غازي طلع من السرايا وحكيم وراه وراحوا على مندرة الشيخ زايد، وهناك حكيم سلم عقود الأرض لغازي قدام الجميع.
الرجال اللي كانوا في المندرة، وسمعوا الحكاية منه، كلهم غلطوا غازي ووصفوه بأسوأ الصفات. ده غير جمل صريحة اتقالت له بأنه مش راجل ولا يمت للرجولة بصلة عشان جار على حرمة ضعيفة وطلقها مقابل أرض. وابن عمه اللي طلع أرجل منه. وإنهم كان كل الحق معاهم يوم ما اختاروا حكيم للمشيخة وهو له. واللي زاد وغطى إنهم فرحانين بحكيم عشان ناوي يستر مرته ويتجوزها بعد منه. وهو اللي كان ناوي يقول إن حكيم طمع في مرته وغواها وساومه بالأرض عشان يسيبهاله. وكمان كان من ضمن خطته إنه لو جمارة حملت يقول إن اللي في بطنها من حكيم عشان كده طلقها.
بس حكيم سبقه مش بخطوة، له ده سبقه بخطوات وخلاه خسر كل اللي كان راسمه. طلع غازي من القعدة مدخن ومراقبش قدامه من كثر العصبية والكلام اللي خده في جنابه بسبب حكيم. وهو ساكت ما قدرش يتحدث ولا يفتح خشمه بكلمة. وأدي انتصار جديد لحكيم عليه، فاق كل الانتصارات اللي قبل كده. طلع غازي، وحكيم رجع على سرايته هو وبشندي. وأول ما دخلت جريت عليه جمارة اللي كانت مستنظراه على نار. وقفت قدامه وبصت له بتساؤل، ومتكلمتش،
لكن عينها بتسأل وهو جاوب: "من بكرة هتمسكي عدة يا جمارة. 3 شهور هعدهم بالساعة والدقيقة لغاية ما يخلصوا. هتقعدي في غرفتي وتنزلي حاجتي في أوضتك اللي تحت، فاكراها." جمارة هزت دماغها بفرحة وهي مش مصدقة اللي بتسمعه، وقلبها طاير من الفرحة. حكيم:
"أمك هتيجي عشية عشان تقعد معاكي تونسك. خدي بالك إني هاجي السرايا كل صبحية على الساعة 10 كده، وبعد العصر أطل على أمي وأختي وأطل على جمرة. ما عاوزكش في المعاد ده تيجي قبالي ولا عيني تشوفك." جمارة بحزن: "ليه كده؟ دي كتير قوي والله. وبعدين أنا على ما سمعت من خالة تماضر إن الوحدة في عدتها عادي تشوف الناس والناس تشوفها، بس يكون لبسها فضفاض ومستور وواسع! حكيم:
"دي للناس العادية لو حد جاي ياخد خاطرها ولا يقضي لها حاجة ضرورية. لكن واحد محمل بالعشق مينفعش. شوفتها وبصتها ليها هتحملها ذنوب، وهو كمان هياخد ذنوب. وبكفينا ذنوب لحد هنا يا جمارة. الحلال خلاص مفاضلش عليه كتير. وإني عاهدت حالي إني من بكرة هصوم عن النظرة الحرام وهصبر لغاية غروب شمس البعاد عشان أفطر على حب حلالاً طيباً وأشرب من جمالك حد الارتواء. وأشكر الله مردداً: اللهم إني لأجلك صُمت وعلى حلالك أفطرت."
جمارة ابتسمت وغمضت عينيها، وتمنت إن اللحظة دي ماتخلصش ولا ييجي بعدها فراق شهور. معرفتش هيعدوا عليها كيف! وكيف هتتحمل ما تشوفهوش قبال عينها كل هبابة وهي بتعدل الثواني بين كل شوفة والتانية؟ "طيب ماشي، هصبر وأتحمل بس بشرط. تقعد معايا شوية كتير النهارده وتتحدث معايا لغاية ما أشبع من حديثك، مع إني عمري ما أشبع. ومن بكرة همسك عدة كيف ما قولتلي. هاه، قولت إيه؟ حكيم أخد نفس واتحرك، قعد على نص البرميل قبال جمرة وهمس:
"هقول إيه يعني. هعطل كل مصالحي وأسيب اللي ورايا واللي قدامي وأقعد كيف ما طلبت واتمنت ست البنات." جمارة ضحكت وراحت قعدت جاراه على بلوكة، وحطت وشها بين إيديها وبصت له بحب: "يلا اتحدث." حكيم ضحك وبص بعيد: "قولي عايزة تسمعي إيه وأنا أقولهولك." جمارة: "قول أي حاجة. المهم إني أسمع حسك وخلاص. أقولك.. احكيلي إيه سر كره غازي ده كله ليك؟ يعني أنا شايفة إنك معملتلوش أي حاجة وحشة، إيه سبب كل الغل اللي في قلبه! حكيم كشر نص وشه:
"الله يعكنن عليكي يا جمارة! يعني ده سيرة تفتكريها دلوقتي! حبكت؟ جمارة ضحكت: "معلش بس عشان نقفل السيرة دي خالص ومنتحدثوش فيها تاني واصل بعد كده. وكمان قولت يمكن حداك إنت جواب السؤال اللي محيرني. ليه الواحد يكره حد من غير سبب! حكيم:
"الغيرة.. الغيرة والحقد لما يدخلوا القلب يعموه، ويقعد يدور لهم أسباب واهية وكدابة عشان يبرر وجودهم جواه. ووحدة وحدة يصدق الأسباب اللي عقله صورها له ويقتنع إنها الصح. وإني يا ستي هقولك غازي كرهه ليا بدأ من ميته وسببه كان إيه. من واحنا عيال صغيرين كنا دايماً مع بعض. يد واحدة ورجل على رجل وقلب على قلب كيف الإخوات بالظبط. وكل واحد فينا كان فرحان بالثاني وواخد حمى ضهره. لغاية ما كبرنا شوية وبعدها غازي بدأ يتغير معايا. بعد
عني ومبقاش يتحمل حد يشكر فيا قباله، ودايماً أسمع إنه بيجيب سيرتي بالشين من ورايا. بس الكل كان بيدافع عني ومحدش كان يرضاله يجيب سيرتي. وده كان يخليه يبعد عني ويغل مني أكتر. الحديث كان يوصلني بس ماكنتش بعمل للكلام اعتبار. وأقول عادي خليه يتفرق بالحديث لت لما أشوف آخرتها معاه إيه. يمكن زعلان مني في حاجة وهيرد ويعود لحاله. لكن بالعكس البعد زاد. واللي زود بعده عني وبعدني إن عيني وقطع اللي بينا خالص تهمة أبوه لأمي بسرقة
دهب أمه، ومقابلة معروفها مع أمه بالنكران وظن السوء. واللي قهرني إنه صدق أبوه!
صدقه وهو متربي على يد أمي وعارفها زين وعارف إنها بنت شيخ ومرت شيخ ومتقبلش الحرام ولا تبص له. وياما كانت تنصحني أنا وهو وتعرفنا الحلال والحرام. جدي فات لأبوي جرة مليانة دهب نصيبه وورثه، واداله عمي الأرض بدون ذكر أسباب. لما عمي أبو غازي مات، غازي ورث أرضه كلها وعرف طريق الغوازي وصرف اللي وراه واللي قدامه وباعها شبر شبر. وأمي وأبوي كل ما يبيع حتة يشتروها من فلوس الدهب. وغازي بوووه بوووه الأرض اشتروها بدهب أمي. يا غازي
يهديك يطيعك. وحكيناه سر الفلوس وجرة الدهب وهو أبدا. ما فيش على لسانه غير اشتريتوا أرضي بدهب أمي. لحدت ما فيوم ربنا ظهر الحق واتعرف دهب أمه راح فين. مرت عمي كان حداها كردان من نوع خاص. عمي وصى لها عليه صايغ ووصية عملها له عمولة وما عملش غيره ولا بداله لحد غيره. وأصلاً محدش كان حداه فلوس يعمل زيه. كان دهب صب من رقبتها ونازل واخد الصدر كله لحد البطن وفيه فصوص حمرا على شكل 3 دوائر فوق بعض.
بشندي عاد كان شباب، ومع إنه مصلي وصايم وقايم نايم جار أبوي وفريحو وعارف الحلال والحرام، إلا إن أصحاب السوء قدروا يلعبوا بعقله فيوم وياخدوه معاهم في ليلة يتفرج على الغوازي في مولد. يومها عاد بشندي لأبوي المندرة نص الليل، وأبوي كان قاعد يقرأ قرآن كيف عادته، وأنا كنت جاره، وحتى غازي كان قاعد معانا. بشندي: "شيخ.. شيخ جاهين.. يا شيخ جاهين." جاهين: "صدق الله العظيم. مالك يا بشندي، جاي منين وعتنهج أكده ليه؟ بشندي بنهجة:
"جاي من حدا الغوازي." جاهين بسرعة: "اخصص عليك وعلى أخلاقك السوء. لعنة الله عليك يا بشندي! بشندي: "مش وقته أبقى ألعن براحتك بعدين، بس دلوك قوم معايا عشان الحق ظهر وبان. ودليل براءة أم حكيم وبراءتك من تهمة أخوك بانت وريتها بعيني." جاهين: "تقصد إيه يا بشندي؟ بشندي:
"دهب مرة أخوك شفته لابساها غزية في المولد وسبتها في إيد العيال خطفوها ومداريينها في الهيش لغاية ما نروح لهم. هات غازي وتعالى وريه دهب أمه بعينه عشان يبطل كل هبابة يقول دهب أمي وفلوس أبوي."
أبوي بص لغازي اللي وقف منتور وطلع من المندرة أولنا، ووراه طلعت أنا وأبوي وبشندي. وروحنا على الموضع اللي خدنا له بشندي. وهناك شفنا الغازية. وغازي عرف كردان أمه علطول. ولما سألناها عن الكردان جيباه منين وخوفناها، قالت إن عمي جاهين هو اللي عطيهولها وعطى غازي كتير غيرها دهب، وما كانش عيهادي الغوازي غير بالدهب.
يومها رجعنا وغازي طلع مكسور وما جابش سيرة دهب أمه تاني. بس فضل مصمم إن أبوي وأمي سرقوا فلوس من أبوه. وكمان جرة الدهب اللي اشترينا بيها الأراضي ليه فيها النص ده إن ما كانتش كلها من حقه هو، ومن شقي أبوه وتعبُه، وإن كل حاجة لو جينا للحق بتاعته هو ومن حقه هو. وبشندي أبوي قعد ماسكها عليه شهور، وميناديش عليه غير: "يا فاسد يا بتاع الغوازي". وبشندي
يتشال ويتزرع ويرد عليه: "يبوووي، غلطة والله غلطة وما تتكررش. طب داني حتى ندمان على الربع جنيه اللي دفعته عشان أتفرج على الغزية، وياريتها في الآخر طلعت تستاهل. شكلها كان عامل كيف ما تكون كتالة كتلة وعليها كرش كيف ما تكون حبلى، وفوق ده كله إني عارف أرقص أحسن منها. والله كل ما كانت تهز هزة كنت أخاف تولد علينا."
وأبوي كل ما بشندي يوصف في الغزية، جاره منشه يقعد يلعب فيه بيها عايزة يبطل، والبعيد ما فيش، لولا ما يخلص الحكاية للآخر. ولا لما يكون ساكت ويهب مرة واحدة ويقول: "مش الربع جنيه كنت جبتلي بيه فروجة طبختها واتوركت عليها أبرك من الرقاصة الحبلى اللي غارت أتفرج عليها". جمارة بضحكة: "حكاية عم بشندي دي.. الراجل ده أنا بحبه قوي والله." حكيم من غير ما يبصلها: "طيب أوبقى عيديها الكلمة دي تاني قبالي يا جمارة وشوفي هيجرى فيكي إيه."
جمارة: "واااه ده عم بشندي! حكيم: "إني نبهت وخلصت. قال تحبيه قال، حبك برص! جمارة ضحكت وميلت دماغها وبصت لحكيم تتوهه في الكلام، لما وعته قلب وشه وديق حواجبه: "بس إنت مصدق إن الأرض من حق غازي عشان كده رجعتهاله صح." حكيم:
"أصلاً أنا من الأول ما قربتش للأرض ولا أخدت منها ميلم أو أحمر، وكان كل إيرادها بيتصرف عليها، والباقي يطلع صدقات للغلابة على روح جدي وعمي يمكن تشفع لهم وتخفف عنهم. بس يا جمارة، أنا صح ما أخدتش حاجة من الأرض، لكن استنفعت من وراها. كنت بشتغل فيها وآخد أجرتي كيف الغريب وأحوشها، ولما عملت مبلغ دخلت شريك في مشروع صغير فتحنا معمل لبن على قدنا، كنا نعمل فيه جبنة ورايب وسمنة بلدي. يعني شغلنا عيال تلم لنا لبن وإحنا نفصله. ومن
مكسب المعمل ده بقيت أدخل مع أي حد هيعمل مشروع باللي حداي وأقول له الباقي اللي ليك هسدده لك على دفعات، أو أبقى أخصمه من المكسب بتاعي. وعشان حداي أرض كانوا يطمنوا لي، وخصوصي لما كنت أدي كلمة إني لو عوقت في سداد قسط أو أكلت عليهم فلوس ياخدوا الأرض، وكنت أسيب عقودها لحد شيخ كبير كان حكم بيني وبينهم. وبقيت أجيب من هنا وأحط هنا، ومن مكسب مشروع أدخل في مشروع تاني والدنيا ابتدت تضحك لي وتديني بالعريض لما استعففت بحلاله عن
حرامه كيف ما عمل أبوي. ومن وقتها والرزق يوم عن يوم
بيضاعف كيف قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ((كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّاْئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ) (صدق الله العظيم)
. واشتريت أرض وبقيت صاحب معامل ألبان في كل موضع، وكله بالحلال. بس بردك الأرض دي كانت حمل دايم على كتفي وعايز أخلص منه بأي شكل. وكل مشاكل غازي معايا كانت بسببها. وغير كده أبوي كان دايماً شايفها نذير شؤم على حياتنا وهي السبب في شلل مرته وموت أخوه. فقلت أرجعها لغازي حتة حتة عشان أمي متزعلش، وخصوصي إنها مصممة إن الأرض حلال ومن حقنا وإن فلوسها حلال. كنت أستنى كام شهر وأكتب له قراط وأقول له حق تعبك في الأرض وشغلك فيها، مع
إنه لا كان يشتغل ولا يحزنون، كان يروح يفقع مرارة الفلاحين ويكرههم الساعة اللي جو الأرض يشتغلوا فيها. وكمان عشان أمي متزعلش مني، وإني كله اللي غضب أمي ما أتحملهوش واصل. وبقيت أشيل عقود الأرض اللي بكتبها له معايا من خوفة يرجع لطريق الهلس تاني ويبيعها ويخسرها ويقعد يا مولاي كما خلقتني وهو بكرة هيوبقى له بيت وعيال. وادي على الأقل الأرض بقى فيها شبهة حلال مش كلها حرام كيف الأول.
جمارة: "امممم.. بس مش هين إنت برضو. اديته الأرض اللي كنت أكده أكده هتديهاله وتيجي في الآخر تقولي إني فرطت في أرضي عشانك. يعني إنت معملتش حاجة عشاني." حكيم بضحكة: "يابوووي على النسوان، ما بيتمردش فيها حاجة كيف ما بيقول بشندي، صح؟ يابت، ما بتتمردش فيكي كل اللي عملته عشانك؟ ولف دماغه، بص لها وهي ضامة رجليها وساندة دماغها عليهم وبصاله: "شكلك بسه هتاكلي وتنكُري من أولها يابت عيشة." وبتبع كلامه بضحكة قطعها
وهو بيبلع ريقه ويهمس: "حتى عينيكي كيف ما يكونوا عينين بسة." قالها وهو بينقل عينيه في محيط عينيها، ومرة واحدة وقف على حيله: "يبوووي، شوفي الوقت سرقنا كيف وبقينا المغربية. قومي يلا خشي اعملي اللي قولتلك عليه ونزلي لي حاجتي في الأوضة تحت إنتي وغالية." جمارة هزت دماغها ومدت له إيدها عشان يقومها، وهو ضحك وهز دماغه ولف مشي وهو بيبرطم مع حاله:
"بطرانة بت عيشة والله. أعاهد وأتعذب عشان ذنب نظرة وكلمة، ودي مدالي إيدها عايزة تطعنيني بمخيط من حديد في نافوخي يا خيتي! عايزة تلففيني على أشكال العذاب واحد واحد! جمارة ضحكت وقامت لحالها ووقفت، واستنت لحد ما حكيم طلع من بوابة السرايا وقفلها وراه، بعد ما أدالها نظرة وداع وعاهدها في قلبه إن النظرة الجاية هتكون بالحلال وفالحلال، ووقتها هيشرب من بحر عينيها شربة لا يظمأ بعدها أبداً.
جمارة اتحركت على السرايا وطلعت هي وغالية ونزلوا حاجة حكيم. وأمها عيشة جاتلها. وبعد قعدة حلوة الكل فرحان فيها، طلعوا جمارة وعيشة عشان يناموا عشان يبدأ من بكرة أول يوم عدتها، وتمنت من ربنا إن الأيام تمر بسرعة الريح ويقرب معاد اللقاء. غالية قاعدة هي وتماضر في السرايا تحت. تماضر: "مهتقوميش تنامي عشان تصحي بدري بدال ما تصحي نص اليوم؟ غالية: "وأقوم بدري ليه؟ ورايا إيه؟ أصحى من الفجور! تماضر:
"الرزق بيتوزع بدري وفالبكور بركة يا بنيتي." غالية: "الكلام ده يتقال لصياد سمك.. لبان.. ل بتاع بطاطا سارح بعربيته.. لكن أنا رزق إيه اللي هصحى له بدري يا أم حكيم؟ تماضر: "الرزق مش فلوس بس يا هبلة.. الرزق في الصحة والراحة وهدوء البال طول النهار. لو صحيتي بدري كل ده تاخديه." غالية:
"أنا ربنا مديني من كل ده وبزيادة كمان. ملوش لازمة صحياني بدري. وأقولك إيه.. أقولك إيه.. أنا الهانم صاحبة السرايا.. يعني غالية هانم. عمرك شفتي هانم تصحى بدري؟ استكني يا تماضر وبعدي عني واسترى على حالك أحسن أطردك من سرايتي ومتلاقيش حتة تقعدي فيها." غالية خلصت جملتها وهي كاتمة ضحكتها، وبصت لأمها شافتها بتتلفت حواليها وقامت رمحت وهي بتضحك لما عرفت نيتها. تماضر:
"تعالى أخدك هنا يا أم سرايا. والله لأكون ناتفة ريشك بس أمسكك. أول ما بقيتي بملكة هتطيّري ورايا؟ من بكرة هخلي حكيم يقطع العقود اللي كتبها لك يا هاملة." غالية بضحكة: "عطهاني وقالي خدي عقود أرضك وسرايتك يا بت أبوي، وإنتي حرة فيهم." تماضر: "ميوه.. حتى أنا أقول. عشان حكيم هيمسك القرد مفتاح البرج أصلك. غورى من قبالي غاظتيني، غورى."
غالية ضحكت وطلعت فوق في أوضتها شوية، ولقت روحها زهقانة لحالها، قامت وراحت لجمارة وعيشة وصحتهم وقعدت معاهم غصب عنهم. وكل ما واحدة تحب تسند دماغها عشان تنام، غالية متخليهاش. عيشة بزهق: "غالية هتسكتي ولا أقوم من جيرانكم وأروح أناملي في أي موضع، تعبانة أنا وما أتحملش السهر عاد! غالية: "روحي أوضتي إنتي يا خالة عيشة ونامي." عيشة قامت عشان تروح، وجمارة مسكت طرف طرحتها: "خديني معاكي يا يمه، نعسانة." غالية:
"خديني معاكي يا يمه!! أمّال لما إنتوا الاتنين تروحوا أوضتي أنا جاية أقعد مع مين؟ .. اتلمي يا جمارة وجري عدل معايا، داني سلفتك أخت جوزك وصاحبة أملاك وأقدر أحرمك منيها إنتي وجوزك وأمرمطك." جمارة دفنت دماغها في المخدة واتحدثت بغلب: "يابووووي عالأملاك.. خد الأملاك كلها يا غالية وهمليني أنام.. بصي همليني أنام وبكرة أبقى أحرميني ومرمطيني براحتك."
غالية بصت لها بزعل وبصت بعيد. وجمارة استغلت الفرصة ونزلت بهداوة في الفرشة عشان تنام. لكن غالية مرة واحدة هبشتها خلتها هبت قاعدة على حيلها ومسكت شعر راسها تشد فيه بغلب وغالية تضحك عليها. فضلت عالحال ده لغاية ما غالية نعست واتمددت جار جمارة، وجمارة شهدت ووحدت في قلبها ونامت جارها بعد يوم تعبت فيه من كثر القلق وحتى من كثر الفرح. ***
ابتدت الأيام تفوت يوم ورا يوم وشهر والتاني، وادي التالت، وجمارة محرومة من شوفة حكيم، وحكيم محرم على روحه شوفة جمارة، والاتنين بيتعذبوا على جمر قايد. جمارة مابين قعدتها وسط الكل، وبين جريها على السلم لما تعرف إنه معاد رجوع حكيم للسرايا. وما بين الجنينة وجمرة وعصافيرها وورودها وشجر التوت. أما حكيم فطول الوقت مابين الفصول والأرض، ورامي حاله وسط الناس ومدسوس في مشاكلهم عشان ميحسش بالوقت ولا طول الأيام.
يدخل السرايا في مواعيده اللي حددها، وجمارة تنزل في مواعيد غير مواعيده، بس الاتنين بيتبادلوا القعدة في نفس المكان جار جمرة، وكل واحد يشكي لها بعد حبيبه. جمرة صحتها اتحسنت وبقت كيف الأول مع اهتمام الكل بيها ومحبتهم ليها وقعدهم ليل نهار جار منها.
حكيم كل ما كان ييجي من بره كان يجيب لجمارة حاجة حلوة معاه، هريسة ولا كنافة.. بسبوسة.. أي حاجة تفرحها. وكان يسيبها لها جار جمرة عشان خابر إنه أول ما يطلع هي هتنزل طوالي. وهي كمان كانت تعمله الأكل اللي بيحبه، وتقف طول النهار تطبخ له كل حاجة سألت عليها غالية وعرفت إنه بيحبه. وهو كان ياكل بفرحة وهناء، بس يعرف إن جمارة هي اللي طبخته.
حكيم كان صاين العهد وعينه ما بصتش لجمرة ولا مرة، بس هي كانت تطلع له من ورا الشباك، وكان يلمح خيالها من ورا الشيش، ينزل عينه ويضحك قلبه قبل سنة على جمارة قلبه اللي واقفة وبتستنى المعاد عشان تطل عليه. أما غازي فمفيش أي خبر عنيه، ولا حتى بان من ساعة ما خد الأرض وغار بيها. عيشة كل يوم والتاني
حكيم يديها فلوس ويقولها: "انزلي اشتري جهاز لجمارة". وهي تنزل تنقي لها أحلى وأغلى هدوم وحاجات. وبشندي رجله على رجلها في كل مرة تطلع فيها، ياخدها على يده ويرجعها على يده. وطول ما هي ماشية معاه ممنوع تبص لوحدها ولا تسلم على حد ولا حتى صوتها يطلع، وعامل عليها حصار. والغريب إن عيشة فرحانة ومهاودة.
أما تماضر فالفرحة مش سايعاها وهي شايفة حكيمها طالع داخل والضحكة شاقة الحلق والفرحة بتعلى في العيون. جلعة وضحك وصوت هزاره مع غالية مالي دنياها، وكل دقيقة تحمد ربنا وتدعي يديم الفرح في دارها وفي قلوب عيالها. غالية مستمرة تغيظ في الكل وتكايد فيهم إنها صاحبة كل حاجة. وتماضر قالت لحكيم يقطع العقود، وهو ضحك وقال لها حاضر، بس من تشويش دماغه نسى. *** جمارة واقفة في الشباك زي العادة وبتطلع لحكيم، وجالها صوت أمها:
"اتلمي واقفلي الشباك وادخلي. بكرة آخر يوم في عدتك أحسن تتعاد من الأول وجديد يا قزينة." جمارة: "متخافيش يمه، مهتتعادش. وأصلاً حكيم ماهيشوفنيش. أنا بس اللي بطلع عليه وأشبع عيني منه، وهو يا نظري ما يرفعش عينه، مع إني خابرة إن عينه جعانة وعطشانة لشوفة جمارته." وتنهدت بقلة حيلة. عيشة: "خلاص هانت، وكلها ساعات والعيون تشبع من بعضها شوف." جمارة: "والله عيني ما بتشبع منه لو فضل قبالها طول العمر."
وبصت له بهيام، وهو قالع جلابيته وقاعد ببنطلون وفانلة حملات وعيسبح في جمرة، وماسك في إيد فرشة وفيد كوز ميه يكُب بيه عليها. وهمست لأمها: "برضك ده يتشبع منه يا ناس؟ والله الود ودي أدسه من عيون الناس وأخليه ليا لحالي محدش ينظره غيري. بس آآآخ يا حكيم القلب، أدسه فين ومن كام عين وعين تنضم. وإنت اللي مثلك بخور هندي من سابع سلف ينشم." عيشة: "واااه.. لكمة تلكمك. عتجيب الحديث ده منين ومين اللي علمهولك يا جمارة!!! جمارة:
"عجيبه من جوا قلبي يمه، وعلموني عشق شيخ قلبي وحكيم روحي." عيشة ابتسمت وهزت دماغها وهي باصة لبنتها اللي رايحة في دنيا تانية، وساندة راسها على الشباك وبتتطلع حبيب القلب، وتمنت يديم عليها السعادة اللي وعياها عليها دلوقتي.
خلص حكيم سبوح في جمرة، وحط عليها السرج الجديد اللي اشتراه لها مخصوص، وطعمه بالفضة عشان يشوفه عليها ويحضرها لزفته وترقصله من الفرحة قبال الناس، وهو خابر زين إنها بتحب الفرح، وكانت لو لقت موضع فيه زمر تدخل بيه لحالها ترقص وتطلع، والناس كلها تتلم حواليها تتفرج، وهو بالغصب يمشيها من عيون الناس اللي هتبقى هتاكلها وكل.
وعلى رغم إن حكيم رفض إنه يجيب مزمار في فرحه وفضل شهور يجادل في بشندي ويقول له حرام والرسول نهى عنه، إلا إن بشندي صمم إنه فرح الشيخ حكيم مش هيتعمل من غير مزمار، وإنه هو اللي هيجيبه ويتحمل الذنب. وحكيم قدام تخن مخ بشندي وتصميمه سلم أمره لله. بس قلة إنه هو هيعمل ختمة قرآن وحلقة ذكر ويدعي فيها كل المشايخ ويدبح الدبايح في النهار والليل، سابه لبشندي يربّي فيه اللي يربّيه، وهو أصلاً أكده أكده ما يكونش فيه عقل ياخد باله لأي حاجة.
ساعات تجر ساعات، واليوم عدى على خير. والنهاردة آخر يوم في عدة جمارة، وبكرة كتب الكتاب والحنة والفرح مع بعض، بقرار من حكيم اللي ما رضيش إنه يعمل حنة في يوم وفرح في يوم، وغير رأيه وخلى بشندي يدعي الناس لحلقة ذكر بكرة، وجهز الدبايح وجهز كل حاجة. وطول اليوم واقف على رجليه رايح جاي. وبشندي كل هبابة يقله: "اقعد عامل كيف ما تكون مرة بتطلق، دانتا لو بتولد كان زمانك نزلت عشر عيال!
يرد عليه حكيم: "ما أقدرش يا بشندي، مستني بكرة عشان أطول جمارة بعد عذاب ولوعة قلب. قوم يا بشندي هات لي بكرة وتعالى لي قوام." بشندي: "ربنا يلطف بعقلك ويقعد سليم لغاية بكرة ومتفوتش صواميله أكتر من كده. قال أجيب له بكرة قال.. عشان هيقوم يربط بكرة بحبل ويجره بشندي!! حكيم ضحك وقعد هبابة على عقل بشندي، وشوية وقام تاني وقف على حيله. بشندي: "آه رجع الطلق من تاني. ربنا ينتعك بالسلامة يا بوي."
حكيم همل بشندي مع عوض والرجالة يجهزوا كل حاجة، وسابهم وخد عنتر وراح يلف بيه في كل موضع. أما جمارة فليها أسبوع أمها وغالية يجهزوا فيها، وعملولها كل اللازم، وطلعت تلالي كيف قنديل مضوي، وزايدها الفرحة جمال وحلاوة، وحتى ملامحها اتغيرت لملامح أجمل. وأمها عيشة رايحة جاية قبالها تصلي على النبي وتحصن فيها من العين. غير تحصين تماضر لها اللي كل ما تبص لها تسمي وتصلي وتقول لها: "تستاهلي والله يا مرت الغالي." ***
جمارة بتعدل في فستانها وطرحتها. "حلوة يمه؟ عيشة: "البدر النهارده استحى وهمل موطرحه وادس لما شاف حسنك يا جمارة قلب أمك." ضحكت جمارة وبصت لآخر مرة في المراية، ومشت إيدها على وشها ودققت لعنيها اللي متحاوطين بالكحل وزراقهم يجيب التايه. وبعدها اتحركت من قبال المراية وراحت على الشباك وهي بتفرك إيديها في بعض. "هو هييجي مته يمه؟ عيشة:
"مش دلوقتي، هييجي آخر العشية بعد ما يخلص فرح الرجالة. انزلي يلا انتي اقعدي تحت واتنصصي في كوشتك علوني خايفة عليكي من عيون الحريم والله." عيشة خلصت جملتها وفتحت غالية باب الأوضة: "متهمي يا عروسة، الناس مستنية تحت من بدري." عيشة: "آهى جاية أهى يا غالية، لساتنا كنا نازلين." غالية بصت لجمارة واتكلمت بضحكة: "والله يا جمارة العيون تحت هتخليكي تنزلي على بوزك. صمدي خدودها يا خالة عشان العين." جمارة:
"يابوووي، أصمد خدودي كيف شفتوا فين عروسة مصممة ومهببة. أوعوا كده خلوني أنزل أحسن تعملوها بجد وتهببوا وشي وحكيم أول ما يشوفني يفر على بره تاني." عدتهم ونزلت، وغالية وعيشة زلوا وراها وهما بيضحكوا عليها. وأول ما وصلت لتحت، كل الحريم شهقت، وتماضر وعيشة بقوا يخمسوا ويقرأوا المعوذات بصوت عالي.
أما عند حكيم.. فالمندرة ولابس أبيض فأبيض وقاعد قدام بشندي اللي بيلف له العمة البيضا أم زيق مدهب، ومرة يصلي على النبي، ومرة يغني ويسقف ويرقص قباله. وحكيم يضحك عليه، والتنين طايرين من الفرحة. بشندي خلص لف العمة لحكيم، ومسك راسه بين إيديه وقربها ليه وباس عمته وخدوده التنين، وملس على دقنه ونزل بأديه على كتفه وهو بيبص له بفخر:
"النهاردة فرحة ولدي وواد حبيبي ونظر عيني ورباية يدي. إني النهارده الفرحة مش سايعاني ونفسي أفرق من فرحتي على الناس كلها وأتكفيهم وتزيد والله." حكيم قام وقف وخد بشندي في حضنه وحب على راسه وعلى إيده: "وأنا ربنا العالم كيف ما يكون الشيخ جاهين واقف معايا دلوقتي وهو اللي هيلبسني خلجات فرحي بيده. عوضتني عن غياب أبوي يا بشندي ومليت موطرحه وسديت مكانه. كفيت ووفيت يا راجل يا طيب."
بشندي بعد عن حكيم يمسح دمعة خانته ونزلت من عينه، وبعد عن حكيم بسرعة: "أقولك إيه.. النهاردة فرحة مش هنعكرها بالدموع. بزيدانة دموع وقهر." ومرة واحدة سقف بأديه وغنى بكل صوته، وجرى وهو بيغني على اللوحات المتعلقة على الحيطة، واللي اتنين حكيم كان بيحسب فيهم عمر جمارة، واتنين كان بيحسب عليهم عدتها. وشالهم وابتدا يقطع فيهم ويرمي ورقهم في كل موضع وصوته يصدح بالغنا:
"نعنااااع الجنينة المسقى في حيضانه.. شجر الموز طرح ضلل على عيدانه.. في عشق البنان أنا فقت نابليون.. طومبيلى وقف عجلاته نامبريوم.. قدمت شكوتي لحاكم الخرطوم.. أجل جلستي لما القيامة تقوم.. ونعناع الجن... ومرة واحدة بشندي سكت، وحكيم انتبه لواحد من الغفر واقف على باب المندرة ينهج وزعق بخوف: "الحقنا يا شيخ حكيم." حكيم وقف منتور وبص لبشندي بلوم:
"نبرت فيها يابشندي. فوت على الجلسة لما القيامة تقوم يا قزين. أهي شكلها قامت القيامة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!