جماره طلعت من دار تماضر وراحت على الجنينة بقلب مخنوق وأنفاس متسارعة. عينها على بوابة السرايا وعمالة تيجي وتروح. تقف قصاد قفص العصافير شوية، وتروح على شجر التوت تقطع أوراقه بعصبية. تقرب على البوابة وتتراجع. كيف ما تكون واقفة على جمرة نار، ورجليها مش متحملة الوجع. سألت حالها: "طب ولما هشوفه هقوله إيه؟ مستنياه أتأكد منه، طب ولو اتأكدت هعمل إيه؟
فضلت على الحال دي لحد ما المغرب غرب. بصت بلهفة على بوابة السرايا اللي اتفتحت وشافت حكيم داخل منها. كانت هتجري عليه، لكنها وقفت مطرحها لما شافت غازي داخل وراه طوالي. فضلت مكانها واقفة وربعت إيديها وبتهز رجلها بتوتر. الاتنين جايين وعينهم عليها وعلى حالتها. غازي أول ما قرب منها: "مالك مش على بعضك ليه؟ حصل حاجة ولا إيه؟ جماره عينها على حكيم وردت على غازي: "لا مفيش حاجة حصلت. سلامتك."
أما حكيم فتخطاها هي وغازي بعد ما بص لها وعرف إن فيها حاجة حصلانة معاها موصلاها لحالة العصبية والغضب اللي شافها فيهم دول لأول مرة في حياته من خلال عينيها اللي عروقهم اتصبغت باللون الأحمر. سأل حاله: "ياترى إيه سبب اللي هي فيه؟ " لكنه ما يملكش الحق إنه يسألها. لكن اللي حيره نظرة العتب اللي لمحها في عينيها واللي ما يعرفش هو شافها صح ولا بيتهيأله. عشان هو ما عملش حاجة توصلها للحالة دي ولا تزعلها منه زعلة صغيرة حتى.
حكيم دخل السرايا. جماره هربت من قدام غازي وراه، وغازي دخل وراهم. حكيم طلع على أوضته طوالي عشان يتسبح ويغير خلجاته. وغازي قعد جار تماضر. وجماره دخلت المطبخ تساعد غالية وزبيدة في تحضير العشا عشان تهرب من القعدة جار غازي، وكمان عشان تصبر نفسها لحد ما حكيم ينزل من فوق وتتأكد من اللي سمعته من خالتها تماضر وتشوفه في عين حكيم.
حضروا العشا على السفرة والكل قعد. وحكيم نازل على السلم وعينه دورت لحد ما لقت جماره وسطهم قاعدة وعينيها عليه كيف ما تكون مستنياه. واتأكد لما بص فيهم مرة تانية إن فيهم عتب ما يعرفش إيه سببه. حكيم نزل ولحد ما وصل السفرة وعينه في عين جماره ما نزلتش. وعمال يسأل نفسه: "ياترى فيه إيه؟ " وجلى صوته وهو قاعد ورمى السلام: "احم، السلام عليكم."
الكل رد السلام ما عدا جماره اللي فضلت برضه بصاله بترقب غريب. حكيم ابتدا ياكل وعينه عتتنقل على الكل وشايف إن الكل طبيعي. ما فيش غير جماره بس اللي حالها متبدل. غازي: "ما تاكلي يا جماره، ما بتاكليش ليه؟ جماره: "هاكل أهه." ومسكت العيش قطعته بعنف وعملت حالها بتاكل من كذب. وحكيم واعيها بطرف عينه ورافع حاجبه باستغراب ومستمر ياكل وعامل حاله مش شايفها. لحد ما تماضر حلت اللغز وكشفت المكنون لما توجهت
لحكيم بالكلام بنبرة إصرار: "حكيم يا ولدي.. اعمل حسابك إني هتكلم معاك على العروسة اللي نقيت لك إياها، وأول ما تعاود من السفر نتمم كل حاجة." حكيم كان مودّي لقمة على خشمه وإيده وقفت بيها وفضلت فاتح خشمه وكل حواسه اتعطلت لثواني قبل ما يدرك أمه قالت إيه. أما غازي فكان مودّي كباية ميه على خشمه ولسه رايح يشرب. إيده هو كمان وقفت وبص لحكيم بذهوله.
جماره سمعت الجملة وتركيز عينيها على حكيم زاد لدرجة إن عينيها اتملوا دموع. لكنهم ما رفوش من خوف إنها تغفل عن رد فعل حكيم. وكت ما سمع الكلمة. أما حكيم فبلع ريقه وكمل اللقمة اللي في إيده، حطها في خشمه ومضغها بهدوء مع إنه حس إنها مرة علقم من بعد كلمة أمه. ولا كأنها من نفس الأكل اللي كان لسه عياكل منه.
رفع عينيه وهو بيمضغ لقمته بهدوء ونقلها مابين أمه اللي رافعة حاجبها كأنها بتقوله ارفض وغضبي يرافق طريقك. وما بين غازي اللي لسه ماسك كباية الميه وعينه على حكيم مستني منه كلمة تأييد أو رفض. وما بين جماره اللي عاملة كيف فرخة مدبوحة واللي دبحها دايس عليها عشان ما تتفرفتش. لكن رعشة شفايفها والدموع المتجمعة في عينيها وحركة عينيها على كل ملامحه بتأكد إنها بتصارع الموت. وما بين غالية اللي عتاكل ولا كأنها سامعة حاجة.
حكيم جلى صوته عشان يرد على أمه الرد اللي يا إما يدبحه هو ويحرر جماره من قبضة غازي. يا إما الرد اللي هيريحها بس هيخلي جماره تعيش في عذاب. اختار سعادة جماره على حساب نفسه. اختار يقفل قدامها وقدامه أي طريق متوهمين إن في آخره أمل. اختار يمسك إيدها ويجري بيها لآخر الطريق اللي خابر زين إنه طريق مسدود. لكنه مكمل فيه بأمل كداب. اختار يوصلوا هما الاتنين بسرعة لآخر الطريق عشان يرجعوا وكل واحد يروح لطريق غير التاني ويتكتب عليهم فراق محتوم.
"احمممم.. اعملي اللي تشوفيه يا أمي، وأنا متأكد من اختيارك وواثق إنه هيعجبني."
رده كان بمثابة ضربة قاضية لغازي وجماره وقلبه قبل منهم. غازي كمل كباية الميه على خشمه يشرب وعينه على حكيم اللي استمر في الأكل وكأن الخبر كان مدروس في عقله من بدري. وعرف دلوقتي إيه سر تغييره من ناحية جماره وزهده فيها. لكن عقله وسوس له إن ده كله ممكن يكون تمثيل ويكون قلبه لسه متعلق بجماره. مهو أصل مش معقول كل الحب اللي كان عيشوفه في عيني حكيم لجماره دي اتبخر مرة واحدة كأنه ما كانش. وعشان يكتشف ده ويعرف الصح، ما فيش قدامه غير حاجة واحدة. وهي اللي هتحدد وتبين.
أما جماره فأخيراً أهدابها رفرفت برفض والدمعة اللي طول الوقت كانت حابساها هربت من بين جفونها ونزلت زي الجمر على خدها. وبسرعة مدت إيدها مسحتها قبل ما حد يشوفها. لكن هيهات! وهي نزلت على قلب حكيم قبل ما تنزل على خدها. غالية أخيراً رفعت عينها من على الأكل وباركت لحكيم: "مبروك يا ولد أبوي. أخيراً ربنا فك عقدتك!
تماضر ردت عليها بارتياح: "كل شيء بأوانه يا بنيتي، ويوم ما يريد يدوب الحديد. عقبال فرحتي بيكي انتي كمان يا غالية قلبي." غالية رفعت عينها على غازي بألم ونزلت وشها في طبقها تاني بعد ما تنهدت بحسرة. غازي اتكلم بعد ما جلى صوته ووجه كلامه لحكيم في الأول: "ألف بركة يا ولد عمي. ألف نهار نادي والله." ومن بعدها اتوجه بالكلام لمرت عمة تماضر: "وعلى كده شفتيها العروسة دي وتعرفيها زين، ولا رايحة تخطبي على السمع يا مرت عمي؟
أصل ما تزعليش مني دي جواز والواحد لو ما أخدش واحدة كيف البدر في سماه يتصبح بحسنها كل طلعة صبح كيف جماره أجدع ما يبقاش اسمه جواز. ولا إيه يا حكيم يا ولد عمي؟ حكيم ما ردش. لكن ردت عليه تماضر: "لا ما تخافش يا غازي، البنت كيف القمر سبحان من صور. زي جماره ويمكن أحلى هبابة كمان. تزعليش مني يا جماره إني ما علقتش منكِ. بس أشهد شهادة حق في واحدة غايبة وملايكتها حاضرة." غازي بصدمة: "وااه، للدرجة دي؟
ردت عليه غالية: "وأكتر من كده كمان. طب ده حورية دي كأنها حورية نازلة من الجنة. من واحنا عيال صغار كانت تيجي لأبوي الكتاب تاخد درس دين. ومن يومها وحسنها غلاب. كان عليها عيون خضر وبياض وشعر أصفر و... " لسه هتكمل لكن صرخة حكيم وقفتها: "غالييييه! اتجننتي يا ك؟ عتوصفي في عرض واحدة غريبة قدامنا كيف وتكشفي سترها وتعريها كيف؟ ترضي حد يتحدث عنك في مجلس رجال كده ويوصف في محاسنك لرجالة غريبة عنيكي؟
والله إني لو سمعت حد جاب سيرتك كده لأكون مخلص عليه في التو واللحظة. اللي ما ترضيهوش على نفسك ما ترضيهوش على غيرك يا غالية، سامعة؟ غازي هز دماغه وابتسامة جانبية مرسومة على خشمه بعكس الصدمة اللي جواه: "ابتدت رحمة الله والغيرة من قبل حتى البنية ما تيجي بيتك يا حكيم. زين.. زين قوي. يبقى لما تيجي على كده هتدسها منينا؟ حكيم ما ردش عليه. وغازي لما حكيم ما عبرهوش بص بجسمه كله على جماره اللي قاعدة متخشبّة كيف جذع شجرة ناشف.
ووجه لها الحديث: "قوليلي يا جماره، عملتي إيه عند الحكيمة النهاردة؟ جماره بفتور: "ما رحتش." غازي: "مايه يختي!!! اسمعيني زين أكده! وما روحتش ليه إن شاء الله؟ جماره: "ما روحتش وخلاص. إيه فيها؟ جماره في اللحظة دي اتلقت من غازي ضربة بقبضة إيده على مؤخرة دماغها بكل قوته خلت وشها لبس في الطبق قدامها. والكل انتفض من شدة الضربة. تماضر زعقت بصوتها كله لما جماره رفعت وشها وشافت الدم
سايل على جبينها بغزارة: "ليه يا مفترى يا ظالم إيدك والضرب ليه؟
غازي رد عليها وهو بيمسك جماره من شعرها عشان يعاود الكرة ويخبط دماغها تاني على الطربيزة فوق الأطباق. ولما حكيم اتأكد إنه مش هيلحق يحوش عنها الخبطة رمى سفطة العيش بسرعة قدامها. ولما غازي خبطها وشها جه على العيش خفف أذى الضربة. أما الخبطة التالتة فغالية كانت أقرب لغازي وقامت تخلص جماره من قبضته. ولما ما قدرتش تعضت كف إيده بعنف خلته فلت جماره وجرت بيها الكرسي وبعدتها عن عينيه.
غازي وهو بيفرك في إيده: "اتقلبتي يا غالية ولا إيه؟ غالية: "إني اللي اتقلبت ولا انت اللي اتهوست؟ فيه حد يعمل في حد كده حتى لو غلط. وإيه يعني ما راحتش مشوار النهاردة؟ تروح بكرة يا أخي. إنت إيه يا شيخ؟ " قالتها وهي عتقوم جماره وتحضنها. لكن غازي قام مرة واحدة هبشها من إيدها وابتدا يضرب فيها تاني وهو بيقول: "مش إني اللي حرمة تعصالي أمر. مش غازي واصل يا بت المحروق."
وغالية تصرخ وتحوش فيه. وتماضر قربت بالكرسي وهي بتصرخ وتشد في غازي من خلجاته. وحالة هرج حصلت. وبرغم كل الضرب إلا إن جماره ما كانتش لا بتصرخ ولا بتدافع. وعينيها على حكيم اللي كان قاعد على السفرة جامد وهادي ولا كأنه فيه حاجة بتجري قدامه.
ده الظاهر. لكن الباطن إن حكيم كل ضربة كانت جماره بتاخدها كانت بتدك قلبه قبل جسمها. بس هو عارف السبب الحقيقي ورا الكتلة اللي بتاخدها جماره. وعارف إنه لو قام وحامى واتحمق. هيأكد شكوك غازي والكل يرجع لنقطة الصفر تاني. لكن نظرات جماره المستنجدة بيه كانت كيف تيارات كهربائية بتحفز قلبه وجسمه في كل ثانية إنه يقوم يحوش عنها. لكن عقله رفض التدخل وبشدة. وكان عزائه إن دي ممكن تكون آخر مرة جماره ترضى بظلم غازي وزله. وإنها بكده تتأكد إن مالهاش حل غير الهروب من غازي والبعد. وتكون آخر نوبة تتعرض فيها للضرب.
قام حكيم من على السفرة بهدوء. من بعد ما مفاصل إيده ابيضت من كتر الضغط عليها تحت الطربيزة. واتوجه على بره سايب وراه ملحمة بين غازي وجماره. وأمه وغالية اللي بيدافعوا عنها. وصل باب السرايا ولسه هيخطى اتفاجأ بحاجة خبطت في ظهره. لف ولقى جماره في وشه. مسكت قب جلابيته وبصت له بعتب ممزوج بألم وخذلان. واتحدثت بصوت مخنوق: "سايبني ليه؟ حوش عني."
قالت جملتها وإيد غازي كانت هتطولها. بس حكيم بسرعة خلاها وراه ووقف قبال غازي وفرد إيديه بحماية وقطع عليه طريق الوصول ليها. ورعد بصوته كله: "حدك هنه يا غازي! غازي: "بعد عن طريقي يا حكيم. سيبني مني لمرتي نتخالصوا ونطلع منها إنت."
حكيم: "إني ما تدخلتش ولا كنت هتدخل غير لما هي احتمت بيا ونخيتني. ومش حكيم اللي حد ينخاه ويرده. ولا حد يحتمي بسده وياخذ له. إيدك ما تتمدش عليها تاني في وجودي. خذ شطانك وخد مراتك وعلى المشتمل بتاعكم واتصافوا بالهدوء وحلوا مشاكلكم بالراحة وافهمها بالعقل." ومد إيده على كتف غازي خبط عليه خبطتين: "وبعدين وفر صحتك محتاج لك في فرحي اليومين الجايين دول تقف معايا وجاري كيف ما وقفت معاك. ولا إيه يا بو عمو!
غازي بص لحكيم بنظرة حيرة وهو شايفه قباله أبرد من شهر واحد. ومش هو حكيم اللي لما كان غازي يمد إيده على جماره بروج نافخة تطير. عرف إن حكيم حكم عقله وموت قلبه. وده خلى غازي خسر نقطة كان اللعب عليها ممتع مع حكيم. ودلوقتي لازم يلحق حاله وينفذ اللي في دماغه قبل ما حكيم يعملها ويتجوز صح ويجيب له عيل يهد كل اللي غازي بناه طول سنين. ابتسم له غازي بود كداب ومد إيده على إيد حكيم
اللي على كتفه وطبطب عليها: "طبعاً هقف معاك وإحنا لينا غير بعض في الأول وفي الآخر. وإن كان على جماره متحطش في بالك خلاص. ما أضربهاش تاني. بزيدها النهاردة." حكيم سحب إيده من تحت إيد غازي وزفر بيمثل الارتياح: "أيوه كده اعقل يا راجل وخلي مخك كبير. وما تعملش عقلك بعقل النسوان دول ناقصات عقل ودين." قال جملته وبص لجماره اللي كانت واقفة وراه ومآمنة بيه كأنها ورا سور عالي واثقة إن عمره ما حد يقدر يخطيه ويوصلها طول ما هي وراه.
واتكلم بنبرة حنية: "يلا روحي على مطرحك يا جماره ومتخافيش غازي ما هيعملكيش حاجة تاني. وإنتي كمان اسمعي كلمة جوزك اللي يقولهالك وطيعيه عشان ما تجيبيش الأذية لروحك. اللي يختار حياة يتأقلم معاها. وإنتي لازم تتأقلمي مع غازي وتتجنبي غضبه."
خلص كلامه وبسرعة هرب من حصار عينيها اللي كان بيقرأ فيهم ألف سؤال واتهام وعتب بالعافية كان متحمل وقوفه قبالهم. حكيم طلع وغازي راح على المشتمل يعيد في حساباته على الوضع الجديد. أما جماره فطلعت للجنينة وراحت على مطرح جمرة وقعدت قبالها تحكي معاها وتشكيلها حالها وجفاء حكيم عليها من بعد ما كان مغرقها بحنيته. سهرت واستنت واستنت عشان يعاود حكيم وفضلت سهرانه الليل كله تتنقل مابين الشجر وقفص العصافير وجمرة. وبرضو حكيم ما عادش لغاية ما رجليها خدرت وراحت قعدت على نص البرميل متخبطة ومش عارفة هتعمل إيه في حياتها بعد ما كل موازينها اتقلبت.
أما غازي فراح على الأوضة اللي فيها الحفرة وشال الغطا وفضل باصصلها وهو بيحسب في عقله يلزمها وقت قد إيه وفلوس قد إيه عشان تخلص. وهو أيوه حداه الفلوس بس الوقت اللي مبقاش يملكه واصل ولازم يتحرك بأقصى سرعة. أما حكيم فاراح المندرة وقعد فيها وفتح سحارة كنبة وطلع منها دفتره وقلمه وقعد يكتب. يمكن لما يطلع اللي في جوفه على الورق يرتاح هبابة. مسك القلم
وكتب بإيد بترجف وخط مهزوز: "اليوم قد خنت ميثاق قلبي الذي تعهد أمام عينيها بألا يخون، وميثاق عيني وعقلي اللذان تعهدا في حضرة أنوثتها بألا يقربا محيط أنثى غيرها. اليوم نقضت عهدي وأصبحت واعدًا أخلف، وانطبقت علي آية المنافق فقد تحقق علي شرطًا من الثلاث. سامحيني واسمحي لي بالموت أمام عينيكِ، واستحلفك برب العباد بأن تقفي وحدكِ على تابوت قلبي، وألا تسمحي لغيرك بالاقتراب منه، وأن تواري بيديكِ عليه الثرى فهذه وصيتي. ووصية
الأموات واجبة التنفيذ. لقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف، وبُعثر ما في الصدور على أوراق خرساء، لو كانت تشعر بما كُتب فيها لتمزقت ألمًا، واعترضت على نزيف الأقلام حبرًا على قلوبها البيضاء نزيفًا محملًا بسكرات عاشق ينازع آلام العشق. فلا تتعجبي يا صغيرتي، فأن للعشق سكرات."
رفع قلمه وانتبه على بشندى اللي جابله كاسة شاي وحط مسند في الأرض وقعد عليه جار حكيم وهمس له بنبرة حنان: "هاه يا حكيم يا ولدي.. رجعنا للتوهة ومسكة القلم من تاني! مش كنا بطلناها وارتحنا وقلنا هنسى خلاص! حكيم: "طب أرضى بذمتك يا بشندى، تقدر إنت تنسى العمر اللي أنا قضيته في عشق جماره؟ تقدر تنسى الليل اللي كنا عنطويه سوا أفضل لك بنار عشقي، وتبرد قلبي بكلام الصبر. تقدر تنسى ده يا بشندى؟
" وبص للحيطة على أربع ألواح متعلقين عليهم خطوط كل ست خطوط بالطول يربطهم خط بالعرض على عدد أيام الأسبوع. وكمل كلامه: "تقدر تنسى السنين اللي صبرتها وكل يوم كنت أستناه يعدي بفارغ الصبر عشان آجي أحط له خط على الورقة وأطرحه من أيام البعاد وأفرح بيه عشان هيقرب اللقاء. تقدر إنت يا بشندى؟
تقدر يا اللي كنت لما تقول لي على حاجة وما أردش بيها تحلفني بغلاوة جماره عشان أوافق وكنت عارف إنك بكده هتمسكني من قلبي اللي بيوجعني وما أقدرش أرفض طلبك. تقدر تنسى ده كله يا بشندى؟ تقدر؟!!! بشندى نكس دماغه للأرض وما ردش. عشان فعلاً بشندى عاش مع حكيم قصة حبه وانتظاره ولوعة قلبه. وكان عيحسب الأيام اللي بتفوت قبله عشان يشوف فرحته كيف أب بيحسب لولده البكر ومستني يوم جوازه بفارغ الصبر.
حكيم بحسرة: "شفت يا بشندى. أديك إنت اللي على البر ما نسيتيش. اللي قلبه في الميه مش كيف اللي قلبه في النار يا بشندى." بشندى: "إني شفقان على حالك يا ولدي. هتقعد كده لمته؟ وإيه آخرتها بس. قلت لك 100 مرة طلع غازي من السرايا وخليه يبعد بجماره من قصاد عينيك حتى لو هتبني له قصر يقعد فيه لحاله عشان ترتاح من عذابك. وإنت ولا عملت لكلامي باع ولا عبرتني."
حكيم: "ما يرضىاااااش يا بشندى. عارفة ما يرضااش. وقولت لك في الأصل إنه متجوز جماره عشان يحطها قبال عيني ويكوي قلبي بيها." بشندى: "قلت لك سيبه لي وأنا أخلصك منه خالص. أو حتى أكسر لك رجليه وأخليه يعيش يزحف. إنت اللي ما رضيتش تخليني أفش غليلي منه! حكيم: "استغفر ربك يا بشندى. مش إني اللي أزهق نفس أو أعتدي وأبغى على بني آدم." بشندى: "حتى لو كان غازي اللي شفت منه أذية بعدد شعر راسي! حكيم: "حتى لو كان غازي."
بشندى: "طب سيبك من غازي دلوقتي. وبإذن الله يا تيجي أجله بعيد عنينا قريب. إنت متكدر ليه قوي كده؟ حكيم: "أمي هتخطب لي يا بشندى." بشندى بفرحة: "أحب أمك." حكيم رفع له حاجبه: "متتلم يبشندى." بشندى: "مش قصدي والله. بس الخبر ده أمك تستاهل عليه حبة." حكيم بنبرة هزار مخلوطة بغلب: "يا بشندى قلت لك 100 مرة ما تهزرش بسيرة أمي. وقلت لك مليون مرة لو عايز تتجوزها أجوزهالك وإنت اللي مش راضي. عتجيب سيرة ليه دلوقتي!
بشندى: "يبوي أمي إيه اللي أتجوزها بالكرسي بتاعها ده. يعني أصبر عمري كله من غير جواز وفالآخر أجيب لي مرة أشيل وأحط فيها ناقصة مرار هي. حل عني الله لا يسيئك وإني ما جبش سيرة أمك نوبة تانية. ناقص إني كر يابشندى، جر يابشندى!!! حكيم ضحك بصوت عالي: "يخرب مطنك ومطن كلامك الدبش يا بشندى. والله عتضحكني في عز وجعي." بشندى: "ربنا يبعد عن قلبك الوجع يا سي حكيم. بس بأمانة كلام أمك عين العقل. ما يعنسش الراجل حب مرة غير مرة زيها."
حكيم: "طب وما اتجوزتش ليه إنت بعد المرحومة واحدة تنسيك حبها! بشندى: "طب وهو إني كنت أحبها من أصلو عشان أنسى حبها!!
إني كنت متجوز تأدية واجب ولما ماتت الله جاب خد. وما طلبتش منه عوض عشان ما عاوزش. أصله ليه إني أجيب واحدة تعد على أنفاسي وكنت وين يا بشندى، اتأخرت ليه يا بشندى، قول لي كلمة زينة يا بشندى. وبشندى سمه وموته نعوصة الحريم. وفوق ده وده يا بشندى. هات وحط في كرشي وكل يا بشندى. اكسيني كل هبابة خلجاتي قدامه يابشندى. أبصر إيه ومدرك إيه يا بشندى. وفالآخر تيجي تزعل وتروح بيت أبوها وتنسى كل حاجة زينة عملها لها بشندى. وما تتفكرش غير الحاجة العفشة اللي يكون عدى عليها دهر بحاله. وليه الغلب قطعت النسوان ورفقاتها. لحالي أحلالي يا بو العم."
حكيم: "الله على كلامك يا بشندى اللي يسد النفس المفتوحة. ما بالك من النفس المقفولة لحالها يعمل إيه فيها. قوم يا بشندى من جاري لأدب القلم ده في عينك وأقول وقع عليه." بشندى: "فداك عنيا الاثنين بس أشوفك مرتاح وفرحان يا سي حكيم. والله لو عارف راحتك في عيوني أقلعهم وأعملهم لك عقد تحطهم في رقبة جماره." حكيم طبطب عليه بحب: "تسلم لي عيونك يا بشندى. عارفك كد القول وهبابة والله."
بشندى: "طب مش هتقول لي مين اللي الحجة نقاها لك وبت مين في البلد؟ حكيم: "والله ما أعرف ولا سألتها حتى." بشندى: "مش مهم الست أم حكيم ما هتختارش حاجة مش زينة. أهي حاجة تصبر وتلاهي القلب وخلاص."
حكيم هز دماغه بقلة حيلة ونام على ضهره بعد ما ساب القلم وقفل الدفتر. وبشندى هو الآخر بعد المسند ونام عليه جار حكيم في الأرض. والاتنين باصين للسقف وساكتين. واحد بيفكر في حاله واللي مستنيه. والتاني برضو بيفكر في نفس اللي بيفكر فيه حبيبه ونفسه يخفف عنه بس ما يعرفش كيف! حكيم دقايق واتعدل وبشندى اتعدل زيه. بشندى: "إيه على وين؟
حكيم: "ما فيش. هروح أتوضى وأصلي صلاة استخارة وأشوف ربنا هيدلني على إيه. عشان إني قلبي وعقلي وروحي عيتخبطوا وما أعرفش حتى أفكر في حاجة." وبالفعل صلى واستخار وفكره ارتاح لما رمى حمول قلبه على الله ونام قرير العين للصبح.
الليل طوى جناحاته وحكيم قام مع قرآن الفجر صدره مشروح وحاسس براحة كأنه كان شايل حمل فوق كتفه واتخلص منه. وابتسم بارتياح بعد ما تيقن إن ربه بيطمنه إن اللي جاي فيه راحة من بعد التعب. قام اتوضى وصلى ودخل السرايا واتوجه على جمرته يطمن عليها. وابتدا يحطلها أكل وجفل مرة واحدة لما سمع صوتها التعبان من وراه: "هتتجوز؟ هتتجوز. رد عليا هتتجوز صح؟
حكيم بقلة حيلة: "أيوه يا جماره هتجوز. عشان الدنيا لازم تمشي. وإنتي أديش شفتي عمايل غازي فيكي واتأكدتي إنه ما هيتغيرش. يبقى تنفدي بجلدك وتهربي عشان دنيتك تمشي إنتي كمان. روحي لحالك سبيلك يا جماره وادعي وإنتي طالعة إن ربنا يؤجرك في مصيبتك ويبدلك خير منها. وصاحب العوض موجود. هيعوضك عن قهرك وكسرة قلبك وعن كل حاجة مريتي بيها وشفتيها مع غازي." جماره بصوت باكي ونبرة رجاء شتتت قلب حكيم: "بس إني ما عاوزاش أمشي وأهملكم. إن....
وقبل ما تكمل
صرخ فيها حكيم بعلو صوته: "لازم تمشي، لازم. لازم تبعدي وتلحقي الباقي من عمرك تعيشيه براحة وهنا مع اللي يصونك ويراعي ربنا فيكي. إنتي تستاهلي تتعززي وتتكرمي مع الكريم ومتفضليش متهانة في عصمة لئيم. افهمي يا جماره كل اللي عيحصل ده عشان سعادتك إنتي في الأول وفي الآخر مش عشان أي حد ولا أي حاجة تانية. ودلوقتي يلا فارقيني وخش جوه. قلت لك قبل كده ما تهوبيش ناحية بوابة السرايا بس إنتي الظاهر مخك تخين وما بتفهميش. قلتها قبل كده وأديني عقولها لك تاني وتالت. إنتي ما بتفهميييييش."
لحظات صمت ما يتسمعش فيها غير صوت أنفاس حكيم العالية. ولو كان صوت كسرة القلوب عيتسمع كان اتسمع صوت كسرة قلب جماره على 100 حتة بعد كلام حكيم ليها. حكيم أخد
نفس قوي واتكلم بنبرة جادة: "إني مسافر بكرة آخر النهار. ارجع ألاقيكي خدتي قرار يا إما تبعدي عن غازي وتطلقي منه وحقك وحمايتك منه ومن غيره اضمنهم لك برقبتي. يا إما تتحملي اللي بيعمله غازي فيكي من غير شكوى ولا اعتراض. عشان محدش وقتها هيوقف لك. لأن لو كان حد وقف لك قصاد غازي قبل كده عشان اللي كان عيجري فيكي غصب عنك. لكن اللي جاي كله هيكون بكيفك وبمزاجك ونتيجة اختيارك."
قالها واستمر سكوت جماره وهي باصة للأرض وعتخطط برجليها دوائر وهي بتسمعه. وبعد لحظات سكوت رفعت عينيها ونطقت اللي حكيم كان خايف منه وخلّاه يغمض عينيه بألم: "
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!