الفصل 19 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
23
كلمة
6,018
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

دقايق عدت على حكيم حس فيها إن روحه بتتسحب منه، وتأكد فيها إن جمرة كانت روحه فعلاً مش كلام. كل اللى كان بيدور في باله في الوقت ده هو إنه إزاي يشفي غليله من غازي، إزاي يقدر ياخد بتار جمرة منه وهي حيّة. تارها ميتاخدش غير من حيوان زيها يكون عزيز على قلبه، لكن غازي ولا حداه عزيز ولا حداه قلب من أصله. فضل يفكر في كل حاجة عملها لغازي من يوم ما رجعه للسرايا، وفي المقابل هو ردهاله إيه. شاف إنه خسر كتير بسببه ولساته هيخسر.

خسر فلوس بسبب فصول كان يدخله فيها غازي برجونيته وقلة عقله، وعرايك مكانتش تتحل غير بمبالغ تقطم الضهر كان يدفعها حكيم من سكات بس عشان يتكفى شر المشاكل. كان هيخسر حياته كذا مرة بسببه، لكن ستر ربنا لحكيم كان واقفله بالمرصاد وأحبطله كل مخططاته. خسر حبه، البنية الوحيدة اللي عرفته إن قلبه عايش وقادر على العشق، وعرفته إن فيه دنيا تانية حلوة غير دنيا الفصول والتارات والشغل والمرمطة وشيل الهم. وورت قلبه حلاوة الدنيا.

وأخيراً خسر جمرته اللي رافقته في دروب العشق والشوق، وحتى في دروب الصعاب كانت تشيل همه، واللي عشقها كان هيمشي كيف الدم في عروقه. هيستنى يخسر إيه تاني؟ هيصبر على غازي ليه؟ وهو أبوه أكيد دلوقتي حاسس بلوعة قلبه ومسامحه وحله من عهده ووعده. ساعات النهار مرت عليه، كل ساعة دهر وهو حابس حاله في أوضته، ومليش نفس ينزل لدنيا جمرة معادش موجودة فيها. غالية كل هبابة تطلع تدق الباب وتحدّته وتطمن عليه وتطلع له، وكل وشرب، لكن هو مفيش

على لسانه غير جملة واحدة: "همليني لحالي، هملوني لحالي، ماعوزش حاجة". عدى النهار وجه عليه الليل، ونار قلبه على جمرته مهديتش ولا بردت هبابة. قام على الشباك وفتحه بالراحة وهو مغمض عينيه، وعيتمنى إنه أول ما يفتحهم يشوف جمرته قباله، وجمارته واقفة جنبه بتسبحها وتلعب معاها كيف آخر مرة شافهم فيها.

لكن للأسف، أول ما فتح شاف مطرح جمرة فاضي إلا من سرجها وأكلها ولجامها. رجع غمض عينيه تاني وقفل الشباك بسرعة، ورجع قعد على السرير بروح خاوية، وحاسس كيف ما يكون حاجة غايبة جواه، ومن مطرحها هو كيف بلد مهجورة ميتسمعش فيها غير صوت صفير الرياح. قام اتوضى وصلى، وحمد ربه على كل مكروه، ودعاه يصبر قلبه ويجبره، عشان بجد النوبة دي الكسرة بالموت أوعر ألف مرة من كسرة البعاد.

اتمنى لو إن غازي كان خد جمرة منه وعذبه بالبعد كيف ما خد منه جمارة، بس عالأقل كانت هتبقى عايشة قبال عينيه ونفسها في الدنيا. لكن للأسف، غازي النوبة اختار حاجة عدت حدود الوجع أشواط. تاني يوم الصبح لبس وطلع من السرايا الصبح بدري من غير ما يروح لأمه ولا يصبح عليها. وعدى الجنينة بسرعة وطلع منها، راح الأسطبل خد عنتر، بعد ما بص على مطرح جمرة لقاه فاضي وزادت قهرته.

مع إنه متأكد إنها ميتة، بس مش خابر ليه عينيه مصدقينش ولساتهم بيدوروا عليها في كل مطرح كانت هتبقى فيه. خد عنتر وطلع بيه، وغصة في قلبه بتكبر وهو مضطر يوجهه على كل مطرح عايزه يمشي فيه، عكس جمرة اللي كان بيسيب لها نفسه وهي اللي تاخده للمطرح اللي عاوز يروح له.

خد لفته ورجع نزل قدام باب السرايا، وادى الفرسة لواحد من الرجالة، وراح على بشندي اللي كان واقف، وعنيه نظرة تطالع حكيم ونظرة تطالع الأرض تحت منه، ووشه مطعون بسواد الخزي والكسوف من تقصيره في أمانته. حكيم قرب منه ورفع إيده ضربه على دراعه ضربتين، وتبعهم بتمسيده وهمس له: "الموت ما يتحاشش يا بشندي. (ولو كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت) بس هي الأسباب اللي هتكون مش على البال هي اللي هتقهر، ووجع الفراق هو اللي هيكوي.

لكن عيش، جمرة خلصت من على الدنيا وكانت هتموت في الوقت ده هتموت. بيد غازي، بيد غيره، بالسم، موتة ربنا. المهم إنها كانت هتموت في نفس الوقت والساعة. والإيمان بأن أمر الله نافذ هو اللي هيصبر. صح الفراق وجعه واعر، بس حتى الفراق نصيب، وله معاد". بشندي هز له راسه ورفع عينيه عليه: "هشيع لك لقمة تاكلها، تلاقيك على لحم بطنك من امبارح".

حكيم ابتسم له بتعب: "شيع يا بشندي عشان تاكل معايا إنت كمان، شكلك مدوقتش الزاد من امبارح، ووعي رجليك بتنتفض من تحت الجلابية. متحملش الجوع يا وِكلهم، بطنك طويلة. وكمان أحسن تطب من طولك وتروح مني إنت كمان، وتبقى طربقت على راسي من كل جهة".

بشندي ابتسم ولف شاور لواحد من الرجالة، وبعته جاب أكل وفطروا. ومع إن حكيم كل لقمتين وخلاص، لكنه قدر يكسر بيهم حداد بشندي عن الأكل ويخفف عنه عشان ميهتحملش بشندي تجراله حاجة بسبب عذاب ضمير وندم لا هيقدم ولا هيأخر ولا هيغير في الوضع شي. خلص وقام مع بشندي، طلوا على الأرض وسأل على غازي، غار فين؟ وبشندي قله فص ملح وداب، واتمنى حكيم إنه فعلاً يكون داب واختفى من حياته كيف فص الملح، وما يعاودش تاني أصل.

خلص لفته ودخل السرايا، وكان دوره في تطيب خاطر أمه ويطمنها عليه. والظاهر قدره ونصيبه يفضل طول عمره يلف يداوي جروح الناس، مع إنه هو صاحب الجرح الأكبر والأعمق. وفعلاً طمن أمه عليه وقعد جنبها وجنب غالية هبابة، وطول ما هو قاعد عينه تتلفت وتدور في كل مطرح. ولما طال البحث، غالية رحمتهم من التعب لما جاوبته على سؤال مسألهوش بلسانه، بس باين في عينيه.

غالية: "قاعدة في المشتمل، حابسة حالها، والندم وعذاب الضمير هيكتلوها يانظري. مفيش على لسانها من ساعة اللي حصل غير: إني السبب، كله من تحت راسي، ياريتني ما كنت اتشعبطت فيها. ياترى حكيم هيقول عليا إيه دلوقتي". حكيم رفع إيده فرك وشه بتعب، وداس على مقدمة عينيه بصوابعه السبابة والإبهام،

وهو بيرد على غالية: "روحي لها يا غالية وقولي لها تهون على نفسها، دي قضى ربنا، وحكيم ما يعترضش على قضى ربنا مهما كانت أسبابه. قوليلها تطلع وتنسى، وما تحملش نفسها ذنب فوق طاقة قلبها. ووكليه يا غالية، ووديلها أكل واغصبي عليها أحسن تقع من طولها من قلة الأكل". خلص جملته وسابهم وطلع، تحت نظرات أمه اللي حاسة بيه وبقلبه الملجوم، ومع ذلك داير يخفف الحمول من فوق كتاف الكل.

حكيم طالع ووقف شوية قبال المشتمل، واتردد يروحلها ويطيب خاطرها ولا يفوت المهمة لغالية تقوم بيها. وقرر إنه مش هيقدر يقف قبالها هي بالذات ويمثل القوة عليها كيف ما بيعمل مع الكل، وإنه بمجرد ما هيطلع لعنيها، كل اللي كاتمه هيبان عليه، عشان هي الوحيدة اللي ما يقدرش يتماسك قدامها.

طلع وباقي اليوم قضاه بره، ورجع آخر الليل، سأل غالية عليها. قالت له إنها لساتها برضك حابسة حالها في المشتمل، ومرضياش تطلع منه، مع إنها كلمتها كتير وبلغتها كلامه، لكن مفيش فايدة. بس بتوديلها أكل وشرب، وبتغصب عليها تاكله لقمه ولا لقمتين بالعافية.

حكيم هز دماغه لغالية بتفهم وسابها وطلع على أوضته. قلع عمته وعبايته، وفتح الشباك ووقف فيه شوية عشان يعتاد على المنظر الجديد اللي مفهوش لا جمرة ولا جماره، وقريب ولا حتى العصافير يمكن تكون موجودة. وقفل الشباك وراح على سريره، رمى حاله عليه بتعب، واتكفى. محسش بنفسه نعس ميته من تعب بدنه وروحه وقلبه وعقله. يومين كمان عدوا على نفس الحال. حكيم طالع داخل على السرايا، ولا مرة لمح جماره. وكل

ما يسأل عليها غالية تقوله: "لساتها على حالها". متحملش أكتر من أكده فراق منها، ولا اتحمل عليها تعاقب حالها أكتر من أكده. وقرر إنه النهارده بعد ما يرجع من مشاويره، هيروحلها ويجبرها تطلع من عزلتها، ويجبرها تعاود لدنيته وتحلى مرارها بإحساسه بأنها حواليه وجاره منه في مطرح واحد. وحتى لو هيضعف قبالها، الضعف قصاد النفس مش عيب. خلص حكيم مشاويره وراجع على السرايا بقرار ختمه بختم الإصرار إنه مش هيدخل السرايا غير وجمارة معاه.

فتح البوابة ودخل، ويادوبك خطى خطوتين وشاف جمارة جايه عليه تجري بسرعة الريح، وهدومها تفرفر من كتر السرعة. ووقفت قباله وفضلت تنهج وتكح وهي بتضحك بصوت عالي وفرحة. حكيم بص لها ورفع حاجبه باستغراب، وهي كل ما تيجي تبطل ضحك عشان تعرف تتحدث مع حكيم، متعرفش تنطق وترجع تضحك على حالها من تاني.

حكيم شبح ابتسامة لاحت على ملامحه وهو شايف حالتها، وفضل باصلها من غير ما يتحدث، ومستنيها تنهي استغرابه بأي كلمة. لكنها زادت استغرابه أضعاف، لما مرة واحدة مسكت طرف كمه وشدته وابتدت تجري، وجبرته على المشي معاها بسرعة، وهو مش فاهم حاجة، وهي كل اللي بتعمله إنها تضحك وتبصله وتجري. وصلوا قدام باب المشتمل، ووقفت جمارة تنهج، وحكيم سحب كم جلابيته منها وسألها: "إيه عاد الجلع دي يا جمارة؟ عتيعملي أكده ليه؟

وإيه سر الفرحة دي كلها اللي وعيها في عينيك؟ جمارة متكلمتش، لكنها كملت فتح باب المشتمل اللي كان موارب سنة صغيرة عشان يتفتح قدام حكيم، ويخليه يشهق من اللي شافه، ويتسند على الحيطة بضعف، وهو شايف قبال عينيه جمرته عايشة وواقفة على حيلها. حكيم بص لجمارة بذهول، وهي شالت إيدها اللي كانت حاطاها على خشمها واتكلمت بسعادة: "مفاجأة حلوة صح؟

حكيم عينيه دمعت وهو بيتقدم لجمرة ويشبرها بعينيه، ورفع إيده حطها عليها عشان يتأكد إنه مش في حلم، وإن جمرته هي اللي واقفة قباله صح. واتأكد من ده لما جمرة ميلت دماغها على كتفه بضعف، وهو خدها في باطه بضحكة ممزوجة بدموع مقدرش يحوشها. وزادت دموعه وضحكته لما جمرة بعدت راسها عن عينيه مرة واحدة، كأنها انتبهت إنها زعلانة منه وكانت ناسيه.

حكيم راح وراها مطرح ما ولت، ورجع حضن دماغها وهو بيحب فيها في كل مطرح، وكل حبة شكر لربنا وامتنان واعتذار لجمرة إنه اتخلى عنها. فضل مسافة هو وجمرة مع بعض، جمرة تبعد عن عينيه بعتب، وهو يقرب منها بفرحة وندم. وجمارة بصت لهم وعينيها مبطلوش دموع على شكلهم وعمايلهم، وكل ثانية تحمد ربنا على الفرحة اللي شايفاها في عين حكيم بجمرته.

حكيم فتح عينيه أخيراً بعد ما كان مغمضها وحاضن رقبة جمرة وساند دماغها على كتفه، وعيمسد على شعر رقبتها، وهمس لجمرة بعد ما انتبه لحاله وبص بعيد يمسح عينيه. "بس بعد إيه، بعد ما كنت جمرة شبعت شوف وضحك وهي وعيه، بيحاول يداري دمعته منها. همسلها بصوت منتهى من المفاجأة: "كيف يا جمرة؟ جمارة ابتسمت ورجعت بذاكرتها لورا لأيام فاتت، وهي بتحكيله وبالذات يوم ما حكيم أدى الأمر لبشندي إنه يموت جمرة وسابها وجرى من قبالها.

"بشندي رافع الطبنجه على جمرة، وغالية ماسكة جمرة عشان بشندي يخلص أمر محتوم. لكن جمرة مستسلمتش وفضلت تصرخ. وآخر حاجة اتكلمت بقهر: 'والله والله.. والله العظيم ورحمة أبوي وغلاوة حكيم وجمرة وغلاوة كل عزيز على قلبي، لو طلعت من طبنجتك طلقة ودخلت في جسم جمرة لتكون طلقة زيها مبيته في قلبي وتنهي حياتي معاها. أقسم بالله يا بشندي لو موتت جمرة لهتحفر قبرين، واحد ليا وواحد ليها، وأكون نايمة في حضنها النهارده'.

بشندي كان هيدوس على الزناد وقال إن ده حديث وقت زعل وتهديد. لكن جمرة اللي اتخلصت من يد غالية وجات رامحة عليه ووقفت قدامه ومسكت إيده، وحطت فتحت الطبنجة في دماغها وهمست من بين سنانها: 'لو هتموتها، يبقى أول طلقة من نايبى إني، وبعدها أضرب التانية في جمرة'. بشندي صرخ فيها: 'يبنتي حرام عليكي، مواعياهاش، عتتعذب كيف! ومش هتروق، مش هتررررروق، ولا تعيش صدقيني'.

جمارة: 'خلاص سيبها، وعذابها قادر ربنا يخففه عنها، هو أحن عليها من طلقت طبنجتك اللي هتريحها بيها. سيبني قاعدة جنبها وأداوي فيها لحد ما تفيض روحها لحالها'. بشندي بص في عيون جمرة وشاف فيهم إصرار، حطه قدام خيارين: يا إما يموت جمرة واتأكد إنها هتموت حالها وراها، يا إما يسيب جمرة تتعذب ويعذب قبالها حكيم. وفي الحالتين حكيم متعذب، متعذب. بشندي نفخ بغلب ورفع إيده للسما وضرب طلقة في الهوا خلت جمرة وغالية يصرخوا في صوت واحد.

بشندي بعدها اتحدث بقلة حيلة: 'هسيبهالك يا جمرة، بس بشرط. حكيم دلوقتي فاكر إن الطلقة نهت حياة جمرة، وخليه يفضل فاكر كده، محدش يقوله غير كده. وجمرة هدخلهالك المشتمل، وخليها تتعذب قبال عينك، وذنبها وعذابها في رقبتك، ولما تموت هطلعها من باب المشتمل الوراني من غير ما حكيم يحس بحاجة'. جمارة هزت له دماغها بفرحة ومسحت دموعها بطرف طرحتها. وبشندي بص لغالية: 'أوعك يا غالية حكيم يدري بالحديث ده'. جمارة ردت عليه

بسرعة وهي باصة على غالية: 'له، ما هتقولش، ما هتقولش حاجة أصل، مش كده يا غالية؟ غالية هزت دماغها بتأكيد: 'متخافوش، ما بنطق ولا هجيب له سيرة'. بشندي اطمن وبص حواليه، وبص على شباك أوضة حكيم، واطمن محدش واعيله. وطلع جاب 3 رجالة معاه، وشالوا جمرة على شومتين، كل اتنين مسكوا شومة ودخلوها المشتمل. وجمارة وغالية ساندين رقبتها ودماغها. وجمارة بسرعة جابت بطانية من فوق السرير فرشتها تحتيها على الأرض.

طلع بشندي هو والرجالة من باب المشتمل الوراني، بعد ما وصى الرجالة إنهم ميجيبوش سيرة لحكيم بيه، ولو جات سيرة جمرة قبالهم يقولوا بشندي طخها وماتت. والرجالة وعدوه هيعملوا كيف ما وصاهم، وطلعوا كلهم. ومن ساعتها وجمارة قاعدة ليل نهار تحت جمرة تغلي لها في أعشاب وتسقيها وتشربها عسل.

عدوا يومين وجمرة على نفس حالها، وبدأ اليأس يتسلل لقلب جمارة، ونامت في آخر ليلة تبكي وتدعي ربنا ينزل رحمته على جمرة ويعافيها. وعلى قلبها قبل جمرة، وقلب حكيم اللي متأكدة إنه ملجوم على جمرة كيف واحد دفن عيل من عياله مش فرسته. نامت يومها جنب جمرة، وحطت دماغها قريب من دماغ جمرة، ومدت إيدها حضنت دماغها وطبعت عليها بوسة بشفقة وألم، ونامت وصوت شهقتها ينافس صوت خضة جسم جمرة.

وسبحان من نزل رحمته على الاتنين، لما جمارة فتحت عينها لما حست شي تقيل على صدرها، وبصت شافت دماغ جمرة ساندها على صدرها، وعينيها مفتوحة نص فتحة. إحساسها في الوقت ده مفيش أي كلام يقدر يوصفه، وفرحتها عشان تتحكى عايزة سنين.

فقت من نومتها وحضنت دماغ جمرة وضحكت وقتها من قلبها، ضحك مخلوط بدموع الفرح، وسابت دماغ جمرة بالراحة عشان تعدل قعدتها وتسجد شكر لرب العالمين، سجده طويلة مقطعتهاش غير جمرة وهي بتسند دماغها على جمارة كيف ما تكون بتصحيها من نوم، أو خافت عليها تكون جرتلها حاجة.

جمارة اتعدلت وخدت دماغ جمرة في حضنها، وجمرة غمضت عينيها بضعف. وجمارة ريحت دماغها وقامت جابت لها أكل وفول، وفضلت تتحايل عليها تاكل وتمد لها الأكل بإصرار قدام خشمها. وجمرة حاولت، لكن كل ما تتلافى حاجة بخشمها، تقع منها تاني. حتى الفول ودته في خشمها يمين وشمال ونزل من خشمها حي كيف ما هو، مقدرتش تمضغه.

جمارة قامت وخدت كمية فول كبيرة ولينتها في ماعون، وحطت عليها ميه سخنة، واستنت ساعة كان الفول لان. جابت مكنة الطعمية وفضلت تهرس في الفول مرة واتنين وتلاتة، لما نعمته خالص. بعدها جابت القزازة اللي بتسقي بها الأعشاب لجمرة، وحطت نصها فول وكملتها ميه ورجتها، وسقتها لجمرة اللي فضلت تشرب بلهفة كيف عيل صغير جعان. فضلت جمارة تعيد الكورة وتسقيها الفول بالميه، لغاية ما جمرة شبعت وهزت دماغها برفض لجمارة، وبعدت خشمها عن عينيها.

جمارة ركنت القزازة جنبها ورجعت بصت لجمرة بفرحة، وخدت راسها في حجرها، وفضلت تمسد على شعرها بفرحة، وكل هبابة ترفع دماغها تشكر ربها وتنزلها تبص لجمرة وهي مش مصدقة، وحاسة حالها بتحلم. فضلت مسافة على الحال دي، وبعدها شافت جمرة فتحت عينيها زين، ورفعت دماغها من حجر جمارة بضعف، واتلفتت حواليها كيف ما تكون بتسأل حالها: "أنا فين، وإيه جابني هنا، وإيه اللي حصل؟

جمارة قامت من جنبها وحاولت تساعدها تقف، لكن جمرة مكانتش بالحيل اللي يخليها تقدر تقوم. وحتى هي حاولت مع جمرة وهي بتحاول تقومها. ضمت رجليها القدامين وجابتهم تحتها، وكل ما تهم عشان تقف، متقدرش. وجمارة لما شفتها مقدراش، سابتها مرضيتش تحمل عليها بالتعب، ورحمت ضعفها. وطلعت على بره، ملت إيديها سكر نبات، ورجعت لجمرة مدتهالها، وجمرة قربت منهم تاكل بلهفة. واللي ساعدها إن السكر بيدوب، وبتدر تبلعه بسهولة.

فضلت طول النهار مابين توكل جمرة وتسقيها أعشاب، وجابت ميه سخنة وحتتة قماشة، وفضلت تبل فيها وتمسح في جسمها وتنضفها. وجابت فرشة وابتدت تسرح شعر رقبة جمرة، والغرة اللي بين عينيها، واللي واخده لون أحمر مع أبيض، مخلياها كيف ما تكون أميرة. وبصت لها وحضنتها وهي بتضحك، وشبهتها فعلاً بالأميرة اللي أكلت التفاحة المسمومة وماتت، ورجعت للحياة تاني.

تاني يوم برضك على أدي الحال، وجمرة بتحاول تقوم ومقادرة. وجمارة تساعد فيها من غير كلل ولا ملل. وفجأة دخلت غالية بالأكل. وكانت في اليوم اللي قبله مراحتش لجمارة عشان ودت لها أكل كتير الصبح يكفيها طول النهار. وأول ما شافت جمرة بالحالة دي، صنية الأكل وقعت من إيدها، وكانت هتزغرت بفرحة. بس جمرة منعتها لما جريت عليها وحطت إيدها على خشمها.

جمارة: "أمانة عليكي، متعرفي حد غير لما جمرة تقف على رجليها. وخصوصي حكيم. عايزاه لما يشوفها يشوفها وهي واقفة وبعافيتها كيف ما اتعود يشوفها. وكمان تعملي فيا جميلة لو خليتيني إني أقوله بنفسي وأشوف الفرحة في عينيه اللي كساهم الحزن بسببى". غالية هزت لها دماغها بموافقة. لولا ما جمارة بعدت إيدها عن خشمها براحة، وغالية نطقت وهي باصة لجمرة بعجب: "صح، يحيي العظام وهي رميم. سبحانك يارب. فلوسك حلال يا جمرة، والله". جمارة

بصت لجمرة بعشق ونطقت: "حبها اللي في قلب حكيم هو الحلال. والحب الحلال كيف القرش الحلال، ربنا ما بيضيعوش أصل". غالية فضلت باصة لجمرة ومتعجبة، وقعدت شوية مع جمارة تحكي معاها، وهما الاتنين يتوقعوا فرحة حكيم هتكون عاملة كيف بجمرة، ويضحكوا بفرحة. وبعدها غالية سابت جمارة ورجعت للسرايا.

وليلتها نمت أنا وجمرة جنب بعض، وصحيت عليها وهي بتعافر، وصوت ضعيف طلع منها. بصيت لقيتها قامت ووقفت على رجليها. قمت بسرعة وسندتها على الحيطة وعليا، وأنا شايفه رجليها بترجف وبتتطوح، وفين لما قدرت تقف بثبات ورعشتها تخف. وطرت جبت لها أكل، ووقفت قدامها أوكلها. وهي قدرت تاكل، والله يا سي حكيم، عينيها لمعت كيف ما تكون فرحانة بحالها إنها راقت.

حكيم بعد وبص لجمرة، حبها في كل حتة في وشها مرة تانية، ورجع حضنها من تاني وهو بيضحك بس بملامح باكيه وعينيه على جمرة، وفيهم كل شكر الدنيا. جمارة: "أمانتك أهي يا سي حكيم، رجعتهالك".

حكيم: "قصدك تقولي روحي أهي يا حكيم، رديتهالك. إنتي ردتي لي روحي يا جمرة. اطلبي واتمني يا جمرة، وقوليلي أكافئك بإيه على تعبك ووقفتك جنب روحي اللي أنا اتخليت عنها. اطلبي أغلى حاجة في الدنيا، وإني أجيبهالك تحت رجليكي، حتى لو مفيش غيرها في كل الدنيا، هفضل العمر كله ألف الدنيا رحال لغاية ما أعود لك بيها". جمارة بصت له وهمست بنبرة حالمة وصوت مسموع ونبرة

تمني وهي مضيقة حواجبها: "إني ما عاوزاش من الدنيا دي كلها حاجة يا سي حكيم". وكانت هتكمل وتقوله غيرك إنت بس، لجمت لسانها في آخر لحظة وكتمتها جوا قلبها وسكتت. شويه على الحال دي، وجمارة شافت إنها لو سابت حكيم، هيفضل طول النهار حاضن جمرة وناسي حاله. جمارة: "أقول يا سي حكيم نطلعوها بره تتشمس؟ هبابة الشمس زينة عليها قوي تشد عضمها وتقوي جسمها". حكيم همس وهو مغمض عينيه وحاطط دماغ جمرة

على كتفه وعيمسد على شعرها: "اللي تقوليه يجرالك يا جمرة، وبعد قولك مفيش قول يتقال". وشال دماغ جمرة من على كتفه، وبالراحة ابتدا يشدها يطلعها. وجمارة انضمت له، وجمرة ابتدت تتحرك معاهم خطوة خطوة، بعدم اتزان، كأنها عيل صغير لسه بيتعلم المشي جديد، لغاية ما طلعت للجنينة.

اللي حكيم انتبه لأول مرة إن شجر التوت اللي فيها كله متكسر، مع إنه كان بيفوت عليها كل يوم، لكنه ما خدش باله من ده كله، كأنه كان مغيب. وطبعاً مكانش محتاج يسأل مين اللي عمل كده، عشان دي عمايل متطلعش غير من واحد واطي، لا عاتق نبات ولا حيوان، ولا حتى إنسان ما آذيهوش.

وقفوا جمرة في الشمس. وغالية لمحتها ودخلت قالت لأمها وطلعتها على باب السرايا بالكرسي تبص عليها. لما صدقتش غالية لما قالت لها إن جمرة عايشة، وضحكت بفرحة وهي شايفة جمرة واقفة قبالها، وحكيم بيطلعلها بفرحة الدنيا كلها. ومحبة جمارة وغلاوتها كل ما تزيد في قلبها، وهي سامعة غالية بتحكيلها اللي حصل، وكل اللي عملته جمارة. واتأكدت إن فرحة قلب حكيم ما بتجيش غير عن طريق جمرة وبسببها، كيف ما كسرته قلبه ما بتجيش غير عنها وبسببها.

حكيم ساب جمرته وجمارته وراح على كيس سكر النبات اللي بتعشقه جمرة، وكبش منه وجالها، وفتح إيده قدام خشمها. والغريبة إن جمرة بعدت وشها عنه وعن السكر، ودي أول مرة تعملها وترفض السكر ومن إيد حكيم كمان. حكيم بص لجمارة باستغراب، وهي كمان استغربت، وزاد استغرابها لما خدت السكر من إيده ومدت هي إيدها بيه، وجمرة كلته من إيدها على طول، وبنفس اللهفة. جمارة بصت لحكيم وبرقت عينيها، وهو ضحك وراح على رقبة جمرة حضنها، وشدد على

الحضن وهمسلها جنب ودنها: "يحق لك الزعل مني، ويحق لك تكرهيني وتنفرى مني. أكيد شايفاني هملتك ورميتك، وكت شدتك، ومكنتش جنبك في عز عذابك، ولا فتحتي عينك لقيتيني جنبك وأنتي بتنازعي. حقك على راسي وقلبي يا جمرة القلب والروح والله". جمارة بضحكة: "واااه، هي تعرف الحديث ده ولا تفهمه يا سي حكيم؟

حكيم: "قولتلك قبل كده، الخيل بتفهم كيف البني آدم يا جمرة، وبالذات الخيل الأصيل، عندها عزة نفس ما تضاهيهاش عزة. طب تعرفي هقولك حاجة يا جمرة تثبت لك كلامي؟ زمان وقت الحروب كانوا ياخدوا خيل كتير غنايم حرب، ومش كل الناس كانت تعرف تفرق بين الخيل العربي الأصيل والخيل العادي. فكانوا يعملوا إيه؟ كانوا يحطوا مجموعة خيل كبيرة مع بعض ويجوعوهم يوم كامل، ويدخل عليهم واحد بسوط (اللي هو كورباج يعني)

، ويفضل يضرب في الخيل كلها لغاية ما يوجع كل فرس وفرسه كد التاني، وبعدها يسيبهم ويطلع. يغيب ساعة ويعاود بأكل ويحطهولهم ويفضل واقف. كانت فيه خيل تجري تاكل، وخيل تتركن على جنب مترضاش تدوق الأكل أصل. ووقتها يعرفوا إن هي دي الخيل الأصيلة. كانت عزة النفس اللي تكشفها. شفتي عزة نفس الخيل وزعله بيوصل لحد فين يا جمرة؟ اوعاك تقول لي على الخيل ما بتفهمش". جمارة بصت لجمرة اللي بتأكل السكر من إيدها، وتأكدت لها حديث حكيم،

وهمست: "ياسبحان الله". فضلت توكلها وعينيها عليها ومبتسمة. ولما رفعت عينيها شافت حكيم بيطلعلها بحب، وابتسمت لما همسلها: "إيه اللي خلاكي متهمليهاش يا جمارة؟ جمارة: "إني عمري ما هملت حد قلبي اتعلق بيه أصل يا سي حكيم. عمري ما سيبت حبايب يبعدوا عني ومعافرش وأتشعبط فيهم لآخر نفس فيا، ولا يغيبوا عن عيني لآخر يوم في عمري". حكيم كلام جمارة مس قلبه، ولو كان يعرف إنها عارفة بعشقه ليها، كان قال إنها بتعزله بالكلام.

هز دماغه ونزل عينيه للأرض، ما رفعهمش غير وهو سامع صوت بشندي بيكبر بعلو صوته وبيصلي على النبي وهو جاي عليهم رامح، ورافع إيديه. ولما وصل حداهم، بص لحكيم واتكلم بصوت عالي وهو بيضحك من الفرحة: "ياااابوي عاللي بينك وبين ربنا يا وِكلهم، عشان يرجع لك جمرة من باط الموت!!! حكيم ضربه على كتفه ورد عليه: "صلي على النبي في قلبك يا بشندي".

بشندي: "ألف صلاة عليك يا نبي وألف نهار نادى والله. حمد الله على سلامتك يا جمرة". وقرب منها وحب راسها. ووقف يتحدث مع حكيم اللي بص حواليه، شاف جمارة رامحة على المشتمل، دخلت بسرعة ورجعت تاني بسرعة، ووقفت جنبهم بتنهج. بشندي: "على مهلك على روحك يا بتي، خدي نفسك يا واش يا واش". جمارة ضحكت ومدت له إيدها بفلوس. بشندي بص لهم وبص لها، وبص لحكيم وسألها باستغراب: "إيه ده يا بتي؟

جمارة: "ده كل الفلوس اللي حيلتي ندرتها أطلعها لوجه الله لو جمرة ربنا عفا عنها وقومها بالسلامة". حكيم: "خلي فلوسك يا جمرة، وإني هطلع لوجه الله فلوس كتير، وهدبح لله فرحة شفاها". جمارة: "له يا سي حكيم، دول ندر، والندر يقعد دين عليا لغاية ما أموت". بشندي وحكيم بصوا لبعض وسكتوا.

وجمارة فهمتهم وكملت: "متخافوش، والله الفلوس مش من غازي. ده فلوسي من نهد ما كنت أبيع جبنة مع أمي، كنت عاملة حصالة عدس فيها. ولما وهبت لجمرة، وهبت لها من حر مالي. وندر لها 100 ركعة صلاة شكر لربنا كمان". حكيم هز دماغه لبشندي، وبشندي مد إيده وخد الفلوس وعدهم وهو بيضحك: "واااه واااه، ده تراها الجبنة بتكسب كتير والله. من بكرة هطلع مع عيشة أبيع جبنة ساعة الصبح، وأعاود لك يا حكيم، أنت سرحتك ما كسبتشي هههههه".

حكيم ضحك على بشندي، وحتى جمارة ضحكت معاه. واليوم كله قضاه في الجنينة مع جمرته وجمارته. وحتى الأكل خلى جمارة تدخل تتغدى معاهم. وهو قعد يتغدى هو وبشندي جنب جمرة اللي لسه زعلانة منه ومراضياش تصالحه ولا تاكل حاجة من إيده مهما حاول. خلصوا أكل، وحكيم باصص لها واتنهد وهو بيتحدث مع بشندي: "جمرة كرهتني يا بشندي". بشندي: "له، ما كرهتكش، دي جلع فرسة". حكيم: "جلع إيه بس ده، ما بتطلعش في وشي".

بشندي: "ورحمة سيدي بندق اللي مات مدقوق. جلع، تدفع قد إيه وأثبت لك؟ حكيم: "ورقة بعشرة بس تصالحها عليا". بشندي قام وشمر إيديه: "عشان اده عليك يااارب". وبص لحكيم ومسك فرع شجر كان على الأرض مرمي وقله: "أنا هضربك بالراحة، وإنت اتمرضغ واعمل حالك متأذي، ماشي". حكيم ابتسم وهز دماغه، وبشندي فوراً نزل على حكيم بالعصاية، وحكيم صرخ فيه وهو بيحوش عن نفسه: "مش قلت هتضرب بالراحة يا وِكلهم، عتضربني من صح ليه!!

بشندي وهو كاتم ضحكته: "عشان جمرة تصدق. هوب، اتبعبل في الأرض على النجيل واعمل حالك بتتفرفط بسرعة". حكيم عمل أكده. وجمرة في الأول فضلت باصاله ونفسها يعلى ويهبط، ومتحملتش أكتر وهي شايفة حكيم في الأرض بيتلوى. واتقدمت منه بضعف، ووقفت بين بشندي وبينه، ووطت دماغها على صدره بخوف وحماية. وبشندي شاف أكده وضحك. وحكيم أول ما عملت أكده اتعدل وحضن دماغها وزعق بفرحة: "قال ويلوموني عشان بحبك ومسميكي روحي؟

طب تعالوا يا خلق شوفوا خوف الروح على صاحبها عاملة كيف، بتحميه وتخاف عليه وهي في عز المرض والزعل!!! بشندي بضحكة: "مش بقول لك جلع. والله خيل نسوان، معيز، قطط، كلاب، الحريم في كل صنف هي هي". حكيم: "غور لبّعتني بالعصاية لبيع! بشندي: "معلش، عبرد نار جمرة من تلاك. وهي متقدمتش غير لما خدت لك كام ضربة، شفت غليلها منك. وبعدين جمرة تستاهل". حكيم بص لها: "تستاهل يا بوي، تستاهل".

وهما بيعملوا اللي بيعملوه، جمارة كانت واقفة على باب السرايا ووعيالهم، وبتضحك على ضحكهم، وفرحانة على فرحة حكيم. ومرضتش تروح حداهم، فإتت حكيم يشبع من جمرته زين. أما تماضر، ففرحتها باللي عملته جمارة مقدرتش تداريها، وهي بتتلقاها بأيدين مفرودة وهي داخلة من باب السرايا عليها. وجمارة راحت لها وحضنتها. وتماضر همست لها: "اللي عملتيه لولدي ده ميتقدرش بالمال يا جمارة". جمارة ابتسمت لها وبعدت

عن حضنها واتحدثت بفرحة: "كنوز الدنيا هي رضاكي عني، والفرحة اللي وعيها في عين سي حكيم النهارده يا خالة". تماضر هزت لها دماغها، ورفعت إيدها طبطبت على خدها بحب. وجمارة مسكت إيدها وحبتها. الفرحة دي فضلت يومين مخيمة على السرايا كلها، وحكيم سايب حاله ومحتاله وقاعد قبال جمرة. وجمارة جنبهم معاد تفارقهمش، والضحكة معاد تفارق الوشوش أصل. لكن غازي كيف عادته، استكتر عليهم الفرحة، وظهر عشان ينكد عليهم من تاني.

دخلت عيشة من بوابة السرايا، وصلت على النبي بفرحة وهي وعيه جمرة رجعت من جوف الموت. ولغاية ما وصلت حداهم تقول: "يارحمتك الواسعة يارب". وصلت قبالهم، وباركت لحكيم، وجمارة حضنتها بفرحة وهي بتقول لها: "واعيه يا يمه جمرة اللي قلتي معاد تروق تاني، قامت كيف ورجعت كيف الورد". عيشة: "سبحانه يابتي، خلاف الظنون". حكيم بص لعيشة، وشافها على لسانها كلام، وعتتصله شوية، وجمارة شوية، بتردد جلي،

صوته وقلها: "احمم، خدي أمك وخش جوه يا جمارة، باين عليها عايزة تتحدث معاكي لحالكم". عيشة ردت عليه بعد تنهيدة: "له يا ولدي، الكلام ليك وليها. إني جاية بمرسال من غازي ليكم انتو الاتنين". الاتنين سمعوا اسم غازي، ووشوشهم انطعنت بالغضب، وبالذات حكيم اللي نفسه علي، وعينيه بقت حمرا كيف عين الغول. وقبل ما عيشة تفتح خشمها بكلمة، سكتت وهي وعيه بشندي جاي عليهم من بعيد.

حكيم: "طيب، خشوا إنتوا السرايا، وإني جاي وراكم". وشاف بشندي عايز إيه، وهمله جنب جمرة ودخل السرايا، وهو عارف إن فيه مصيبة غازي محملها لعيشة وباعتها له. عيشة أول ما دخل حكيم وقعد، بصت له واتحدثت: "غازي باعتني أسألك، فكرت واهتديت ولا لسه؟ ولو كان ردك له، آخد له مرته في يدي وإني ماشية. وقلي قول له هياخدها ويسافر بها بعيد. هي إيه العبارة يا ولدي، ولا على إيه؟

حكيم خلاص اتأكد إن دي اللحظة اللي هتحدد مصير حياته، وسأل حاله وهو باصص لجمارة اللي بصاله بخوف: "ياترى هقدر أتحمل أشوف نهاية جمرة على يد غازي كيف ما شفت نهاية جمرة؟ ولا حتى هتحمل إنه ياخدها ويمشي بها في بلاد الله ومعرفش إيه هيجرى فيها وفي حالها؟ والخوف اللي حس بيه عليها، خلاه يقرر في لحظة إن كنوز الدنيا فدا عمرها وفدا طلعة عينيها. ووقف على حيله مرة وحدة

ورد عليها بنبرة ثابتة: "روحي يا خالة، قوليله مليكش مرّة حدّي حكيم، وكل اللي ليك أرض هتاخدها عالمركوب. حضّر عقودك وقابله بكرة في ديوان الشيخ زايد". وبص لأمه يشوف نتيجة قراره عليها، وقلبه ارتاح لما شافها مبتسمة وهزت له راسها بالقبول. وبص لجمارته اللي كانت بصاله بذهول كأنها بتسمع حاجة من نسج الخيال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...