلة بصوت خافت من كثرة البكاء:
"كنت بعمل نفسي مش هاممني إنه قدامي. كنت بوريله إني بفكر في غيره ومش فارقلي. بس أنا أضعف من كدا بكتير يا زينة." وقفت زينة وأمسكت بيدها برفق حتى وقفت. لِتمسك بكتفها بعد أن وقفت أمامها تتحدث إليها تدفعها أن تكون بـتلك القوة مرة أخرى:
"لازم تفضلي كدا قدامه لحد ما تخرجيه من جواكي. لازم تبقي قوية يا فيروز. يلا اغسلي وشك كدا وفوقي وكملي لبس وميكاب وابقي زي القمر مش مكسورة ولا ضعيفة عشان نروح لأختك ونركب معاهم في عربيات الزفة كمان. يلا." دفعتها نحو المرحاض. فهي قادمة إليها لأنها كانت تعلم أنها ستعاني الكثير اليوم. وعندما اقتربت من المنزل هاتفتها السيدة هناء والدة فيروز لكي تتعجلها لأنها لا ترد على مهاتفاتها.
بعد إصرارها أن ترتدي ملابسها بالمنزل متحججة أنها ستكون أكثر حرية. تنهدت زينة وهي تعلم أن صديقتها تريد الاختلاء عنهم، تدفن نفسها بـقوقعة أحزانها. *** وصلت القاعة المقيم بها عُرس شقيقتها. بعد أن تفاجأت أنهم كأنهم يخططون لتكون بالسيارة مع "علي" لزيادة تقاربهم. انتهت مراسم الاحتفال بالسيارات والأغاني. حاولت تجنب النظر إليهم بجوار بعضهم. واستطاعت أن لا ترى وجهه.
تحمد الله لم يزداد ألمها أضعاف مضاعفة إن رأته أمامها بكامل أناقته وبأزهى صورة له. أغمضت عينها بشدة وهو تتنفس بقوة تدعو أن يمنحها الله القوة لتكمل الساعتين على خير. ذهبت إلى والدها الواقف باستقبال المدعوين. قبلت وجنته على حين غرة. لِيلتفت والدها ينظر إليها مبتسمًا بحب. لِيتأمل هيئتها الأكثر من رائعة. تبدو أن صغيرته أصبحت فتاة بالغة ناضجة في أوج سنوات شبابها. تبدو رائعة. لِيتحدث بتأثر قائلاً:
"بسم الله ما شاء الله. زي القمر يا حبيبتي." احتضنت والدها ضاحكًا بسعادة. ثم ابتعدت قائلة بمزاح: "أنا برضه اللي قمر يا قمر أنت." قرص وجنتها اليمنى وهو يضحك قائلاً: "يلا ادخلي جوا القاعة يا عروستنا القادمة." نفت بسبابتها وهي ترفع حاجبها الأيسر بمشاكسة قائلة بمرح: "مش هتعرف تخلص مني يا باشمهندس." ضحكت وهي تدلف إلى داخل القاعة. تتحاشى النظر إليه. بدأت بمصافحة الأقارب والمعارف. حتى جلست بجوار زينة تتنفس بقوة وهي تهمس:
"بحاول إني مشوفوش." "كويس." نطقت زينة مؤيدة لها تشجعها على الاستمرار. لِتتحدث مرة أخرى متسائلة بلهفة: "هو شكله حلو؟ نظرت إليها زينة بغيظ وهي تنكزها بذراعها وهي تقول بلوم: "بطلي تبقي مهزأة يا بنتي بقي." عدلت من هيئة حجابها وهي تنظر إلى علي الذي يحوم حولها بضيق. نظرت إليها من جديد قائلة: "هو التنح ده مش هيحل عني امتى؟ خرجت زينة هاتفها من حقيبتها وهي تقول: "ما إنتي لازم تحددي موقفك مع باباكِ عشان يبعده عنك لو موافقتيش."
نظرت إلى هاتفها تبحث به قليلاً وهي تقول بعد تنهيدة طويلة: "حسام مبيردش برضه يا فيروز. أنا هموت من القلق عليه." ربتت فيروز على كتف زينة وهي تقول بحزن: "معلش يا زينة. أكيد هيرجع البيت. متقلقيش. أكيد هو مضايق دلوقتي. سيبيه براحته لحد ما يهدي." تنهدت زينة بثقل وهي تنظر إلى الأمام. لِتنتبه إلى ياسمين التي تشير نحو فيروز. لِتلتفت إلى فيروز وهي تقول بضيق: "أختك بتنادي عليكي." نظرت فيروز نحوها. ولكن وقعت عينها عليه.
تلاقت أعينهما للحظات توقف بها قلبها عن الخفقان. وسامته جذابة لدرجة أفقدتها القدرة على السيطرة عن قلبها وعلى بصرها. فبقت تحدق به تتفحص هيئته دون وعي منها. لِتتنفس الصعداء قبل أن تبتلع ريقها. تبعد بصرها عنه تنظر إلى زينة وهي تتنفس بانتظام حتى تهدئ. ومن ثم نطقت بهدوء وثبات مصطنع: "أنا هروح أشوف ياسمين عايزة إيه." هزت زينة رأسها بإيجاب وهي تحاول محادثة حسام مرة أخرى. تقدمت فيروز من شقيقتها متجاهلة تمامًا وجوده.
انحنت بجوار شقيقتها وهي تعدل من وضع حجابها. لِتتحدث ياسمين بلوم ونبرة خبيثة قائلة: "كدا سيباني لوحدي وقاعدة مع زينة يا روز؟ ابتسمت فيروز وهي تربت على كتفها قائلة بهدوء: "مانا معاكي أهو يا ياسمين وأصحابك حواليكي كمان." وقفت فيروز معتدلة وهي تمسك بيدها لتقف معها وهي تقول بمرح: "طب قومي يا عروسة." وقفت ياسمين معها. لِيقف شهاب يمسك بيدها وهو يقول بجمود: "اقعدي مكانك." ابتسمت فيروز ساخرة وهي ترفع حاجبها لأعلى.
ومن ثم تجذب ياسمين مرة أخرى قائلة بنبرة حادة: "ده فرحها يا جوز أختي. متخافش مش هنخلي حد يبص عليها. هندريها." لِتضحك ياسمين وهي تنظر إليه قائلة: "اصل شهاب بيغير عليا أوي." تجاهلت فيروز كلماتها وسحبتها معها للرقص مع فتيات العائلة والصديقات. وبدأت فيروز بالرقص معها والغناء والتمايل. وأشارت إلى زينة لتنضم إليها. فهي ستكون دعمًا لها. وهذا سبب هام جدًا من أسباب الصداقة أن نكون لهم يد العون والمساعدة في جميع الأوقات. ***
تقدم شريف شقيق شهاب وتوأمه الغير متماثل. فشريف أقصر من شهاب وأنحف منه. يمتلك أعين عسلية مائلة إلى الأخضر عكس عيني شهاب السوداء. اقترب من شقيقه وهو يراه جالسًا بلا هوادة، يبدو عليه الغضب. وبدأ الجميع يلاحظ ذلك. أمسك بيده ليجذبه معه إلى الأصدقاء وهو يهمس له: "افرد وشك. الكل ملاحظ التكشيرة دي. يقولوا إيه؟ مغصوب؟ لِيتحدث شهاب بغضب وهو يبعد يده عنه:
"الله يخربيت الساعة اللي سمعت كلامك فيها يا أخي. أنا غلطان الحق عليا مش عليك." تلفت شريف حوله يتأكد من كون هناك أحد استمع إليه أم لا. ولكنه تنهد بهدوء وهو يجذبه نحو المراحيض الخاصة بقاعة الحفل. وقف شريف أمامه وهو يجده يتنفس بصعوبة واضعًا يده على صدره. لِيربت على كتفه وهو يقول بتعقل: "اهدي بس يا شهاب. المفروض متعملش كدا. إنت في فرحك يا بني." ضغط شهاب على صدره أكثر حين داهمه الألم بقوة. لِيتحدث بقلب مفتوح:
"حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل. إنت فاكر إني مش شايف نظرتها ليا بقيت إزاي؟ إنت فاكر إني مش فاهم هي من يومها عاملة إزاي؟ إنت فاكر إني مصدق اللامبالاه اللي هي فيها؟ أنا عارف إنها موجوعة. عارفة إنها مصدومة. عارف كل حاجة حست بيها. أنا ربنا هينتقم مني لأجلها." تلفت شريف حوله وحين لم يجد أحد حوله. لِـيصك على أسنانه ووكز شقيقه بصدره بقوة وهو يقول بغضب: "وإنت كنت عايز تعمل إيه بعد اللي حصل؟ إنت مجنون؟
إنت مكنش ينفع تعمل غير كدا." لِيطرق بقوة على ذراعه وهو يقول بنبرة حادة: "روح جنب عروستك وإياك تبين قدام حد أي حاجة. إنت فاهم؟ أغمض شهاب عينه بغضب وهو يقول: "اتصرف وقعدها. ياما هطربق الفرح على اللي عملينه وعليا وعلى أعدائي." رفع شريف يده أمام وجه شقيقه وهو يصيح قائلاً بصوت جعله خافت إلى حد كبير: "اتكتم. وأنا هتصرف. وفك وش أمك ده. متفضحناش. عمك أقسم بالله إنه هيقول لأبوك كل حاجة لو عملت حاجة."
لِيتنفس هو بثقل وهو يدفع شقيقه لـيتقدم فاعلاً أي شيء فقط لـ تجلس فيروز. لا يريد رؤيتها تقف والأعين ترصدها. لا يريد أن يراها تتمايل أمام أعين الجميع وهو عاجز عن فعل شيء. تقدم شريف إلى منظم الحفل يطلب منه أن يشعل الأرجاء بالشباب وللفتيات أن تجلس وأن تصبح كل الفقرات لأصدقاء العريس فقط. طلب منظم الحفل من الفتيات أن تجلس وانتشر الشباب بقاعة الحفل محتلين إياها بين الرقصات والغناء والاحتفال بشهاب.
حتى انتهى الحفل وبدأت الموسيقى المودعة للعروسين. تقدم السيد محمود عم شهاب يقف أمامه يربت على كتفه وهو يقول بهدوء: "ربنا يهديك ويهنيك بعروستك يا شهاب." "شكراً." رد شهاب باقتضاب ويظهر على ملامحه الضيق الشديد منه. لِـيَمِل محمود هامسًا هو الآخر بضيق: "بطل بجاحة واتلم. أنا لسه مقولتش لأبوك حاجة. فـ لم الدور وكفاية اللي عملته." لم يرد شهاب عليه. إنما جذب المجاورة له تبتسم باتساع وهي تعلم ما الحديث الدائر بينه وبين عمه.
ساعدها تصعد إلى السيارة وصعد إلى جوارها. ألقى نظرة أخيرة على تلك الواقفة بأعين حمراء كالدماء. مع ابتسامة مصطنعة باتساع تحاول أن لا تجعل أحد يشعر بما بداخلها. في حين صارت السيارة مبتعدة عن قاعة الحفل تاركة خلف ظهرها قلبًا جريحًا كطائر أصيب توه ولا سبيل لنجاته. شعرت فيروز بمن يحتضنها من كتفها. نظرت لتجدها زينة التي لم تتركها ولو للحظة واحدة. فقط تحدثت بمرح: "بقولك إيه؟
باتي عندي النهاردة. أهو نفضل نتكلم ونضحك طول الليل وننسى القرف اللي إحنا فيه يا أوختشي." ضحكت فيروز بخفوت وهي تربت على يدها قائلة بأسف: "مش هينفع يا زينة. أسيب بابا وماما لوحدهم. مش كفاية زعلانين على فراق ياسمين." تحكمت زينة بذاتها قبل أن تلفظ بكلمة بذيئة وهي تقول: "إنتي محسساني إنها مهاجرة. دي في العمارة اللي جنبكوا دي. في الشقة اللي لازقة فيكوا يا بنتي. بقولك إيه بطلي حجج. أنا هروح أقول لعمو."
ذهبت تاركة إياها قبل أن تتحدث بكلمة. لِتذهب تأخذ الإذن من والدها الذي وافق بعد إلحاح منها. لِـيأخذهم معه لأيصالهم إلى منزل زينة. *** فُـتـح باب المصعد لـ يخرج منه شهاب العاقد ما بين حاجبيه بحدة. خلفه ياسمين التي تمسك بفستانها الطويل. فتح باب الشقة وتركها خلفه بعد أن دلف هو إلى الداخل دون كلمة. يلقي بنفسه على أقرب مقعد له يغمض عينه بقوة يتنهد بثقل. لِتدلف هي الأخرى غالبة الباب خلفها. وقفت هي أمامه.
فتح عينه ناظرًا إياها باشمئزاز من أعلى إلى أسفل. لِيتحدث بنبرة حادة جعلت منها تشعر بالتوتر وتصيبها ارتجافة ببدنها: "واقفالي كدا ليه؟ عايزة إيه تاني؟ ما تغوري في أي داهية." رسمت الحزن على وجهها وجلست على المقعد المجاور له وهي تقول بدلال: "أخس عليك يا شهاب بتزعقلي في أول يوم لينا مع بعض." أمسك بذراعها بكل ما بداخله من حقد وكره اتجاهها. ينظر إليها بأعين تقدح شرارًا وهو يصرخ بها بغضب: "إنتي هتستعبطي؟
إنتي عارفة إني لا طايقاكِ ولا طايق أبص في خلقتك. وأحسن لك تبعدي عن وشي. إنتي سامعة؟ ألقاها من يده بعنف. لِتتأوه هي متألمة ومن ثم وضعت يدها على بطنها قائلة: "براحة يا شهاب. إنت مجنون؟ أنا حامل.. ومتعاملنيش كدا. أنا أبقى أم ابنك." هب هو واقفاً. لِتتراجع هي للخلف قليلاً بخوف. لِـينحني بجذعه العلوي إليها يستند على مرفق المقعد. يضيق عينه بحقد عليها وهو يقول من بين أسنانه:
"لو بأيدي هموته ومش عايزك أم ابني. أنا بكرهه عشان منك." استقام يلتفت متجهًا إلى غرفته. إلا أنها وقفت هي الأخرى تتحدث بحقد يكاد يقتلها وكره يملأ قلبها حتى شكل غمامة سوداء يجعلها لا ترى أمامها أي شيء سوى الحقد والكره والغيظ. وهي تنطق قائلة: "بس لو من الست فيروز كنت حبيته. مش كدا؟ أغمض عينه متألمًا يضع يده على قلبه الذي يعتصره الألم. لِـيفتح عينه يلتفت إليها وهو يقول بقوة وصوت حاد:
"أيوة كنت هحبه عشان ابنها. عشان حتة منها. عشان نضفتها وطهارتها." نظرت حولها بغضب تريد أن تحطم أي شيء لتهدئ تلك النيران بقلبها. انحنت تمسك بمزهرية تلقيها على آخر ذراعها. لِتتحطم إلى فتات وهي تصرخ بصوت عالي غاضب وهي تتنفس بقوة: "فيروز دي أكتر واحدة في الدنيا بكرهها. بتحبوها على إيه؟ على عيونها اللي هبلتكم؟ ولا قوامها؟ فيروز مش بالطاهرة اللي بتتكلموا عليها بيها دي. دي غبية. غبيــــــة." ارتفع جانب شفتيه بابتسامة
محتقرة وهو يقول بسخرية: "هي برضه اللي غبية." تحولت ملامح وجهه إلى شرسة أكثر وهو ينطق بكره: "وإنتي مريضة." التفت مرة أخرى يكمل سيره. إلا أنها أسرعت خلفه تمسك بذراعه باكية تقول برجاء: "عشان خاطري يا شهاب. أنا بحبك. ادينا فرصة تحبني زي ما أنا بحبك." أبعد يده عنها بحدة وقرب وجهه من وجهها ينظر إلى عينها. وببطء همس لها: "وأنا بقرف منك." تقدم نحو غرفته وقبل أن يغلق الباب نظر إليها من أعلى إلى أسفل وقال باستهازاء:
"آه.. وابقي اجري على عمي قوليله على اللي قولتهولك ده زي ما جريتي عليه كدا تقوليله إنك حامل مني." مال برأسه إلى اليمين وهو يضيق عينه قائلاً: "مع إن أنا وإنتي عارفين ده حصل إزاي." أغلق الباب بقوة بوجهها. لِتسرع نحو باب الغرفة تطرق عليه وهي تقول بشراسة من داخل قلبها الحاقد المليء بالغل:
"حبها براحتك. كدا كدا عمرها ما هتبص في وشك تاني. أنا عارفاها كويس. وإنت كمان عارفها. عمرها ما هتسمع منك كلمة. عمرها ما هترجع زي الأول. حتى لو روحت قولتلها كل حاجة. إحنا معدناش ننفع غير بعض. فــاهم؟ زمجرت بقوة من قلبها وذهبت إلى الغرفة المجاورة. في حين تسطح هو على الفراش يشعر بإعياء شديد. ويشعر أن قلبه سيخرج من محله. مصدر دقات متتالية بقوة كبيرة ألمت صدره.
وضع يده على قلبه وهو يغمض عينه يريد النوم والتخلص من هذا الألم الذي يفتك به. وهو يهمس بكلمات اعتذار منبعثة من قلبه نحو معشوقته الوحيدة عيون الفيروز. هو يعلم صدق حديث ياسمين. أنها لن تنظر إليه حتى بعد ذلك. تنهد مرة أخيرة وهو يهمس بألم: "أنا آسف يا فيروز. آسف." *** ابدلت فيروز ملابسها وجلست بارهاق على الفراش بجوارها. نظرت إلى صديقتها والدموع تلمع بأعينها.
لِتبتسم ساخرة على نفسها وهي تقول بألم مزق قلب الأخرى من نبرتها التي تبث عن جرحها الغائر بقلبها: "أنا لسه بحبه يا زينة." شهقت بقوة ببكاء يمزق نياط قلبها. ومن ثم رفعت رأسها إليها وهي تهمس بشفاه مرتجفة بضعف: "عارفة الأيام دي عدت عليا إزاي؟ عارفة أنا عايشة إزاي وأنا متخيلة كل يوم إنه نايم وفي حضنه أختي." انفجرت بالبكاء بقوة وهي تحاول كبح صوتها. إلا أنها لم تستطع. لِتبدأ بترك زمام الأمور إلى قلبها الذي يأن بألم.
لِتتقدم منها زينة وتحتضنها بقوة تحتويها بين ذراعيها بحنان. وهي تربت على ظهرها تهمس بحزن شديد على حالها الذي لم يتبدل يوم منذ خطبة شقيقتها: "اهدي يا فيروز عشان خاطري. هو اللي واطي وجبان خان كل اللي بينك." لِـتَرفع رأسها وهي لازالت تحتضن زينة لِـتقول بتشتت وضياع: "أيوة. ليه عمل كدا؟ ليه يعمل معايا كدا؟ طب ليه أختي تعمل معايا كدا يا زينة؟ ليه يخنوني كدا يا زينة؟ أنا بحبهم أوي. ليه يا زينة؟
انخرطت بالبكاء مرة أخرى وهي تحتضنها. لِتغمض زينة عينيها لِـتسقط منها دمعة على وجنتها وهي تقول بهدوء: "فوضي أمرك لله يا فيروز. ربنا ياخدلك حقك منهم. إنتي مغدرتيش بحد. بالعكس هما اللي غدروا بيكي." ابتعدت فيروز عنها تمسح دموعها وهي تقول بهدوء: "لا. مش عايزة يحصلهم. ربنا يسعدهم." دفعتها زينة برفق وهي تقول بغيظ: "هتشليني. أوعي." وقفت تتأفف رافعة خصلاتها المتمردة إلى الأعلى. وهي تقول:
"أنا هروح أجيب أكل وعصير ونتفرج على فيلم حلو كدا ونهيص دماغنا من كل ده. بلا رجالة بلا قرف." ما إن انتهت من جملتها حتى صدح صوت هاتفها بالغرفة يعلن عن اتصال. لِتتحدث بلهفة: "حسام." انفجرت فيروز ضاحكة على مظهرها بعد أن كانت تمثل دور المرأة القوية. نكزتها زينة بضيق وهي تأخذ الهاتف من أعلى وحدة الأدراج بجوار الفراش. فتحت الاتصال واضعة الهاتف على أذنها تقول سريعًا بابتسامة متسعة: "حسام. إنت فين؟ مبتردش عليا ليه؟
استمعت إلى تنهيدة طويلة منبعثة منه. ومن ثم تحدث قائلاً: "أنا تحت في البيت. لقيت مسدجات منك كتير. قولت يمكن يهمك." "طب كنت فين اليومين دول؟ صمت بعد أن استمع إليها قليلاً. ثم استمعت إلى صوته يصدح بالطرف الآخر قائلة: "مش مهم. بس لو عايزة تعرفي. عايز أعرف قبلها إيه اللي حصل وإيه اللي أمي قالتهولك.. سلام." أغلق الهاتف. لِتنظر إلى فيروز وهي تضع الهاتف أعلى وحدة الأدراج مرة أخرى تقول بهدوء: "عايز يعرف اللي مامته قالتهولي."
أجابتها فيروز ببساطة: "طب ما تقوليله يا زينة. ما هو لازم يعرف اللي عملته مامته يا بنتي." قضمت أظافرها وهي تقول: "ما هو أنا غلطانة يا روز برضه. أنا صدقت. وحتى مسألتوش. الكلام ده صح ولا غلط؟ لو عرف إني صدقت فيه كدا ممكن هو اللي يبعد عني." عقدت فيروز قدمها أسفلها وهي تقول بهدوء: "بصراحة يا زينو هيبقي عنده حق. لأن كان لازم تقوليه وتسأليه. وأنا قولتلك وإنتي مش بتسمعي الكلام." هزت زينة رأسها بإيجاب ثم همست بتعقل:
"عندك حق. كان لازم يعرف." تأففت وهي تقف تخرج من الغرفة وهي تقول: "أنا هروح أجيب الحاجات وإنتي افتحي أي فيلم بقي كوميدي كدا. اللاب عندك اهو وهنهيص للصبح عشان دماغي خلاص مش عايزة أفكر تاني أبداً النهاردة." *** بعد أن قضت سهرتها برفقة صديقتها التي هونت عليها يوم لم يكن ليمر دونها. لقد هونت عليها صعوبة ذلك اليوم. دَلفت إلى منزلها مغلقة الباب. لِـينتبه إليها والدها الذي يجلس على مقعد بالردهة يمسك بهاتفه. لِـيبتسم
وهو يقول: "صباح الفل يا حبيبتي تعالي." أسرعت تحتضن والدها وهي تجلس على مرفق المقعد وهي تقول مقبلة وجنته: "صباح النور يا حبيبي. وحشتك صح؟ وضع هاتفه على المنضدة وهو ينظر إليها قائلاً بـخبث: "لا. كنت بتعوض. عشان لما تتجوزي وتمشي تروح بيت علي." انكمشت ملامحها بضيق وهي تقول بحزن: "كدا يا بابا. ماشي. شكراً. وإنت كمان على فكرة موحشتنيش." ضحك هو عاليًا وهو يربت على كتفها قائلاً: "وأنا أقدر ميوحشنيش القمر بتاعي يعني."
"بس تعرف كويس يا بابا إنك فتحت موضوع علي. كنت عايزة أتكلم معاك شوية." قالت بعد أن حسمت أمرها بالرفض القاطع لزواجها منه. ما كادت أن تكمل حديثها حين أشار إليها والدها بالتحدث وهو ينظر إليها باهتمام. إلا أن صوت والدتها التي رحبت بها من الخلف أخرجها من الحديث بجدية: "روز جيتي يا حبيبتي." ابتسمت فيروز وهي تذهب نحو تقبيل وجنتها وهي تقول: "أيوه يا ست الكل." "كويس إنك جيتي يا حبيبتي. عايزة كِـي تودي حاجات لأختك نسيتها."
قالت والدتها جملتها وهي تتجه إلى محل حقيبة سوداء تحملها وتمدها نحو فيروز التي بهتت وشحب لونها وهي تقول: "متـروحيش إنتي يا ماما. أنا مش عايزة أروح. عايزة أنام. منمتش من امبارح." تنهدت السيدة هناء وهي تقول بهدوء ناظرة إلى زوجها: "أبوكي مش راضي يخليني أروح أتكلم يا أكرم." التفت إليها والدها يتحدث إليها بجدية:
"معلش يا روز. روحي إنتي يا حبيبتي. لا أنا ولا أمك هنروح عند أختك اليومين دول. خليهم براحتهم شوية. إنتي روحي اديها الحاجات دي من على الباب وتعالي." اهتزت بؤبؤت عينها وهي تقول برجاء: "مش عايزة أروح يا بابا. عشان خاطري." أمسكت والدتها بيدها تجعلها تمسك بالحقيبة وتربت على كتفها قائلة: "معلش يا حبيبتي. دا صد رد. وهي في العمارة اللي جنبنا أهي. مش هتاخد دقيقتين. وتعالي نامي." نظرت إلى فيروز بقلة حيلة وهي
تهز رأسها بإيجاب قائلة: "حاضر يا ماما." فتح الباب وخرجت ذاهبة نحو شقة شقيقتها. اضطربت أنفاسها وهي ترى أن المصعد يقترب من الطابق الخامس. ابتلعت ريقها بصعوبة حين فُتح باب المصعد أمام الشقة تماماً. تقدمت نحو الشقة وهي تدعو أن لا تقابله أبداً. طرقت الباب بضعف لِـتُغلق عينيها تضغط على جرس الباب. استمعت إلى صوت فتح الباب. فتحت عينها ببطء لـ تتنهد براحة حين وجدتها ياسمين. لِـتُمد يدها بالحقيبة وهي تقول برسمية:
"ماما بعتالك الحاجات دي." امسكت ياسمين بالحقيبة تضعها أمام الباب من الداخل. ومن ثم تنظر إليها بأعين شامتة قائلة بـخبث: "إزيك يا فيروز؟ والله وحشتيني." "شكراً." أجابت فيروز باقتضاب. وما كادت أن تغادر إلا أن تحدثت ياسمين مرة أخرى قائلة بميوعة زائدة: "معلش بقي مش هعرف أقولك ادخلي. أصل إحنا عرسان جداد وقاعدين براحتنا. أكيد مقدرة مش كدا يا حبيبتي." ابتسمت فيروز ببرود وهي تهز رأسها قائلة: "مين قال أصلاً إني كنت هدخل."
رفعت رأسها شامخة. ذلك ينافي إلى قلبها الذي يدق بعنف وكأنها ضربتها في مقتل بحديثها. لكنها تحدثت بثقة اصطنعتها هي قائلة: "أصل عايزة أقولك إن الملايكة مبتدخلش مكان فيه شياطين." التفتت مغادرة دون أي كلمة أخرى. لِـتصك الأخرى على أسنانها بغيظ. لِـتدب بقدمها على الأرض بغضب حين أغلق باب المصعد. لِـتدلف إلى الداخل غالبة الباب خلفها بقوة بـوجه يشع بالحرارة من شدة العصبية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!