الفصل 4 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الرابع 4 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
48
كلمة
3,817
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

بعد كلام غازي، حكيم ساب السرايا وراح على المندرة. أمه بصت له وهمست لنفسها بعد ما خرج: "لسه على أبواب العذاب يا حكيم يا ولدي، خايفة عليك من اللي جاي." وبصت لغالية اللي كانت قاعدة وسرحانة،

وكملت بنفس الهمس: "والله ما تستاهلوا لا أنتي ولا أخوكي اللي غازي هيعمل فيكم ده يا عيالي. لكن الحق عليا إني اللي مرضيتش أسيبه للشوارع وربيته وسطكم، وعملت حالي بعمل صالح وأخدت ثواب تربية اليتيم، ومسمعتش كلام الناس اللي قالوا لي الحنش ما يخلفش غير حنش زيه." حكيم دخل المندرة ورزع نفسه على أول دكة قابلته، وخلع عمامته البيضة ورماها تحت

رجليه بقهر وهو بيكلم نفسه: "عمامة مشيخة البلد دي هي أكبر سبب في اللي أنا فيه دلوقتي. مالي لو حالي كان حال أي حد؟ مالي لو كنت بعدت وبقيت في حالي وسبت المشيخة لغيري؟ كنت ولا عملت حساب لكلام الناس ولا قالوا وقلنا، ولا كنت قدوة، وكان زماني مع بت روحي دلوقتي." قطع كلامه إيد بشندي لما اتحطت على كتفه بحنان وطبطبت عليه. وبعدها، وطى وشال العمامة من الأرض، نفضها،

واتكلم وهو باصصلها: "تعرف لو المرحوم أبوك كان قاعد وسمعك بتقول كده بعد الفرحة اللي فرحها بيك وهو شايف أهل البلد كلهم مجموعين على رأي واحد، وهو إنك أنت اللي تمسك المشيخة بعد أبوك، وخلى الصهج يطلع من ودان غازي اللي اتنطط سنين عشان يبقى هو الشيخ ومحدش رضيله، كان زمانه فضحك." حكيم: "تعبان يا بشندي."

بشندي: "الدنيا دار تعب يا ولدي، محدش يرتاح. اللي خد نصيبه من التعب فرحته مستنياه، واللي فرحان ومرتاح لسه نصيبه من التعب مدسوسله ومتحوشله. ربك عادل ورحيم بالقلوب، لا عديم التعب ولا عديم الراحة. بيقلب بني آدم في كل جهة عشان يحمد ويشكر." حكيم اتنهد: "اديني البندر هات لي سرير ومرتبة زينة وحطهملي في آخر زاوية في المندرة. واعمل حسابك وبوزي في بوزي من هنا ورايح." بشندي: "هتترك سرايتك ولا إيه؟

حكيم: "لحد ما عقلي وقلبي ياخدوا على الوضع الجديد." بشندي اتنفس بعمق وهو شايف حكيم حبيبه وصاحبه ورباية إيده اتجخى على الدكة بتعب وغمض عينيه ووشه باين عليه هموم الدنيا. سدله الشبابيك وضلم المندرة وجاب لحكيم غطا من حداه وغطاه، وطلع وسد باب المندرة، وراح على البندر عشان يجيب السرير اللي أمر بيه حكيم.

مرت الساعات، وتماضر مستنية حكيم يعاود للسرايا. وعدت عليها ساعات، وغازي جه خد جماره على المشتمل بعد ما أمها مشت. وعدى اليوم كله وحكيم ما رجعش لا على غدا ولا حتى على عشا. وفي الآخر بشندي جه وأخده عشا وغطا ومخدة، وتماضر عرفت إنه حكيم فضل البعاد عن حرقة الدم. *** أما في المشتمل عند غازي.

جماره رجعت معاه من السرايا بعد ما ودعت أمها عيشة بدموع حسرة وقهر على اللي عمله معاها غازي، والكسفة اللي كسفها لها قدام الكل. وبالرغم من ده كله، إلا إن أمها عيشة هي اللي صبرتها وفضلت تهدّي فيها وتنصحها تتحمل جوزها، وكل اللي يطلع من خشمه تعديه، لأنه هو دلوقتي كل حاجة ليها، ولازم تتطبع بطبعه. غازي: "هتقعدي متنحة قدام المراية كده كتير؟ مش هتيجي تتجردي جاري وتحسسيني إني عريس ولا إيه؟

قامت جماره من مكانها وراحت ناحية السرير، ووقفت قصاد غازي، وحطت عينها في عينه وسألته بغضب مكبوت: "انت ليه بتعمل معايا ومع أمي كده؟ كأنك مكنتش رايدني وحد غصبك على جوازك مني؟ بمجرد ما خلصت كلامها، انطلقت من غازي ضحكة رنانة بكل صوته، خلت جماره رفعت حاجبها مستغربة وهي باصاله ومستنية يسكت. وهو كل ما يبطل ضحك يرجع يتفتح في الضحك من تاني. وفي الآخر مسح عينيه بكف إيده وبصلها ولسه

مبتسم ورد عليها بتهكم: "تصدقي إنك عندك عقل وطلعتي بتفهمي يا مضروبة؟ عرفتي إزاي يا به إن حد غصبني أتزوجك؟ طب هقولك الصراحة عشان أريح فضولك. إني اتزوجتك وأني مكنتش عايزك، عارفة ليه؟ عشان في يوم سلفت أمك عشرة جنيه وماكنش معاها ترجعهم لي، راحت قالت لي: يا تاخد بيهم قالبين جبنة، يا تاخد جماره بتي. وأنا ما أحبش الجبنة، فقلت لها خلاص هاخد جماره وأمري لله. يعني أنا واخدك مخلصان حق يا به. يعني انتي متسويش غير حق قالبين جبنة."

وبحركة سريعة مسك إيدها وشدها، وقعها عليه وهمسلها في ودنها بنبرة خلت جسمها قشعر: "بس الصراحة طلعتي أحلى قالب جبنة شفته في حياتي. تسلم الجاموسة اللي خلفتك." جماره بصتله، وقبل ما تعترض على كلامه، سجن كلامها بين شفايفها بطريقته، وطمس اعتراضها على كل اللي بدر منه في حقها طول النهار، وأكد لها إن الاعتراض على حاجة يعملها أو يقولها مش خيار متاح ليها. ***

مرت الأيام، وعدى شهر والتاني، وحكيم هاجر السرايا ومعتكف أكل ونوم وقعدة في المندرة. ما يهملهاش غير بعد ما يتأكد إن غازي وجماره سابوا السرايا وراحوا المشتمل. بعدها يدخل السرايا ويروح لأوضة أمه، يبوس إيدها ودماغها وينام على حجرها شوية، يحكيلها فيهم كل اللي حصل معاه في يومه، وكل حكم حكمه على حد في فصل، ويسألها لو كان حكمه عدل ولا ظلم. وهي ترد عليه إن الحكم الظالم محدش يرضى بيه.

أما غالية فهي كمان طول الوقت في أوضتها، ما تطلعش منها غير لما أمها تنادي عليها عشان تقعد جارها شوية. وبمجرد ما تطلع وتقعد وتشوف جماره قاعدة معاهم، وتتطلعلها وتشوف جماره قد إيه شايلة حسن، ولما تقارن حالها بجماره تلاقي نفسها جارها متسواش حاجة، ما تتحملش وترجع تقعد في أوضتها مرة تانية.

أما جماره، فا كل يوم لازم تطلع من المشتمل على السرايا مع غازي، تقف على دماغه وهو بيفطر، ومتقعدش غير بعد ما يخلص. ويطلع ويرجع لها آخر الليل مبسوط وبيغني، ياخد منها اللي عايزه ويديها ضهره وينام. وده هو روتين يومها من يوم ما اتجوزت غازي. صح هو دايماً لسانه معاها زفر وبيشتمها بأقذر الألفاظ بسبب ومن غير سبب، لكنه لما بييجي ياخد حقه منها، ما بيتعاملش معاها غير بكل هدوء، وساعتها مش بتشوف في عينيه غير كل إعجاب وانبهار ولهفة، بتنتهي بمجرد ما يبعد عنها.

إحساس قاتل بالوحدة وسط ناس متعرفهاش، وزوج مهمل، وخوف من غالية اللي كل ما ترفع عينيها عليها وهي قاعدة معاها تلاقيها بصالها بكره وحقد، متعرفش سببه ولا فاهمه هي عملت إيه عشانه. واللي مزود إحساسها بالوحشة انقطاع أمها عيشة عنها، ومنع غازي ليها من إنها تروح تزورها. وحجته إنه بيسأل عليها وهي كويسة، وإنها مينفعش تفضل رايحة جاية على السرايا قدام الأكابر والأعيان عشان محدش يقول له كلمة عنها تفور دمه ولا يعايره بيها.

كتير سألته هو ليه اتجوزها مدام بيستعر من أمها وكارهها وكاره أمها بالطريقة دي! وكان دايماً جوابه إنه اتجوزها مخلصان حق. جماره كانت بتفتكر إنه بيقولها تريقة، لكنها متعرفش إنه فعلاً متجوزها مخلصان حق، ودي الحقيقة. بس بيخلص بيها حقه من حكيم مش من أي حد تاني.

الحاجة الوحيدة اللي كانت مصبراها على الوحدة والوقت هي تماضر أم حكيم، اللي كانت بتعاملها بكل حنان ومحبة. ودايماً لما تبصلها تشوف في عينيها نظرة حسرة مخلوطة بعطف. جماره برضه مش قادرة تفهم سببها. كل اللي قادرة تفهمه إنها بجوازها من غازي، جات لسجن كبير حيطانه من مرمر وبيبانه من دهب وفضة. صح الأكل حلو والمطرح أحلى وبراح، بس مفيش حاجة تضاهي حلاوة حضن أمها ولمة الحبايب والجيران كل عشية في بيتهم يتسامروا ويضحكوا، وكل واحدة تشتكي للتانية همها وتشاركها فرحتها.

أما غازي، فبابتعاد حكيم من السرايا، مبقاش قادر يعمل اللي كان في باله يعمله، ولا عارف يكيد حكيم بجماره ويحسر قلبه عليها. وكذا مرة يروح له عشان يرجعه السرايا بحجة إن مرت عمه تعبانة من الوضع. ولما ملقاش من حكيم إلا الرفض، بطل من المحاولات واكتفى بأنه يهين جماره ليل نهار قدام الكل، قاصد إن حد منهم يوصله اللي بيعمله في جماره ويحرق قلبه عليها أكتر ما هو متأكد إنه محروق.

لكن الوضع ده تماضر قررت إنه مش هينفع يستمر، وهي شايفة حكيم رجله بطلت تدوس السرايا بالنهار، وغازي عمال يصول ويجول ومفيش غير حسه بيجلجل في ودانها، وحس ولدها الحنين اتقطع من السرايا، ولو دخلها بيدخلها في نص الليالي كيف الحرامية. جالها زي كل ليلة، وأول ما راح عليها يبوس دماغها، بعدت عنه ورفضت إنه يقرب لها. حكيم: "وه! زعلانة مني يا أمي؟ عملت إيه يخليكي تصدي مني كده يا لبّة القلب؟

تماضر: "عملت اللي محدش يعمل يا واد بطني وسندي وعزوتي. هملتني وهملت سرايتك وهجرت مطرحك. خليتني أحس إن المطرح كله ضاق في عيني وطابق على نفسي من غيرك حسك وريحتك وطلتك اللي بتشرح قلب أمك." حكيم: "غصب عني يا أم حكيم، وأنتي خابرة ده زين."

تماضر: "له مخابراشي، ومفيش راجل بيحكمه قلبه ويشتته كيف ما عمل فيك كده ويخليه يهجر مخدعه وناسه. عاود يا حكيم واملا سرايتك بحسك وهيبتك، ومتديش فرصة لغيرك ياخد مكانك. وحط قبال عينك دايماً إن المطرح اللي بيحرسه أسد، ما تنتططش فيه القرود." حكيم هز دماغه بتفهم وفرك وشه بإيده: "حاضر يا أمي هرجع، بس مش دلوقتي. اديني وقت أتقبل الوضع."

تماضر: "مفيش وقت تاني. خدت وقتك وبزيادة. اطلع من السرايا الليلة وهيصاحبك غضب قلبي وربي ليوم الدين." حكيم بصوت غضبان: "يمممممه! ليه يممممه؟ حرام عليكي، بتعصري على قلبي وروحي بكلامك ده! تماضر: "المفروض أنت من حالك كنت عصّرت على قلبك وحطيته تحت رجلك يا شيخ البلد وكبيرها، مش تستنى أمك اللي تعمل كده. ودلوقتي قوم اطلع على أوضتك ونام في فرشتك، خليت غالية تنضفها وتهويها النهارده عشان تبيت فيها." حكيم: "له، ومتأكد إني هبيت!

تماضر: "جبّارة يا أم حكيم وقوية، والله. لو اتأكدت إن اللي جواه هيخليك تأذي حالك." حكيم: "قوم يلا فز من قدامي على أوضتك." حكيم بضحكة: "وه! تعالوا يا أهل البلد شوفوا شيخكم اللي لما يتحدّت تسكتوا كيف التماثيل، أمه بتزعق فيه كيف العيل الصغير وبتتقوله فز من قدامي! تماضر بصتله بطرف عينها: "تشيخ وتتمشيخ على الخلق كلها، لكن علي أنا لا. قدامي توب المشيخة يتخلع ويقعد قدامي حكيم ولدي كيف ما ولدته، لا بمشيخته ولا بجاهه."

حكيم بضحكة: "واهون عليكي أخلع وأقعد عريان كده في عز السقعة دي؟ متخافيش، ياخدني الهوا لما أقف قدامك بلبوص! تماضر قاومت ابتسامتها وبصت بعيد عنه، لكن ابتسامتها اتحررت لما حكيم قرب منها مرة واحدة ومسك إيدها وفضل يبوس في إيدها وراسها وخدها بوسات سريعة وهو بيتكلم: "إني... تبعدي... عني... وتخليني... أحبك... طب أهه... أهه... أهه... أهه." تماضر

بتبعد فيه وبتمثل الزعل: "ابعد يا واد يا بكاش أنت. عامل حالك بتحبني وأنت ليك شهرين تاركني وهاجرني وهاجر قعدتي." حكيم: "يبووي على نكران القطط! أمّال مين يا تماضر اللي كل عشية ييجي ينام في حجرك ويقولك كل اللي حصل معاه، واللي بيعمله، واللي ناوي يعمله؟ تصدقي أنتِ لو مراتي وقولتلي الكلمة دي كنت بعتّك على بيت ناسك طوالي. له وتقولي هاجرني قال؟ هاجرك إيه يا ولية! تماضر ضحكت وفردت إيديها وأخدت حكيم في حضنها وطبطبت على ضهره

وحبت دماغه وهمست في ودنه: "ربنا يسعد قلبك الحنين ويرزقك بفرحة تنسيك كل تعب تعبته في عمرك." حكيم باس إيدها وغمض عينيه ورجع فتحهم وقام بعد ما ساعد أمه تنام وغطاها وباس جبينها وطفى النور وطلع وقفل الباب وهو سامعها بتدعيله دعواتها المعتادة اللي لا بتتعب منها ولا بتمل.

خرج حكيم وطلع أوضته واتمدد على السرير، ولأول مرة ميبقاش مرتاح وميعرفش ينام في أكتر مكان كان بيرتاح فيه. قام وراح وقف في الشباك بتاع أوضته وربع إيديه وفضل باصص على الجنينة بتاعت السرايا، وفكره مشغول ببكرة واللي هيحصل فيه لما يقعد معاها في مطرح واحد وميفصلش بينهم غير أمتار أو أقل، وريحتها تتغلغل في روحه، ومع ذلك ما يقدرش يبصلها ولا له حق حتى يتكلم معاها، وهو عارف إن غازي متأكد إنه قلبه كان هاويها. حتى لو كان غازي ندل، هو مش ممكن يكون زيه، لا أخلاقه ولا دينه. يعني بتعبير أدق، الجنة هتكون قصاد عينيه وهو قاعد في النار وجنته ساكنها إبليس.

أثناء تفكيره، اتفاجأ بباب المشتمل بيتفتح بشويش، وبعدها خرجت منه جماره وقعدت على نص برميل قديم كان قدام المشتمل، وهي لافة إيديها الاتنين على نفسها من البرد، وانعكاس نور بسيط كان متسلط عليها وكفيل إنه يبين لحكيم إن ملامحها ملامح واحدة مخنوقة، ضاق بيها المكان وخرجت تستجدى نسمة هوا تطيب روحها زيه.

تنهد وسند دماغه على الشباك وسمح لنفسه إنه يراقبها ويطبع صورتها في عينيه، ويتشارك معاها لأول مرة في حاجة، حتى لو كانت الحاجة دي خنقة وضيق وهم. طولت في قعدتها والجو ابتدى يسقع أكتر، وحكيم طول ما هو باصصلها بيتحسر على جماره واللي بيتعمل فيها من غازي، ومخليها تسيب له الفرشة والأوضة والمشتمل كله وتهج في عز السقعه لحالها.

بص للساعة وشاف إن الفجر خلاص هيبدأ قرآنه، وهي لسه قاعدة على قعدتها ومش هاممها البرد، لكن قلبه قرص عليها وصعب عليه تفضل في الجو ده، وخصوصاً إن الهوا الساقع ابتدى يتسلل لصدره هو كمان، مع إنه محتمي بحيطان مش بيسفح فيه الهوا من كل اتجاه زيها. فكر إزاي يخليها تدخل. يزعق والكل يسمع؟ ولا ينزل يروحلها ويخاطر ولو حد شافه واقف معاها تتجرس؟ بعد تفكير، لجأ لحل ونفذه، وجمع من الأوضة حاجات صغيرة وابتدا يرمي فيها قريب من جماره.

أول مرة جماره فاقت من سرحانها والتفتت، بس ما أدتش أي ردة فعل. ومع تاني ضربة، جماره قامت تتلفت حواليها بخوف، ومع تالت ضربة جريت دخلت المشتمل بسرعة وقفلت الباب. حكيم ضحك عليها بخفة: "ههههههه، طلعت خوافة." وأخد نفس عميق، وبعدها قفل الشباك وراح اتمدد على سريره وغمض عينيه على صورتها، متمني وبيقول لنفسه إنه لو بيده يفضل طول العمر واقف قصادها وباصصلها كده، وما يخليش جفنه يرف لحظة وصورتها تتقطع من عينيه. ***

تاني يوم الصبح جماره وغازي حضروا للسرايا. وكالعادة غازي فطر وقام عشان يمشي، وهو بيعدل في العمامة بتاعته. لكنه وقف مكانه مبتسم وهو شايف حكيم بينزل على السلم بكامل هيبته ووقاره، والعباية على كتفه، وريحة عطره سابقاه، وماسك سبحته الدهب في إيده، ونازل بكل رزانه. غازي همس لنفسه: "والله كان قلبي حاسس إن اليوم ده هيحصل فيه حاجة تفرحني." بص

لحكيم واتكلم بفرحة واضحة: "صباح الخير يا ولد عمي. حمد الله على السلامة، نورت بيتك ومطرحك. بس إشمعنى رجعت يعني؟ دانت الشعر طلع لساني ياراجل عشان تعود ومكنتش راضي؟ حكيم: "بمزاجي يا غازي. أروح أعود بمزاجي. وبطل رطح على الصبح عشان رطحك ده كان أكبر سبب في طفشاني من السرايا. روح لحالك وخليني أفطر بسكات. مش كنت طالع برضه ولا أنا غلطان؟

غازي: "له، ده كان قبل ما أشوفك وأعرف إنك هنا. هأجل الطلعة لما نطلعوا مع بعض. أفطر ونشرب الشاي سوا ونطلعوا عشان عاوز أشاورك في حاجة كده." قعد حكيم على السفرة وهو بيهز دماغه بضيق من غازي، واتكلم بصوت عالي: "الفطور يازبيدة." زبيدة ردت عليه من المطبخ: "حالا يا سي البيه، دقايق ويكون جاهز." غازي شاف عيون حكيم على سبحته، ما رفعهاش، واتكلم بنبرة أعلى من نبرة حكيم: "جمااااره...

خشّي هاتي الفطور لحكيم، ومن اليوم ورايح أنتِ اللي تجهزيله الفطور بنفسك وتقفي فوق راسه زي ما بتعملي معايا لحد ما يخلص، وكله متقعديش. حكيم في مقام أخوكي دلوقتي." جماره أخدت الأمر ودخلت المطبخ. وحكيم رفع عينيه على غازي اللي قاعد قصاده وساند دقنه على إيده، وفي عينيه نظرة بتقوله: "عذابك بقى في إيدي." حكيم جلى صوته واتكلم بنبرة واطية: "ملوش لزوم يا غازي، إني متعود أفطر من يد زبيدة وما بغيرش عادتي."

غازي: "جرب بس تفطر من يد جمارتي، وانت هتشوف الفرق وتغير عادتك وتنساها كماني." قالها وضحك ضحكة سمجة، مقطعهاش غير صوت تماضر وهي طالعة من أوضتها بتزق الكرسي بتاعها بإيديها: "توها السرايا اللي رجعت نورت برجوع قناديلها وشمعتها من تاني. يا دي النهار النادي." حكيم ابتسم وقام راح على أمه، باس دماغها ومسك إيدين الكرسي وقربه على السفرة: "مش هتقولي ما عدتيش تصحي بدري وتصلي الفجر وتنامي تاني؟

غازي: "ليها حق، هتعمل إيه يعني مادامك بتأجلها كل يوم بعد نص الليل وتقعد تودود معاها وتسهرها، وأنت خابر زين إن مرت عمي ما بتسهرش." حكيم: "ده أنت مراقبني عاد! غازي: "وأنا عندي أغلى منك أحطه قبال عيني ليل نهار وأعرفه بيروح فين وبييجي من فين وبيعمل إيه." حكيم: "فيك بركة والله يا ولد عمي." وبص لأمه وانشغل في الكلام معاها أثناء ما كانت جماره بتحط الأكل على السفرة، وبعد ما خلصت فضلت واقفة. حكيم

اتكلم من غير ما يبصلها: "اقعدي." جماره مردتش عليه، لكنه كرر كلمته بأعلى نبرة صوت عنده: "قووولت اقعددددي." جماره انتفضت وجريت قعدت على الكرسي اللي جنب أم حكيم، وتماضر مسكت إيدها تطمنها وبصت لحكيم عشان يتحكم في أعصابه. وحكيم كمل كلامه لكن بنبرة أهدى: "ما أحبش حد يقعد واقف على راسي وأنا قاعد. دي حركة استعباد إني ما أحبهاش تحصل معايا."

غازي وصل لأعلى مراحل الغيظ بعد ما حكيم قدر يبعد جماره عنه وهرب من عذاب قربها منه، والأكثر من كده إنه أمرها تقعد وهي نفذت وكسرت كلمة غازي.

فطر حكيم وخلص، وجماره قامت تعمل شاي وجابته ووقفت قدام حكيم. وغازي اللي قعد جنبه على الكنبة، وحكيم مد إيده خد كباية شايه من غير ما يرفع عينه. وغازي بصله وبص لجماره، ومرة واحدة مسك كباية الشاي أخد منها شفطة وحدف بيها جماره. جات على صدرها وصرخت بكل صوتها وهي بتحاول تبعد الهدوم عن جسمها. وحكيم انتفض واقف أول ما شاف المنظر، والشياطين كلها اتجمعت قدام عينيه وهو شايف جماره بتفرفر من الحرق قصاد عينيه، وغازي باصصلها ومبتسم بتشفّي

بعد ما نطق كلمة واحدة: "شايك مااااسخ."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...