حكيم مترددش لحظة بعد ما فكر في اللي هيعمله غازي في جمارة لو سابهاله، وقرر إنه مش هيتخلى عنها ويرميها للموت كيف ما عمل مع جمرة اللي لسه الندم عياكل في قلبه عليها. لعيشة واتكلم بنبرة حازمة: "روحي يا خالة، قولي له ما ليش مرة، حد حكيم وكل اللي ليك أرض هتاخدها عالمركوب. حضّر عقودك وقابله بكرة في ديوان الشيخ زايد."
وبص لأمه يشوف نتيجة قراره عليها، وقلبه ارتاح لما شافها مبتسمة وهزت له راسها بالقبول. وبص لجمارة اللي كانت بتبص له بذهول كأنها بتسمع حاجة من نسج الخيال. لحظات سكوت قطعتها عيشة: "أنا مش فاهمة حاجة! ردت عليها تماضر: "حكيم هيشتري خلاص بتك جمارة من غازي بأرضه وأملاكاته يا عيشة." عيشة برقت عينيها بصدمة متقلش عن صدمة جمارة اللي لسه على نفس النظرة والذهول. مردتش، لكن حكيم رد على أمه: "وخلاصي أنا كمان يمه، وراحة قلبي."
تماضر: "وعشان راحة قلبك يا ولدي، اعمل اللي تعمله. هو العمر واحد ومهيتعادش من تاني. عيش بسعادة وارمي كل حاجة تانية ورا ضهرك. كنت متأكدة إني لما قولتلك استفتي عقلك، إن عقلك هيدلك على جمارة في الآخر برضو. بس مكنتش عايزة إني أندم في يوم وأقول مشيت ورا قلبي وضيعت حالي ومالي. لكن العقل طول ما قرر عمره ما هيقدر يودي ويجيب بحاجة تتعب القلب بعد كده." عيشة بصت لحكيم وهمست: "والله كنت خابرة إن قلبك مش خالي من تلاتي."
تماضر: "ومين يبص لعيون حكيم وهو قبال جمارة ويخفي عنيه اللي فيهم يا عيشة؟ عيشة ضحكت وهي مش مصدقة حالها، وباصة لحكيم وبتحمد ربنا وتشكر في سرها عشان اتمنته لبنتها في يوم من الأيام، وها هو ربنا استجاب لها وحكيم هيبقى من نصيب جمارة. "بت بياعة الجبنة." حكيم اتكلها على عينيه عشان خابر زين إنها مش مصدقة كل اللي بيتقال قبالها ده،
وهمسلها: "روحيله يا خالة وقولي له يا جيني المندرة بكرة قبل القعدة ومضية العقود، وليه الأمان. يطلق جمارة بالتلاتة وبعدها تتكتب له الأرض ويغور بيها." عيشة بعدم تصديق: "هتديله أرضك عشان يهمل بتي في حالها ويطلقها ياسى حكيم؟ وجمارة هتتفك منه وهتعود لحضني تاني. أنا مش مصدقاشي!! حكيم: "هدي له، وأدي نور عيوني لو عايزها عشان يهمل جمارة ويبعد عنها. وكمل بضحكة: "بس مش هدي له عشان جمارة ترجع لحضنك انتي يا عيشة!
قالها وبص لجمارة، وعيشة ابتسمت لما فهمت كلامه، وبصت لجمارة ودكمتها بكتفها بفرحة، وجمارة معملتش حاجة غير إنها بربشت بعنيها. غالية بصوت عالي شوية: "طيب انت هتدى الأرض لغازي وتاخد جمارة. وجمارة هتطلع بشيخ البلد وكبيرها. وأمي ما عوزاش حاجة من الدنيا تاني. طب محدش فكر في الغلبانة غالية هيكون إيه مصيرها وهي الوحيدة اللي طالعة من المولد بلا حمص؟ حكيم ضحك على كلامها وراح عليها،
مسك يدها وقومها: "إنتي تطلعي دلوقتي تجيبي الختم بتاعك وتجيبي بطاقتك وتيجي معايا على المندرة، أريح فكرك وأطمن قلبك على الآخر. وهحط في حجرك كوم حمص." غالية طاوعته ومشت معاه. ولما وصلوا قبال جمارة، حكيم وقف قبالها وبصلها بصه أخيرة قبل ما يكمل طريقه وهمسلها: "اقفلي خشمك." جمارة بتوهان: "هاه؟ حكيم: "اقفللللللي خااااااشمك، وأنا خمسة وراجعالك. أعود ألاقيكي مستنظرة جمرة بره في الجنينة." جمارة بصت له ومردتش،
وهو اتكلم بنبرة صوت أعلى: "سمعتيني يا جمارة؟ جمرة هزت دماغها بموافقة لما أمها زغدتها بكوعها، وحكيم ضحك واتحرك من قبالها. غالية ميلت عليه وهما ماشيين: "هملها يا حظي، الفرحة كتيرة عليها ممتحملهاش. دي مش بعيد قلبها يقف من الفرحة وتروح فيها." حكيم انتفض وبص لغالية: "توفي من خشمك يا غراب البين، الشر بره وبعيد. أوعك يا غالية أسمعك تقولي كلمة شينة على جمارة قبالي، ولا حتى من ورايا. أزعل منك والله." غالية
ردت عليه وهي طالعة السلم: "خلاص يا بوي، مجيبينش سيرتها نوبة تانية." "يباى، دا الواد فاق من موطرحه كيف ما يكون لسع. حسرة عليا وعلى حالي، أجيب منين حد يحبني أكده؟ بس هيحبني على إيه يا بوي، كانت عيوني زرقة ولا عيوني زرقة؟ معرفش يا بوي، مش لاقي وحدة عينيها ملونة ليه. كان زمان حظنا المايل اتعدل هبابة!!!
فضلت تبرطم لغاية آخر بايه في السلم، وحكيم يضحك على حديثها من غير صوت، ووقف يستناها وعينه راحت على جمارة اللي عينيها متعلقين عليه، وهمسلها بينه وبين نفسه وبس شفايفه بتتحرك: (أُحبك ياعميقة العينين وأقسم أن حُبك.. تطرف، وتصوف، تعقل.. بلاده أحبك مثل الموت والولادة.. صعب بأن يعاد مرتين.. أُحبك ياعميقة العينين.) (نزار قباني)
أنهى همسه ورفع إيده حطها على قلبه يهدّي دقاته اللي كل ما عقله يقوله خلاص جمارة هتكون ليك، يرفرف كيف طير فرحان بحريته بعد حبسته في قفص سنين. نزلت غالية وبوشت وشها، وحكيم أخدها وراح بيها على المندرة، بعد ما أدى أمر لبشندي يجيب عقود وكتب الأرض الجديدة باسمها بيع وشرا، وحتى السرايا كتبها باسمها. وكل عقد بصم عليه اتنين مختلفين من رجاله وكتبه بتاريخ مختلف وقديم.
غالية كانت عتبصم وتختم على الورق وهي فرحانة إنها بقت صاحبة أملاك. وحكيم بعد ما خلص، مشى الرجالة وبص لغالية ورفعلها حاجبه: "بت يا غالية، إنتي مجعوظة قوي كده ليه؟ كيف ما تكوني فكرتي حالك بقيتي صاحبة الأرض صح؟ دا لغاية ما غازي يطلق جمارة وأتجوزها، وهقطع العقود يا قلب أخوكي! غالية اتكلمت بنبرة تعالى ممزوجة بضحكة بعد ما مالت لورا وفردت
أيديها على المساند جنبها: "وماله.. لحد ما تقطعهم، أنا صاحبة الأرض والسرايا، وانت وتماضر عايشين في أملاكي. ولحد الوقت ده أشوف حد فيكم يزعلني بكلمة واحدة بس، أطردكم شر طردة." حكيم سمع كلامها واتلفت حواليه بسرعة، وهي شافته عمل كده وقامت رمت من قدامه وحصلها وهو بيقول لها: "خدي هنا، ما هعملكش حاجة. خدي يا ردي، اسمعيني تاني قولتي إيه!!!
غالية مرضيتش توقف، بس فضلت تمشي بخطوات واسعة بس رزينة لغاية ما دخلت السرايا، وهو حصلها وحاوط كتفها بدراعه لما وصلها وضربها بدماغه في راسها بهزار، ووقفوا مطرحهم لما شافوا جمارة واقفة جنب جمرة وبتعيط، وحتى عيشة واقفة معاها. حكيم ساب غالية وراح عليهم بسرعة، وجمارة أول ما شافته اتكلمت بخوف: "سي حكيم، جمرة بتنزف." حكيم اتفقد جمرة،
وعيشة طمنته: "متخافيش عليها يا ولدي، الظاهر كانت حبلى وعيلها خسر من السم. واستحمدت إنه نزل عشان باين عليه ميت في بطنها من بدري عشان نازل عليها دم أسود." حكيم: "فداها اللي كان في بطنها يا خالة، أهم حاجة هي قامت بالسلامة." عيشة: "بكرة تمسك نفسها وتحبل وتجيب غيره وتملا الدنيا عيال." حكيم هز لها دماغه وبص لجمارة اللي حاضنة رقبة جمرة وبتتاسف عليها، وعيشة عرفت إنه عاوز يتكلم معاها،
وبصت لغالية وقالت لها: "تعالي بينا يا غالية نسخنولها شوية شعير ونجيبوهم لها تاكلهم وتشرب ميتهم الدافية عشان تنزل اللي في بطنها." غالية هزت لها دماغها وبصت لحكيم: "فين الشعير يا حكيم؟ جاوبتها جمارة: "في الشوال اللي جنب قفص العصافير يا غالية." غالية اتحركت هي وعيشة راحوا مطرح ما دلتهم جمارة، خدوا الشعير ودخلوا جوه. حكيم جلى صوته وهمس لجمارة: "هو يعني ينفع كل حاجة تبكي عليها كده وتكَدري العيون الزينة دي؟
مش ترحمي حالهم وحال اللي ما يتحملش يشوف الدموع فيهم!! جمارة بتسمع ومش مصدقة نفسها، ولا مصدقة إن حكيم هو اللي واقف قبالها وبيتكلم، ولا إن الكلام ده طالع منه ليها هي. ابتسمت وغمضت عينيها وأخدت نفس براحة، وبعدها فتحت وشافته لسه بيبص لها. جمارة: "هي فيها حاجة يا سي حكيم لو قولتلك إنك أحسن راجل في الدنيا كلها؟
طب ينفع أقولك إنك حلم كنت كل عشية أحلمه وأنام على طيفه، ومبقاش عايزة النهار يطلع عشان مصحاش منه. تعرف إني هفضل لحد الموت وإني مديونالك بروحي اللي حررتها من يد قابض الأرواح، وهتفضل تحلق في سماك لحد آخر العمر. ولا فيها حاجة لو قلتلك إني بعشق التراب اللي رجلك بتخطى عليه ياسى حكيم؟!!
حكيم رد عليها بصوت منتهى: "فيها إنك تتحركي من قدامي دلوقتي وتستري على حالك وعليا، عشان أنا حاسس إن اللي بيحصل معايا ده كتير قوي وقلبي من كتر فرحته حاسس هيقف. روحي من قبال عيني يا بت الناس ومتخلينيش ألمح طرف توبك لحد بكرة، لغاية ما أطلقك من غازي الكلب، ووقتها كل حاجة تنفع تتقال والحديث ميوبقاش عليه رقيب ولا عتيد."
جمارة ابتسمت وعينيها في عينيه، وهو استغفر ربه وابتسم واستسلم للغرق في البحر الأزرق، وعاهد حاله إن دي آخر نظرة في الحرام، ومن بعدها التوبة النصوحة وتكفير الذنوب. وهمس لنفسه: صمتَ اللسان وطرفها يتكلمُ تحكى فافهم ماتقول بطرفِها ويرد طرفى مثل ذاك فتفهمُ خلص همسه لنفسه وهمس لجمارة اللي اتنقلت هي كمان لعالم تاني من خلال عينيه: "جمارة.. جمااااارة." جمارة: "هاه؟
حكيم: "خشي جوه يا بت الناس، من يوم ما عرفتك وإني أشيل بسببك ذنوب مش عارف العمر اللي باقي كله هيكفيني تكفير عنها، ولا هيخلص ولساتها الذنوب مكتوبة في صحيفة قلبي وعيني!! جمارة: "خليني هبابة، ما عاوزاش أهمالك ولا أهمل جمرة." حكيم: "معلش، هو النهارده بس. وبعد كده وعد مني ومن قلبي وعيني إني اللي مش ههمالك دقيقة واحدة لغاية ما أعوض كل يوم بُعد وشوق وحرمان بسنين قرب."
جمارة مكنتش عايزة تتحرك من قباله ولا تهمل الحديث الحلو اللي بتسمعه ولا الطلة في عينيه، بس هو اللي هملها وطلع لما شاف بشندي فتح البوابة وشاور له عشان يروح له. جمارة: "ماشي؟ رايح فين! طب هتعوق؟ حكيم بص لها واتنهد ورفع كتفه بقلة حيلة ومشى من قبالها على عينه وهو بيعنّ على بشندي وبيشكره في نفس الوقت عشان لولاه ما كانش هيتحرك من قصادها ولا هيشيل عينيه من عينيها.
وصل لبشندي وكان فيه فصل مستني حكيم في المندرة، راح حكيم قعد وسط الرجالة وفضه. وفي آخر القعدة حكيم جلى صوته واتكلم بنبرة صوت مسموعة للكل: "يا جماعة الخير، هسألكم سؤال. إيه ظنكم بالشيخ حكيم؟ رد الكبير فيهم: "شيخ واد شيخ وحامل كتاب الله وحاكم بالعدل والمعروف وناهي عن المنكر، وما عهدنا منك غير كل خير وصلاح يا ولدي! الراجل خلص كلامه والكل بدون استثناء آمن وراه على الحديث.
وحكيم بعدها كمل كلامه: "وإيه ظنكم بيا لو مرة ضعيفة وقعت في عرضي ونخَتني أرفع عنها ظلم وأذى وأرد لها حقها من ظالم مختال بظلمه؟ رد عليه واحد من الحضور: "أنت كفء لها يا شيخ وكده وزيادة. واللي تنخاه حرمة ضعيفة ويردها تتصبغ عمتها بزراق العار وقلة النخوة، وأنت سيد الرجال وأبو النخوة."
حكيم: "وديه اللي عملته لما نختني مرت غازي ولد عمي وطلبت مني أخلصها منه ومن ظلمه. واستشهدت بكل اللي شافها وهي بين الحياة والموت بعد ما قتلها غازي قتل متتحملوش رجال وكسر عضمها وحطها في الجبائر شهور. مع إني مكنتش محتاج حد يشهد وإني بنفسي اللي ناقلها لمستشفى البندر، وكله كان على يدي."
رد كبير القعدة سناً: "كلنا سمعنا بعمله من حريمنا اللي عرفوا من أمها، وصراحة مستغربناش حاجة زي دي تطلع من غازي. مهو أصله ما يجيبوش من بره يا شيخنا. طب وليه هملتها على ذمته لحد دلوقتي؟ ليه ما حكمتش عليه يطلقها من يوميتها؟ حكيم: "عشان هي ما طلبتش وإني ما أتدخلش في خراب بيت منّي لحالي يا حج غسان." غسان: "ملكش حق تستناها تطلبها بخشمها، وأنت خابر إنها ما تعملهاش مخافة من غازي وضعف بيها وقلة حيلة وحيل."
حكيم: "عرضت عليها ورفضت وقالت هكمل معاه يمكن يتعدل، وإني أيدت رأيها وفوتها تديله فرصة. بس عشان ديل الكلب ما يتعدلش عاود أزاه ليها من تاني. هي شافت إنها مش هتقدر تتحمل معاه أكتر من كده وقالت خلاص غيثني يا شيخ حكيم واقطع اللي بيني وبينه. ولما كلمت غازي، مانعش إنه يفوتها بس بشرط." الكل انتبه لما حكيم نطق الجملة، وحكيم اتطلع للكل وسكت شوية، وبعدها كمل: "غازي قلي اطلقها بشرط إنك تكتب لي أرضك كلها بيع وشرا."
الكل بهتت ملامحه وكل واحد بص للتاني ورجعوا بصوا لحكيم. ونطق الشيخ غسان: "دي مش شرط، دي تعجيز يا شيخ. كيف يعني يطلب أرضك قبال طلاق مرته؟ طب وأنت مالك تتحمل كل ده ليه؟ حكيم: "غازي حط الشرط ده عشان يصغرني قدام حالي وقدام وحدة نخَتني وطلبت وقفتي ويخليني قبالها مش كد النخية يا حج. غازي قاصد يحسسني بتقصيري في أمانة مشيختي وإني بتخلى عن حد ضعيف وقع في عرضي." الشيخ غسان: "طيب وهتعمل إيه فيها ده؟
حكيم: "إني هديله الحوض القبلي أكتبه له، وأهو في الأول وفي الآخر ولد عمي والدم وصلة الرحم تديه حق عليا وحق في اللي أملكه. وهعتبره عتق رقبة كيف ما كانوا الصحابة يتسابقوا بأموالهم لعتق الرقاب." الكل هتف مع بعضه: "والنعم والنعم يا شيخ حكيم... بارك الله فيك يا شيخ." الشيخ غسان سكت وبص للأرض ومد يده على دقنه وفضل يمسد على شعر دقنه. وأخيراً
رفع عينه على حكيم ونطق: "بس فيه حاجة يا شيخنا. غازي ممكن يطلق مرته وياخد الأرض منك وبعدها يردها لعصمته تاني، وتبقوا عملتي حاجة؟ حكيم: "عامل حساب الحتة دي وهخليه يطلقها بالتلاتة طلاق مفهوش رجعة. هو كل اللي إني بعت هم إنه ممكن يوقف قسمتها ويميل بختها ويمنع أي حد يدق بابها قاصد حلال ربنا. والكل هيخاف غازي ويأمن شره كيف ما أنت خابر." غسان: "والحل؟
حكيم: "الحل إني هكمل حمايتي لها للآخر وأعقد عليها وأخليها مع حريم الدار وتحت جناح الشيخ حكيم. هو ده الحل الوحيد اللي هيضمن إن غازي ما يتعرضلهاش نوبة تانية." واحد من الحضور اتكلم باستغراب: "طيب هينفع كيف، وغازي ساكن معاك في السرايا؟!! حكيم: "له ما هو حكمي إنه يطلق مرته ويسيب السرايا مقابل الأرض." غسان: "والله يا شيخ، يا ريت تحكم عليه يسيب البلد خالص واحنا كل واحد فينا يديله قيراط من حداه فوق أرضك."
حكيم بضحكة: "له مش للدرجة دي عاد. ده ولد عمي برضه وهيفضل في حمايتي وتحت جناحي طول العمر." الكل في نفس واحد: "ربنا يبارك لك... ربنا يكرم أصلك... أخلاق شيوخ صح." غسان ابتسم لحكيم: "سير في اللي هتعمله على بركة الله يا ولدي واحنا معاك وربنا يجازيك كل خير على ستر الولية الضعيفة ورفع البلا والظلم عنها."
خرجت الرجال وحكيم أخد نفس براحة وهو شايف كل حاجة ماشية كيف ما خطط لها، وبالأخص إنه سبق غازي بخطوة وضمن الناس في صفه وقطع على غازي أي فرصة لأي كلمة شينة في حقه أو حق جمارة. يومها مرجعش للسرايا وقضى باقي النهار في المندرة لحد الليل عشان ميشوفش جمارة غير بكرة. وكل هبابة كان يبعت بشندي يطمن على جمرة عشان يطمنه، وبشندي كان يرجع يقوله إنها زينة وجمارة قاعدة جنبها وما بتسيبهاش.
بالليل حكيم واقف قدام بوابة السرايا مع بشندي والرجالة وبعد عنيهم، وهو شايف عيشة طالعة من بوابة السرايا وراح عليها. حكيم: "على وين يا خالة! عيشة بحنان: "يخلي لك السعادة كلها بين ايديك يا شيخ البلد وتاج راسها. راجعة على بيتي يا ولدي، كفاية الليل ليل وهروح أرد على اللي ما يتسماش وأرجع داري أحط راسي وأنام وأنا مرتاحة. ربنا يريح قلبك وروحك."
حكيم: "اعملي حساب إنك هتيجي تقعدي في السرايا معانا طول الوقت من هنا ورايح. حتى تفضلي جنب بتك وتكوني مطمنة عليها." عيشة: "له يا شيخ لااااه... أنا بحب أقعد لحالي براحتي، أطلع وقت ما أحب وأرد وقت ما أحب. وبعدين جمارة خلاص أنا مطمنة عليها ومفيش خوف ولا قلق عليها من بعد النهارده." حكيم: "لو كان على راحتك...
يا ستي اقعدي في المشتمل، وهو أهو تكوني على راحة راحتك وليه باب وراني تطلعي وتدخلي منه وتزوري حبايبك من غير ما حد يقولك رايحة فين ولا جاية منين. ها قولتي إيه؟ عيشة بنبرة حنان: "سيب الحديث ده دلوقتي وخليه بأوانه. ووقت ما يحصل المراد من رب العباد الدنيا هتترتب لوحدها."
حكيم: "مفيش حديث هيتساب. بكرة تبعتي لي عم جمارة على المندرة هنا عشان طلاقها يتم قبال عنيه، وبعد ما غازي يغور أطلب يدها منه وتيجي انتي تقعدي معاها عشان متنسيش إنها هتمسك عدة وهتزهق من القعدة لوحدها في السرايا." عيشة: "ماني هاخدها تمسك عدتها حداي في الدار يا ولدي. مهو أصل مينفعش تمسك عدة قبالك وأنت خابر!! حكيم: "لااااه...
جمارة ما تطلعش من السرايا أصل. وإن كان عليا، أنا كل قعدتي طول فترة عدتها هقعدها في المندرة، ولو حبيت أدخل السرايا آخد حاجة، هدي غالية خبر تنبه عليها تتدارى. أو هخلي مواعيد معينة أدخل فيها السرايا هي تكون خابراها وتتدارى فيها." عيشة اتنهدت براحة: "هقول إيه بعد قولك وأنت مرتب كل حاجة، اسم الله عليك. خلاص يا ولدي اللي تشوفه."
حكيم: "هي هخليها تمسك عدة من بعد بكرة طوالي. يعني بكرة عشية تكوني هنا وتقفلي دارك وتبيتي معاها، وطول شهور عدتها كل يوم فكري إيه لازمها شوار وجهاز وتيجي تاخدي مني وتطلعي تشتريهولها من أحسن وأفخم حاجة. دي هتبقى مرت الشيخ حكيم، مش هوصيك عاد." عيشة ابتسمت له وهزت له دماغها بموافقة، وهو رد لها الابتسامة وبعت معاها بشندي يوصلها لحد باب دارها. بشندي ماشي مع عيشة وسابقها بخطوات، وهي وراه بتمشي بخطوتها المعتادة.
بشندي: "متمدي يا عيشة، ماشية على قشر بيض ياك ولا بتتعلمي المشي جديد؟ عيشة مدت خطوتها شوية: "حاضر أهه." بشندي: "والله ما أكره كده مشية الحريم وجلعها الماسخ." عيشة: "خلاص عاود وإني هكمل لحالي." بشندي: "أيوه أيوه، تكملي لحالك عشان طول ما أنت ماشية بيتك يا خالة بيتك يا عمة، ومتدخليش دارك غير في نص الليالي! عيشة: "أبااااي... مالك ومالي النهاردة يا بشندي!
بشندي: "مالي ومالك كمان. واحدة حواسة لقاقة زيك هيكون مالي ومالها. لهو فاكرك مسمعتش حديثك مع حكيم وإنتِ بتقولي له عايزة أقعد في بيتي عشان أحوس براحتي! عيشة: "تُغباره عليك وعلى سمعك يا بشندي. أنا قولت كده يا راجل يا شايب يا عايب يا كذاب أنت؟!!
بشندي: "شايب وعايب في عينك يا قليلة الحيا. فوتي قبالي وكلمة زيادة هدب صوابعي في عينيك دول الزرق دول. والله يا عيشة ها تيجي السرايا وما أشوف رجليكي خطت براها، لا أكون حاشهشملك بمنجل تألم وأخليكي تزحفي كيف الدفان." عيشة: "وديه من إيه يا بشندي؟ وبعدين مالك أنت ومالي أخطّي ولا ما أخطيشي!
بشندي: "مالي ونص وتلات أرباع، ومن هنا ورايح هتكوني حماة الشيخ حكيم وتخصيه وتتحسبي من حرمه. يعني من حرم شيخ البلد. وأنا مسؤول في غيابه، وحتى وجوده عن حرمه وخطاويهم." عيشة بصت له وهزت دماغها، وهو رفع نبوته وهوشها عمل حاله هيضربها على راسها وهي جفلت: "أوعك تبص لي البصة دي تاني، لأفقع لك عينيك دول اللي ورثتيهم لبنتك وخلتيها شندلت بالو ولدي حكيم بيهم."
عيشة ابتسمت وبصت بعيد وكملت طريقها مع بشندي بسكات، وهو رفع الشومة حطها على كتفه وعلق دراعاته الاتنين عليها، وعيشة كل هبابة تسرق لها نظرة عليه وترجع تبص لبعيد. وصلوا لغاية باب الدار وبشندي وقف لعيشة: "يلا فوتي وشنكلي بابك بالغلق قدامي ومتخطيش بره البيت لغاية ما تيجي بكرة لبنتك. لمي هلاهيلك واكفي حالك وصحونك ولمي حالك. اهو تتلاهى بدل ما كل شوية طايرة في موطرح كيف المجانين."
عيشة: "طيب أروح لأبو محمود جارنا أرد عليه باللي قاله لي حكيم عشان يبلغ بيه غازي عشان هو المرسال اللي بعته لي." بشندي: "هو هيرد لك بذات نفسه كيف الكلب، ويدق بابك عشان هو اللي له عازة حداكي. اقفلي بابك ولو دق الباب ردي عليه من ورا الباب، متفتحيش. عشان عيب يا عيشة الوقت اتأخر كوخ." عيشة ضحكت على كلامه ومردتش ودخلت وقفلت الباب، وبشندي سمع صوت الغلق بودنه لولا ما
ارتاح واتكلم بصوت مسموع: "يخرب مطنك يا عيشة، حلّيتي ليه في عيني النهاردة كده؟ يكونش لما الواد عوض اتكلم عليكي قبالي؟!! بس والله طلع حداه حق، المرة لسه فيها الرمق وعاملة كيف السفندية طرية ومقلوظة... ولا سنانها مصفوفين، مفيش سنة ولا ضرس مخلوع، عتاكلي عضم يا واكلة مقوي سنانك!!! عيشة سامعاه من ورا الباب وبتضحك من غير صوت، ولما جاب سيرة سنانها حطت يدها على خشمها بخوف وباليد التانية رقت نفسها. وبعد
ما حست إنه مشي شالت يدها: "يخرب مطنك يا بشندي، هتجيب أجلي وأجل سناني." ودخلت تتمشى على جوه ووقفت قبال المرايا وقلعت الطرحة وفردت شعرها ومسكت خصلة منه تلفها على يدها وقعدت تتأمل في روحها وهمست لحالها: "بشندي يا عيشة!!! وردت على روحها لحالها: "وماله بشندي... راجل ويسد عين الشمس وحماية وسند وحضن دافي يعوضك سنين الشقا؟ رجعت بصت لحالها في المراية وضحكت
وهمست لروحها مرة تانية: "حاسة إني بتكلم على حد تاني غير بشندي والله ههههههه. أقولك إيه لمي نفسك يا عيشة واعقلي، أنتِ كبيرة مش صغيرة. مش سمعتيلك كلمة حلوة وسط كوم شتيمة من بشندي؟ أبو زوجتيه نفسك على سنة الله ورسوله." نفضت دماغها ولمت شعرها وابتدت تلم خلجاتها ومبتسمة على كلمة بشندي لما قال لها لمي هلاهيلك.
وبعد ما خلصت: "واديني خلصت لم هلاهيلي. أروح أكفي حالي وصحوني وأفضّي الزير والقلل وأشوف هعمل إيه في الوكل اللي حداي. أيوه هديه لأم صابر بكرة توكله لعيالها، غلبانة وتستحق. خلاص الليل فرد جناحاته والكل دخل في فرشاته تحت جناح الليل، وحكيم وجمارة الاتنين قلوبهم غادرت جسمهم وكل قلب فيهم بيرفرف فوق راس حبيبه."
جمارة مجالهاش نوم وقامت اتمشت في المشتمل، وراحت على أوضة غازي اللي فيها الحفرة ووقفت قبالها ومدت يدها تفتح الباب. متفتحتش، وافتكرت إن غازي دايماً يقفلها ومفتاحها معاه مفارقش جيبه. وطت وبصت من خرم الباب وشافت الحفرة متغطية ومفروش عليها سجادة ومش باين منها حاجة ولا كأنها فيها حفرة أصل.
اتعدلت واتنهدت واحتارت وهي بتفكر تقول لحكيم عليها ولا متقولش. خافت تقوله يروح لغازي ويحاسبه وتحصل بينهم مشكلة وتعطل كل حاجة، حتى الطلاق يعاند فيه. آخر حاجة قررتها إنها مش هتقول لحكيم حاجة وهتسيب موضوع الحفرة دي مدفون ومتغطي كيف ما هي متغطية لغاية ما كل حاجة تتم على خير، وبعدها تقولي تقول لحكيم عليها ويشوف لها صرفة بمعرفته وبراحته، مادام غازي هيغور من حياتهم، كل حاجة سهلة بعد كده.
بصت حواليها على شكارتين الأسمنت اللي في المشتمل وشكارة جبس جنبهم، ودخلت المطبخ شافت علب بلوبيف فاضية بالكوم وصفيحتين جبنة كبار فاضيين وبواقي وكل كتير خربان، وكله محطوط في شكاير. الظاهر غازي كان هيرميهم وملحقش. شالتهم وراحت على باب المشتمل الوراني ورمتهم بعيد عن الباب شوية ورجعت قفلت الباب ودخلت نضفت المشتمل وغسلته وتهوّيته عشان تطلع ريحة الخيل اللي لسه جواه من ساعة ما كانت جمرة تعبانة وقاعدة فيه. وفتحت بابه على الآخر وفتحت الشبابيك وغيرت الفرش وغسلت القديم. وكل ده عشان تمشي الليل، وبكرة يجي قوام. بس الليل مهما تعمل لساه طويل، لما حست إنه دهر من طوله.
فين وفين لما ابتدا قرآن الفجر، اتوضت واستنت الأذان أذن، صلت وشكرت ربها على كل نعمة اللي مغرقها بيها اليومين دول وكرمه اللي ملوش آخر. وطلبت منه يديم على قلبها وقلب حكيم السعادة ويعوضهم كل اللي شافوه وقاسوه على يد غازي. أما غازي، فسلمته في يد ربها وهو اللي يحاسبه الحساب اللي يستحقه. خلصت صلاة وطلعت الجنينة، راحت على جمرة حضنتها بفرحة وفضلت تتكلم معاها كيف ما تكون أخت ليها وتوصف لها شوقها لحكيم وعشقها ليه.
وفي الآخر سألتها: "قوليلي يا جمرة، تفتكري حكيم بيحب مين فينا؟ أنا ولا انتي؟ سمعت ضحكة من وراها جفلتها، وجالها صوته بنبرة ضاحكة: "هاه.. بدت رحمة الله وابتدت الغيرة من دلوقتي! يا بوي، أنا بقولكم انتوا الاتنين قبال بعض أهو. بحبكم كده بعض بالملي ووحدة روحي والتانية قلبي، ومتخافوش، هعدل بيناتكم عشان جنبي ما يميلش. ههههههه." جمارة ضحكت وقربت منه خطوة ووقفت
قباله واتطلعت له وهمست: "وأنا مش هرضى بأقل من العدل. في البصة، في الهمسة، في الضحكة، وكل وقتك يتقسم بيناتنا بالنص. وإني سامحة بده عشان بحب جمرة بس. بالك أنت لو ما بتحبهاش، كنت خدتك منها وحرقت قلبها عليك." حكيم: "واااه.. واعّيه يا جمرة؟ شوفي جمارة بتتهددني كيف. خدي بالك وخافي منها دي، طلعت وعرة. وأخد نفس وهمسلها: "كان فين لسانك ده من زمان أمال! مكنتش أسمعه يتلامظ كيف ما يكون مدقوق بمسمار جوه خشمك!
جمارة: "لساني ما يحلالوش الحديث غير قبالك يا حكيم." حكيم اختفت ابتسامته ودقات قلبه اتلخبطت وملامحه اتغيرت، وبلع ريقه وهمس لجمارة بصوت يا دوب طالع: "قولي اسمي نوبة تانية يا جمارة كده." جمارة بصت للأرض وابتسمت ورفعت عينيها وبصت له وردت: "حكيم.. حكيم قلبي وشيخي وشيخ قلبي وتاج راسي." حكيم غمض عينيه وبص لفوق وهو مبتسم واتكلم بنبرة صوت محذرة: "جمارة، هعد لحد تلاتة وأفتح عيني ما ألاقكيش قبالي، فاهمة."
جمارة بعند: "له مش فاهمة ومهيهملش مطرحي ده." حكيم: "يا بت الحلال، فوتي الكام ساعة دول على خير. قلب شيخك ممتحملش. خشي جوه، هقعد هبابة مع جمرة وأطلع على طول وأبقى عاودي تاني." جمارة: "مليش صالح برضه، مهمشيش." حكيم فتح عينيه ولقاها مربعة أيديها وباصاله بعيون بتلمع كيف القزاز، بلع ريقه وهمسلها: "ارفعي طرف طرحتك واتلثمي يا جمارة."
جمارة نفذت من غير ما تسأل ولا تعترض، ولفّت طرف طرحتها السودة على نص وشها، مخلتش حاجة باينة غير حجرين الفيروز متحاوطين برموش سودة مرصوصة كيف جنود حارسين جوهرتين ثمان، وفوقهم الحاجب سور عريض بلون الليل، متحاوطين ببياض ينافس بياض الحليب. حكيم همس وهو غرقان في الجمال الرباني: "سبحان من خلق فأبدع فصورك في أحسن صورة...
مين يلامش اللي سماكي جمارة وجمع لك الاسم اللي كيف ما يكون اتخلق عشانك أنتِ وبس. آآآآخ يا ذات الخمار الأسودِ.. لو تعلمين ماذا فعلت عيناكِ بناسكِ متعبدِ! جمارة ابتسمت تحت اللثام ودقت عينيها، وهو شاف حركتها واتحرك من قبالها بسرعة مبتعد، وهي ضحكت بصوت عالي وقالت له: "رايح فين يا حكيم؟ "مبعد من قبالك يا بت عيشة، قبل ما ذنوبي بسبب عينيكي توصل عنان السماء، وإني قبال موج بحرهم خطاء ومعتوبش."
فضل هارب بخطوات سريعة لغاية ما طلع بره السرايا وراح على المندرة يجري، ودخل ورمى حاله على الكنبة وضحك بصوت عالي خلى بشندي اللي كان نايم وحاطط إيده على عينيه اتكلم بصوت عالي جفل حكيم: "يااااابهيه خبرررريني عاللي هواااس حكيم ليلِ عينى عاللي هواااس حكييييم.. هوسَتَه بت عيشه يا عيني وما خبرش يقول لمين ليلِ عيني وما خبرش يقول لميييين... حكيم ضحك بعلو صوته، وبشندي كمل كلام بعد ما اتعدل
وسند دماغه على دراعه: "الحب عفش على الريق يا حكيم يا ولدي. شفت راجع مدهول كيف وبتضحك معرفتش تبطل. بالك أنت لو فطرت لأول ما كانش جالك كده." حكيم: "آآآه يا بشندي، لو حبيت وذوقت الحب كيف ما أنا حبيت، متقولش كده أصل ولا تتمقلت على العشق." بشندي نام على ظهره وحط
رجل على رجل ورد على حكيم: "له يا بوي، أحب كيف ما أنت حبيت، كيف الشر بره وبعيد. أنا لا أحمل مرمطة وعذاب ولا حيلتي أرض أديها لحد. ماحلتيش غير خلجاتي اللي عليا دول، ودول لو فرطت فيهم ماهيوبقاش حيلتي حاجة أصل ويبقى منّي للنجم. هههههع هههع." حكيم ضحك عليه وضربه على رجله اللي حاططها فوق التانية، نزّلها له وقاله: "طب قوم وبطل تتسلى في الفقر، دانت نايم على كوم فلوس، لهو أنا ما عرفك زين ولا إيه؟
دانت مرضيتش تتجوز وقعدت لوحدك عشان ما تجيبلكش مرة تصرف عليها وتنقص جبلاية الفلوس." بشندي: "كان بان عليا لو معايا فلوس، يا حسرة." حكيم: "طب قوم شوف لنا حد يفطرنا، قوم جاك الطين، هتعيش بخيل وتموت معفن، وحتى طميرتك ما عرف حد طريقها، حتى يستفاد منها وراك." بشندي قام ووقف على حيله واتمطع ورد على حكيم وهو بيتاوب: "وهو أنا بحوش عشان حد يتمتع بفلوسي بعدي ياك؟ طب دان هعمل كيف الفراعين لما كانوا يموتوا؟
اللي يدفني يحنطني ويحط فلوسي جاري في مقبرتي." حكيم بضحكة: "أيوه ونكتبوا عليها هنا مقبرة بنشنرع." بشندي ضحك ولبس جلابيته اللي كانت على حاشة الكنبة وطلع لبره وهو بيدندن مع حاله بصوت مسموع: "ويجمارة وخبريني.. هوستى ليه حكيم ايا عيني هوستى ليه حكيييم.. باعتني أجيب فطور ومدانيش فلوس ايا عيني، وأنا أجيب فلوس منين."
حكيم ضحك على بشندي عشان كل سبوع يديه فلوس يخليها معاه، وكل ما يقوله هات حاجة يقوله أجيب لك منين، كيف ما يكون بيصرف عليه من جيبه. وفرك وشه بيده واتمطع براحة واتمدد على الكنبة وغمض عينيه والابتسامة لسه مرسومة على وشه، وبيتمنى الكام ساعة دول يفوتوا بسرعة. وعشان خابر إن مانيل المطالب بالتمني، فطر وقام خد عنتر وطلع يتمشى ويشوط عالأرض عشان يضيع الوقت على ما ييجي ميعاد غازي بعد الضهر.
وبالفعل حكيم سمع أذان الضهر وراح على الجامع، اتوضى وصلى وطوالى رجع للمندرة وقعد مستني على أحرف من الجمر، ووصل الأول عم جمارة، وبعده بدقايق وصل غازي في وسط عدد من الرجالة الغرب اللي محدش يعرف ولا واحد فيهم ولا هما من البلد أصلاً، والظاهر إن غازي مأجرهم حماية ليه من بلد تانية.
دخل غازي رافع راسه ومتحامي في رجّالته ووقف قبال حكيم اللي بص له بغرة وغيظ الدنيا كلها. غازي قعد وحط رجل على رجل وطلب من الرجالة بتوعه يقعدوا، وحكيم قعد بعد ما شاور لبشندي، وبشندي طلب من واحد من الغفر يقدم للناس ضيافة.
حكيم بص لبشندي وبشندي هز له دماغه بموافقة وطلع بره المندرة ورجع بمأذون الناحية اللي كان جايبه وحابسه بقاله ساعتين، مخلاهوش يتحرك من جاره ولا يروح هنا ولا هنا، وحتى صلاة الضهر خلاه صلاها في الزاوية بتاعتهم هو والرجالة.
دخّله بشندي وقعده قبال غازي، وحكيم بص لغازي ورفع حاجبه بمعنى هو فاهمه زين. غازي طلع عقود الأرض مكتوبة وجاهزة عالإمضاء ومدها لحكيم، وحكيم اتلافى منهم، وقراهم ورقة ورقة وطلع أكتر من تلتينهم ركنهم على جنب، وخلى بس التلت في يده وبص لغازي: "أنا ما أملكش غير دول بس على اسمي يا ولد عمي، وهما بس اللي أقدر أتصرف فيهم. غازي قام وقف على حيله واتنفض من الغيظ: "كيف ده يا حكيم؟ هو مش اتفاق حريم.. دي كلام رجالة!
بشندي وقف قباله ورد عليه: "اتخرس، حش لسانك! مين اللي بتشبهه بالحريم يا بو انته! أنت ما عرفتش إنك بتتكلم مع الشيخ حكيم، شيخك وتاج راسك ولا إيه؟ غازي بص لبشندي بسخط، بس مرضيش يرد عليه عشان متكبرش ويطلع من المولد بلا حمص، وبص لحكيم وسأله وهو جازز على سنانه: "باقي الأرض عملت فيها إيه يا حكيم؟
حكيم: "باقي الأرض باسم اختي من زمان يا غازي. أصلاً أنا كنت كل ما أشتري حتة أرض جديدة أكتبها باسمها أو باسم أمي عشان الضرائب، أنت خابر الضرائب والمال اللي هين دفع للأرض كل عام. ودول يا ولد الناس اللي تحت يدي... هتاخدهم وتخلص الموال بتاعك ده. كان بها.. مش هتاخدهم، اتلافى مرتك في يدك وربنا معاك مطرح ما تحطوا راسكم حطوا رجليكم." "بشنددددددي.. روح السرايا قول لجماعة غازي يجهزوا حالهم عشان يروحوا معاه."
بشندي هز دماغه واتحرك، بس وقفه غازي على باب المندرة بصوته: "وقف عندك." وبص لحكيم: "طبختها طبخة وعرة يا شيخ البلد! حكيم: "ربايتك وجوارك يا ولد عمي، واتعلمت الطبخ على يدك." غازي هز دماغه وبص للأرض والغضب اتجلى على ملامحه: "امضي العقود." حكيم بنبرة ثابتة: "ارمِ اليمين." غازي: "بص لعم جمارة ونطق: جمارة بت أخوك طالق." حكيم: "عيدها تاني." غازي: "جمارة بت أخوك طالق مني." حكيم: "عيدها."
غازي بص لحكيم وسكت دقايق كانت كفيلة تشتت قلب حكيم، لكن شتاته اتلم لما غازي نطقها لتالت مرة: "جمارة بت أخوك طالق مني... بالتلاتة... والمأذون بصم غازي، وحكيم مسك العقود بصمهم ومضّاهم وختمهم. وغازي مد يده عشان ياخدهم،
لكن حكيم لم يده بيهم: "له يا غالي، دول هنطلع بيهم على مندرة الشيخ زايد. فيه حداه مجلس صلح وحاضره كل كبارات البلد وناسها، وهنشهد الخلق كلها على كلامنا ده. هنشهدوهم إنك طلقت وإني كتبت لك الأرض بيع وشرا، ويشوفوا العقود وتأكد لهم الطلاق." غازي: "واااه، وهتجاهر قبال الناس كده إنك عطيتني أرض عشان تاخد مرتي؟ مخافش من كلام الناس ياك!
حكيم: "متقلقش، إني مظبط أموري والناس خبرتهم سلف إن مرتك نخَتني أطلقها منك، وأنت مرضيتش تطلقها غير بأرض، وإني وهبت لك الأرض دي عتق رقبة ليها منك." غازي اتنفس بقوة عشان حكيم سد عليه جميع المنافذ، وضحك ضحكة صفرا ورد عليه من بين سنانه: "مش هقولك بقيت طباخ يا شيخ." حكيم: "أعجبك؟ قلت لك. وغلاوتك يا غازي، لأرقصك على مزماري من اليوم وطالع." غازي ضحك وهز
دماغه وبص لحكيم بغل ونطق: "هنشوفو مين هيرقص على مزمار التاني. عقود أرضي اللي حداك تحطها عليهم، وهستلمهم منك كلهم على بعض هناك." حكيم: "حصل من غير ما تقول. طبعاً مفيش داعي أقولك السرايا متعديش في محيطها ولا قريب منها حتى بالغلط." غازي هز دماغه بموافقة واخد نفس وزفرة وبص لحكيم: "بس هروح آخد حاجتي من المشتمل." حكيم سكت شوية وهز له دماغه بموافقة وبص لبشندي يروح معاه.
بشندي وقف قبال غازي وبصله لتحت، وكان أطول منه، وغازي بلع ريقه وهو شايف في عين بشندي إنه ناويله على شر. "ما دخلتش السرايا لوحدي، رجّالتي معايا عشان يشيلوا الحاجة." بشندي ضحك نص ضحكة وميل عليه وهمس له: "متخافش، مهحفكش دلوقتي. بس اللي بيني وبينك ما يتنسيش أصل." غازي بلع ريقه وبص للرجالة شاور لهم بدماغه وطلع قدامهم، وبشندي
وقفهم قدام باب السرايا: "اوقف مطرحك هنا كابس على وين أنت وقلاطيشك دول. مش فيه حريم جوه نعطيها خبر تتدارى من عيون الغرب ولا إيه؟ ولا صح نسيت إن البعيد ما يعرفش الأصول." غازي رد عليه بغضب: "حاضر يا بشندي. صول وجول براحتك ودوس على مصراني زين، وإني ورحمة الغالي ما هفوت لك عمايلك دي أصل." بشندي: "ورحمة الغالي اللي بتلف عليه، لهتحزم بمصرانك دي وارقص بيه على جتك وأنت متمدد تحت رجلي."
خلص جملته ودخل، خلى الطريق وغازي دخل ووقف مطرحه وهو شايف جمرة لسه عايشة وواقفة على رجليها وبتأكل. وبص لحكيم اللي كان باصله ومبتسم، وقرب منه وهمس في ودنه: "اللي من نصيب حكيم ما يقتلهوش سم ولا ياخده منه ظالم يا غازي."
غازي كمل طريقه وهو منكس دماغه للأرض وحاسس بقهر وانهزام، وبدل ما كان فاكر إنه جاي وهو حارق قلب حكيم، هيعود وهو اللي محروق قلبه بنار الفشل. دخل لم حاجته واتأكد إن الأوضة محدش جه ناحيتها وطلع من المشتمل والسرايا كلها، ووقف واتلفت مرة أخيرة على كل شبر فيها وهو بيتعاهد بالرجوع مرة تانية في أول فرصة وأقرب وقت.
أما حكيم، فبعد ما طلع غازي، مسك بيده عقود الأرض ورفعهم قبال عينيه يبص لهم بصه أخيرة قبل ما يسلمهم لغازي قبال الناس، وابتسم بفرحة وهو ماسك مفتاح سعادته بيده. وجواه إحساس إنه النهاردة اتخلص من حمل تقيل اتنقل من كتف أبوه لكتفه وعاش متحمل بيه سنين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!