حكيم بص لغازي بغضب، ومرة واحدة مسكه من هدومه وقومه. يد فضلت ماسكة هدومه بعد ما رمى كوباية الشاي اللي كان ماسكها على الأرض. ضم إيده ورفعها وكان هينزل بيها على وش غازي لولا صرخة أمه وقفته. "له يا حكيم، أوعاك يا ولدي، متركبش روحك الغلط."
حكيم اتنفس بغضب ونزل إيده اللي كان هيضربه بيها، لكنه فضل ماسك غازي من هدومه. وغازي قدام عاصفة غضب حكيم ما كانش منه غير إنه فضل يبلع ريقه بخوف وانتظار لبطش حكيم، اللي نجح إنه قدر يوصله لأقصى درجات الغضب بعَملته دي. حكيم بص في عيون غازي جامد بعيون حمرة زي عين غول واتكلم من بين سنانه: "متخافش، ما مدتش إيدي عليك. عارف ليه؟ عشان اللي يمد إيده على مرة ويستقوى عليها ميوبقاش راجل. وإني ممدش إيدي إلا على راجل زيي."
نهى جملته ورمى غازي على الكنبة. بص لأمه بصة أخيرة بمعنى "إنتي السبب في كل اللي بيحصل ده. إنتي السبب في أذية جمارة وأذيته اللي أكبر من أذيتها."
قبل ما يطلع من السرايا بروحه المحروقة كيف حرق جمارة، بص عليها بصة أخيرة. وفي الوقت ده غالية كانت نزلت من فوق وشافت الموقف. وبرغم كل حاجة جريت أخدت جمارة وراحت بيها ناحية الحمام. فتحت الحنفية وفضلت ترش ميه على صدر جمارة. وبرغم كرهها ليها إلا إنها اتأثرت من منظرها اللي يقطع القلب ودموعها اللي مش متوقفة. وبرغم الألم كاتمة صوت بكاها.
طلع من السرايا جري، نفسه يهرب من كل حاجة بتحصل حواليه. راح الأسطبل، لف لثامه وركب جمرة وطلع بيها. ساب لها اللجام ونكزها برجله وهي فهمته وطارت بيه تسابق الريح. وهو غمض عينيه وسابلها مهمة الهروب. لكنه طول ما مغمض عينيه شايف منظر جمارة وهي بتفرفط من الشاي. وفضل يلوم نفسه عشان هو السبب في كل اللي بيحصلها ده، وبتحاسب على فاتورة كره غازي ليه.
فتح عينيه واكتشف إن جمرة جابته لشارع عذابه. اتنهد بقلة حيلة وهو بيحاول يهرب منها، وكل حاجة بترجعه ليها ولذكرياته معاها. وقف بجمرة قصاد بياعة التوت اللي فرحت بشوفته وقامت من مطرحها وراحت عليه بلهفة: "بطلت تاخد توت ليه يا ولدي؟ معدش يعجبك التوت بتاعي ولا لقيت حد غيري تشتري منه؟ حكيم اتكلم والتكشيرة لسه على ملامحه: "اديني كل التوت اللي حداكي." بياعة التوت رجعت وابتدت تحط التوت في علبة بلاستيك وعينها
على حكيم واتكلمت بحذر: "فيش حاجة تستاهل كل الزعل ديه يا ولدي. ارمي حمولك عالله وقول يا رب." حكيم مردش عليها لكنه ردد في سره: "يارب.. يارب.. يااارب." مد إيده، أخد منها التوت واداها الفلوس ولف عشان يمشي. لكنه وقف وبصلها وكلمها بنبرة أمر: "عارفة طريق سراية الشيخ حكيم؟ بياعة التوت: "ومين ميعرفهاش! حكيم: "قلت صباح تاخدي كل التوت اللي معاكي وتروحي بيه أهناك. تسألي على واحد اسميه بشندي تديه التوت وهو هيديكي حقه."
الست بفرحة: "أمرك ياسى البيه. من عنيا التنين. ربنا يريح قلبك زي ما هتريحني من القعدة ووجع القلب والضهر والمناهده." حكيم هز لها دماغه بحركة بسيطة واتحرك عشان يرجع. لكنه شاف عيشة أم جمارة شايلة طبق الجبنة وماشية سرحانة وعدت من جنبه معرفتهوش. حكيم: "أم جمارة... أم جمارة... خالة عيشة." عيشة انتبهت واتلفتت حواليها واتفاجأت لما عرفت إن حكيم هو اللي بيكلمها أول ما بعد اللثام عن وشه.
عيشة: "صباح الخير يا ولدي. معرفتكش سامحني. كيفك وكيف أمك. وكيف جمارة على حسكم." حكيم: "عتسألي على بتك كيف الغريب ليه يا خالة؟ فيه واحدة تقعد شهور متزور بتها ولا تطمن عليها؟ عيشة: "معلش، حكم القوي يا ولدي، منتا خابر. معايزاشي مشاكل ولا عايزة أجيب الحديث لبتي. وعلى العموم، إني مطمنة عليها في حمياتك وحماية الحجة وعارفة زين إنها مهتنضامش وسيكم." حكيم اتنهد ورد عليها بصوت تعبان:
"بس هي محتاجاكي جنبها. والمفروض متاَبعِيش حد وتبَعدي عن بتك. على رأي اللي قال: ادخل بيت عدوي لو هيقتلني مادام ليا فيه حبيب." عيشة: "القول مفيش أكتر منه يا ولدي، بس وقت الفعل الناس عتتربط بحبال العجز." حكيم: "مفيش ربط ولا حبال. ومن هنا ورايح، قلت يوم ألقاكي في السرايا حدا بتك تطمني عليها وتشوفي ناقصها إيه وتقوليلي عليه." عيشة: "بس ياسى حكيم...
حكيم: "مبسش. خدي علبة التوت دي وديهالها. والجبنة اللي معاكي دي حودي على بيتك سبيها، وأني هديكي حقها. ومن هنا ورايح، أني هديكي كده اللي عتكسبيه مرتين بس تسيبك من بيع الجبنة وتستني لبتك. ويلا امشي قصادي عشان تروحي الجبنة وبعدها أوصلك لحدت السرايا." وبالفعل عيشة سمعت كلام حكيم وراحت معاه. برغم إنها عارفة إن غازي مش هيعديها، لكنها لقتها فرصة تتطمن على بتها جمارة اللي قلبها زي النار عليها وملقياش على شوفتها بصارة.
وصلوا السرايا وعلى أبوابها لقوا غازي واقف مع اتنين رجالة. وأول ما شاف عيشة جايه مع حكيم وشه انضرب بالغضب. وحكيم أول ما وصل قصاده نادى على بشندي اللي جاله جرى من قدام باب المندرة ووقف قباله ملبي. "أؤمرني يا حكيم بيه." حكيم اتكلم بنبرة تحدي وهو باصص لغازي:
"دخل أم جمارة السرايا يا بشندي، وقول لأم حكيم، خالة عيشة ضيفة حكيم النهارده. وخلي حد يقصر معاها وعاوز حد يفتح خشمه. وقولها كماني إنها كل يوم هتيجي السرايا وتقضي طول النهار كماني. والكلام دي عاوز كلمة تتقال بعديه." خلص كلامه ولف عشان يروح الأسطبل. وبشندي أخد أم جمارة ودخل بيها السرايا. وغازي فضل واقف مكانه ساكت ودخان الغضب بيخرج من ودانه.
حكيم دخل السرايا وراح قعد جنب أمه وغالية اللي كانت قاعدة وحاطة إيدها على خدها وفي دنيا تانية. تماضر بصت لحكيم بحنان وأسف على اللي هو فيه. وهو اكتفى إنه هز كتفه بحركة إن ده نصيبه. وبعدها نام على الكنبة وهمسلها يسأل: "فينها... وكيفها دلوقتِ؟ تماضر: "في أوضتي. دخلتها غالية ترتاح لها هبابة. أما عاملة كيف، فحتى لو حرق الجسد خفيف، حرق الروح واعر يا ولدي." حكيم ضرب الحيطة جنبه بإيده ونفخ بغلب ووجه كلامه لغالية:
"حرقها واعر يا غالية. شفتيها؟ غالية اتكلمت وهي باصة لبعيد: "صدرها كله نَفَط وبقلش فالتو. الشاي كان مولع. ربنا يهديه غازي." حكيم: "ربنا يحرق روحه في نار جهنم. ربنا يعذبه بالنار كيف ما عذب واحدة من عباده ونسي إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار."
غالية غمضت عينيها بألم لأنها برغم كل شيء، إلا إن لغازي في قلبها مكان. ولسه أي كلمة عليه بتحسها كورباج بيجلد قلبها. هي كارهة إحساسها ده بس مفيش في إيدها حيلة عليه. حب كبرت معاه وكبر معاها. حلم حلمته من وهي صغيرة وكل يوم تزود عليه تفاصيل وتعلق عليه آمال. صعب يتخلع من جواها بسهولة. كل الناس شايفه غازي وحش، إلا هي دايماً شايفاه مظلوم والدنيا جت عليه. مرة بموت أمه، ومرة بموت أبوه، ومرة بخسارة أرضه، ومرة بخسارة لقب المشيخة.
حكيم: "غالية، عكلمك." غالية: "هاااه... مسامعاكش والله يا خوي. قول من تاني كنت عاوز حاجة؟ حكيم: "عقولك، خلي قلبك حنين دايماً على عباده كيف النهارده. عاودي يا غالية اللي قلبها أبيض من لبن الحليب ومتحاسبيش حد على غلطة غيره في حقك. جمارة ملهاش ذنب إن غازي اتجوزها. ولا تعرف إنك كنتي رايداه. البت يتيمة واللي هيحن عليها هيكسب أكبر ثواب. عامليها كيف ما تكون أخت ليكي وراعى ربنا فيها وساعتها قلبك هيبرد صدقيني."
غالية ببرود: "متأكد إن قلبي هيبرد؟ تضمنلي ديه؟ متضحكش علي وعلى نفسك يا ولد أبوي. مفيش قلوب عتبرد من نار الغدر ولا الخيانة. وإن كان على جمارة متخافش إني ملياش صالح بيها. بس مش بإيدي إني أغصب على حالي وأقرب منها. متحملهاشي دي يا ولد أبوي." حكيم: "معلش بس حاولي... حاولي برضايا عليكي."
أما عند جمارة، شهقت بفرحة مخلوطة بدموع أول ما شافت أمها بتفتح عليها الباب. وقامت جريت عليها واترمت في حضنها، لكنها شهقت من الوجع أول ما أمها ضمتها على صدرها. عيشة: "مالك يا بتي؟ موجوعة من إيه؟ جمارة: "له يا يمه، سلامتك. مفيش وجع دهاني، بس متوحشاكي عشان كده تلاقيني عشهق من الفرحة."
كانت بتتكلم وتلف في طرحتها على شعرها ورقبتها زين عشان أمها متشوفش الحرق. عيشة اتفحصت بتها من فوق لتحت وركزت على عيونها الحمرة وملامحها التعبانة ورجعت ضمتها ومسحت على ضهرها. "ربنا يعدل المايل ويهدي النفوس ويقف معاكي على كل ظالم يستقوي عليكي يا بنيتي." جمارة بنبرة هادية بتحاول تكون طبيعية: "مفيش حد ظالمني يمه ولا حد جايني علي. كل اللي فيها إنك بقالك كام يوم معتغيبيش عن بالي وكل الوقت متفكرة، وعيوني تسح الدمع لحالها."
عيشة بعدم تصديق: "معلش يا بنيتي، لو عالبعاد سي حكيم أمر إني أجلك كل يوم ومعادتش واحدة منا حتنحرم من الثانية." جمارة بفرحة: "صوح يمه؟ عيشة: "أمانة عليكي يا جمارة. وحياة عينيك الزورق اللي دبلوا من كتر البكا دي وبقوا كيف مية البحر المعكرة، صوح. يلا تعالي شوفي إيه ديه. حبيبك اللي عتموتي فيه." عيشة فتحت العلبة وجمارة شهقت وأخدت العلبة من إيد أمها. "توت...
الله عليكي يا أم جمارة. والله متوحشاه قوي. وكل صبح في معاد ما كنت عآكلة، أحس إن حاجة ناقصاني ورب العزة. ربنا يخليكي ليا يا أحلى عيشة في الدنيا." عيشة: "بس التوت ديه سلفك حكيم اللي جابه وعطوهونى أديهولك مش إني اللي جبته." جمارة: "سي حكيم؟ عيشة: "أبو قلب طيب اللي عيفكر في كل اللي حواليه ومع ينساشي حد واصل."
وحكتلها على عرضه عليها. وجمارة بانت لها إنها فرحانة بس من جواها حزينة لأن بكده غازي هيكون ذلّها ليها بأمها أكبر عشان هتبقى عيشتها من هنا ورايح عليهم ومن خيرهم وعينها هتتكسر قدامه أكتر. لكن برضه عرض حكيم عليها هيريحها من التعب وهي حاسة بتعب أمها وكسرة ضهرها من الشغل ومتقدرش تكون أنانية وتحرمها من الراحة دي حتى لو هي اللي هتتعب.
حاولت عيشة تخلي جمارة تفضل لها عن السبب اللي مخليها دبلانة، وإن كان غازي زودها عن الكلام وعيمد إيده عليها. لكن جمارة طمنتها إن حتى الكلام مبقاش يتقل عليها فيه ولا يزعلها. وأمها سكتت ورمت حمولها وحمول بتها على الله. لكن من جواها حاسة إن جمارة بتكذب ومش عايزة تقهرها عليها. جمارة ابتسمت وهي نايمة على رجل أمها وأمها بتمسح على شعرها بحنان كيف أيام زمان وجمارة مبتسمة. ومدت إيدها عالتوت وأكلت منه واتكلمت بسرحان:
"أقولك إيه يا يمه، سي حكيم عرف من وين إني بحب التوت؟ إنتي قولتي له؟ عيشة: "له مقولتلهوش حاجة. وحكيم لازم يعرف كل كبيرة وصغيرة عن اللي حواليه. وخصوصي أهل بيته." واتكلمت بنبرة جدية: "اسمعيني زين يا جمارة. لو عايزة سند ليكي يقدر يقف قدام غازي، مفيش غير سلفك حكيم هو اللي يقدر يعملها ويوقفه عند حده. اشتكيله على كل حاجة واشتكي للحجة تماضر. وهما ما هيقبلوش الظلم ولا يسكتوا على باطل." جمارة هزت دماغها
بموافقة وهي بتقول لنفسها: "هو وينه حكيم عشان يقف لغازي؟ ده من ساعة ما اتجوزت وجيت السرايا هج منها كيف ما يكون مكانش عاوز غازي يتجوزني. لا هو ولا غالية ولا أي حد. ولا حتى غازي شكله كان عاوز يتجوزني، بس معرفش إيه اللي حصل." بصت لأمها وسألتها بحيرة: "هو ليه غازي مطلعش كيف حكيم أكده؟ قلبه حنين وميرضاش بالظلم ولا بالذل. مش هما الاتنين تربية خالة تماضر، يبقى لازم يكون الطبع واحد مادام الرك عالتربية كيف ما بيقولوا؟
عيشة: "صوح، هما عيال عم ومن بورة واحدة، بس فرق السما والأرض بينهم وبين بعض. كيف بورة زرع واحدة طرح فيها جدر صبار، وفي نفس البورة طلع جدر بنجر. الجذور ملفوفة على بعضها، لكن ديه فيه مرار الدنيا والتاني فيه حلاوة الدنيا. والكلام ديه مش من عهد غازي وحكيم. له الكلام ديه من عهد أبو غازي وأبو حكيم. الاتنين الفرق بينهم كيف الفرق بين غازي وحكيم بالظبط. غازي يا بتي واخد طبع أبوه ورث وفوق الورث شرب من نفس أبوه كتير عشان أبوه
مات وهو في سن الصبا. يعني كان 13 سنة أو 12 حاجة كيف أكده. كان أكبر من حكيم بسنة واحدة. وقتها بس اللي كان يشوفه ويشوف حكيم يدي حكيم أكبر من سنه عشان العقل والفهم اللي كان شايله. أبو غازي بعد ما أبوه مات ورث الأرض كلها وقال إن أبوه كتبها له بيع وشرا. وبعد موت أبوه طلع الورق وجاب شهود وأبو حكيم
معترضش ولا كدبه ولا قال: أنا ليا شبر واحد فالأرض. متعرفيش خوف من أبو غازي اللي كان جبروته وقتها كيف جبروت فرعون في زمانه. ولا صوح كيف ما قال أبو غازي إن أبوه خاف عالأرض من أبو حكيم اللي كان عشاه تخطفه القطة من طيبته يضيع أرضه وشقي عمره بفهاوته. بس اللي كلنا استغربناه إنه لو عاوز يحافظ عالأرض صح وكتبها لأبو غازي، يبقى كان لازم يعوض أبو حكيم ويديه حاجة تانية. قرشين ولا بيوت ولا أي حاجة كيف أكده. لكن مرة واحدة بصينا
لقينا أبو حكيم حالته اتعترت وبقى يشتغل في أرض أخوه أجير، وحتى ولده حكيم اشتغل معاه. وكان كيفه كيف أي أجير يجري عليه اللي يجري عالغريب. مرته تماضر، الشهادة لله، كانت بلسم تتحط عالجرح يطيب من طيب لسانها وكلامها اللي يخش القلب طوالي. وقتها كانت أم غازي عيانة بمرض عفش محدش عرفله علاج خلاها طريحة الفراش سنتين ومن كبر نفسها قبل كده ملقتش اللي يشيلها في عياها. وغير كده الناس كانت خايفة من اللي حداها. مفيش غير أم حكيم ربنا
يبارك لها. هي اللي اتكفلت بيها وبمراعاتها ومهابتش من اللي حدا أم غازي. ماتت أم غازي بعدها وبدل ما أبو غازي يشكرها ولا يقولها كتر خيرك عاللي عملتيه مع مرتي وولدي وبيتي، طردها من السرايا وحرم عليها دخولها. متعرفيش ليه. يومها أم حكيم طلعت من البيت مفرفرة من البكا والقهر وأبو حكيم طلع وراها ومفيش على لسانه غير "لا حول ولا قوة إلا بالله". إني شفتهم عشان وقتها كنت في الزريبة عأحلب البقرات بتوع شاهين أبو غازي كنت بحيلى
وقتها وكانت دي شغلتي. مانتي عارفة. المهم من يومها وأم حكيم طلعت ومعادتش بيت أبو غازي تاني. لكن غازي كان يروح حداهم على طول وكانت تماضر برضك تاخد بالها منه كيف حكيم بالظبط. معداش كتير ومحدش يعرف حصل إيه وسمعنا إن أبو غازي وقع من فوق سطح البيت بتاع أبو حكيم ونزل على دماغه ومات في التو. ناس قالت إن أبو حكيم هو اللي وقعه من فوق بس محدش صدق فالراجل الطيب التقي اللي كان يصلي ويصوم ويعرف ربنا. والحكومة جات وحققت وطلعت أبو
حكيم برائة وقيدوها إنه وقع من عالسطح لحاله. قضى كيف ما قالوا. ولو جيتي لأغرب حاجة حصلت إن تماضر هي كمان في اليوم ده وقعت من على السلم وضهرها اتكسر واتشلت ومن يومها وهي على كرسي كيف شفت عينك. بس تعرفي، أهل البلد كلهم فرحوا إن أبو غازي غار بجبروته وقسوته. وبعدها طوالي راحوا على أبو حكيم ونصبوه شيخ بلد مطرح أخوه، وهو قال لهم إنه مهيقدرش عليها بس الناس صممت إنه محدش غيره يمسكها. ومن يومها وكلمة أبو حكيم سادت بين الناس
بالحق. وشوية شوية أرض غازي بقت تتنقل حتة حتة لأبو حكيم لغاية ما غازي بقى لا وراه ولا
قدامه ودار في البلد يقول: عمي وولدي خدوا أرضي. من وقتها وعداوته لحكيم معتدتش والكل خابرها زين. وبرغم كده عمه أبو حكيم مسابهوش وخلاه تحت جناحه وفي بيته واتكفل بوكله وشربه ومصاريفه كيفه كيف حكيم واحد غيره. كان شغله أجير كيف ما أبوه عمل فيه وفي ولده. بس هو محطش كل ديه قصاد عينه ولا حط قبال عينه مرت عمه اللي مكنتش تفرق في الحنية بينه وبين ولدها حكيم. واللي قسم ضهر غازي لما أبو حكيم داهمه المرض ونومه والمشيخة كان لازم حد
غيره يمسكها. وقتها كان عود حكيم وغازي شاب وبقوا شباب عليهم العين وغازي كان عشمان يمسك المشيخة اللي هي أصلاً من حقه وورثه من بعد أبوه. بس الضربة النوبادي جت له من أهل البلد لما كلهم اجمعوا إن حكيم هو اللي يمسك المشيخة بعد أبوه، وبالخصوص بعد ما عرفوا استهتار غازي وصغرنته ورميحه ورا الغوازي طول الليل."
جمارة: "وعارفة ديه كله عنه وجوزتيني ليه يمه؟! عيشة: "مش أنا اللي جوزتك، عمك اللي جوزك ومخدش حتى شورى. وبعدين الناس قالت إنه اتغير واتعدل حاله وبطل سرمحة ورا الغوازي. بس الظاهر الطبع العفش معيهملش صاحبه واصل." جمارة: "له وإنتي الصادقة، ده النحس والفقر اللي مش عيهمل صاحبه واصل. كيف معامل معايا أكده."
عيشة: "استغفري ربك يا بتي واستحمديه. دا الرك عالقسمة والنصيب. وعلى قول حكيم، إنتي مكتوبة لغازي مرته وأم عياله من ساعة ما اتولدتي. وعلى سيرة عياله، مفيش حاجة جاية في الطريق أكده ولا أكده؟ جمارة: "له مفيش، ويا رب ما يكون فيه واصل. أنا أصلاً كارهه أقوم أخلف منه؟ عيشة: "يا هبلة، ديه هفة العيل ديه هو اللي هيغليكي ويحليكي حداه ويهديه عليكي. هو اللي هيكبره ويكبر عقله."
جمارة: "والله غازي ما يتغير لو خلفتله جيش الملك النعمان عيال." عيشة: "طب بسك هبل. طيب إنتي متعرفيشي حاجة، الراجل مفيش حاجة تعقله غير لما يشوف خلفته عتتنطط حواليه. بس اتجدعي إنتي، وإن شفتي إن كلام أمك هو الصح." جمارة هزت دماغها بموافقة وأخدت توتة وحطتها في بوقها وغمضت عينيها. عيشة ضربتها على إيدها: "هتقعدي طول عمرك رمرامة وتاكلي التوت من غير غسيل، لما في يوم هيعملك لخبطة في بطنك." جمارة باعتراض: "يمه لخبطة إيه عاد؟
هو حلاوة التوت بترابه وعبله أكده عيوبقى ليه طعم حلو قوي. طب تصدقي، لما عيتغسل مبحبوش." عيشة: "معفنة." جمارة ضحكت ودفنت دماغها أكتر في حضن أمها. والاتنين سكتوا وكأن كل واحدة فيهم بتشكي للتانية اللي فيها بس بسكات.
خلص اليوم وعيشة قضيته كله مع جمارة لحالهم. اتغدوا مع بعض في أوضة أم حكيم اللي خلتهم على راحتهم واتعشوا مع تماضر وغالية. وحكيم طلع وساب لهم السرايا عشان يبقوا على راحتهم. وغازي مشافوش وشه طول اليوم. وفي آخر اليوم أم جمارة رجعت بيتها بعد ما اتشكرت من أم حكيم وحكيم اللي أمر بشندي يوصلها لحد بيتها وأداه فلوس يديها لها بس لما يوصلوا هناك عشان متحسش بحرج وهي بتاخدها من إيد حكيم.
بعدها حكيم رجع السرايا وملقاش جمارة. لقاها راحت على المشتمل. طلع أوضته وحاول ينام. وزي كل يوم النوم حلف ما يزور عينه. وراح على الشباك وكان الوقت متأخر. فتحه وبص منه وبرق عينيه وهو شايف جمارة قاعدة في مكانها على نص البرميل. وابتسم وهو شايفها حاضنة علبة التوت وبتاكل منها وهي باصة بعيد. وابتسامة خفيفة مرسومة على وشها اتسللت واحدة زيها لشفايفه هو كمان ونزلت على قلبه برد وسلام بعد ما اتقلب على جمر قهره عليها طول اليوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!