الفصل 16 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
21
كلمة
6,390
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

جماره كانت أجمل ليلة تعدت عليها. من ساعة ما دخلت السرايا وهي في أوضة حكيم، ووسط كل حاجته. مع إنها دخلتها قبل كده، لكن المرة دي داخلها بإحساس مختلف وشعور جديد عليها، مخليها مش عايزة تفارق ريحته اللي باقية منه في هدومه ولا تفارق مطرحه اللي كان بيقعد فيه.

اتمددت على السرير بعد سهر طويل وهي بتتنقل بين أغراض حكيم كلها وتلمسها بإعجاب وانبهار. أول ما حطت راسها على المخدة سمعت خبط غازي، لكنها مهتمتش. ونامت الليلة دي مليانة عينها نوم وراحة في فرشته وعلى ريحته. أما غازي، فبعد ليلة من التعب مع الناس وفضل سهران للصبح، منامش. ولا هيقدر ينام عشان لازم يروح لبشندى ويكون جاره لما يصحى.

طلع من المشتمل متوجه لبوابة السرايا وفجأة وقف. بص لجمرة بتفحص وقرب منها وحط إيده عليها ومسح على شعرها وهو بيفتكر الفرسة دي بالذات وغلاوتها عند حكيم، وإزاي إنه ولا مرة كان بيسمح له يقرب منها ولا يركبها زي باقي الخيول. وإزاي كان بيبص له لو دخل عليه الإسطبل فجأة ولقاه جارها ولا حاطط إيده عليها.

ومن غير ما يحس، لقى نفسه بيشد شعر رقبة جمرة، خلاها صهلت بصوت عالي ورفعت قوائمها الأمامية اعتراض. وهو شافها عملت كده، بعد عن عينها وفضل يبصلها ومديق عينيه وهي بتبص له وتهز دماغها برفض. اتخيل إنها كمان بتقول له: "ابعد عني، متلمسنيش، زي ما صاحبها كان بيقول له".

دار حواليها دورتين، وقرب من حبلها، فكه وحط لها اللجام بعنف وحط السرج فوقها وطلع فوقها مرة واحدة. خلاها جفلت، وفضل يضرب فيها برجله في جناب بطنها ورخّلها اللجام، وهي ابتدت تجري في الجنينة بين الشجر بكل سرعتها وبكل خوف من صوته العالي وهو بينهرها ومن الضرب فيها بقوة رجليه.

جماره فتحت الشباك وشافت المنظر وسرعة جمرة وهي بتتفادى الشجر الصغير مرة، ومرة بتفوت فيه وبتجري في كل مطرح وبتلف. وغازي صوته ضحكه واصل للسما. نزلت تجري عليه عشان توقفه وتمنعه من اللي بيعمله. وأول ما قربت عليه، كان بيجري بجمرة وموقفهاش ولا استهان بيها وهي بتصرخ فيه وبتقول له: "سيبها وانزل من عليها، ده حبلى، حرام عليك. انزل يا غازي، حرام عليك."

غازي سامع كلامها ومستمر في الجري واللف بجمرة. وجماره لما ملقتش فايدة من الكلام. في محاولة أخيرة، وقفت قدامه وقدام جمرة لعله لما يلاقيها قدامه يوقف. لكنه استمر في التقدم عليها بكل سرعة. جمرة اللي مقدرتش هي كمان توقف وهي بتاخد أوامر منه إنها متوقفش مهما حصل.

جماره شافت إن لا غازي ولا جمرة هيوقفوا ووصلوا قاب قوسين أو أدنى منها، وخلاص مفيش قدامها غير واحد من اتنين، يا إما تجري، يا إما تموت تحت رجلين جمرة. وبالفعل، اختارت الاختيار الآمن وجريت من قدامهم ناحية البوابة. وكل ما تجري أسرع، غازي يجري وراها أسرع، لحد ما وصلت البوابة.

ولسه بتفتح فيها، لقتها بتتفتح ودخل بشندي مندفع وبرق عينيه وهو شايف غازي راكب جمرة وجمرة خلاص مفيش حاجة بينها وبين جماره. بسرعة بقى قدام جمرة وخلى جمرة وراه. ولما قرب عليهم غازي، جمرة وقفت مرة واحدة ورفعت رجليها الأماميتين بحركة رفض إنها تكمل ورجعت خطوتين لورا، كانوا كافيين إن بشندي يتقدم من غازي بسرعة البرق ويشده من فوق جمرة يوقعه على الأرض.

بشندي مسكه من هدومه بكل غضب الدنيا وقومه من الأرض. وجماره جريت على جمرة اللي كانت بتنهج وبتخض جامد من المجهود اللي عملته وحضنت دماغها بشفقة. وبصت لجسمها، لقته خريطة من الجروح بسبب فروع الشجر. جرتها وراحت بيها على مطرحها وهي بتهمس لها بحنان. أما بشندي، فغازي كان عامل زي الفار بين إيديه وهو باصص له بعينين بتطق شرار. ونطق من بين سنانه: "انت مش عارف إن جمرة بالذات ممنوعة عليك وممنوع تقرب منها؟

كام مرة وحكيم بينبهك وبيقولك كل الخيل تحت أمرك، لكن جمرة ابعد عنها خالص! بس عشان انت عينك فارغة ومع تبص غير على اللي يخص حكيم. مشبعهاش ولا بيعجبها إلا اللي في إيده والغالي على قلبه." غازي رد على بشندي بغل: "ابعد إيدك عني يا ولد المحروق وشوف حالك، بتتحدت مع مين؟ أنا غازي سيدك وسيد سيدك حكيم يا عبد حكيم." بشندي:

"انت سيد الذيابة، سيد الكلاب، تسود أي حاجة غير إنك تكون تسود بشر. وحكيم ولدي ولينا جوه بعض معزة اللي زيك ميعرفهاش ولا يعرف قدرها. وهفضل طول عمري عيني عليه وعلى أحبابه. ولو شفت رجلك علت على جمرة تاني، هقطع لك رجليك الاتنين وأعيشك باقي عمرك تزحف. وجمرة اتخلقت عشان ما يعلاش ضهرها غير فارس ولد فارس بأخلاق فرسان." غازي من بين سنانه:

"ورحمة أبويا يا بشندي، لهدفعك تمن عملاتك وكلامك ده غالي قوي. هدفعك مش دم قلبك، هدفعك دم روحك." بشندي: "أعلى ما في خيلك اركبه. بس يكون خيلك انت مش خيل غيرك. ودلوقتي تمشي من قبالي والمحك بس جار جمرة، قول على روحك يا رحمن يا رحيم." غازي نفض إيدين بشندي عنه وهمس بفحيح يشبه فحيح تعبان: "قريب قوي هيزول السبب اللي مقوي قلبك كده وهتبقى تحت رجلي زي الكلب يا بشندي." بشندي:

"اقتل حالي واقطع راسي لو طاطت يوم لكلب فلوس زيك. مش أنا اللي هتلاقي مني طاعة لواحد زيك لو روحي في يدك. أنا اتعلمت من الشيخ جاهين ومن بعده شيخي حكيم، إن للرجال هيبة ولازم تفضل طول عمرها شامخة زي النخل راسها عالية. وحتى لو ماتت، تموت وهي واقفة وراسها في السما. ده حاجات انت متعرفهاش ولا حد علمها لك يا غازي ومتفهمهاش. روح من قبالي، عكرت مزاجي عالصبح. ربنا يعكر مزاجك دنيا وآخرة."

سابه بشندي وراح على جمرة يطمن عليها، وبين كل خطوة والتانية يمسك دماغه بألم. وصل لحدها ولقى جماره قاعدة قدامها وهي بتهدي فيها وبتطبطب عليها وبتوكلها سكر بإيدها وعتبصلها وبتعيط. بشندي: "حصل خير يا ست جماره، ملهاش داعي دموعك. جمرة كويسة، محصلهاش حاجة. وبعد إذنك، أنا هاخدها على الإسطبل أهناك آمن لها وأحسن." جماره: "له، وحياتك يا عم بشندي، سيبهالي. ده مؤنسني ومليني على وحدتي وكأنها رفيقتي." بشندي:

"على راحتك، بس لو غازي قرب منها تاني، تعالي تديني خبر وأنا ما أتحركش من قدام البوابة أصل." جماره هزت له دماغها بموافقة وهي بتهمس على مقدمة راس جمرة. وبصت على الجنينة مكان ما بص بشندي على شجر التوت اللي علت اتكسرت تحت رجلين جمرة، مفضلش غير بس كام شجرة مايلين.

سابها بشندي وراح يعدل فيهم ويحاوطهم بالتراب عشان يوقفهم من تاني وعمال يبرطم على غازي في سره. جماره هي كمان قهرها على الشجر اللي حكيم زرعهولها بإيده أضعاف قهر بشندي. وحاسة إن كل شجرة خلعها غازي كانت مزروعة في قلبها وطلعت حتة منها.

أما غازي، فبعد كلامه مع بشندي، ساب السرايا وطلع وهو بركان بيغلي من تقليل بشندي ليه. وعشان يهدى، راح لأكتر مكان بيرتاح فيه. الكام فدان اللي ملكه، واللي لما بيكون فيهم ويبص لهم بيحس إن له قيمة في الحياة وله وجود وكيان، حتى لو كان صغير بحجم حتة الأرض، بس جنبه أمل إن الكيان ده هيكبر قريب ويبقى كيف ما بيتمنى وبيحلم.

قعد شوية وشاف عوض واقف من بعيد وعامل إنه بيراقبه. شاور له وعوض راح له وهو بيلتفت يمين وشمال عشان محدش يشك فيه ووقف قباله. غازي: "امفتح عينيك زين وانت قطرني يا داه ولا له! عوض بضحكة: "ده أنا مفنجل عيوني عليك كيف الكلوبات، ما يغفلوشي عينيك أصل." غازي: "جدع. أقولك قرب، عايز منك طلب." عوض قرب منه وغازي وشوشه في ودنه بحاجة وعوض ابتسم وهز دماغه وبعد عينيه. غازي: "هاه، تقدر! عوض:

"سهلة ومفيش أسهل منها. آخر النهار طلبك يكون عندك قدام باب المشتمل الوراني. قولتليش النهاردة أردم بشندي ولا إيه؟ مع إنه بقى صعب قوي خامته النهاردة." غازي: "له، مفيش داعي تنومه تاني خلاص. بس لم الرجالة واعمل لهم قعدة، لهيهم بالكلام والضحك وخلي واحد غيرك يجي على باب المشتمل وأنا لا هطلع ولا هدخل. بس بعد ما تجيب لي طلبي الأول." عوض: "علم وينفذ يا أبو الطماير يا غالي." قالها وفرك إيديه في بعض بحماس وضحك. غازي ابتسم

وضربه على كتفه بتشجيع: "طب يلا يا بطل، اكروت دلوقتي شوف لي اللي قولته لك عليه وأنا هستنى هنا مهتحركش، عشان محدش من كلاب حكيم يوعيني ماشى ويشوفك وراي يروح يقول لبشندي ويكدرك." عوض هز دماغه بطاعة واتحرك بسرعة من قدام غازي ينفذ أمره. أما جماره، فبعد مسافة من قعادها جنب جمرة وهي بتهدي فيها وبتراعيها،

كيف وكل هبابة تقول لها: "حقك علي" وتعتذر لها عن اللي عمله غازي فيها، كأنها بني آدم قدامها وهتفهم كلامها. لغاية ما شافت جمرة صوت تنفسها بقى عادي والخضة اللي كانت في جسمها اختفت. واتفحصت جسمها والجروح، وغصب عنها عيونها كل ما تيجي على جرح من الجروح، تبكي حفنة دموع على أمانة حكيم اللي ما صانتهاش وروحه اللي سابها تحت عينها وهيرجع يلاقيها مليانة جروح. دخلت السرايا وراحت على أوضة خالتها تماضر. اللي أول ما

سمعت صوت خطوة جماره زعقت: "انت اللي بره، تعال هنا قوام." جماره سرعت خطوتها وفتحت باب أوضة تماضر. وتماضر زعقت أول ما شافتها: "فيه إيه بيحصل من الصبح في الجنينة بره؟ وليه محدش سامع صوت ندايا وجاي يطمني؟ اتكلمي، حصل إيه؟ جماره اتقدمت وقعدت جنبها ومسكت إيدها تهديها: "اطمني يا خالة، مفيش حاجة. ده بس غازي." تماضر: "بيعمل إيه المرة دي! جماره:

"ركب جمرة وفضل يلف بيها في الجنينة بكل سرعتها وهي حبلى، وخلاها تفوت في الشجر والفروع جرحت جسمها. وأنا جيت أتصدى له، كان هيفوت فيا بجمرة لولا عم بشندي وقف له، كان زمانه موتني." تماضر اتنهدت بغلب وغمضت عينيها: "كل ده عشان عارف زين إن جمرة غالية على قلب حكيم غلاوة الروح. وأي حاجة تخص قلب حكيم، غازي نفسه يبيدها له من على وش الدنيا. يلا ربنا يهديه على نفسه ويكفينا شره." جماره:

"قولي لي يا خالة، هو ليه غازي بيكره حكيم الكره ده كله؟ ليه قلبه أسود ومعبي منه كده! تماضر بصت لها بتركيز: "يعني محكالكيش السبب يا جماره؟ ولا فضلك بمكنون قلبه قبل كده وسبب كرهه؟ جماره: "قال...

بس مش كل الكلام بيدخل العقل. واللي بيسمع حاجة عن حد، بيبص للحد ده ويشوف الكلام اللي سمعه عليه يتصدق ولا له. وبصراحة، أنا الكلام اللي سمعته مصدقتهوش. مش بس على سي حكيم، مصدقتهوش. له وعليكي انتي كمان وعلى عمي أبو حكيم الله يرحمه. ولا حرف من كلام غازي دخل ذمتي ببص له. وعايزة أسمع الحكاية منك انتي."

تماضر أخدت نفس بقوة وطلعته محمل بقهر ليه سنين مدفون جواه، ودلوقتي جماره هتقلب الجمر وتخلي النار توهج في قلب تماضر من تاني. اتبسمت تماضر ومدت إيدها على خد جماره وبصت في عينيها الحمر من كتر البكا وهمست لها:

"هحكيلك عشان عارفة إن فكرك مشغول وعقلك متشتت بين كلام غازي وشوف عينك وقلبك، وعارفة إن انشغال الفكر بيجن لو متحط له حد. بصي يا بنتي." قالتها وبصت على شباك الأوضة وسرحت كأنها بتبص من طاقة على سنين فاتت وشايفة كل اللي حصل فيهم قدام عينيها.

"أنا أبويا كان شيخ دين وإمام جامع وحامل كتاب الله وعامل في بيتنا أوضة لتحفيظ القرآن للعيال الصغير وحتى الكبيرة. كان عامل لها باب على الشارع عشان يطلع يخش هو وتلامذته، محدش منا يشوفهم ولا هما يشوفونا. عمك جاهين كان تلميذ عنده في الكتاب وكان ملتزم وعاجب أبويا قوي في اجتهاده في حفظ القرآن والأحاديث والتفسير من وهو صبي صغير. كان كل ما يقعد معانا أنا وأمي وأختي الله يرحمها، يفضل يحكيلنا عنه وعن شطارته،

ويقول: 'جاهين ده حاسس خليفتي في العلم. حاسس ولدي اللي مخلفتهوش من كتر ما شرب نفسي وماشي على نهجي وطريقتي وتعاليمي'. فضل جاهين يكبر تحت جناح أبويا وعالي طول اليوم يقضيه عندنا في الدار، حتى الأكل والشرب كان ياكل هو وأبويا. لحد ما شب وخد علم أبويا كله وبقى يسافر كمان لبلاد تانية يتلقى فيها العلم على يد شيوخها وأئمتها الكبار. كان

أبويا فرحان بيه وبيقول: 'عيني جاهين ده بحر علم بيحب الزيادة'. وكان كل ما يعاود متعلم حاجة، ييجي لأبويا ويحكيهاله ويتناقشوا فيها وأبويا يفرح بيه وبعلمه اللي كل ما ده في زيادة. لحد ما في مرة أبويا كان في حلقة ذكر وجاهين عاود من السفر وجه يسأل على أبويا. دب عالباب لما ملقاهوش في مندرة التحفيظ. وأنا اللي يومها طلعت له. فتحت الباب نص فتحة وداريت

نص وشي بطرحتي ورديت عليه: 'أبويا مقعدش، راح حلقة ذكر وهيعاود عشية'. جاهين بعد ما بص لي النظرة الأولى اللي م عليها ذنب، نزل عينيه بسرعة واتحدث وعينه في الأرض: 'السلام عليكم الأول'. رديت له السلام وهو كمل: 'الناس أول ما تلاقي الناس ترمي السلام أول حاجة يا بت الشيخ! رديت عليه بخجل عشان نسيت: 'معلش فاتت فيا والله' ووطيت في الأرض من كتر الإحراج.

جاهين بابتسامة: 'معلش، جل من لا يسهو'. ومد لي إيده بكيس فيه حاجات مربعة وكيس تاني. 'خدي دول، اديهم لأبوكي لما يعاود وقولي له الكتب اللي وصيت جاهين عليهم والحمص اللي بتحبه من عند سيدي عبد الرحيم القناوي'. أنا سمعت اسمه ورفعت عيني عليه أشوف اللي أبويا ملوش غير سيرته ليل نهار وشفت بدر منور ماشاء الله. الوش أبيض منور وفيه قبول يخلي الواحد ميشبعش من طَلته. وعلامة الصلاة مزينة جبينه. ولدي حكيم فيه كتير منه، لعلمك، بس هو كان أحلى بمراحل من حكيم. الحق يقال. أنا شفته وعيني سجدت على ملامحه وسلمت ومرفعتش غير وهو بيهز يده الممدودة بالكياس

اللي ماسكهم وهو بيقول: 'اتلافى مني يا خيتي، خليني أتيسر من قدام بابكم'. مديت إيدي اتلافيت الكياس وهو لف ومشى خطوتين ووقف واتحدث وهو مديني ظهره: 'لو قابلت الشيخ عبد الله في الطريق، أقول له أديت الحاجة لبنتك مين عشان لو سألني؟ 'قول له خداتهم مني تماضر'. هز دماغه واتحرك من غير

ما يلتفت وقال وهو ماشي: 'طيب، ادخلي وسدي عليكِ الباب يا تماضر'. أنا انتبهت إني طولت في الوقفة ولو أبويا كان جه وشافني واقفة على الباب كان قطع رجليا. دخلت بخوف وسرعة ورديت الباب بقوة وتربسته وسمعت صوت ضحكة بره الباب. معرفتش مين صاحبها، بس مكنش فيه في الدرب غيره وقولت أكيد دي صوت ضحكته. دخلت جوا وأنا هايمة في اللي شوفته من جاهين وقعدت جنب أمي. أمي: 'مين يا تماضر اللي دق الباب؟

'ده جاهين يمه. وجاب كتب وحمص لأبويا كيف كل مرة.' 'والله؟ جاب حمص؟ طب افتحي ولافيني هبابة، اتوحشته. إلا جاهين طول في سفرته قوي المرة دي ولينا كتير ما أكلناش حمص.' لافيتها الكيس كله بتوهان وهي فتحته وضربتني

بيه على راسي وهي بتقول لي: 'ده كتب يا حوله، عقلك لافيني الحمص.' أنا انتبهت ولافيتها كيس الحمص وشوفت أختي بصت لي وبتضحك. ولما زغرت لها، غمزت لي وضحكت بزيادة. أنا اتبسمت وسبتهم وقمت دخلت أوضتي. ومن يومها وشكل جاهين وملامحه مع كلام أبويا مغابوش عن بالي. عدت سنة وأبص ألاقي أبويا بيقول لأمي في

ليلة واحنا قاعدين نتعشى: 'جاهين طلب إيد بنتك تماضر مني النهاردة'. أنا حسيت اللقمة بدل ما تنزل في بطني راحت على مجرى النفس سدته. زوررت وبقت أختي تضرب على ضهري وأمي تسمي وأبويا يهز فيا ويسقيني ميه. فين وفين لما اللقمة راحت لمطرحها وقدرت آخد نفسي.

مديت إيدي من تحت الطبلية وقرصت رجلي عشان أتأكد إني ما بحلمش. وبعد ما عملت كده، جاتني قرصة فورية من أختي وهي كاتمة ضحكتها خلت رجلي خبطت في سقف الطبلية من شدتها وأنا ضربتها بقفاي يدي على زندها. أمي زغرطت لنا، سكتنا. وأبويا كمل وأنا كتمت أنفاسي كيف اللي على راسه طير وفضلت أسمعه وهو بيكمل حديثه مع أمي. أمي: 'بس انت عارف ده أبوه وأخوه مين يا عبد الله؟ أبويا: 'أنا لا ليا صالح بأبوه ولا بأخوه. أنا

هعمل بقول رسولي اللي قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه". وأنا ما أرضى دين حد أكتر من جاهين ولا شفت حد في خلقه. ولعلمك، لا أبوه ولا أخوه راضيين له ياخد بنتي وأبوه خطب له بنت عمه وهو شاريني وشارى بنتي. وأنا اللي يشترينا ويشتري اللي مني، ما أبيعهوش بكنوز الدنيا يا بنات.' أمي بنتره: 'والله انت حر والبت بنتك وانت أدرى بمصلحتها.'

'وعشان أنا أدرى بمصلحتها، هديها لجاهين ومعاوزاش منه أي حاجة أصل. ومهرها هيكون كتاب الله ومؤخرها حجة بيت الله. بس قبل ده كله، لازم أطبق شرع الله.' وبص لي وسألني: 'ياتماضر يا ابنة عبد الله، قد جاءك من رضيت دينه وخُلقه، فهل ترضين به أنتِ زوجاً لكِ؟ أنا وشي اتصبغ من الكسوف وبصيت للأرض مرديتش. وهو كرر علي السؤال 3 مرات. وفي المرة التالتة أختي قرصتني

عشان أرد وأنا رديت بخجل: 'اللي تشوفه يا أبويا واللي تعمله، أنا راضية بيه.' قولتها وقمت اتفلتت جري لجوه وسمعتهم وهما بيضحكوا علي. وسمعت أبويا بيقول: 'على بركة الله ورسوله.' يومها الفرحة مكانتش سايعاني. وكل هبابة أخلي أختي تقرصني عشان أصدق، لغاية ما خلت دراعاتي زرقو من القرص. لولا صدقت. مفيش أسبوعين أبويا وأمي جهزوا فيهم كل حاجة. وحتى غرفة

الضيوف أبويا صبغها وقال: 'إني هاتجوز جاهين ونقعدوا فيها عشان أبوه طرده من السرايا لما عرف إنه عقد عليا غصب عنيه وطلع عن طوعه.' أنا ولا كانت تفرق معايا أوضة من سرايا، أهم حاجة إني بقيت مرة جاهين. قبل الفرح بيومين، جاني جاهين لأول مرة وكان عقد عليا يعني مراته. وطلب يقعد معايا وأبويا سمح له. ويومها أبويا خد أمي وأختي ودخلوا الأوضة وقعدوا كلهم، بس سابوا بابها مفتوح وأنا وجاهين قعدنا في الصالة.

جاهين من ساعة ما دخل، رمى سلام الله من غير ما يرفع عينه من الأرض. ما رفعهاش غير بعد ما سمع صوت أبويا وهو ماشي بيقول له: 'خد راحتك يا شيخ، في الكلام بس ها.' بصيت لجاهين، شفته ابتسم بخجل ومشى إيده على دقنه. وأنا بصاله. فجأة رفع عينه علي، جفلت ونزلت عيني للأرض بسرعة. كانت أول مرة أشوف فيها لون عينيه. 'يبووووي يا جماره، مدريتش إيه جرى في حالي.' وهو كمان أول ما عينه جات علي همس بصوت

واطي بس أنا كنت سامعاه: 'بسم الله ولا قوة إلا بالله. (تماضر) '. عارفة معنى اسمك إيه يا تماضر؟ ' أنا هزيت له راسي بمعنى لا وهو كمل مبتسم: 'تماضر مشتقة من كلمة مضر، ومعنى مضر: الشيء الحامض، فيقال عن اللبن مضر إذا تغير طعمه من الحلاوة إلى الحموضة. وكذلك المضر هو بياض اللون. وسبق أن تسمت قبيلة من العرب باسم مضر وهي قبيلة مضر بن نزار بن معد بن عدنان.' فتحت فمي باستغراب ورديت عليه: 'واه! كل ده اسمي!

رد علي بضحكة: 'لا، ده معنى اسمك. مع إني شايف إن الاسم ظلمك بمعناه، لأنه بيوصف حموضة ومرارة، وإنتي كلك حلاوة وطيب يا تماضر.' أنا كنت بسمع كلامه وقلبي غاص بين ضلوعي وحسيت برجفة في كل جسمي خلتني فضلت ساكتة لآخر القعدة ومرديتش عليه. وهو عمال يقول في كلام حلو أول مرة أسمعه وبين كل كلمة والتانية يتطلع لي بفرحة

ويضحك على خجلي ويقول لي: 'كل هبابة ارفعي عينك وبصي لي، انتي مرتي والنظرة حلالك وحلالي.' ولما غلب وملقاش فايدة إني أرد عليه، اتنهد وقام. بس بعد ما قرب وشه مني وهمس في ودني: 'ادّللي كد ما يحلالك يا بت شيخي، لايق الدلال عليك والله.' وسابني وطلع، بس سابني طايرة من السعادة ورجليا ممحصينش أرض. وكل هبابة أقول لحالي: 'بقى ده جوزي أنا؟ جاهين راجلي لحالي.'

واتجوزنا وقعدنا في بيت أبويا. وأبويا كان طاير بجاهين طير ويجيب ويحط له قدامه وهو عياكل. وأنا لا همني جاه ولا مال ولا بيت لحالي. كد ماهمني إني بقيت مع الراجل اللي خطف قلبي وعقلي من أول طلة. وجاهين كمان كان فرحان بنسب شيخه وشايلني طول الوقت على كفوف الراحة بكلامه المعسول وطيب عشرته. بس كانت حاجة واحدة مكدرة عليه قعدته في بيتنا. أختي اللي طول الوقت متكتفة قدامه بخمارها وعبايتها وطول ما هو قاعد هي في الأوضة معتطلعش غير

وقت الأكل وتدخل تاني. الوضع ده خلى جاهين طول اليوم بره البيت وميجيش غير وقت الأكل، اللي بقى وجبة عشا بس والغدا أنا بقيت أبعتله على الكتاب اللي قاعد فيه يعلم العيال. وبعد ما يتعشى يدخل على أوضتنا طوالي. بصراحة، ده كان أمر من أبويا إن أختي متبقاش قصاد عين جاهين كتير. ولما سألته وعاتبته،

قالي: 'ده مش لعيب في جاهين ولا شك في تدينه ولا أخلاقه، بس دي حدود الله وأنا هفضل طول عمري واقف على حدود الله وهمنع نفسي واللي مني إنهم يخطوا الحدود طول ما أنا عايش على وش الدنيا.' وعشان الحتة دي بس جاهين وافق لما أخوه جه عرض عليه بيت جده القديم. هو أيوه بيت طين وقديم ومهدهد، بس أنا فرحت بيه عشان جاهين هيقدر يقعد جاري من غير تقييد ويكون واخد راحته في بيته. لكني شفت في عين جاهين عدم رضا وملمحتش في عينه أي فرحة، لا بالبيت الجديد ولا باننا هنكون لحالنا.

اتنقلنا وأنا بقت إيدي في البيت أرتب، وأنظم، وأبني، وأبلط بالطين، وأعمل مصاطب، وفران، وكوانين، وعملت عشة حمام على السطح، وخلت بيتي جنة. جاهين كان كل ما يخش يصلي على النبي أول ما يشم ريحة البخور ويشوف النضافة والترتيب. وياجي عليا يحب راسي ويشكر ربنا وهو باصص لفوق ويقول: 'احمدك يارب على خير متاع الأرض اللي قسمت لي بيه.' عشنا في سعادة مابعدها سعادة وكملت لما جه حكيم على وش الدنيا.

يابويا على فرحة جاهين بيه متتقدرش بكنوز الدنيا. وهو شايله ويكبر في ودنه ويقرأ قرآن بصوته الحلو المخنوق من دموع الفرحة. ولا أبويا اللي فرحته مقلتش عن فرحة جاهين، هبابة وخده من يد جاهين

وفضل يكبر في ودنه ويقول: 'اللهم أنبته نباتاً صالحاً.' ولا فرحة أمي بحفيدها وضحكتها هي وأختي، وكل شوية حكيم يتنقل من يد ليد، وكل واحد يشم فيه هبابة كنه نشوق. شهور من الفرحة حكيم كبر فيها ومكانش يفارق حجر جده في الكتاب طول النهار وهو بيقرأ العيال ويحفظهم القرآن. وكل ما العيال تردد ورا أبويا، حكيم يناغي معاهم وجده يفضل يحب فيه ويضحك ويقول له: 'خدت القلب يا أعز الولد.' ولما كنت أقول له: 'بس ده ولد بنتك مش ولد ولدك'،

كان يقول لي: 'جاهين ولدي أكتر منك.' ومن بعد حكيم، جات غالية اللي كملت فرحتنا ولمتنا. ومن يومها حياتنا مكانتش فيها حاجة وحشة غير شاهين وعمايله. شاهين بقى يتقرب من جاهين وكل يوم والتاني

جاي و جايبه فلوس ويقول له: 'ده نصيبك من إيراد الأرض.' وجاهين ميرضاش ياخدهم ولا يمد إيده ليهم ولا يتلافيهم. كان شاهين كل مرة أخوه ميرضاش ياخد منه فلوس، يطلع من الدار وشه مدخن من الغضب بعد ما يشتمني أنا وأبويا عشان قسينا قلب جاهين على ناسه وخدناه منهم. وجاهين سمه وموته اللي يمس شيخه عبد الله ولا يمسني بكلمة.

كان يتعارك معاه ويقول له: 'ماتجيش تاني ولا تجيب لي فلوس، أنا ما عاوز حاجة منيكم.' فضل حالنا ماشي وعايشين بسترة لغاية ما حكيم وغالية كبروا واحتياجاتهم زادت. وأبويا الشيخ عبد الله المرض رقده وبقى علاجه ومصرف بيت أبويا كله جاهين هو اللي متكفل بيه. الحمل زاد عليه وكنت واعياه بيتقلب وليل نهار يدي دروس قرآن ويطلع يقرأ في ختم عشان يقدر يسد قوتنا أنا وعياله وأمي وأختي وأبويا. الحق يقال، جاهين شال أبويا ووقف جاره في عياه، وقفت ضنا وفيه ضنا ميعملهاش كمان. لحد ما ربنا خد أمانته والروح راحت لبارئها، ومات أبويا الشيخ عبد الله، وآخر كلامه كان دعوة لجاهين بأن ربنا يرضى عليه ويراضيه دنيا وآخرة. وبعدها نطق الشهادة وبصّر بصره.

حكيم حزن عليه حزن وقتها يمكن أكتر مني أنا وأمي وأختي، وطول الوقت كان يدعي له بالرحمة والمغفرة. أمي مطولتش بعده كتير وماتت. وأختي اتجوزت واحد صاحب جاهين كان بيدور على عروسة بت حلال. وجاهين بعد ما خد رأيها ورأيي وفوضناه يعمل اللي فيه الصالح، جوزهاله. والحق يقال، الراجل كان بلسم وطبعه كيف طبع جاهين ويفوته هبابة وشالها فوق راسه. حبلت منه وكملت شهورها وبعد الولادة جاتها حمى نفاس وراحت فيها. وده كانت كسرة قلب جديدة وأوعر من اللي فاتوا. وبعدها جوزها خد الواد اللي خلفته وسافر بيه. وجاهين قال إنه اتجوز ومن بعدها معرفناش عنه حاجة.

3 مرات ورا بعض، كل مرة الحزن يعبي القلب وميلحقش يخف يتملى مرة تانية. وصفت لحالي لا أب ولا أم ولا أخت. جوزي وعيالي وبس. وبقوا هما كل دنيتي وناسي. موت ورا موت وخسارة ورا خسارة، مكانش بيخفف وجعها عن قلبي وروحي غير جاهين وحنيته ووقفته جاري. بعدها الحال اتغير ومبقاش كيف الحال. وحكيم بقى في عمر الصبا وغالية كمان كبرت وكبر لسانها قبل منها وبقى أطول منها. وأبوها طول الوقت فرحان بلمتها. ولما أكلها ولا أشخبط فيها،

يقول لي: 'سيبيها، خليها تطلع جريئة وجارحة طول ما في حدود الأدب، عشان محدش يقدر يتعدى على حقها في يوم من الأيام.'

أبو جاهين بدأ قلبه يرق على جاهين. وكل مرة يروح له جاهين يطل عليه ويوصل صلة الرحم ويكسب ثواب البر. كان يتحننه إنه يعاود السرايا وكان يقول له إنه سامحه على خروجه عن طوعه، بس يرجع ويراعي أرضه مع أخوه شاهين. بس جاهين كان رافض موضوع الأرض دي ورافض ياخد حاجة من أبوه وإخوه نهائياً. كنت خابرة إن ورا رفضه ده سر، لكن هو مكنش راضي يكشف لي سره أصل. لحد ما لقيت الأمور زادت عن حدها، وخصوصي بعد ما سمعنا إن أبوه كتب الأرض كلها لشاهين بيع وشرا. وكانت حجة شاهين إن أبوه خايف على الأرض من جاهين أحسن يضيعها وهو متعبانش فيها ولا يعرف لها.

يومها الدم غلى في عروقي وحسيت إن حق عيالي هيضيع من إيديهم من غير ذنب. اتجننت ورحت لشاهين يومها وقلت له: 'عايزة حق عيالي في أرض جدهم.'

وهو قالي: 'ملكيش أي حق، لأنك ولا عيالك. الأرض دي شقايا وتعبى وكل شبر جاي بطلوع روحي.' يومها عرف جاهين إني رحت من وراه السرايا لشاهين. وجه ورايا وفضل يزعق فيا لما لاقاني واقفة قدام شاهين أعارك. وشاهين وصل بيه الحال إنه مد إيده عليا. يومها جاهين لأول مرة يقف قدام أخوه الكبير ويمسك فيه مسكة قوية عشان خاطر مدت إيده عليا. اتدخلت الناس وحشتهم من بعض. وجاهين خدني وروحنا وغضب الدنيا على وشه. دخلني البيت وكان هيسيبني ويطلع،

بس أنا وقفت قدامه وقلت له: 'يأما تقول لي على سرك مع أرض أبوك وفلوسه، وليه ضيعت حق عيالي في أرض جدهم، يأما هسيبك البيت وأمشي وأروح أقعد في بيت أبويا لحالي.'

ساعتها بص لي بصة مكسورة وقعد قصادي وابتدا يحكي بتقل. قالي إن فلوس أبوه وأرضه وكل خيره ده من حرام. قالي إن أبوه كان يسلف الناس بالفايظ وياخد ربا، وما كانش يسلف غير اللي عنده حتة أرض أو يضمنه حد عنده أرض عشان لو اتأخر في السداد، أبويا كان يحط شرط إنه ياخد أرضه. وعشان حالة الناس كلها كانت تعبانة وظروفها على قدها والزرع وقتها كان سنة يصيب وسنة يخيب، كان ضامن إن الناس مش هتسدد وكان ياخد الأرض من أصحابها ويشغلهم يفلحوا

فيها بأجرتهم. وزيدي فوق الظلم ظلم، إن شاهين كان يدي الناس نص أجرتها وياكل النص. واللي يفتح خشمه شاهين يديه كتلة يقعده في بيته شهور يستجدي اللقمة هو وعياله. وحتى مشيخة البلد خدها بالجبر والقوة والغصب ونصب حاله شيخ، بس مكنش حد بيلجأ له في حل مشكلة أبداً عشان عارفين إن حكمه ظالم ومش هيعدل. وكفة الغني هتطغى عن كفة الغلبان في حكمه.

أنا كنت وقتها معرفش حاجة من دي. لغاية ما واحد غلبان مات من أهل البلد فجأة بعد ما كان زين قبلها بيوم وكان بيفلح في أرضه. ولما الناس سألت عن السبب، طلع مقدرش يسدد سلفته اللي كان واخدها من أبويا وأبويا خد القيراطين اللي في حيلته والرجل مستحملش طب فيها ساكت. أنا سمعت الحديث ده وكنت قارئ في الكتاب وسامع من الشيخ عن الربا وعقوبته وجرمه. وفوق الربا قهر القلوب كمان. يومها رحت للشيخ عبد الله، أبوكي كان هو اللي بيعلمني وبيقريني وسألته وحكيت

له كل اللي سمعته وقلي: 'بكده فلوس أبوك وأرضه كلها حرام فحرام.' ومن يومها بعدت عن الأرض وعن السرايا وبقيت أتنقل من كتاب لكتاب وآكل في الختم والموالد ولقمة في بيت أبويا مدقتهاش من يومها. والشيخ عبد الله لما عرف كده، اتولاني من يومها وكل كيف ما كنتي شايفه، كنت دايماً آكل في بيتكم. ولنفس السبب برضك لما جيت أتجوزك وأنا إيد ورا وإيد قدام ومحلتيش أي حاجة أتجوز بها، وافق واداكي ليا من غير ولا حاجة عشان كان عارف إني زاهد في فلوس أبويا وماله وعمري ما همد إيدي على قرش منه. وأدي سر رفضي لفلوس أبويا وأرضه وماله. ترضي انتي يا بت الشيخ ومرة الشيخ يدخل في جوفك وجوف عيالك قرش حرام؟!!

أنا هزيت له دماغي برفض وقربت منه ومسكت إيده وقلت له: 'أنا اتربيت على طاعة ربنا ومخافته وعمري ما هحيد عن اللي اتربيت عليه ولا نفسي تدنّي على باطل.' وسكتنا وقفلت السيرة خالص معاه.

لكن شاهين مهملناش في حالنا أصل. كل يوم والتاني يبعت فلوس مع ناس ومرات يجيبها هو. وبرغم إن كرهه لجاهين باين في عينيه، بس عمره ما بطل يعرض علينا فلوس. ولما سألت جاهين عن السر، قالي إن شاهين مهتموش إني آخد الفلوس ولا هاماه حالتي وصعبان عليه، كد ما همه إنه يغمسني معاه في فلوس حرام ويدخل جوفي وجوف عيالي السحت عشان مابقاش أحسن منه في حاجة. وعشان كلمة أبويا اللي دايماً يقولها

في وشه في آخر أيامه: 'إن جاهين برغم فقر جيبه، بس أغنى مني ومنك. عشان ساب الفلوس في سبيل الله وعشان كده ربنا هيعوضه ويقف معاه دايماً.'

أبو جاهين في آخر أيامه ندم على كل اللي عمله في دنيا. لما حس إن الحساب قرب وديون الآخرة بقت واجبة السداد. صح تاب، بس مكانش يملك الوقت للتكفير عن ذنوبه وفاق وعرف إن الله حق بعد فوات الأوان. بعت لي يوم إني وجاهين على وجه السرعة ورحنا له. ويومها قلنا اللي غير مجرى حياتنا. وقلبها فوقاني تحتاني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...