على وجه السرعة رحنا أنا وجاهين السرايا لما أبوه بعتلنا. أول ما دخلنا، بصينا بارتياح وهو نايم، وشاور لحكيم عشان يقرب منه. حكيم اتكسف بس أنا زقيته على جده. حبه، وقعده جاره على السرير، وشاور لغالية راحتله طوالي. حبها هي كمان وقعدها جاره، ومد إيده تحت المخدة وطلع منديل صغير مصرور. فتح الصرة بتاعته وطلع منها ٢ جنيه ورق ملفوفين. ادى لحكيم واحد ولغالية واحد. عبص لجاهين لقيت وشه انطعن بالغضب. حكيم رفض يتلافى من إيد جده، لكن لما جده فضل مادد إيده لحكيم وباصص لجاهين بترجي، أبوه هزله دماغه بالموافقة وحكيم اتلافى الفلوس من إيد جده. أبو حكيم فرحته مساعتهوش لما حكيم وغالية خدوا منه فلوس، وحسيت كانت أمنية جوه نفسه واتحققت.
الجد بصوت ضعيف: اطلعوا اشتروا من الدكان يا عيال والعبوا شوية بره وتعالوا. حكيم مسك إيد غالية وطالعين، لكن جاهين مسك ولده من دراعه وميل عليه وشوشه: جاهين: اياك تصرف شلن واحد أنت ولا اختك من الفلوس دي. دسّوها كيف ما هي، وأنا لما هطلع هديكم فلوس تشتروا. حكيم هز دماغه لأبوه بموافقة، وأخد غالية وطلع. جاهين بص لأبوه لقاه باصصله بعتب وقاله:
متخافش يا ولدي، الفلوس دي حلال مش حرام. إني خابر إنك قلت لهم متصرفوهاش، بس أحلفلك بإيه إنها فلوس حلال. قرب يا ولدي واسمعني زين. وسكت ياخد نفس، وبعدها كمل: وأنت يا تماضر، هاتي كتاب الله اللي جارك ده. حكيم راح قعد جاره، وأنا اتلافيت المصحف، حبيته ورحت وقفت بيه جارهم. أبو جاهين مدلي إيده، خد المصحف مني، باسّه وشمه، وغمض عينيه وهمس بحسرة: آه يا جنتي اللي ضيعتك من إيدي بالسعي ورا المال واللهو. بعدها فتح
عينيه واتحدث بنبرة جدية: اسمعني زين يا جاهين يا ولدي. قدام مراتك وربنا شاهد على كلامي ده، وإني على فراش موت والروح متعلقة في الجسد بفتلة دايبة. ممكن تتقطع في أي لحظة والروح تفارق. وسكت ياخد نفس وكمل: إني خابر إنك معتمدش إيدك على قرش من فلوسي ولا شبر أرض. وعارف إنك لو هتموت من الجوع أنت وعيالك مهتاخدش قرش من أملاكي، ولا شاهين هيخليك تعمل كده أصلاً حتى لو مكنتش زاهد فيها. وسكت ياخد نفس.
إني فاهم شاهين زين، كل همه إنك تحط في بطنك وبطن عيالك من فلوسنا وفلوس الأرض، وتتساوى معاه في الذنوب ومتكونش أحسن ولا أنضف منه، وبعدها ولا يعبرك بقرش أحمر. واخد نفس.
القصد: أنت خابر زين إني ورثت فدانين من جدك الله يرحمه، ودول كانوا حلال محلل من عرق جبينه. غير ورث ستك الله يرحمها، ودول برضك حلال صافي. غير دهب ستك اللي مرضيتش أفرط فيه أصلاً ولا أوريه حتى لمرتي. غير دهب أمك الله يرحمها اللي جبتهولها من شقاي وعرقي وشغلي في أرض أبوي وأنا في عمر الشباب. الحاجات دي كلها فلوسها حلال وعمرها ما اتخلطت ولا صرفت منها ولا عليها قرش حرام. وعليم الله كل قرش كان بيتصرف على الأرض دي كان من ريعها. وكل قرش كانت بتجيبه طول سنين كنت بعكنه على جنب لحاله مع الدهبات.
وسكت ياخد نفس وكمل: كنت خابر زين إن لازم كل الفلوس اللي عملتها من حرام هييجي يوم وتغور مرة واحدة، ومهيقعدليش غير الفلوس دي. قلت لما أكبر أتوب توبة نصوحة وأروح أحج منهم وأكمل باقي حياتي أصرف منهم وأطهر بدني من الحرام بالحلال. بس الشيطان غوّاني، واللي تزغلل قلبه الفلوس عيفضل عبد ليها طول عمره. سكت ياخد نفس، وجاهين هز دماغه بأسى وهو موطي، كأنه خجلان من الحديث، وأبوه كمل.
الغرض: إني لما عرفت إن يومي قرب، بعت الأرض دي من ورا شاهين وطلبت من الشاري ميجبش سيرة لشاهين إنه اشترى الأرض دلوقتي أصلاً، عشان أنت مكنتش هتقدر عليه ولا تقدر تاخدها من يده بعد موتي لو حصل إيه. وعشان أضمن لك حقك وإن الفلوس تزيد متخسش وتعرف تتصرف فيها في أي وقت وفي أي زمان، حولتهالك سبايك دهب. اشتريتهم بكل الفلوس، ومفضلش منهم غير الاتنين جنيه اللي اديتهم لعيالك. مرضيتش أقرب عليهم أصلاً. وسكت ياخد نفس وكمل:
السبايك دي إني حطيتها في جرة، والجرة دي دفنتها في البيت اللي أنتوا قاعدين فيه دلوقتي. بيت أبوي الله يرحمه. مطرح حوض الطلمبة القديم. وإني اللي صممت على شاهين يديك البيت ويخليك تتنقل فيه، وقنعته بحجة إن ده هيأثر على هيبته وسط الناس ومشيخته. فضل سنين معارفش، لكن هنا صاحب الأرض اتزنق وحب يبيعها، ومن هنا شاهين عرف إني بعتها من وراه وقبضت حقها، اتهوس وبقى كيف الغول يحوم فوق راسي عاوز يعرف وديت حقها فين. ولما ملقاش فايدة جاب عقود وشهود وخلاني ختمت له وبصمت على باقي الأرض كلها وحولها باسمه، خاف أحسن أبيعها من وراه هي كمان.
وسكت ياخد نفس وكمل: إني قولت: زي بعضه، هي كده كده الأرض جاهين مهيقربهاش ولا عايز منها. ودلوقتي يا ولدي الدهب ده حلال محلل، وأحلفلك على كتاب الله مادخل قرش حرام. ولو فيه قرش حرام، إني اللي هتحمل ذنبه قدام ربنا مش أنت.
ومد إيده على المصحف وحلف يمين الله، وحلف بقرآنه بأنه مكدبش في حرف واحد من كلامه. بعد كتاب الله عنه وحطه على حاشية السرير، واتنهد بارتياح كأنه جبل وانزاح من فوق كتفه، وبص لجاهين اللي كان مدنقر في الأرض وساكت وبيعلق في شعر دقنه. هاه يا جاهين يا ولدي، إيه قولك في حديثي؟ جاهين: زين يا بوي. حديث زين. الأب بفرحة: يعني مصدقني يا ولدي؟ جاهين هز دماغه وبص لأبوه وابتسم بحنية: مصدقك يا بوي. مصدقك. -وهتاخد الدهبات يا ولدي؟
جاهين: هاخدهم يا بوي. ربنا يحفظك ويديك الصحة. وقتها شفت أبو جاهين ملامحه كلها راحة وفرحة، والضحكة شقت حلقه، وفرد دراعاته لجاهين اللي راح له واترمى في حضنه. الأب: روح يا جاهين يا ولدي، قلبي وربي راضيين عليك. وبعده عنه وبصله بترجي: أوعك يا ولدي تقطع دعاك ليا بعد ما أموت. أنت الولد الصالح اللي مش هيقطع عملي من الدنيا بعد موتي. جاهين: بعد الشر عنيك يا بوي، ربنا يديك طول العمر.
الأب: خلاص عاد يا ولدي. طول العمر والصحة ليك أنت يا حبيبي. كل ده وأنا واقفة مش مصدقة اللي سمعته ده كله. وافتكرت وقتها الحديث اللي بيقول (من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه) . وجاهين فات المال والأرض مخافة الله وفي سبيل رضاه، وأهو عوض ربنا جاله وجالنا لحد عندنا.
يومها روحنا أنا وجاهين وأنا الفرحة مش سايعاني، بس جاهين كان ساكت وجامد. واتأكدت إنه مهيخليناش نتهنى بالدهب ولا الفلوس، لما خد الاتنين جنيه من العيال واحنا ماشيين، وخبط على بيت واحد غلبان ولافهولهم. وقتها سألته: ليه؟ مش أبوك حلف واتأكدت يا جاهين؟ رد عليا: أبوي حلف، لكن إني متأكدتش. وهتفضل الفلوس بتاعته فيها شبهة، وإني هبعد عن مواطن الشبهات بُعد السما عن الأرض يا تماضر.
وقتها سكت، بس كلامه معجبنيش. أصل الراجل حلف بكتاب الله وهو على فراش الموت، واللي على فراش الموت ميكذبش. إني متأكدة. وحتى صدقه كان باين في عينيه. المهم روحنا وقفلنا السيرة. وبعدها بكام يوم، جاه لحد جاهين خبر إن أبوه مات. جاهين خد عزى أبوه، وبعد التالت ما خلص، في آخر اليوم شاهين ميل عليه وقله: اللي كنت بتيجي ليه السرايا كل يوم والتاني مات خلاص يا جاهين، ومليكش حاجة هنا تاني.
جاهين قالي يومها: اتبسمت في وشه وسبته من غير ما أرد عليه حتى. ومن يومها جاهين طلع معادش السرايا تاني أصلاً. ولا أنا كنت أروحها ولا عيالي. مفيش غير غازي بس كان متعلق بحكيم، وطول اليوم ييجي بيتنا يلعب معاه.
جاهين لما ضاقت بيه الحال وشغل التحفيظ مبقاش جايب همه، طلع يشتغل أجير حدا الناس في أرضهم باليومية. شاهين سمع كده واتجن. الظاهر خاف الناس تاكل وشه ويقولوا أخو الشيخ شغال أجير حدا الغرباء. جاله وعرض عليه يبطل شغل في أرض الناس وهو يعطيه كل شهر اللي يكفيه. لكن جاهين رفض زي عادته. وشاهين لما ملقاش منه فايدة قله: خلاص.
تاجي تشتغل في أرضي وتاخد أجرتك مني، واعتبرني غريب، وعلى الأقل اللي هييجي يتكلم يقول شغال في أرض أخوه. يا كده يا إما أنت غاوي مشاكل وعداوة مع أخوك عاد!
جاهين لما قلبها في دماغه شاف إنه مهياخدش غير أجرة تعبه، ودي حلال. وافق يشتغل في أرض شاهين بس عشان يخلص من نقته ونقمرته فوق راسه كل هبابة. ومع عقل جاهين اللي دايماً يوسوس له بالشك في كل حاجة، كان عشان يحلل فلوس أجرته، كان يشتغل أكتر واحد ويمشي من الأرض بعد الكل، ويدي الشغل حقه وزيادة، لغاية ما إيديه فرقعت من كتر مسكة الفاس والعزيق.
حكيم كان كل عشية يشوف إيدين أبوه المفرقعة من الشغل، ويفضل يدهن له فيهم مرهم، وكل شوية يحب على إيده مفكراً إنه بكده هيخفف عنه الوجع. ويوم بعد يوم حكيم متحملش وقله: إني هنزل معاك الشغل من بكرة يا بوي. جاهين مارضيش وقله: لسه صغار يا ولدي، والشغل واعر عليك وكسرة ضهر. بس حكيم قاله: إني هساعدك مساعدة، أواك شوية وأنت هوّيني شوية.
وفعلاً نزل حكيم مع أبوه الشغل، شايل الفاس على كتفه، وفارد صدره وماشي قدام أبوه كيف السبع. وأنا أبص عليه وهو ماشي من ورا الباب، أضحك وأسمي وأكبر عليه في قلبي. ورقيته في قلبي كيف ما بعمل كل ما رجله تخطي من باب البيت، رقوة سيدنا محمد اللي كان يرقي بها للحسن والحسين (أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)
. وكنت أودعه عند اللي مش بتضيع عنده الودائع، وكل نوبة كان يرد لي وديعتي سالمة، وأنا أحمده وأشكره.
فضلنا على الحال ده والأمور ارتاحت هبابة، لغاية ما أم غازي جالها مرض عفش، يكفينا الشر. خلاها وقعت في الفراش مرة واحدة من بعد ما كانت كيف القاعود. ناس قالوا عندها سُل، وناس قالوا حاجة عفشة بتعدي، ومحدش كان راضي يقرب لها من الخوف ولا يراعيها أصلاً. حتى جوزها شاهين رماها، ومبقاش يدخل عليها غرفتها. الحديث ده عرفته من غازي اللي كان بيتقطع على أمه وهو بيحكي عن حالها قبالي يا ولداه.
جاهين لما عرف طلب مني أروحلها أراعيها، حتى لو شقيت عليها كل يوم ساعتين، وقالي إن دي لها أجر وثواب كبير قوي عند ربنا. وقالي متخافش، وإن العيا ده نصيب، واللي ما كتب له حاجة هيشوفها ولو كان في بروج مشيدة. ورجعت نقضت عهد خدته على نفسي إن ما أخطي السرايا نوبة تانية، بس اللي هون عليا إني داخلة أعمل خير، حتى لو كان مش في أهله.
وسمعت حديثه، وبقيت أروحلها، برغم إني مجمعتنيش يوم قعدة معاها ولا كلام، بس كنت أسمع إنها وعرة ولسانها طويل، وكنت أخاف منها على السمع. وكانت كل ما تشوفني أشوف في عينيها كره وحقد يوعى أي حد يتطلع في وشها وهي بصاله. يمكن عشان فاكرة ولد عمها رفضها وفضلني عليها، لعيب فيها ولا قصور. الله أعلم، وسهولة مهظنش في واحدة ميتة. بس لما رحت لها ودخلت عليها، شفت ضعفها من بعد قوتها. شفت جسمها اللي بقى جلد على عضم وقلة حيلتها. صعبت عليا قوي، وعاهدت ربنا إني هراعيها لوجهه لحد آخر يوم في عمرها، أو عمري ماهو أجل، ومحدش خابر مين يومه قبل مين.
وهي لما لقتني قربتلها من غير خوف ولا نفور، وخدتها في حضني، قعدت تبكي في باطي كيف عيلة صغيرة كانت تايهة ولقت أمها. من يومها وبقيت مسؤولة عنها. أروحلها صبح وعشية أشوف طلباتها، وأسبحها وأسرحلها، وأدخلها بيت الراحة. بس رغم الاهتمام، صوتها كل يوم كان في النازل، لدرجة إنها مبقتش تقدر تتكلم أصلاً، وكانت تشاور مشاوير على اللي عايزاه. اتعلقت بيها وهي اتعلقت بيا، وكمان غازي اتعلق بيا كيف ما أكون أمه وأكتر. وأنا مقصرتش معاه في
أي حاجة. وبرغم خير أبوه، كنت لما أجيب حاجة لحكيم ولا أعمل له حاجة، أعمل زيها لغازي بالتمام، عشان مشوفش في عينيه حرمان من حنية الأم واهتمامها. وبرغم كده، من مصغره كنت أحس إنه فيه جواه غيرة هبابة من ولدي حكيم. حتى لما يكونوا جايين من بره وأفرد دراعاتي، وييجي حكيم يجري، كان هو يسبقه لحضني وياخد حضني قبل منه.
عدت الأيام وأم غازي علامات الموت بانت عليها، ماهي للموت علامات الواحد بيحسها. كانت كل يوم تتطلع لي وتتبسم كأنها بتقول لي: عارفة تعبتي معايا، بس هانت، مفاضلش كتير وترتاحي مني، وأنا كمان أرتاح من عذابي. كانت تشكرني بعنيها في اليوم ١٠٠ مرة من غير كلام ولا حديث.
أما شاهين، فما كانش يلف السرايا أصلاً. طول النهار في المندرة مع الرجالة أو في الأرض. وبالليل يندل البندر. كانوا يقولوا إنه بيروح للغوازية، استغفر الله العظيم. مكانش يعود غير وش الصبح. مع إنه شيخ بلد والمفروض يكون قدوة ومثل، لكنه كان مثل في الفجور والفسوق. لما كانت تيجي سيرة شاهين وعمايله، قدام جاهين كان يقول: شاهين بيعمل كيف ما طلع لقى أبوه بيعمل.
وكان كيف اللي قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا. يعني عمايله دي أبوه هيتحاسب عليها قبله، وهيشيل ذنبه يوم الحساب. عشان الأب والأم بيتحاسبوا على تربية عيالهم والتفريط في دينهم وتدينهم. وفي نفس الوقت بيتمنى إن تربيته هو تكون شفيعة لأبوه يوم القيامة، حتى لو هو اللي ربى نفسه بنفسه.
معداش كتير ورحت لأم غازي كيف عادتي عالصبح، أصحى فيها مصحتش. مدّيت إيدي عليها لقيت جسمها متلج ومتخشب. عرفت إنها قابلت وجه كريم. والله يومها زعلت عليها وبكيت، كيف ما تكون أختي اللي ماتت. أومال يا بنتي، ماهي العشرة مبتتهونش غير على ولاد الحرام. قعدت في السرايا للتالت، لغاية القطعانية. وبعد ما قطعوا لها، كنت أستعد عشان أمشي. بس وقفني شاهين في حوش البيت بصوته وهو بينادي عليا. ولما رحت قباله قله:
ابقى تعالي كيف كل يوم، زي ما أنت، متقطعيش. شوفي أحوال السرايا بدل ما أجيب خدامة غريبة. وأهو أنتِ وجوزك أحق بالفلوس اللي هياخدها غيركم. إني سمعت حديثه وحسيت حد خبطني على نافوخي بحديدة، معرفتش بعدها أنطق من كتر الدموع اللي نزلت من عيوني، واللي هو ضحك أول ما شافها وسابني ومشي. أنشف دموعي بطرف شالي وأقول: بقا هي دي آخرتها.
صح صدقوا ما قالوا: آخر خدمة الغُز علقة. قعدت على جنب بعد ما مشي، بكيت لما هون ربنا. ومرضيتش أطلع غير بعد ما عينيا تنجلي من الحمار هبابة، عشان منكدش على جاهين، تعبان ومش حمل زعل ولا نكد. شكيت شاهين لربنا، وخدت بعضي وروحت بيتي اللي ليا ٣ أيام بعيد عنه وعن جوزي وعيالي. وإني ماشية غازي شبط فيا، خدته معايا.
يومها نومت العيال وقعدت في حوش الدار أنا وجاهين نتسامر، عشان كنت متوحشاه قوي بقالي ٣ أيام مطليتش في وشه. قعدنا نتحدث في كل حاجة. وفي وسط الكلام، جات سيرة الدهب. تماضر: مقلتليش يا جاهين، هتعمل إيه في الدهبات؟ جاهين: مهعملش حاجة، ولا إيدي هتتمد عليهم. دي دهب حرام يا تماضر. فيه شبهة، وإني مهقربش على حاجة فيها شبهة. وقف لي على الموضوع ده وسديه متفتحيهوش تاني أصلاً.
تماضر: طيب نحفر ونطلع الجرة، ونتطلع للدهب مرة واحدة بس، ومناخدوشي حاجة منه. فضل هو يرفض، وأنا أحايل. هو يرفض، وأنا أتدلع عليه، لحد ما قام معايا ورحنا على الموطرح اللي دلنا عليه أبو حكيم، وحفرنا. وبعد شوية الفاس خبطت في حاجة. إني نزلت على ركبي وفضلت أبعد التراب بإيدي من حواليها، وبانت الجرة. علاوة صغيرة كده (بلاص)
بوزها مسدود ومتليس بأسمنت. طلعناها، وخدها جاهين، حطها على المصطبة بيناتنا. وبالفاس الصغيرة، فضل يضرب فيها ضربات خفيفة في موطرح واحد، لغاية ما اتكسرت منها حتة وبان اللون الأصفر يلالي ويزغلل العين. إني مسكت الفاس بسرعة من جاهين وضربت الجرة ضربة واحدة قسمتها نصين، والدهب كله ظهر وبان قبال عينينا. إني عيوني حسيتها لمعت كيف ما تكون خدت من بريق الدهب اللي قبالها. لكن بصيت لجاهين، لقيت عينيه مطفية كيف ما هما، ولا كأنه شايف قباله زينة الحياة الدنيا.
مديت إيدي أتلمس السبايك، ومسكت واحدة ورفعتها قبال عيني، وعتطلع لها بفرحة. قطعها عليا جاهين بصوته: كل سبيكة من دول تذكرة تدخلك جهنم وتقعدك في وسط نارها مسافة محترمة. وكل ما تخلص إقامة سبيكة وعذابها، تدخلي على اللي بعدها. إني رديت عليه وعيني بتتنقل من السبيكة لباقي الدهب: بس هو حلف على كتاب الله! ومنه لحلفانه، إحنا مهنتحاسبوش! جاهين: بالظبط كيف اللي واعي واحد سرق حاجة
وهو راح اشتراها منه وقال: هو اللي سرق وهو اللي يتحاسب. إني مشتريها بفلوسي. ميعرفش إن ليه نص الذنب ونص الجرم. وأديكي أنتِ بتعملي كيف اللي اشترى السريقة! تماضر: بس إني مشفتهوش سرقها، ولا متأكدة من كده. جاهين: طول ما في القلب شك من حاجة، تبقى مش زينة وفيها أذى لصاحبها. القلب علام يا تماضر.
يومها سبت السبيكة من إيدي، وعرفت إن الدهب برغم إنه بين إيدي، لكن بعيد عني بُعد السما عن الأرض. شلت الدهب في صرة ورحت حطيته في دولابي تحت خلجاتي ودفنته زين.
معداش يومين، لقيت مرسال ليا ولجاهين إننا نروح السرايا لشاهين على وجه السرعة. خدنا بعضنا ورحنا مستغربين، بس لبينا عشان شاهين ممتعودش يطلبنا. وصلنا، وغازي كان هناك قاعد جار أبوه. دخلنا، وأول ما دخلنا شاهين قام وجه علينا زي الغول، وطلع لي بتهمة باطلة إن إني سرقت دهب مرته وفلوس كانت في السرايا، وعشان كده كنت بعراعي مرته في عياها عشان أغفلهم وأسرقهم. إني وجاهين بصينا لبعض، واحنا متأخذين من الكلام. والأكيدة إن شاهين كان
جايب ناس مقعدهم، وبيقول قدامهم الكلام ده. ساعتها إني رحت على الطاقة اللي في المندرة، واتلافيت مصحف، وحلفت عليه إن إني لا شفت دهب ولا فلوس. وجوزي كمان حلف إنه لا شاف دهب ولا فلوس، ولا إني خدتهم. وحلف يمين تاني عمرى مانساهوله. حلف على كتاب الله إن إني عمري ما عملت كده، لو كان قدامي مال قارون، مهامدش إيدي على قرش منه. وده كانت شهادة مني بعفتي، اتحفرت في قلبي.
فضل شاهين يزعق ويقول: الفلوس والدهب متطلعش منيكم، ولو حلفتوا عالمية تجمد، انتوا الاتنين كدابين. وإنه هيطلع الفلوس والدهب من حباب عنينا، طالت المدة ولا قصرت. وطردنا من السرايا، وحلف علينا رجلنا مانخطيها تاني، ولا جاهين وحكيم رجلهم تخطي أرضه مرة تانية. واللي هيسأله دلوقتي يقول له: أمنتهم وطلعوا حرامية، مرميتهمش واتخليت عنهم غير بعد خيانتهم.
يومها إني وجاهين روحنا بروح مكسورة وقلب بينزف. لا بينا الصدمة ولا التهمة اللي رمانا بيها شاهين بالباطل. مفهمناش وقتها هو ليه بيعمل كده. وكل اللي كان في بالنا وقتها إن الدهب والفلوس اتسرقوا منه صح، وإنه معرفش مين عملها، قام تهمها فيا أنا وجوزي. ومن وقتها بقيت كل ما أصلي أرفع إيديا للسما وأقول: يا رب أظهر الحق وبيّنه. يا رب برئني واكشف ضوء دهب أم غازي والفلوس.
ومن يومها وغازي نظرته ليا اتغيرت، وكنت كل ما أبص له ألاقيه باصص لي ومسهّم، كأنه بيدور حاجة في مخه ويقلبها محتار، يصدقها ولا يكذبها. واكتشفت بعدين إن أبوه حشى راسه بكلام زور، وفهمه إن إني موتت أمه عشان أسرق دهباتها وفلوسه. كان ييجي صح، بس مش كيف الأول. لا كلامه ولا لعبه ولا حتى ضحكته كانت كيف الأول. وبرغم كده، إني متغيرتش عليه ولا غيرت معاملتي ليه هبابة. فضلت رعايتي ليه هي هي، وعدلي بينه وبين حكيم قايم.
جاهين بقى كل وقته ما بين الشغل في الأرض فلاح أجير حدا الناس الصبح، ومن بعد الظهر لليل يحفظ في الكام عيل اللي بقوا يجولوا قرآن، بعد ما أغلبية العيال حفظت القرآن كله على يده، وفيه اللي حفظ على قد عقله ما شال وبطل. أما حكيم، فكان أبوه مديله فلوس حق تعبه معاه في الأرض. ولما أبوه رفض يخليه ينزل شغل الفلاحة معاه مرة تانية عشان شافه بيتعب كد إيه وهو لسه مش حمل كسرة ضهر، قام حكيم خد الفلوس اللي معاه ونزل السوق اشترى بيهم
حمار، واتأجر قسطين لبن من واحد بيأجرهم، وبقى يلف يلم لبن ويروح بيه للبندر يبيعه. بس والله شغلانة اللبن دي كان قرشها حلو، وجاهين كان مرتاح إنها مفهاش تعب على حكيم، وفرح بيه وبعقله اللي من صغره بيعرف يفكر ويعرف كيف يجيب القرش الحلال. وكيف كل مرة شاهين هبت زعابيبه بحجة إنه كيف ولد أخو الشيخ يشتغل لبان. هو مش طار ورانا من أرضه وبيته وسرقنا، عايز مننا إيه تاني؟
متعرفيش. كلم جاهين مرة في الموضوع. ولما جاهين معملش لكلامه، بعت وقله: مليكش صالح بيا ولا بولدي بعد النهارده. شاهين اتجن. وكيف وكيف جاهين يقول له: مليكش صالح بيا وبولدي.
فيوم قاعدة في الدار لحالي، وغالية نايمة، وجاهين راح على الكتاب يدي درس وقرب يعود، وحكيم وغازي طلعوا بعد ما حكيم خلص بيع لبن ورجع. وإني قاعدة أغسل في الأقساط، وفجأة الباب خبط خبطتين شداد. نشفت إيدي في خلجاتي، وعدلت الطرحة على راسي، وقمت فتحت. وفوجئت بشاهين واقف على الباب. إني قلت له: جاهين مش هنا، وهقفل الباب تاني. بس إيده وقفت الباب، ودفعه ودخل بكل بجاحة. وقف في صحن الدار وفضل يتلفت يمين وشمال.
وإني أقول له: اطلع من البيت، ميصحش صاحبه مقاعدش. وهو مرة واحدة وقف دماغه من اللف في زناقير البيت، وبص لي بعيون كيف عيون الغول، وهمس من بين سنانه: فين الفلوس يا تماضر؟ -فلوس إيه دي! شاهين: الفلوس اللي عطاها لكم أبوي، ودهب أمي الله يرحمها. إني عرفت كل حاجة، وغازي سمعكم انتي وجاهين بتتحدثوا على دهب. وين الدهب؟ انطقي. -دهب إيه ده اللي بتتحدث عنه؟
حدناش دهب ولا خدنا حاجة. وهِم اطلع من هنا، صاحب الدار مش قاعد. واقف في نص بيتنا بأي عين، وانت طاردنا من سرايتك وأرضك! شاهين قرب مني ومسكني من خلجاتي وهزني بكل قوته: هتنطقي بالذوق، فين الدهب وفلوس الأرض اللي باعها أبوي، وإني خابر ومتأكد زين إنه عطاها لجاهين. ولا أخليكي تتكلمي بالعافية. نفضت إيديه منى، وبعدت عنه، ووقفت قباله بتحدي، وقولت له بقهر:
طب أيوه، الفلوس والدهب معانا، ومش هتشوف زوالهم. ولو طولت نجوم السما، هتكون أقرب لك منهم. هو سمع كلامي ده، وفضل يلف في البيت كيف التور الهايج، يقلب في كل حاجة ويدور كيف المجنون في كل مكان: إني هعرف ما أطلع فلوسي من حباب عنيكم يا حرامية انتي وجوزك. لابسين توب الصلاح والفلاح. عاملين نفسكم قاريين كتاب الله وتاخدوا شقى غيركم بالباطل. تعبتوا فيها الفلوس دي؟ ولا كديتوا على الأرض لما ضهركم اتقسم!
خلص لف في البيت، وبص على الأوضة اللي فيها الدهب. وإني قلبي غاص في رجليا. بص لي لقاني برتجف وعيوني برقت بخوف. ابتسم ورجع بص للأوضة ودخلها كيف الأعصار. نبشها نبش حتة حتة، وإني واقفة قبال الدولاب وساندة عليه بضهرى. ولما لف لي عرف إن الدهب في الدولاب. قرب مني وهو بيضحك بانتصار، كأنه اتأكد إنه لقاهم خلاص. هو يقرب، وأنا ألزق في الدولاب أكتر، لغاية ما بقى وشه في وشي، وضحك. قولتل له بموت: يا شاهين، ده فلوس عيالي.
هو دفعني بكل حيلة من قدام الدولاب، وفتحه، ورمى كل اللي فيه على الأرض، لغاية ما وصل لصرة الدهب. مسكها، وإني بقيت أتتلح في يده عشان آخدها منه، وهو كل ما أقرب من الدهب، يلزمّني بعيد عنه بضربه أوعر من اللي قبلها. كشف حتة من الصرة وشاف اللي فيها، وعينيه لمعت بطمع وفرحة، وابتسم وهو باصص للدهب.
لحظات ذهول مني، كانت كافية إني أفيق على الصرة وأخطفها من يده كيف الحداية، وأجري بيها من قدامه. وملقيتش مهرب منه غير للسطح. وصلت نص السلم، وهو طلع يجري ورايا، وجاهين دخل من الباب ووقف مستغرب، عايز يستوعب إيه اللي بيحصل. شاهين كمل جري ورايا كيف ديب جعان ولقى وكلته، وإني كملت جري على فوق، وجاهين ورانا. إني وصلت فوق السطح ووقفت ضهري للعشة، ووشي لشاهين، وحاضنة الصرة. واتكلمت من بين سناني:
بعد عني، لا أصرخ وألم عليك الناس يا شاهين. شاهين: صرخي واعملي ما بدالك. إني مش هتزحزح من هنا غير والدهب معايا. جاهين: اديها له يا تماضر. اديها له، ماعوزينهوش. اديها له وريحينا وريّحيه. -بصيت له بغضب، ورجعت بصيت لشاهين، وقلت له بتحدي: والله ما ياخد الدهب غير لما يعدي على جثتي في الأول.
شاهين سمع كلمتي وهجم عليا، مسكني من طرحتي وجرني بكل قوته. لا أنا ولا جاهين عرفنا نخلي يده تسيب طرحتي، وهو جاررني كيف واحد ممسوس، وإني كيف شريط في يده، وحاضنة الدهبات في باطي، ممفرطاش فيهم للنهاية. وآخر كلمة سمعتها وقتها كانت من شاهين: قولتيها وهتطوليها يا تماضر.
ووصلني جر لغاية السلم، وجاهين بيشد فيه بس ما قدرش يوقفه. سابه جاهين ولف جه عليا، لما شافني على حاشة السلم. بس قبل ما يوصلني، شاهين حدفني منه بكل حيلة. أخدت السلم دحرجت، وبعدها الدنيا ضلمت قدام عيني. مدريتش بحاجة، بس الباقي حكاه لي جاهين بعدين.
جاهين شافني بتتكعبر من على السلم، ولما وصلت لآخره اتفرطت، محطتش منطق. وأخوه شاهين كل همه الدهب وعايز ينزل ورايا ياخده. مسكه جاهين، وابتدا فيه ضرب بحيله كله. شاهين كان كل همه يفلت من يد جاهين وياخد الدهب ويجري. لكن لما شاف جاهين داقق فيه دقة العميان، مسايبهوش. ابتدا يدافع عن نفسه ويضرب جاهين ضرب دفاع في الأول عشان يفلت، بعدها الضرب اتحول لضرب غِل. غِل من جاهين المتعلم، اللي عمره ما وقف جار أبوه ولا كان تحت رجليه ليل
نهار مرمطون، لغاية ما خلى التعب خد من جسمه راحة. غِل من فلوس ودهب جاله ع الساهل من غير ما يجور على حد ولا ياخد ذنب ولا يجني سيئة. غِل من نظافة شاهين اتحرم منها. هو بيضرب بغل سنين، وجاهين بيضرب بحرقة قلب على مراته اللي مبيتحملش فيها الهوا. وفي الآخر شاهين قدر يغلب جاهين ويوصل لرقبته، وخنقه بإيديه الاتنين، وميله على سور السطح، وداس عليه بكل عزمه. ومن حلاوة روح جاهين، مد إيديه مسك شاهين من تحت باطه، وبعزم ما فيه، لفه
ورزعه على سور السطح اللي كان معمول بجالوس طين. والسور متحملش وخد شاهين ونزل بيه لتحت. جاهين بص لتحت بخوف ورجفة، وكتم صرخته وهو شايف شاهين غرقان في دمه، بعد ما دماغه جات على حجر رحاية كنت حطاها جار البيت لله، كل اللي حداها شوية غلة عايزة تدشهم تيجي تدشهم عليها وتمشي.
نزل وراح له، وحتى قالي إنه خطى عليا مبصليش. وحتى غالية كانت قاعدة جارى تبكي، لما صحيت وشافتني واقعة، خدها في رجليه وهو رامح. وأول ما راح لأخوه، لقاه لفظ أنفاسه الأخيرة. فضل قاعد جاره ويصرخ ويضرب على دماغه ورجليه بعدم تصديق، ويقول: أخوي مات، أخوي مات. ابتدت الأهالي تتجمع وتسأل حصل إيه، وكان فيه واحد فيهم متطوع
عمال يرد على الناس ويقول: الشيخ جاهين جه من بره، لقى أخوه واقع من فوق وميت. وعلى كلامه، كل أهل البلد اجتمعت إنه هو ده اللي حصل. وحتى فيه ناس شهدت إنهم شافوا بعنيه بيقع من فوق البيت، وشافوا جاهين بعنيه وهو جاي، وشاف أخوه واقع وجرى عليه وهو بيصرخ. طبعاً التجاويد كتر، وكل واحد بقى يجود على كيفه، بس ولا واحد شك إن ممكن جاهين يكون هو اللي وقع شاهين. عشان هما عارفين جاهين زين.
إني أول ما فقت وفتحت عينى، اتلفت حواليا. شفت حكيم واقف ورا باب إزاز، وبيتطلع لي وهو بيرتجف كيف سعف النخيل من الخوف، وعينيه مبطلتش سح دموع. وحتى غالية واقفة جاره منه. حاولت أتحرك، بس مكنتش حاسة بجسمي أصلاً. وبالذات رجليا كان مستهيقلي إنهم اتقطعوا. وبعد معافرة، قدرت أحرك إيدي وأوصل لرجلي أحسس عليهم، وفرحت لما لقيتهم قاعدين، وقولت يمكن من البنج، ودلوقتي يفكوا وأحس بيهم. بس بعد كده عرفت إن عمرهم ما هيفكوا، ولا عمري هقدر أحس بيهم.
ومن يومها وشاهين اتدفن في شره، والناس اتحدثت هبابة عن الحادثة، وبعد شوية سكتت. مكدبش عليكي يا بنتي، قالوا كلام كتير، منها إنه كان جاي يتهجم علي، ولما مرضيتلوش، رماني من السلم. ولما شاف جاهين أخوه جاي، فط من فوق من الخوف. ومنها إنه اتهجم علي، وإني لزيته من فوق، وإني وأنا نازلة السلم من الخوف، وقعت وجرالي اللي جرالي، وغيره وغيره. بس قصاد كل كدبة كانت تطلع واشاعة تنتشر، أخلاقي وسمعتي وتربية الشيخ عبد الله وسيرته وسط الناس، وعشرتي الطيبة مع الكل، ومعرفة الناس ليا، كانت تتلفها وتمحيها طوالي.
ومن ساعتها وجاهين فضل محمل نفسه موت أخوه، حتى لو مش بقصده. واتعهد إنه هيرعى ولده وعمره ما يقصر معاه في شيء، يمكن ده يخفف من عذاب ضميره. وحتى أنا حملت نصيب في موت أخوه، وكان يقول لي: أنتِ خدتي جزاتك في الدنيا على طمع نفسك في فلوس حرام. وكنتِ سبب في قتلى لأخوي، بس إني فاضل حسابي عند ربنا يوم الموقف العظيم. وكان دايماً يردد إن كل ده حصل لما دخل الدهب اللي فيه شبهة حرام بيته.
اتنقلنا للسرايا بعدها، جار غازي لما بطل ييجي لبيتنا، وكان لسه صغار مينفعش يقعد لوحده، وخوف جاهين عليه خلاه كسر يمينه بأنه ميخطيش السرايا لحد ما يموت. بس راح لأجل عيون غازي وعضم التربة. ومن ساعتها، بعد حكيم عن البلد وعن السرايا، وعلمه طريق الذكر والكتاتيب، وبقى يبعته لبلاد بعيدة يعلمه القرآن وتفسيره على يد أكبر وأحسن شيوخ، وطلب منه يشتغل في الختم وياكل من فلوسه وفلوس كده وتعبُه، عشان ميدخلش جوفه لقمة حرام. وكل ده عشان يبعده عن الحرام وشبهة الحرام اللي في الدهب وينبته نبات حسن.
وهو بقى يشتغل في الأرض بتاعة ولد أخوه أجير، ومياخدش غير أجرة يومه، لا تزيد ولا تنقص، وناكلو ونشربو منها. كنت كل عشية أجيب سرة الدهب، وأرص السبايك قبال عيني، وأتملى فيهم، وأتحسر على نعمة بين أيدينا ومقدرينش نتنعموا فيها، وكل ده عشان مجرد شك في قلب جاهين. لحد ما جه اليوم اللي غازي وقف قصاد عمه عشان يبيع في أرضه عشان يصرف فلوسها على الغوازية والبوظة، ويكمل في الطريق اللي ياما عمه نصحه يبعد عنها، وهو ودن من طين وودن من عجين.
كان جاهين كل عشية يجيب غازي ويقعده جاره، ويفتح له القرآن ويقعد يقرأ له ويشرح له معنى الآيات، ويحاول يعرفه دينه ويقربه من ربه، ويعلمه بالحسنى. لكن غازي كان من اللي بتنطبق عليهم قول الله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ)
. صدق الله العظيم. يعني مهمن حاول معاه عمه، كان قافل قلبه وعنيه، ومكانش شايف قصاده غير طريق الهلس. وعمه آخر ما غلب معاه، همله وسلمه ليد ربنا، وهو ما عليه إلا إنه كان يطلب له الهداية في كل صلاة، وبين كل أذان وإقامة، عشان وصل معاه لطريق مسدود، وغازي وصل لسن متنفعش فيه الشدة. واهنه كانت وقفتي الكبيرة قصاد جاهين، لما وعيت غازي هيبيع في الأرض.
وقلت له: إني اللي هشترى الأرض بالدهب، ومهخليش الأرض تروح من بين يدينا أصلاً. وإن كان على شبهة الحرام اللي بتقول عليها، فالأرض مليناش دعوة بيها. إحنا هنشتري أرض بفلوسنا، وإن كان على شبهة الحرام اللي في الدهب، فمش إحنا اللي هنتحملوها. اللي جمع الدهب وأقسم يمين الله على كتاب الله إن فلوسهم حلال، هو اللي يتحمل وذرهم. شد وسحب وتهديد بالبعد والهجر، خلو جاهين يستسلم لرغبتي.
بس قاله: الأرض وفلوسها محرمين علي ليوم لقى وجه الكريم. ومن يومها بقيت واقفة لغازي بالمرصاد، وكل ما ييجي يبيع من الأرض حاجة، أتلقاها إني وأشتريها، وأدفع حقها وأكتبها باسم حكيم ولدي، ذخر له وأمان لدنيته.
مطولش كتير، وكان بايع آخر شبر من الأرض، وفوق منهم السرايا وكل حاجة بقت باسم حكيم. بس من ساعة ما اشترينا أول قيراطين واتكتبوا باسم حكيم، واتبنى كدهم، كره لحكيم وغيره وغل في قلب غازي، فضل يكبر مع كل شبر يتنقل منه لحكيم، لغاية ما ملأ قلبه وروحه وعقله، وبقى واضح كيف نور الشمس في عينيه، كل ما يتطلع لحكيم ولدي.
ومن يومها وعمك جاهين بطل شغل في الأرض، لما صحته ابتدت تتأخر، ولمّ كام عيل، بقى يديهم دروس في الدين، وبقى عايش على التمر والعيش. ميدخلش جوفه لقمة جاية من ريع الأرض ولا خيرها. ولما كان غازي يسأله: ليه بتاكل غير التمر والعيش الحاف؟
كان يقله: إن معدته لو أكل أي حاجة غيرهم، بتتعبه. كان ممكن يقعد شهور على العيش الحاف والتمر، لغاية ما ييجي حكيم من سفره جايب معاه حاجة زينة. وقتها يقعد جاهين ياكل منها براحة وفرحة ولهفة، كأنه طفل جعان محروم الأكل ولقى قدامه وكله. كان ياكل ملو بطنه ويفرح ملو عينه بولده اللي بيكبر على حب ربنا وحفظ كتابه، ويرتاح ملو روحه، وهو حاسس إنه باقي على عهده مع ربه بأن جوفه ميدخلهوش الحرام، هو ولا ولده.
أما إني، فكنت آكل من ريع الأرض أنا وبتي، وأنا جوايا عارفة إنها فلوس حلال، وشفت الصدق في عين أبو جاهين، ومتأكدة منه. حتى حكيم كان ماشي على خطى أبوه، وبيعمل كيف ما أبوه بيعمل، ومكانش يرضى يحط لقمة في خشمه من فلوس الأرض أصلاً. والكلام ده استمر لغاية ما جاهين وقع المرض خالص، وبقى على فراش الموت. ووقتها كان لازم يسلم المشيخة لغازي ولد أخوه. لم المشايخ وأهل البلد وكباراتها، عشان يقلع عمته ويحطها على راس غازي قبال الكل، ويسلمه المشيخة. بس اللي حصل وقتها، إن أهل البلد كلهم اجمعوا إن المشيخة مش ورث، ولازم تكون في يد اللي يكون أهل لها. وإنها لازم تتنقل من يد عادل ليد عادل تاني، وإن غازي أبعد ما يكون عن المشيخة.
كلامهم ده دبح غازي، وخلّاه يفرفط وهو قاعد في مطرحه. بس اللي زهق روحه، لما ٤ من كبارات البلد خدوا العمامة من يد جاهين، ومسكوها مسكة راجل واحد هما الأربعة، وراحوا بيها على حكيم، وحطوها فوق راسه، وبايعوه بالمشيخة هما وكل الموجودين. ساعتها لا حكيم ولا أبوه كانوا عارفين يتكلموا من لجمة المفاجأة. يومها غازي طلع من المندرة والسرايا، ومحدش عرف له طريق. وحكيم جاني وهو شايل عمة أبوه في يده، ووشه أصفر، ووقف قصادي، واتحدث بخوف:
أمه الناس نصبتني شيخ مطرح أبوي! إني من فرحتي زغرت، وحضنته بكل فرحة وفخر بولدي وعرق عيني اللي بقى شيخ، وأهل البلد كلها ظهره. بس هو كان واقف جامد ومتخشب، وحالته حاله من الخوف والرهبة. أما غازي، فقعد أسبوع بره السرايا، ملفلفش حواليها، وعمه يبعت وراه بالمراسيل عشان يعود، وكل مرسال يرجع يقول له: مرضيش يعود، وعيقول لك: مليش مطرح وسطكم من بعد النهارده.
كلام غازي وبعده ورجوعه للسرمحة من تاني، خلت حالة عمه انتكست، ومطولش كتير، وكان ربنا استلم أمانته. بس بعد ما فضل يوصي فيا وفحكيم على غازي، وإنه يرجعه السرايا، وميطلعهوشي منها أصلاً. ولا يحرمه من فلوسه ولا من خيره طول ما هو عايش. ولا يقصر عليه بنصيحة ولا وقفة أخ وقت الشدة، وإلا يعتبر أبوه غضبان عليه. وخلى حكيم عاهده على كده، وحط يده على كلام الله وحلف. ومات جاهين، وحزنا عليه حزن متتحملوش الجبال، وخصوصي حكيم اللي كانت روحه في أبوه وروح أبوه فيه. فضل يا قلب أمي مكسور القلب والروح عليه، والحزن مرافقه، لما بقوا هو والحزن صحاب سنين.
بس ربنا عوضه مطرح أبوه ببشندي. كان يشتغل مع جاهين أجير من أيام ما كان يشتغل حدا الناس، واتصاحبوا وبقوا كيف الأخوات. والصراحة بشندي كان له وقفات مع جاهين عمرها ما بتتنسي. ومن بعده بقى مع حكيم، اللي من يوم يومه عامله كيف ولده، ويراعيه بشلول عينيه، ودايماً واقف في ظهره وحاميه. ولولا بشندي، الله أعلم حكيم كان زمانه جراله إيه دلوقتي.
حكيم وبشندي بعد الحكاية دي، دوروا على غازي كتير، وسألوا عليه، ومقدروا شي يعتروا فيه. لغاية ما في يوم، جاه خبر إن غازي حدا الحكومة، قبضوا عليه عشان قتل واحد صاحبه في خناقة على القمار. راح له حكيم، وفهم منه اللي حصل، واتأكد إنه بريء. وراح لأهل الواد الميت، وقال لهم إنه هيدفع دية ولدهم، بس يطلعوا غازي ويتنازلوا عن الشكوى، وخصوصي إن غازي كده كده هيطلع براءة، عشان كل الناس أجمعت إن ولدهم هو اللي بدأ العركة، وبدأ بالتعدي.
ولحسن حظ غازي وحكيم، ناس القتل كانوا غلابة، ورضوا بالدية ومحولوهاش تار، ولا قالوا دم بدم. ودفع حكيم، وطلع غازي، وجابه للسرايا تاني. بس قعده في المشتمل، عشان ميصحش يقعد في بيت واحد مع بنت عمه اللي تحل له، خصوصي لما حكيم شاف غالية متعلقة بيه. ودي حاجة تانية خلت قلب غازي يغل من حكيم، عشان شاف إن حكيم جايبه يذله ويقعده في مشتمل كيف الخدامين، من بعد ما كان مالك السرايا وسيدها. ونسي إن حكيم بيطبق الأصول وشرع ربنا.
ومن يومها وحكيم بينفذ وصية أبوه في غازي، برغم كل اللي كان يشوفه من غازي، وبرغم إنه متأكد من كرهه. وفضل يراعي في الأرض، ومن فصل لفصل، ومن الأرض للسرايا، لمصالحه وكلامه قليل. مرجعتلوش ضحكته، ولا عاد للدنيا من تاني غير يوم ما شاف فرحة قلبه ولجمته في نفس الوقت، وغرق وليدي في بحر أزرق ملوش قرار. لكن الحظ لعب لعبته، وجات الحداية خطفت منه ضحكته وفرحته، وحتى البحر اتحرم عليه العوم فيه، وهو قبال عينيه. ومن يومها واقف على الشط يتطلع عالبحر من بعيد، وحسرته في قلبه، يا حبة قلبي.
قالتها وهي بتطلع لعيون جماره. جماره بصت لها وديقت عينيها باستغراب: تقصدي إيه يا خالة بكلامك ده؟ تماضر ابتسمت بحنان، ومدت يدها ضربت جماره ضربة خفيفة على جبينها، لما شافتها بتطلع لها وحاطة إيدها على خدها، وبتسمع باهتمام: مقصديش حاجة. ويلا قومي، وبزيادة حديث النهارده. وبطلي تطلعي لي بعينيك الحلوين اللي كيف عيون البسة دول، وميتشبعش من الطّلة فيهم. واتنهدت: الله يكون في عونك يا اللي في بالي.
جماره قامت وهي مبتسمة على كلام تماضر الأخير، وجواها ارتياح عجيب، عشان دلوقتي اتأكدت من إحساس قلبها، وإن لا حكيم ولا أمه يقدروا يعملوا حاجة كيف اللي قالها غازي، وإن كل كلامه زور وتلفيق وافتراء على أطيب خلق الله. لكن في نفس الوقت جواها حسرة، عشان مطلعش ليها في الطيب نصيب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!