الفصل 10 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل العاشر 10 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
18
كلمة
4,935
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

الأوضة اللي وصى عليها حكيم وصلت، وبشندى والرجالة دخلو نصبوها. حكيم نقل جمارة فيها، وأمها عيشة كمان أمرها ما تسيبش السرايا واصل لحد ما بتها جمارة تطيب. رفض رفض قاطع إنهم يرجعوا المشتمل عشان تكون تحت عينه طول الوقت. أما جمارة، ففرحتها بالعصافير خففت عنها الألم، وهي طول الوقت باصة لهم ومبتسمة وعينيها بتتنقل وراهم كل ما يتحركوا حركة في القفص. تضحك لو العصفور حط منقاره في حديد القفص عشان يتنقل، وتبص

لأمها وتتكلم بصوت مستغرب: "بصي يمه بيعملوا إيه؟! حكيم عرف إن غازي هيفضل ييجي شهر في المستشفى، وأمر إن كل يوم حد من الرجالة يروح له ويرجع تاني يوم. يروح له واحد تاني ويبدلوا مع بعض عليه. أما هو، فأخد قرار إنه لا هيروح له ولا هيعبره، بس هيدفع له كل مصاريفه عشان وصية أبوه جاهين اللي مات يوصيه على غازي ما يهملهوش يوم من الأيام ولا يمنع خيره عنه لو يوم احتاج.

حكيم طلع أوضته، وخلع خلجاته ولبس هدوم نومه، وراح على الشباك فتحه ومسك ضلفتينه بإيديه الاتنين، واخد نفس مالي صدره وطلعه بالراحة وبإرتياح. لأنه برغم كل حاجة حصلت وكدرته ورجفت قلبه النهارده، إلا إن وجود جمارة في السرايا وبُعد غازي عن عينيها الفترة دي مفرحاه قوي. مفرحاه لدرجة إنه نفسه يعمل كل حاجة في الدنيا ممكن تفرحها. ولأجل يشوف ضحكتها اللي شافها النهارده، مستعد يجيب لها نجمة من السما.

فضل شوية باصص للجنينة، وبعدها قفل الشباك وراح على سريره عشان ينام. لكنه سمع صوت أنين وبكا. قام وراح على باب الأوضة فتحه وطلع على أول السلم، لقى الصوت جاي من أوضة جمارة، ودي صوتها اللي بتأتلم. راح على أوضة غالية بسرعة، خبط خبطتين وفتح الباب من غير حتى ما ترد عليه. راح على سريرها وهزها بالراحة مرة واتنين وما صحيتش. قام ضاربها على دراعها ضربة جامدة خلاها قامت مخضوضة. "إيه؟ مين؟ ليه؟ انت مين يا حكيم؟

"فوقي مبهوشة وقومي، عاوزك في حاجة." غالية اتعدلت وهي بتتاوب وتهرش في دماغها. "عاوزني في إيه دلوقتي يا حكيم؟ مانى كنت قبالك النهار بطوله، ما اتفكرتش تعوزني غير بعد ما نعست! "جمارة تعبانة تحت وبتأتلم." "طب متتألمش، مش متدشملة ومتكسرة ومتلزقة ملازم تتألم! "يعني بذمتك دي كلام تقوله! يعني انتي بنى آدمة وبتِـحسي على كده! عقلك بتأتلم؟ بتوجع؟

"فااااهمة، فااااهمة إنها بتوجع. أعملها إيه أنا دلوقتي. وغلاوتك يا خوي ومليك عليا، حلفان لو الوجع بيتاخد كنت خدت منها هبابة وخففت عنها. لكن أدي الله وأدي حكمته، هنعمل إيه. روح نام يا ولد أبوي وسيبني أنام وهي ربنا يخفف عنها يا رب." واستعدت عشان ترجع تنام وشدت الغطا عشان تتغطى. "يـا باردة، قومي انزلي اتحدتي معاها، خففي عنها وأسيها، اديها حقنة تسكن وجعها!

"الحقن خدت آخر حقنة مسموح لها بيها النهارده، ضربتها لها أول العشية. وأني ما أتحملش أقعد جار حد تعبان، وانت خابر أكده زين. سيبني أنام، ووالله وغلاوتك هصحى لها من فتاح العليم، أقعد جنبيها وأعمل لها سيرك وأمشي لها على الحبل عشان تنبسط، بس سيبني أنام دلوقتي الله يرضى عليك." قالتها وشدت الغطا عليها بسرعة ونامت مرة واحدة. "صوح اللي حداه دم أحسن من اللي حداه فلوس."

وسابها وطلع من الأوضة ووقف على السلم محتار يدخل أوضته ولا ينزل يشوفها ويشوف حالها. وفضل يوصل لباب أوضته ويرجع على أول السلم تاني. وفالآخر استسلم لقلبه اللي سبقه ونزلها، ونزل ورا قلبه ورجليه خدته لقدام باب أوضتها. خبط على الباب خبطتين بالراحة وبسرعة. لقى الباب اتفتح وعيشة قدامه وعينيها حُمر كيف كاسات الدم. وأول ما شافته مسحت دموعها بطرف شالها وبصت له باستنجاد:

"الحقني يا حكيم يا ولدي، جمارة بتفرفط فرفيط وممتحملة شي الوجع، وأني ما أعرفش أعملها إيه؟ حكيم رفع دماغه بص لجمارة اللي نايمة على السرير وحاطة كف إيدها في خشمها وبتعض فيه وبتأتلم بصوت مكتوم. زاح عيشة من قدامه بالراحة واتقدم عليها بسرعة ووقف قصاد سريرها واتكلم بصوت يا دوبك طالع: "اتحملي شوية يا جمارة، معلش. هو بس النهارده شدة الجروح، وبكرة بإذن الله هتصبي زينة ومفكيش إلا العافية." جمارة شالت إيدها وبصت له بعيون دبلانة

من شدة الألم واتكلمت بهمس: "مقدرهاش يا سي حكيم. الوجع واعر قوي، ربنا ما يكتبه عليك ولا يوريه لك. غصب عني، انت متعرفش إني حاسة بأيه دلوقتي." في الأثناء ده سمعوا صوت تماضر، أم حكيم، بتنادي على عيشة، وعيشة راحت لها. حكيم جاب كرسي وقعد قصاد جمارة واتكلم بحنية: "خابر الوجع زين وحاسس بيكي، وعليم الله لو الوجع بيتاخد لكنت خدته منك وحبسته بين ضلوعي واتحملته من غير كلل ولا ملل سنين عشان انتي تطيبى."

جمارة رفعت عينيها عليه واتأملته بحيرة قبل ما تتكلم بهمس: "انت ليه خدت الطيبة والحنية بتاعت الدنيا كلها ومسبتش حاجة لغيرك؟ كان هيجرى إيه لو كنت سبت هبابة لغازي؟ ابتسم حكيم ورد عليها وعينه بتـتـجول على ملامحها التعبانة: "صدقيني كبيته له شوية في كيس وأديته له، وهو مراضيش. قالي: ما أحبهوش. ههههه." جمارة ابتسمت بغلب وحطت إيدها على عينيها مسحت دموع ألم اتجمعت فيهم، وشالت إيدها لما سمعت حكيم بيعلي صوته واتكلمت بعدها:

"مقولتليش سميتي عصافيرك ولا لسه؟ "له لسه." "طيب إيه رأيك تسمي العصفورة جمارة، على اسمك؟ وأصلاً لائق عليها." جمارة ابتسمت وبصت للقفص. "خلاص هسميها جمارة." حكيم بص للقفص وديق عينيه واتكلم بنبرة ألم: "والعصفور طبعاً لازم يتسمى غازي." جمارة اعترضت بحدة: "له، غازي له!

غازي بيعـَـوّر جمارة ويعذبها. بس شوف دي حنين عليها كيف وبيوكلها من خشمُه وياكل ويتعب وييجي يوكلها هي عالجاهز. شوف بيحبها كيف، ولما حد يمد إيده على القفص بيـعارك ويبقى كيف الغول من خوفه عليها. برضك بذمتك غازي أكده؟! "امال هتسميه إيه طيب! "بعدين هختار له اسم زين غير اسم غازي."

خلصت جملتها وحطت إيدها في خشمها تعض فيها بألم، وحكيم عض قصادها شفته التحتانية وغمض إيده من وجع قلبه عليها لحد ما نوبة وجعها خفت وشالت إيدها، لولا ماهو كماني قلبه فك معاها.

عيشة رجعت من أوضة تماضر اللي ندهتلها تطمن على جمارة لما سمعت صوتها بتأتلم، وعيشة قالت لها إن سي حكيم نزل لها دلوقتي وهي اتلهت في الحديث معاه ونسيت الوجع هبابة. وفعلًا استمعوا الاتنين لقوا جمارة بطلت تتألم. وعيشة قعدت هبابة مع تماضر تشكيلها من عمايل غازي وظلمه لبنتها، وإنه لو كان بيدها كانت طلقتها منه وما خلتهاش يوم واحد على ذمته، بس حكم عمها قوي وأقوى منها، ولو عملت أكده هيجوز جمارة لحد من عياله وهما أكَلَب وأضل سبيل من غازي. تماضر فضلت تصبر فيها ووعدتها إنها من هنا ورايح هتوقف في وش غازي ومش هتخليه يعمل لها حاجة تاني واصل.

رجعت عيشة للأوضة ودخلت من غير حس، قعدت على سريرها لما لقت حكيم بيتحدث مع جمارة وجمارة ترد عليه وتتبسم وناسية ألمها. بصت على جوز العصافير اللي في القفص، لقتهم بيتـلاعـبوا بعض. وبصت لجمارة وحكيم، لقتهم بيهمسوا وبيتبسموا، وما تعرفش ليه شبهتهم بجوز العصافير. واتحدثت في سرها: "يعني كان هيجرى إيه لو كان حكيم هو اللي اتجوز جمارة؟ مش كان زمانها دلوقتي في عصمة سيد الرجال وأحنهم وأكرمهم...

بس اتنهدت وافتكرت إنه شيخ، والشيخ ما ياخدش إلا بت شيوخ. وإن غازي كتير قوي على بت بياعة الجبنة." حكيم انتبه إن عيشة عاودت من غرفة أمه وبصلها لقاها رايحة في النوم وهي ساندة إيدها على حرف السرير ونايمة عليها من التعب والقهر اللي شافته النهارده على بتها. "أمك نعست." "تعبت قوي النهارده واتعذبت معايا يا حبة قلبي."

حكيم بص لها وهي باصة لأمها بحنية وبتتكلم عنها بكل حب وابتسم. لكن ابتسامته اختفت لما رجعت لجمارة نوبة ألم جديدة. حكيم متحملش وأداها حباية مسكن وسقاها ميه. وبعدها فضل يكلم فيها في كل حاجة ويسألها ويعرف كل حاجة عن إيه اللي بتحبه، إيه بتكرهه، وهو في المقابل يقول لها هو بيحب إيه ويكره إيه. وحتى عن الفصول والمشاكل حكالها وبقى ياخد رأيها: "لو انتي مطرحي كنتي حكمتي بأيه ومين في نظرك الغلطان؟

" وهي تجاوب. وقضوا الليل بطوله يتحدثوا مع بعض لحد ما جمارة نسيت وجعها وحكيم نسي الدنيا وهو جارها. "بس برضو يا جمارة، يعني فيه حاجة محيراني. غازي النهاردة قاسي عليكِ في الضرب قوي. متأكدة إنه مفيش حاجة كبيرة حصلت خلته وصلك للحالة دي؟

جمارة بلعت ريقها بخوف وافتكرت الحفرة وكلام غازي إنه هيقتلها لو حد عرف سره وهو قادر ويعملها، ما تستبعدهاش منه. هزت دماغها لحكيم برفض وهربت بعنيها منه لما لقيته ديق عينيه وبيـبـص لها بعدم تصديق. "سيبك يا سي حكيم مني ومن سيرته. ده حتى مفكرش يسأل عني حية ولا ميتة بعد عملته معايا. إني طول الوقت بسأل حالي... إيه جنس اللي بين ضلوع غازي ده؟ أكيد مش قلب كيف قلوب البشر، أكيد حجر." "قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

صدق الله العظيم. المثل ده ضربه ربنا ببني إسرائيل لما شافوا معجزات ربنا وبرضه كفروا وكذبوا. وغازي كيف أكده طول عمره قاسي وحاقد، مهما شاف زين من الناس، قلبه فاضل على قسوته ما يتـعـدلـش. ربنا قال إن فيه ناس قلوبها أشد من الحجارة وأقسى، عشان الحجر بيتـشـق ويخرج منه زرع وتتفجر منه أنهار. وغازي واحد من الناس دول. ربنا يهديه ويصلح حاله." "ربنا يكفينا ويكفي الناس شره. إلا هو فين؟ مبانلوش حس! "قلقانة عليه!

"أخويا جاه، قلق له تفجر راسه نصين. أقلق عليه بتاع إيه ده؟ بس أصله غاب ده! ما تطمنيش! "له اطمنّي. غيبته المرة دي تطمن وهتطول وهترتاحي منه شوية زينين." "كيف يعني! "والله يا جمارة، انتي طبعاً خابرة زين إن ربك لـبـالـمـرصاد. غازي بعد ما عمل فيكي أكده، طلع على أرضه، وهناك طلعوا عليه ناس ولاد حرام ضربوه وخدوا قـرـشـيـنـاتـه ورموه سايح في دمه، وهو دلوقتي في المستشفى متكسر كيفك وأكتر هبابة." جمارة ديقت عينيها

وبصت لحكيم بتركيز واتكلمت: "ناس طلعوا عليه وضربوه وخدوا قـرـشـيـنـاتـه!! عجيبة دي؟ وأول مرة تحصل! "اهي حصلت عاد." جمارة فضلت مركزة عينيها على حكيم وهو بيهرب بعينيه منها في كل موضع في الأوضة، وفالآخر ابتسمت لما عرفت إنه هو اللي ورا اللي جرى لغازي. "بتـتـبـسمي على إيه! "ولا على حاجة، كده لحالي." "طيب بصي بعيد، متتـبـصـلـيش كده، ما أحبش حد يبص لي." "حاضر." وبصت بعيد. "احممم...

آآآه، هو انتي أي حد يقولك أي حاجة تعمليها كده طوالي! وهي باصة بعيد: "أيوه." وهو قايم: "طيب إني مش عاوزك تبقي مطيعة كده." جمارة بصت له لما لقيته قام واتكلمت بلهفة: "رايح على وين؟ "هروح أتوضى عشان قرآن الفجر ابتدى. وأهملك انتي كمان تنامي لك هبابة." بخوف: "خليك جاري، مروب الوجع يعاود لي نوبة تانية." "طيب إني هنام في الصالة على الكنبة، ولو حسيتي بوجع نادمي علي، هجيلك طوالي...

بس عشان الغلبانة دي تاخد راحتها في النوم، إلا زمان ضهرها اتقسم نصين." وبص على أم جمارة. جمارة هزت دماغها بموافقة وهي بتبص عليه وهو رايح ناحية أمها وهز دراعها بالراحة. وهي صحت تتلفـت حواليها وبصت على جمارة بخوف، لكنها ابتسمت لما جمارة طمنتها بعنيها إنها زينة. "اتعدلي في نومتك يا خالة وريحي حالك. جمارة بقت زينة وبإذن الله كل ما دا وهتتحسن، أقوى عشان تقويها وارتاحي زين عشان تقدري تراعيها."

عيشة هزت دماغها له ومدت إيدها بحركة سريعة مسكت يده وقربتها على خشمها عشان تحبها، لكن حكيم سحب إيده منها بسرعة ومسك دماغها بإيديه الاتنين وباسها بوسة ابن بار لأمه. وبعدها طلع من الأوضة وعيون جمارة وأمها ماشيين وراه وبيتأملوا في كتلة الحنية اللي ماشية على الأرض.

عيشة عدلت نومتها ونامت، وجمارة كمان غمضت عينيها وهي بتحاول تنام. وحكيم طلع راح على الحمام اتوضى وفرد مصلايته وقعد يقرأ قرآن ويستغفر لحد ما الفجر أذن. صلى ودعا ربه بكل اللي بيتمناه وطلب منه الستر والصحة وراحة البال له ولأحبابه. وقام اتمدد على الكنبة ومسك شال بتاع أمه كانت سايباه في الصالة فرده واتغطى بيه وحط إيده تحت دماغه ونام وهو مبتسم.

ومع ساعات النهار الأولى غالية نزلت وراحت على غرفة أمها من غير ما تاخد بالها إن حكيم نايم في الصالة. وهي ماشية فتحت باب أوضة جمارة بالهداوه ودخلت دماغها. بصت لقت الاتنين نايمين، جمارة وأمها. قفلت الباب تاني بالراحة وخبطت على أوضة أمها ودخلت. "صباح الخير يا يمه." "صباح النور والسرور على غالية الغالية." غالية قفلت الباب وبصت وراه وبصت في كل الأوضة تدور على حاجة. "عتدوري على إيه؟

"بدور على أمي. تماضر كانت قاعدة مطرحك هنا، كانت شبهك الخالق الناطق أكده. بس دلوقتي كانت كل ما تشوف وشي تشـتـمـني، مش كيفك أكده ألاقيـتـيـني بالكلام الحلو وصباحك يشرح القلب!! تماضر بضحكة: "قربي يا مقصوفة الرقبة تعالي." غالية فردت دراعاتها وراحت عليها. "أآآمه، حمد الله عالسلامة يا غالية. كنت لسه أسأل عليكِ. قرينتك كانت قاعدة مطرحك هنا." وقربت منها باست دماغه. "قرصتها من دراعها وغالية فتـت بعيد تضحك."

"همي يا طويلة اللسان، طلعيني عاوزه أطمن على جمارة." "اطمني، زينة ونايمة. لسه فاصلة عليها ولقيتها هي وخالة عيشة في سابع نومة." "ربنا يشفيها ويعفو عنها بحق جاه المصطفى يا رب." "آمين يا رب. يلا تعالي عشان تفطري. قولت لزبيدة تحضر الأكل وأنا داخلالك زماناتها جهزته." طلعت غالية بتدفع في الكرسي بتاع أمها. وأول ما وصلوا حدا السفـرة تماضر ضربت على صدرها وهي شايفة حكيم نايم على الكنبة متغطي بشالها ومتكور على روحه من البرد.

بصت لغالية: "خـشـي هاتي بطانية لاخوكي ارميها عليه، السقعة نشفته." غالية اتحركت بسرعة وتماضر قربت عليه بالكرسي ومشّت إيدها على خده بحنية وهمست: "ربنا يعينك على بلاوي قلبك يا وليدي. ويجازي العشق اللي مرمغ عيالي." رجعت غالية ببطانية ورمتها على حكيم. وهو فتح عينه وشافها غالية ورجع غمض تاني واتقلب على الناحية التانية يكمل نومه.

فطرت تماضر وغالية ودخلوا يطمنوا على جمارة لما سمعوا حسها. وزبيدة ودت لها الأكل هي وأمها عيشة واطمنت عليهم هي كمان وقعدت هبابة جارهم وقامت تشوف أشغال البيت. أما حكيم فصحى على صوت بشندي بينادي على زبيدة على باب السرايا عشان تطلع تصحى سيدها حكيم. وحكيم هو اللي رد عليه: "خـش يابشندي، إني صحيت." بشندي دخل وشاف حكيم نايم على الكنبة ضرب إيديه في بعض وقال باستغراب: "ياااابووووي!

والله لو قلبي فكر يعمل فيا أكده لاكون راميه للكلاب! حكيم بضحكة: "طب خلي يكون عندك قلب في الأول وبعدها اتحدث. دانتا اللي جواك ده فردة شبشب يا راجل! "وأحمد ربنا ليل نهار على فردة الشبشب من بعد ما ريت عمايل القلوب في أصحابها! "طيب سيبك مني ومن العمايل اللي بتتعمل فيا وقولي حصل إيه الصبح." "جماعة من أدفو جايين ينبهوا إنهم جايين في فصل بعد العصر." "طيب خد استعداداتك."

"منى خدت، بس قولت أبلغك عشان متتربطش بمواعيد من بعد العصر النهارده." "إني ولا هتربط ولا فيا حيل أي حاجة. إني تعباااااان يابشندي." "والله شايفك وعارفك تعبان وحاسس كيف ما تكون انتا اللي أكلت الكتلة من غازي مش ست جمارة. المهم... إني طالع أشرف على الدبيحة والطبيخ." وهَم عشان يمشي، لكنه رجع بص لحكيم اللي رفع إيديه الاتنين وبيفرك وشه بيهم. "مهتروحش تطل على الردي في المستشفى! "له." "أحسن يستاهل." وسابه وطلع.

حكيم قام وطلع على أوضته أخد حمام وغير هدومه. ومسك قزازة الريحة عشان يحط منها، لكنه افتكر إن الريحة غلط على جروح جمارة، سابها مكانها ومحطش ريحة ونزل. راح على أوضة جمارة ولقى الباب موارب، خبط مرتين وبعدها نده على غالية. "أيوه يا خوي، تعالا ادخل. كلنا اهنه." حكيم دخل صبح على الكل وعينه على جمارة اللي أمها قاعدة جارها وبتوكل فيها وجمارة مراضية.

"جيت والله جابك. تعالا شوف جمارة مراضية تاكل ولا سامعة حديث حد فينا واصل. مفيش غير انت اللي هتلين راسها وتخليها تتقوت." حكيم دخل وقعد قصاد جمارة. "سيبيها يمه على راحتها. الواحد لما بيبقى ملوش نفس ما يقدرش يحط لقمة في خشمُه. كيفي أنا أكده، صابح ماليش نفس ولا خُلق للأكل مع إني حاسس إني مفطـّـر وكل ما أقف أدّوخ. منتِ عارفة قضيت عشر أيام على النواشف لما معدتي نشفت." "تبقى داخل على دور عيا. يا مرّك يا تماضر."

"له لازم تاكل يا ولدي عشان تتقوت، وحتى لو بعد الشر جالك دور عيا يلاقيك شديد! "صدقيني مقدرش أغصب على حالي يا خالة، علونى خابر زين إني لو مأكلتش مش هبقى زين، بس هي النفس. متقوليلهم يا جمارة! "واحنا اللي مستنين سي حكيم ونقولوا هو اللي هيقدر يغصب على جمارة تاكل. قال على رأي المثل: جبتك يا عبمعين تعين، لقيتك يا عبمعين عاوز تتعان! حكيم ضحك بخفة وعينه على جمارة اللي فضلت باصاله كتير قبل ما تتكلم:

"بس هما كلامهم صوح، وانت لازم تغصب على حالك وتاكل حتى لو حاجة قليلة." "تقدري انتي تعملي أكده! "إني غيرك." "له، كله زي بعضه. تقدري تعمليها انتي. لو أكده هاكل، واكل كد اللي هتاكليه انتي بالتمام. بس عارف مهتقدريش، ولا إني هقدر." تماضر فهمت قصد ولدها وبصت لجمارة بترجي كداب. "يبقى تاكلي عشان حكيم ياكل يا جمارة. قوليلها يا عيشة." "خلاص إني هاكل، وانت خلي غالية تجيب لك أكل، وأكل كد ما أنا هاكل." "وليه غالية تجيب أكل؟

ما أنا هاكل من الأكل اللي قدامك ده، واهو، لا انتي ولا إني لينا نفس ولا هنخلصه." وبالفعل حكيم قرب الكرسي بتاعه على سرير جمارة وربع إيديه وبص لها عشان هي تبتدي أكل. ولما ابتدت هو مد إيده وكل والابتسامة مفارقتش وشه ومنزل عينه طول الوقت على صنية الأكل ومواعيشه من جمارة غير بس إيدها اللي بتـتـلافى بيها الأكل. وقلبه طاير من السعادة بقربها وروحه عمالة ترفرف حواليها.

خلصوا أكل وعطى لجمارة علاجها بنفسه، مسابش بس غير الحقنة لغالية تديها لها. وطلع بعد ما اطمن عليها وراح للمندرة بتاعته يجهز للفصل. أما عند غازي، فكان متأكد ١٠٠٪ إن حكيم هو اللي ورا اللي حصل له ده، وخصوصاً إن واحد من الرجالة قاله إن حكيم خد مرته للمستشفى وإن حالتها تعبانة قوي. غازي ضمر لحكيم شر وحساب جديد وضافهم عالقديم، بس المرة دي حساب حكيم تقل قوي عند غازي. ***

مرت الأيام وعدوا ٣ أسابيع حكيم فيهم مسابش جمارة ليل ولا نهار على قد ما وقته يسمح. فالنهار يبص عليها تخاطيف. أما فالليل فلازم يقضيه قبالها على الكرسي ويفضل يتحدث معاها في كل حاجة حصلت معاه في يومه. ولو حاجة حصلت معاه تضحك، يحكيها لها عشان تضحك ويشوف ضحكتها اللي بتشرح قلبه وروحه.

جمارة كمان اتعودت على قعدته وحكاويه معاها والاهتمام اللي عمرها ما شافت زيه في يوم من الأيام غير من حكيم. عيشة كانت تنام أو تروح تقعد مع تماضر بقلب مطمئن لما يكون حكيم قاعد جار جمارة. أما غالية فساعة تقرب من جمارة وساعة تبعد وبتصارع في نفسها مش عارفة تحدد علاقتها بيها. بس الأكيد إن معاملتها معاها اختلفت ١٨٠ درجة. أما تماضر فهي الوحيدة اللي مكنتش راضية عن وضع حكيم ولا قعده جار جمارة اللي بقى ينسى مصالحه وأشغاله وحتى

نفسه وهو قاعد قصادها. وكل يوم يجيب ويحط لجمارة ومهياش عارفة ولدها بيعمل كل ده على أنهي أساس وإيه آخرته. كانت هتكلمه، لكن تعب جمارة وضحكة حكيم اللي مبقتش تفارق وشه كانت مصبراها على الحال ده. وقالت تسيبهم لحد ما تطيب جمارة ويرجع غازي، ووقتها البُعد محتوم.

عدى أسبوع كمان وغازي طلع من المستشفى. حكيم خلاه في المندرة على سرير حكيم القديم ومرضالهوش يروح المشتمل عشان جمارة تعبانة ومحدش هيراعيه هناك. فاخلاه لبشندي والرجالة يخدموه. طبعاً الكلام ده حكيم قاله لبشندي وبشندي هو اللي وصله لغازي اللي هيتجنن عشان حكيم من ساعة ما رقد في المستشفى معبرهوش ولا راح له، ومن ساعة ما عاد منيها برضه موصلهوش يقول له حمد الله عالسلامة. أما حكيم فبقى يتجنب يروح المندرة من ساعة رجوع غازي. واللي ساعده على كده إنه لا فيه فصول ولا مشاكل اليومين دول ولا ناس بتروح المندرة غير صحاب غازي اللي بييجوا يتحمدوا له بالسلامة.

النهاردة حكيم اضطر إنه يروح بلد تانية عشان يحل مشكلة فيها مع شيخها اللي طلب عونه في حل المشكلة دي عشان استعصى عليه حلها، وخصوصاً إن الخصمين كل واحد فيهم مصمم إنه على حق.

جمارة طول اليوم بتفرك وحاسة إن حاجة ناقصاها، لا هنيتلها لقمة ولا حتى شربة ميه. متأكدة إن غياب حكيم هو السبب، بس مش قادرة تقر بالحقيقة دي لنفسها. بصت لعصافيرها شوية كتير وفضلت مراقباهم وابتسمت وهي شايفة العصفور بيوكل العصفورة وبيلاعبها ومهتم بيها. واتوجهت بكلامها لأمها عيشة اللي متابعة حالها من الصبح وبتبص لها ومركزة عليها بمعنى: "وبعدي لك يا بنيتي! جمارة اتكلمت معاها وهي سرحانة: "يمه، هي القلب بتكذب؟

"كيف يعني يا بتي! جمارة مسكت ضفيرتها وفضلت تلفها على صباعها والحيرة واضحة عليها: "يعني لو حد قلك البني آدم ده عفش، وقلبك شايفه أحسن واحد في الدنيا وعينك ما تشوفشي منه إلا كل زين. ممكن في الآخر يطلع قلبك وعينك كدابين؟ "والله اللي أعرفه إن العين ممكن يتضحك عليها وتتغش، بس القلب له. عشان القلب بيحس بالقلب اللي زيه، والقلوب ما بتـخـدش اللي جواها عن بعضيها." جمارة هزت دماغها بموافقة ورضا على كلام أمها وهمست:

"إني برضه بقول أكده." "بس فيه حاجات مهما كانت عاجبانا وعينينا وقلبنا اتفقوا عليها يا بتي، متنفعش لا تبقى لينا ولا ينفع تكون بتاعتنا. ولازم قبل ما حاجة تعجبنا نسأل حالنا: هتنفع الحاجة دي تكون بتاعتنا ولا مش هتنفع؟ عشان من الأول ما نتعلقوشي بأمل كداب. إلا غازي هيعاود السرايا ميت؟ قالتها عيشة وكل قصدها منها إنها تفوق جمارة وتفكرها بوجوده في حياتها اللي الظاهر بتها ابتدت تنساه. جمارة بعد ما فهمت قصد أمها اتكلمت بكل كره:

"يارب ما يطيب ولا يعاود السرايا تاني واصل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...