عاود السرايا تاني يوم الصبح بعد يوم بليلة قضاهم بعيد عنها. جمارة أول ما سمعت حسه في السرايا اتعدلت، وبقت تعدل في شالها وهدومها وغطاها، وعينها على باب الغرفة بلهفة. "خوش يا سي حكيم." حكيم دخل وعينه مفارقتش جمارة، ولا هي كمان عينها فارقت طوله وشكله وملامحه وعنيه. "كيفك يا جمارة؟ "توى اللي بقيت زينة.. كيفك انت يا سي حكيم؟ "إني توي اللي ردتلي عافيتي يا جمارة... قوليلي مش عاوزة حاجة؟ أي حاجة نفسك فيها قوليلي عليها."
جمارة ابتسمت ونزلت عينها على أديها، واتحدثت بخجل. "أقولك الصراحة نفسي في حاجة و روحي رايحلها ليا كام يوم." "اخص عليكي يا جمارة.. مشتهية حاجة ليكي كام يوم ومقلاليشي؟! "مقولتش عشان مش في إيدك تجيبها." "إني الدنيا كلها في إيدي وأقدر أحطهالك تحت رجلك، بس انتي شاوري." "إني ماعوزاشي من الدنيا كلها غير بس شوية توت... والمرأة بقالها كتير ما بتجيبش، مقطوع مخابراشي ليه؟!
"يااااابوي على التوت وعشق التوت.. طيب انتي ناسيه إن التوت له أوان ومعيطرحش بعديه، وكل سنة وانتي طيبة أوان التوت خلص خلاص!! "يعني ما آكلشي توت غير السنة الجاية على أكده؟! "تنفع مربى التوت أجبهالك؟ تسدش مطرح التوت! "له حلاها زايد وإني نفسي بتفزع منها... بس ليه التوت ميقعدشي طول السنة كيف باقي الفواكه؟! "عشان الفواكه التانية عتتخزن وتتلج، لكن التوت رقيق وترف كيف الناس اللي عتحبه أكده ومعيتحملشي كيف غيره من الفواكه."
جمارة ابتسمت وهمست بعد ما رفعت عينها تقابل عينيه. "خسارة." حكيم فضل يتأمل فيها وطال الصمت ونسي العالم وحس إنه من غياب يوم عنيها وحشه حد الجنون. "خبئى عينيك عني فأنا أمام عينيكِ... تنهار قوانيني.. ويهزم المنطق. أمام عينيكِ.. ترتبك كلماتي.. وسطور الصمت تنطق. أمام عينيكِ.. تتحقق أحلامي... وفى نظراتك أغرق. أمام عينيكِ.. يغفو القمر...
وشمس العشق تشرق. أمام عينيكِ.. أسافر فوق السحب.. وبين النجوم أحلق. أمام عينيكِ.. أموت آلاف المرات.. ومن مقلتيك أخلق." بعد فترة الصمت، حكيم فتح خشمه عشان يتحدث معاها، لكن قطعته صوت أمه اللي تحدثت من وراه. "وه ياحكيم.. ماعادتشي تماضر أول اللي تجري عليها لما تخش السرايا دلوكيت! تماضر راحت عليها خلاص." حكيم قام بسرعة وراح على أمه، باس إيدها وخدها ودماغها وهو عيصبح ويسلم عليها. "واه يالبة القلب عتتحدثي كيف انتي!
دانتي القلب والعين... وبص لغالية كيفك يا غالية وكيف أحوالك؟ "بخير طول مانتا بخير يا خوي." حكيم اتلفت حواليه. "أمال فين خالة عيشة؟ "النهاردة قامت بهمة، حلفت ما نفطر غير مصفط بالسمنة البلدي من يدها وجبنة قديمة وعسل، ومن غبشة الصبح راحت بيتها تخبز في فرنها وزمانها على جيه دلوكيت." "الله عليكي يا خالة عيشة.. اليوم ديه باينة حلو من أوله أكده." "ربنا يحلى أيامك يا ولدي." مخلصوش كلامهم وغالية تحدثت بفرحة.
"أهي خالة عيشة جات أهي." "يادي النور والسرور.. توها السرايا اللي نورت بحس زين الرجال.. صباح الورد يا حكيم يا ولدي." "صباح الفل على عينيكي يا خالة.. يديكي العافية تعبتي حالك." "تعبكم راحة يا غالي.. إني فديك الساعة لما أعملكم بيدي! "طيب يلا كلنا هنفطر مع جمارة في أوضتها عشان نتلموا في الوكلة الحلوة داي." "له إحنا ما نفطرواشي حداها.. هي اللي هتيجي تفطر معانا أهنه." "بس كيف يا ولدي وهى ما تقدرشي تحمل على قدم رجلها واصل!
"أكده." وراح على باب السرايا ورجع جايب كرسي بعجل كيف بتاع أمه ووصل عندهم بيه. "كفاياها حبسة في الغرفة، خليها تطلع تتفرطلها هبابة عشان تطيب بسرعة." "ربنا يطيب خاطرك ويفرح قلبك قادر يا كريم." "عفارم عليك يا حكيم، خليها تقعد وسطنا صوح بزيادة نومة." حكيم بص لغالية. "يلا خدي الكرسي ديه قعديها عليه بس بالراحة وهاتيها وتعالي... ومد إيده خد طبق الفطير من فوق دماغ عيشة.
"وانتي روحي معاها ساعديها يا خالة أحسن غالية توقعها ولا تعطبها أصلها رشلة." عيشة ابتسمت وراحت على غالية، اللي بصت لحكيم بطرف عين واتمصمصت ودخلت من غير ما ترد. بيده حضرت كل حاجة على السفرة، وحكيم وزع الفطير وقعد حاطط إيديه قدامه وفضل ينقر بصوابعه بقلة صبر وعينه على باب غرفة جمارة ومستنيها تطلع.
وتماضر عينها عليه، وأول ما طلعت جمارة حكيم عدل قعدته وابتسم وحست إن عينيه هيطلعوا من مطرحهم من كتر ما مبرقين لجمارة و بيلمعوا من الفرحة لمع. غالية جابتها وكانت هتحطها جارها، لكن حكيم قام واخد الكرسي منها وخلى جمارة على شماله بينه وبين عيشة وأمه على يمينه وجارها غالية. "ربنا يخليك ليا يا سي حكيم ويسعد قلبك.. والله كانت روحي طاقة من قعدة الغرفة كيف ما تكون علمت بيه."
حكيم ابتسم واتكالها على عينيه وقعد ياكل بنفس مفتوحة وعينه على جمارة ويجيب ويحط قدامها ويغصب عليها تاكل، ويمد إيده يغمس لقمة من وقت للتاني يحطها في خشم أمه ويحب إيدها وهي تطبطب على دراعه بحنان. خلصوا فطور وحكيم طلع وساب جمارة قاعدة وسطهم في الصالة وفرحانة إنها طلعت من بعد شهر حبسة. وغاب ساعتين ورجع تاني. "جمارة تعالي الجنينة هوريكي حاجة هتعجبك قوي.. أمحضرلك مفاجأة."
جمارة بصتله وديقت عينيها وبصت للي حواليها بتساؤل، والكل رفعلها كتافه بمعنى منعرفوشي حاجة. حكيم مسك إيدين الكرسي ودفعه على بره، وجمارة فضلت تبص بعينها يمين وشمال وملقتش حاجة غريبة غير بس نقايل شجر على جنب محطوطة. حكيم وقف جمارة جنب نقايل الشجر ووقف قدامها. "عارفة ديه شجر إيه يا جمارة.. ديه شجر توت.. هزرعلك الجنينة كلها شجر توت عشان تقدري تقطفي التوت وتاكليه في أي وقت وميته ما تحبي وتشتهي."
جمارة بصت للشجر بفرحة وبصت لحكيم وهمست. "ديه كتير عليا والله." "قولتلك الدنيا كلها متكترش عليكي انتي بالذات يا جمارة." جمارة بصت لعيون حكيم وركزت وسألت بحيرة. "ليه بتعمل معايا أكده يا سي حكيم.. واشمعنا إني بالذات؟
"عشان انتي مظلومة يا جمارة.. عتتظلمي من غير ذنب في بيتي وتحت عيني، وإني اللي المفروض أشيل الظلم عن الناس كلها مقدرشي أشيله من عنك.. وعشان أكده مستعد أعمل كل حاجة تفرحك وتسعد قلبك، يمكن لما أشوف الفرحة في عينيكي ديه يعوض هبابة من تقصيري في حقك." "وانت ذنبك إيه تشيل ذنب مالكش يد فيه وصاحب الذنب باله مرتاح ومتهني؟!
"مين قالك مش يمكن الذنب كله من أول ذنبي أنا.. وإني لولايا ما كنتش ولا حاجة من اللي انتي فيه ديه هتحصل معاكي." "مفاهماشــي؟! "أحسن خليكي مفاهماشــي.. سيبك من الحديث دلوكيت وقولي معايا نزرعو الشجر ديه فين وفين؟ "لا هو انت اللي بتزرعه بيدك يا سي حكيم! "إني أصلاً جايبه عشان إني اللي أزرعه من يدي."
قالها وبدأ يشيل العمامة من على راسه وخلع جلابيته وفضل بفانلة نص كم وبنطلون ترنك كان لابسهم تحتها، وحطهم في حجر جمارة وبدأ يحفر بالفأس والكوريك اللي جهزهم. طول ما هو بيحفر وعين جمارة منزلتش من عليه، واتمنت لو ليها الحق بأنها تقرب منه وتمسح حبات العرق اللي بتجمع على جبينه من تعب بيتعبها ليها وعشانها، وهو الشيخ حكيم اللي إيده معتشيلش وردة من الأرض.
حكيم بقى كل ما يخلص حفرة يزرع فيها شجرة ويقرب منها جمارة ويمسكها خرطوم الماية عشان تسقيها بيدها، وهي تعمل أكده بفرحة. خلصوا زرع الشجر وحكيم قعد على نص البرميل قدام المشتمل، وجمارة جاره بعد ما غسل وشه واتشطف من خرطوم الماية، وبصوا هما الاتنين على الجنينة بصة أخيرة بعد ما اتزرعت بشجر التوت، صفين متوازيين من بداية باب السرايا لحد البوابة، بيفصل ما بين كل شجرة واختها مترين، وبيبعد كل صف عن التاني ٦ متر.
"شكل الجنينة بقى حلو قوي بالزرع يا سي حكيم.. بس لسه ناقصها حاجة." "حاجة إيه يا جمارة؟ "ناقصها تنزرع ورد ملون أحمر وأبيض وأصفر كيف اللي حدا المهندز، وتوبقى جنة." "من بكرة تنزرع كل أنواع الورود لعيونك يا جمارة.. انتي تتمني وأنا عليا التنفيذ.. بس في الأول عاوز أعملك قفص سلك كبير أهنه عشان تحطي جواه عصافيرك ويقدروا يفرفروا بحرية أكبر ويفقسوا ويملولك القفص عصافير صغيرة."
وشاورلها على جنب في الجنينة قريب من المشتمل وقصاد شباك أوضته. "الله يا سي حكيم ديه هيوبقى حلو قوي.. إني مش هتحرك من قصادهم ليل ولا نهار وهقعد على طول عيني عليهم." "هاه قوليلي إيه ناقص السرايا تاني ولا الجنينة عشان نعملوه ونفرحوا جمارة! جمارة اتنهدت وردت عليه وهي باصة بعيد وكل ملامحها اتحولت للحزن. "لو على راحة جمارة فهي في حاجة واحدة بس.. إن غازي ما يعاودش السرايا تاني ولا أشوفه قبالي، وتوبقى هي داي فرحتي الكبيرة."
حكيم وقف على حيله ورد بديقة. "وايه جاب سيرة غازي دلوكيت.. تعالي يلا ندخل السرايا بزيادة خدنا عليات النهار في الشمس أحسن تعيي وانتِ مش ناقصة." جمارة ردت عليه بضحكة خفيفة. "متخافش سمس الشتا باردة مع تعيشي." وهو ابتدى يدفع الكرسي بيها على ناحية السرايا، وهي طول ما هي ماشية باصة للشجر المزروع بفرحة وحاضنة جلابية حكيم وتلفحته كأنها حاضنة كنز غالي على قلبها.
دخلوا السرايا وحكيم سابها وسطهم وطلع عشان يتسبح، وجمارة فضلت تحكيلهم بفرحة على شجر التوت. "طب ما احنا عارفين كنتوا عتزرعوا شجر، ما احنا فنسنا وراكم نشوفواكم عتعملوا إيه، ولما لقيناكم عتزرعوا كيف عباس وقميرة هزينا يدنا ودخلنا وفوتناكم.. قال ويقولها مفاجأة قال! "طب ديه أحلى مفاجأة الدنيا كلها وفرحتني قوي." "وماله يختي مش عيب، مهي دي اللي عيقولو عليها فرحة العبيط ههههههه." جمارة جاوبتها ببرطمة.
"بس اسكتي انتي ما تعرفاشي حاجة." فضلو يتحدثوا مع بعض كلهم، وجمارة طلبت من أمها تساعدها تتنقل من على الكرسي للكنبة عشان تجخ ضهرها اللي وجعها، وأمها قامت تساعدها وحتى غالية قامت تساعدها معاها. شوية ونزل حكيم بكامل زينته وهيبته ووقاره، وعين جمارة متلقياه من ساعة ما نزل أول سلمة، وحكيم كمان عينه عليها ووشه مبتسم. نزل وقعد جارهم وابتدوا يتحدثوا، وطول ما جمارة تتحدث عين حكيم عليها وناسي الدنيا وكل هبابة.
أمه تماضر تحط إيدها على يده تنبهه لنفسه وترجعه لعقله اللي نسيه من ساعة اللي حصل لجمارة. تماضر ميلت على حكيم واتحدثت بنبرة صارمة. "حكيم عاوزاك في كلمتين.. تعالي معايا غرفتي." حكيم قام مع أمه، وعلى عينه يسيب قعدة جمارته اللي فيها قصاد عينيه. دخل الأوضة هو وأمه، وأمه قالتله اقفل الباب وراك، وهو عمل أكده.
"وبعدهالك يا ولد تماضر.. وآخرت اللي بتعمله ديه إيه.. من ساعة اللي حصل لجمارة وانت مقابلها وقاعد ونسيت نفسك ونسيت دينك وربك ونسيت الدنيا." "وه يمه عملت إيه إني لكل ديه! "عملت ياحكيم.. عملت ياشيخ البلد.. عملت يادارس كتاب الله.. نسيت إن النظرة سهام إبليس، وإني ياما حذرتك من البصة ياحكيم.. من أول ما هويتها وإني بحذرك وأفكرك بكلام ربنا، وانت فاكر كنت عتقولي إيه...
كنت عتقولي سيبيني أحرسها بعيوني وأشبع عيني منها وأصبر حالي بالنظرة لحد ما أتجوزها وأفضل الباقي من عمري أستغفر لحد ما ربنا يغفر لي وهو أعلم بحالي.. طب زمان كنت بتبصلها عشان هتبقى مراتك.. دلوقتي بتبصلها ليه.. نسيت نفسك ودينك ياشيخ ونسيت إن النفس أمارة؟ نسيت إن جمارة على ذمة ولد عمك دلوقتي وكل نظرة ليها بمعصية وذنب!
فوق دانت الشيخ حكيم اللي بتحكم بين الناس بالكتاب والسنة.. امسك نفسك وحاسبها قبل ما حسابك عند رب العالمين يتقل." حكيم بحده. "ولد عمي... وااااد عمي...
لعنة حياتي وسبب تعاستي وأكبر مصيبة وقعت على راسي.. ياما قولتلك اطير وراه من حياتنا وأعطيه كل اللي يطلبه، قولتلي له خليه قصاد عينك ولو حبيبك قريب خلي عدوك أقرب.. كسرتو ضهري بيه انتي وأبوي.. انتي بخوفك منه وأبوي بوصية وصاها على حي صغير ولجمني بيها، وما يعرفش إن الحي هييجي يوم ويكبر ويبقى تعبان مغلق يبخ سمه في جوف ولده!
شوفي انتي كام مرة حاول يموتني وفشل، وكل مرة كنتي تقوليلي متظلميش يمكن مش هو، وأنا وإنتي خابرين زين إنه كل مرة هيوبقى هو وراها بس بتكذبي حالك وتضحكي على روحك وعليا... طب تعرفي إنه ولا مرة نجح يموتني غير لما خد مني جمارة.. تعرفي إنه خنق قلبي لحد ما موته من القهر.. تعرفي إني بتعذب قد إيه، ولا قلبك بطل يحس بحكيم كيف الأول.. بالك لو قلبك بيحس بيا كنت همَلتيني للي جوايا ومكونتيش عاتبتي ولا نصحتي."
"مينفعش يالبة القلب.. مينفعشي أسيبك تغرق في المعاصي واقف أتفرج عليك وممدش إيدي أطلعك من وسط بحر الذنوب اللي رامي حالك فيه.. ابعد عنها وسيبها لمصيرها واللي كتبه عليها ربنا ومتتدخلش.. انت مش هتكون أحن عليها من ربنا، وهو القادر كيف ما بلاها يرفع البلا عنيها.. قادر ربنا يزرع الحنية في قلب غازي عليها ويبدل الأحوال في طرفة عين.. بس ربنا ليه حكمة.. ومحدش لازم يعترض على حكمة ربنا يا ولدي، وإلا يبقى كفر.. لكن تفضل قبالها أكده وفرحان ببصتك ليها وبصتها ليك، وبتعلق قلبها فيك كل يوم عن التاني، ودي عذاب تاني هتكتبه عليها مهتقدرشي عليه.. مكانتشي مرجية منك يا حكيم إني إني اللي أفكرك بحلالك وحرامك، أرجع لكتابك وارجع للآية اللي بتقول
بسم الله الرحمن الرحيم: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) صدق الله العظيم. يعني لو جيت لدينك وقرآنك مش بصتك عليها بس هي الحرام.. قعدتها قبالك وسماعك لصوت خطوتها وهي ماشية حرام." حكيم بضيق رفع إيده وفرك وشه واتحدث بقهر.
"كل ديه عارفة وضميري كل يوم عيمزعني مزيع ومختشي من ربنا قوي قوي، بس أعمل إيه قوليلي.. أعمل إيه مقدرشي.. إني عأضعف قصادها كيف ما ضعف آدم ومد يده على الشجرة المحرمة اللي طلعته من الجنة.. أعمل إيه والشيطان غازي جابها وحطها قبالي وسلسلني عينيها بجوازه منها وبيغري قلبي بيها كل يوم كيف ما الشيطان وسوس لآدم ياكل من الشجرة!
أعمل إيه وجمارة هي الوحيدة اللي كشفت مساوئي وعرتني قدام حالي وعرفتني إن اللي بعمله غير اللي بقوله وأنصح بيه الناس.. بس الاختلاف إني معغطيش سوأتي بورق شجر.. بغطيها بتوب العشق.. واللي بيتغطى بتوب العشق عريان يا أم حكيم.. قولي لولدك يعمل إيه يا تماضر." "متعملشي حاجة إني اللي هعمل.. إني اللي لازم أعمل.. بس كل اللي طالباه منك إنك تجاهد نفسك وتبعد عنها وتتجنب الذنوب وتستغفر على اللي فات يا حكيم.. سامعني؟
الحق نفسك يا ولدي." حكيم هز دماغه لأمه وسابها وطلع من الأوضة ومن السرايا بسرعة من غير ما يلتفت لأي حد ولا ينتبه لعيون جمارة اللي بتجري وراه. والكل استغربوا يا ترى تماضر أم حكيم قالت إيه لولدها خلاه طالع وشرار الغضب عيطير من عينيه أكده. يومها حكيم ما عاودش السرايا وفضل يلف في البلد بجمرة لحد ما ليل عليه الليل. رجع للمندرة وهناك شاف غازي اللي كان عامل المندرة غرزة بشيشته والتسالي بتاعته.
"أهلاً أهلاً باللي عيلعب براحته بعد ما عجَز القط." "ههههه دايماً تقلب الأدوار انت يا غازي.. عاوز تطلع حكيم الفار!! ... وانت توبقى إيه عايز تفهمني إنك القط اللي غاب على أكده؟! "أمال اللي بيضرب وياخد على خوانه ويتدس تسميه إيه يا حكيم.. أسد؟؟!! "لا الدسدسة طبعنا ولا الخيانة في دمنا، بس الخوان بيخون وكل واحد بيشوف الناس بعين طبعه."
"مقبولة منك يا ولد العم.. إلا قولي أخبار مرتي إيه على حسك.. زينة ومرتاحة مش أكده.. مريحها تلاقيك قوي إنت في غيبتي.. عموماً تشكر وتتردلك في حريمك بإذن الله." حكيم دمه غلى بس ما حبش يدي فرصة لغازي إنه يحس إنه انتصر عليه وإن كلامه كاد. فاتحدث بهدوء عكس اللي جواه. "نام يا غازي وبطل خربطة نام." وقلع عمامته ونام على كنبة بعيدة عنه شوية. "وه.. إيش عجب هتنام أهنه النهاردة وتفوت السرايا واللي فيها؟!
"شبعت من السرايا واللي فيها وحابب أريح حالي بعيد عنيهم شوية.. زهقت منهم يا خي." نام حكيم وساب غازي بيغلي بنار مش قادر يحددها، نار غيرة ولا نار هزيمة ولا نار ضعف اتسببله فيه حكيم وخلّاه محبوس في فراشه وملاقيلهوش بصارة يوصل لحكيم ويديق عليه أنفاسه كيف الأول. حكيم يومها بات في المندرة وجمارة كل هبابة تسأل عليه مجاش ليه ومحدش يجاوبها وفضلت في حيرة.
أما تماضر أم حكيم المرة دي مؤيدة بعد ولدها ومعترضتش زي أول مرة لما غصبته يرجع. ومجاش في بالها إنها كانت بتقرب النار من البنزين ومش دارية. أيام بقت تعدي وحكيم مبقاش يلفي السرايا.. غير بس ساعة الوكل ويقعد ياكل معاهم من غير ولا كلمة ولا يرفع عينه على حد واصل. والكل مخيمه عليه حالة سكوت واستغراب، وحدش فاهم اللي بيجرى مع حكيم غير بس أمه اللي كل ما حد يسألها ماله تقوله هملوه في حاله محدش له صالح بيه.
جمارة كل مادا تتحسن وابتدت تقدر تدوس على رجلها وتخطى لحالها. ولسه تغيير حكيم عليها وعلى الكل شاغل فكرها وقلبها. صعبة لما حد يعطيك كل اهتمامه ورعايته ويسحب ده منك مرة واحدة كأنه حس إنه غلط لما اداهولك وندم عليه. بس برغم البعد والجفا حكيم منساش طلب جمارة وخطط الجنينة وبناها أحواض وزرعها ورد.
وجمارة من ساعتها بتعتني بيها وتسقيها مرة بمية ومرات بدموعها اللي كل ما تبص لشجر التوت تتفكر أحلى يوم في عمرها وتسأل حالها ياترى هي عملت إيه لحكيم عشان يجفى عليها ويبعد عنها أكده. فضلت مهتمة باحواض الورد لحد ما الورد ابتدى يكبر ويبان تشكيله، وفي الوقت ده كانت تقريباً طابت. قاعدة كيف كل يوم تسقي الورد وشافت حكيم داخل من بوابة السرايا، رمت خرطوم الماية من إيدها ورمحت عليه ووقفت قدامه وسألته بكل ضعف.
"غلطت في إيه معاك إني يا سي حكيم!؟ "ليه بتقولي أكده يا جمارة! انتي مغلطتيشي ولا حاجة." "أمال ليه كرهتني؟ "إني كرهتك.. ليه بتقولي أكده يا جمارة.. إني عمري ما كرهتك أبداً." "أمال ليه بطلت تتحدث معايا كيف الأول.. ليه بطلت تسأل عن حالي؟ "له بسأل وعاطمن وعشوفك زينة قدامي.. وعقول لغالية تسألك لو محتاجة حاجة!! "وعتطمن عني كيف وعتشوفني ميتة وانت حتى بطلت ترفع عينك عليا ولا تتطلعلي!!
مالك يا سي حكيم إيه اللي مزعلك أكده احكيلي.. إني حساك حزين قوي بس معرفاشي من إيه." حكيم اتنهد وهمس لنفسه. "وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌ ** إلى القلبِ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ." ورد عليها بنبرة هادية. "مفيش حاجة صدقيني انتي متوهمة." ومشى من قدامها للسرايا وهو بيجاهد عشان ميرفعشي عينه وتيجي عليها، وإلا هيضعف وتنهدم كل الحصون اللي بيحاول يبنيها حواليه يتخبى وراها عن مرمى عينيها طول المدة اللي فاتت.
تاني يوم حكيم نبه عليهم مفيش وحدة تطلع من باب السرايا للجنينة، وكان قاصد بالكلام جمارة بس مبقاش يوجهلها كلام مباشر غير لما يعمم على الكل. وطبعاً سألوه ليه وهو مجاوبش. لكن في آخر النهار بعتلهم بشندي يقولهم الناس مشيت ولو حد عاوز يطلع الجنينة يطلع. جمارة أول ما سمعت أكده طلعت طوالى حتى قبل ما بشندي يغادر باب السرايا. وأول ما طلعت اتفاجئت بالقفص اللي كان قالها عليه حكيم، وضحكت بفرحة وضمت إيديها قصاد صدرها وهي باصاله.
وكأنه رسالة من حكيم ليها بيقولها فيها إنه لساته بيستعملها، لساتها ليها معزة عنده ومنساش يفرحها. بشندي طلع من باب السرايا ووقف دقايق يبص لجمارة وحالها واتنهد وهز إيده ومشى وهو بيعبرم مع نفسه. "قُطع العشق وسنينه.. وقُطع غازي اللي إن شاء الله يتحرق بغاز وسخ عاللي بيعمله في الناس المسكينة داي."
طلع من بوابة السرايا وقفلها وراه كيف ما أمره حكيم من ساعة ما زرع الجنينة وابتدت جمارة تطلع فيها على طول، وخاف عليها من عين تلمحها وتشبع من جمال طلتها. أما جمارة فرجعت للسرايا بسرعة وخدت القفص ورجعت الجنينة وطلعت العصافير منه، حطتهم في القفص الكبير وقربت نص البرميل قبالهم وقعدت عليه تتفرج عليهم وهما فرحانين بالوسع وعيرفرفوا بجناحاتهم كأنهم مش مصدقين حالهم.
دخل حكيم من بوابة السرايا، ولحظة ما شاف جمارة وفرحتها بالقفص وقعدتها قبالهم مقدرشي يحوش نفسه وقرب منها بهدوء ووقف وراها وسمعها وهي بتهمس بصوت واطي. "حكيم.. كفاياك فرفرة واستهدى واقعد جار جمارة هبابة حرام عليك دي عتلف وراك في القفص كلياته لما تعبت." حكيم سمع كلامها وكل مشاعره اتلخبطت وكل جدران القوة اللي بناها حواليه اتهدت بكلمتها. وحس إن الدنيا مش سايعاه من الفرحة.
بس فرحته انطفت وهو واعي غازي واقف على بوابة السرايا متسند على واحد من الرجالة، وجرى ناحيتهم أخد غازي من يد الراجل وسنده وخلى الراجل يطلع فوراً من السرايا من خوفه يلمح جمارته. غازي ضحك لما فهم قصد حكيم وإنه ما جرى عليه محبة، وضحك بخفة وبعدها تحدث وعينه على جمارة. "والله وعاودتلك تاني يا جمارتي.. والنوبة داي هتدفعي تمن رقدتي وبالفوايد كماني ههههههه." حكيم ميل عليه وهمس في ودنه.
"اقتلها خالص النوبة داي، خلاص مبقلهاشي عازه.. بقت عاملة كيف الوكلة البايتة اللي النفر عياكل منها ونفسه مش عتتدنالها تاني يوم." "ربنا معاك يا ولد عمي، أكيد نفسك جزعت منها وانت بقالك شهور متجوزها.. إذا كان أنا في المدة البسيطة دي مليت منها." غازي بص لحكيم بغضب وسأله. "قصدك إيه؟ "مقصديش يا غالي.. مقصديشششش." ووصله قريب من جمارة وسابهم ودخل السرايا. أما جمارة ففاقت من سرحانها على أكتر صوت في الدنيا بتكره تسمعه.
"طولت عليكي مش أكده... أكيد اتوحشتيني صوح." جمارة هبت واقفة وبلعت ريقها وفضلت تفرك إيديها في بعض بتوتر وهي باصة لكابوس حياتها اللي عاودلها من تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!