جمارة قامت من جوار تماضر وماشية مبتسمة ومش منتبهة، وفجأة خبطت في حاجة. بصت لقتها غالية. جمارة: غالية، صباح الخير. متأخذنيش، مكنتش واخدة بالي. غالية: معلش، معذورة. أصلك لسه واخدة جرعة حنان كبيرة، خلت عينيكي غطرشت، يا ولداه! تماضر: بطلي غيرة يا تمساحة عالصبح، وخشّي خشّي عليكي. قيّمي لي ضهري يا أختي يا دكتورة. ابقي توفي على وشي لو نفعتي في بيوت، انتي.
غالية: هَنْفَع وهبقى ست بيت مفيش مني اتنين. ولما ده يحصل، ابقي افتكري مقاديفي اللي عمالة تكسري فيها دي كل هبابة، لغاية ما خليتي كل مقداف كده عود كبريت. وابقي شوفي حالك وقتها، وانتي عتتباهي بيا قدام الخلق، وترفعي راسك وتقولي "دي بتي غالية". ساعتها ابقي انزلي صباعك تاني، وافتكري حالك دلوقتي وانتي عتدبيه في قلبي. وسابتهم ومشت. تماضر: خدي هنا يابت، رايحة فين!
غالية: رايحة أتقلب وأكمل نوم. مش دكتورة عاد. وابقى صحوني لو فيه كشوفات. غالية طلعت لفوق تاني، وجمارة كمان طلعت لبره. وتماضر لما ملقتش حد يفطر معاها، خلت زبيدة جابت لها الفطور في الأوضة، فطرت فيها ومطلعتش.
أما جمارة، فطلعت لبره في الجنينة، طلت على عصافيرها واطمنت على جمرة، وقعدت جنبها هبابة. بعدها قامت ودخلت السرايا، وطلعت لفوق على أوضة حكيم ترتاح لها. هبابة. لكن وقفها صوت غالية اللي جاي من أوضتها وهي بتتحدت بصوت مسموع. جمارة استغربت وسألت حالها: يا ترى غالية بتتحدت مع مين؟ واترددت ثواني، لكنها اتقدمت وخبطت على باب أوضة غالية خبطتين. غالية: اتفضلي، خشي يا جمارة. جمارة فتحت الباب ودخلت وهي مبرقة عينيها باستغراب،
وسألت غالية: عرفتيني إزاي إني أنا؟ غالية بعصبية: وحياة أبوكي، مناقصة غباوة هي عالصبح يا شيخة. أصل أمي عاجزة، لا بتطلع سلالم ولا بتنزل. وزبيدة معتعتملش المطبخ ولا بتطلع للدور ده أصلًا، وحكيم مسافر. مش محتاجة فكاكة هي! جمارة ابتسمت واتقدمت منها وقعدت جنبها عالسرير، واتحدتت بحنية: طب مالك قايمة بزعابيبك ليه عالصبح ومحمّلة كلمة! غالية أخدت
نفس وزفرته وغمضت عينيها: أصل حلمت حلم حلو معكنني. حلمت إني بتجوز واحد كيف فلقة القمر. جمارة باستغراب: وقايمة متنكدة عشان الحلم الحلو ده! غالية: له يا أختي، عشان الحلم الحلو ده. بقالي كتير بحلمه، وهو هو نفس الحلم ونفس ذات فلقة القمر، ومستنياه يتحقق ومعيتحققش. جمارة: نسيتي يعني خلاص وصرفتي نظر؟ غالية فهمت قصدها
وردت عليها بكل صراحة: له منسيتش. ولسة لما أشوف غازي، بتدهوله. بس عارفة إنه مفيش أمل أتزوجه. وحتى عقلي عرف، وابتدا يغيره في الحلم بواحد تاني. بس المشكلة إن التاني ده مجاييش. جمارة اتحدتت بضحكة على صراحة غالية وقلبها ولسانها اللي ميّعرفوش يدسوا حاجة: احمدي ربنا عشان نفدتي بجلدك، ومتتعجليش على نصيبك. كل تأخير، مراضاة ربنا ليكي بعديه هتكون أكبر، وفيها خير. غالية: بت يا جمارة، انتي باردة قوي كده ليه!
داني بقول لك لسة بحب جوزك. يعني واحدة غيرك المفروض تقوم تمسك في شعري تطلعه في إيدها قرن قرن. متحسيش يا واكلاهم واصل كده؟ طب متزعليش، ولا الغيرة تقرص قلبك عليه هبابة حتى! جمارة: ولا الهوا. وبعدين بذمتك، بعد عمله فيا اللي شايفاه بعينك ده، أحبه بأنهي عين وأنهي قلب؟ إني لو أزعل، أزعل عليكي انتي. وانتي وعاية وواعية عمله وشايفاكي لسة متعلقة بيه! غالية بحسرة: قلبي ابن جزمة قوي يا جمارة.
وكل ما عقلي يقوله لعينيا: شوفي عمل غازي واكرهيه. قلبي يقولهم: مليش صالح بيكم انتو الاتنين. إني هحبه بعيوبه بزفته بقللة تربيته، مالكمش صالح انتو. جمارة: حكم قلبك واعر قوي يا غالية. غالية: مش بقولك ابن جزمة. بس يعني عادي لو جه واد الحلال، هتجوز وأفضها سيرة. وزعقت بصوت عالي ضرّت جمارة: بس هو يا يجي وياخدني من وش تماضر اللي قارشة ملحتي دي ومشندلة عيشتي.
جمارة: على فكرة يا غالية، مينفعش تقاوحى قبال أمك ولا تردي عليها الكلمة بكلمتها. ربنا قال: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما". غالية: بركاتك يا شيخة تماضر. نفس ذات نبرة الحديت. بهتت عليكي بسرعة. جمارة: وهو إني أطول! طب دي خالة تماضر، دي أحسن واحدة في الدنيا كلها. غالية: مع كل الناس، معاد إني. وحنيتها دي طلمبة، كل الناس تشرب منها وتيجي حداي أنا وتشَحِط.
جمارة بضحكة: والله خالة تماضر بتحبك قوي، بس هي بتضحك معاكي، وغرضها مصلحتك. فالأول وفي الآخر، هي لو قست عليكي في الحديث، مش عشان تعلمك وتفهمك وتحط عقلك في راسك يا غالية. غالية: متتلمي يا جمارة، هو إني عقلي كان طالع بره راسي ياك! ولا مهووسة وعقلي هارب؟
جمارة: انتي ست البنات كلهم، وست العاقلين كمان. بس دي أمك، والأم والأب حيكونوا دايماً شايفين اللي عيالهم مقادرينش يشوفوه. طيب، هسألك سؤال يا غالية. لو عيل صغير ماشي في طريق، وأبوه شافه ماشي في الطريق ووقفه وقاله: عاود من الطريق ده، مهينفعش تعدي منها. فيها خطر عليك. العيل ده يعاود ولا يكمل الطريق؟ غالية: يعاود طبعاً. عشان أكيد أبوه شاف في الطريق حاجة وعرة وخايف على ولده منها.
جمارة: ولو الواد عاند وكمل الطريق ومسمعش كلام أبوه، إيه اللي هيحصل؟ غالية: يسيبه ياكش يقابله ديب ياخده على قطمتين قليل السمع ده.
جمارة بضحكة: بس قلب الوالدين ميقولش كده، وعمرهم ما يقدروا يسيبوا عيالهم ماشيين في طريق الخطر واصل يا غالية. ولازم يمنعوه بأي طريقة. آهو إحنا مهما كبرنا هنفضل في عيون ناسنا كيف العيل الصغير، ويخافوا علينا نفس الخوف. وبرضه هيفضلوا عارفين زين كل طريق هنحط رجلينا فيه في حياتنا هيودينا فين، وفيه إيه مستنينا في آخره. عينيهم بتشوف أبعد منينا، وأكيد عارفين كل طريق وعارفين اللي فيها زين. وأمك يا غالية، لما شافت اللي كنتي عايزة ترمي حالك فيه وحباه، ومش شايفاه حاجة وحشة ليكي، ملقتش في إيدها غير إنها تبعدك عنيه بلسانها وتأنبك بالحديث الوعر. يعني اختارت أضعف إيمان، عشان هو الحاجة الوحيدة اللي في إيدها.
غالية اتنهدت: مش بقولك أمي بهتت عليكي. بس برضه تماضر لازم تخاف على مشاعري أكتر من كده. مشاعري بتتبهدل في التراب من عمل أمي وكلامها، يا نااااس!
جمارة: مشاعر إيه وبتاع إيه بين البت وأمها يا غالية. طب ده كل كلام أمك ده حب وخوف عليكي، ومش هتحسي بخوفها ده غير بعد ما تبقي أم وتشوفي غلاوة ضناكي في قلبك. ساعتها هتحسي بغلاوتك في قلب أمك. قومي قومي. قومي مشاعرك من التراب ونفضيها ودسيها مطرحها، وتعالي انزلي معايا نقعد جنب أمك قاعدة لحالها تحت. بكرة هتتجوزي فلقة القمر اللي بتحلمي بيه كل ليلة دي، وتشتاقي لقعدتك جنبها وتدوريها بالحلاوة. غالية ابتسمت وبصت
لجمارة بتمعن وهمستلها: انتي حلوة قوي يا جمارة. حلوة وكلامك حلو زيك. بصراحة، كل حاجة فيكي حلوة. من حقه حكيم يديهولك عشقك دهوله، والله. جمارة ديقت حواجبها باستغراب: عشقي إيه؟ ودهوله سي حكيم كيف؟ انتي بتتحدتي عن إيه؟
غالية اتنهدت: بتحدت عن أخويا اللي فضل سنين واقف مستني على عتبة بابك يعدل في حاله الأول عشان يخبط ويدخل. وقبل ما يدخل، جه غازي طاير ودفع الباب قبله ودخل سرقك وطلع بيكي يجري قدام عينيه، وهو ملحقش يعمل حاجة يا ولداه. جمارة: إني مفهماش حاجة واصل من حديدك ده يا غالية. غالية: إني هفهمك يا نضري.
وابتدت تحكي لجمارة كل الحكاية كيف ما حكاها لها حكيم. وطول ما هي تحكي، جمارة حاسة إنها في حلم، وإن كلام غالية كله خرابيط. لكن لما رجعت لعمايل غازي اللي بيعملها معاها قدام حكيم، وحنية حكيم وخوفه عليها، ووقوفه جنبها، اتأكدت إن كل كلام غالية صح. وقدرت دلوقتي تفسر النظرة اللي بتشوفها في عينين حكيم وهو بيتطلعلها صح. كانت بتشوف فيهم حسرة وقهر، بس كانت مكذبة شوفها عشان في نظرها مكنش ليهم سبب. بس دلوقتي عرفت إن وراهم أقوى
سبب. وإن كانت بتكره غازي قراط بعد كلام غالية ومعرفتها سبب جوازه منها الحقيقي اللي ياما سألته عليه ومخدتش منه عقاد نافع، كرهته دلوقتي فدادين عشان حرمها من حكيم وحرم حكيم منها. دلوقتي بس قدرت تفهم معنى كلمته إنه واخدها مخلّص حق. مخلّص حق باطل من حكيم عشان يعذبه بيها ويسرق فرحة قلبه، وحتى هي حرمها من جنة كانت على أبوابها.
قامت من قبال غالية وراحت على أوضة حكيم من غير ما تنطق بكلمة. قعدت على سريره بملامح باكية وقلب محمل بقهر وحسرة وألم، أول مرة تحس بيهم بعد ما عرفت إن لولا غازي، كان زمانها مرات حكيم دلوقتي، وبتعرف وتشرب من حبه وحنيته من غير حساب ولا خوف من عذاب. اتنهدت بقلة حيلة ومسكت خلجاته اللي على السرير، حضنتهم وشمّتهم ونزلت دموعها. مسحتهم ونامت، وحطت جلابية حكيم قصاد عينها على المخدة، وفضلت تبص لها وتتحدت وتمسد عليها بحنان، كيف ما يكون حكيم هو اللي قاعد قصاد عينيها، مش جلابيته. فضلت شوية على الحال ده، وقامت لما سمعت حس أمها بتنادي عليها من تحت عشان تنزلها. قامت وعدلت خلجاتها ومسحت عينيها ونزلت لأمها، وجواها بركان بيغلي
ونفسها تصرخ فيها وتقولها: ليه رضيتي تجوزيني لغازي؟ ليه تطيعي عمي وتشيعيني بيدك لعذابي، وأنا كان بيني وبين الهنا أيام.
نزلت وقعدت جنب أمها هبابة بملامح جامدة وقلب مخنوق، مالهاش نفس لا لحديت ولا لكلام. ولما أمها سألتها عن السبب، حكتلها اللي غازي بيعمله في جمرة، وإن ده هو سبب الحالة اللي هي فيها دي. عيشة خدت قعدتها ومشيت وقلبها محمل هم جديد من غازي وعمايله الشينة اللي معتنيهوش. وغازي رجع من بره، دخل السرايا، خلى زبيدة تحط له أكل وكل، وطلع من غير ما يتحدت مع جمارة ولا تتحدت معاه، عشان الكل يصدق إنهم زعلانين صح. وجمارة ما صدقت لقيتها
عشان حتى لو حدّثتها، مكنتش هتلاقي نفس ترد عليه. طول ما هو قاعد، كانت بصاله بملامح مشمئزة، وهي شايفة صورته الحقيقية. كيف ما تكون غشاوة كانت على عينيها من تلاه، واتشالت، وتوها اللي شافت وش الشيطان اللي كان داسه تحت وش البني آدمين. كانت بتقول لحالها إن كل اللي بيعمله فيها من بداية جوازها منه ده كوم، واللي عمله في حكيم وعذابه بيه ده كوم تاني، وعمرها مهتنساه له.
طلعت الجنينة في آخر النهار توكل جمرة وتقعد جنبها هبابة. وفي الوقت ده، دخل بشندي من باب السرايا ووصل لحدها، ولفّها كيس فيه وصفة جروح جابها من عطار بعت جابهم من البندر لجمرة، ووراها تدهنهم لها كيف وميتة. وهي نفذت فوراً. أخدت من يده وابتدت تدهن لجمرة. بشندي واقف جنبها واتنهد وهو باصصلهم. جمارة: بتتنهد بغلب كده ليه يا عم بشندي! بشندي: بفكر في اللي هيعمله سي حكيم لما يعاود ويشوف حال جمرة دي.
جمارة: طب يعمل في غازي، ماشي. لكن فيك انت ليه! بشندي: عشان بوصيني على (جمر قلبه وجماره) . أحرسهم في غيابه وأحافظ عليهم من الهوا، وإني كل اللي عملته إني نمت ورجليا للهوا، ومعملتش بوصيته ولا كنت قد الحراسة اللي حرستها. يا رب جروحها تطيب قبل ما يعاود. لو شافها كده، ممكن يجراله حاجة! جمارة كانت بتدهن لجمرة وإيدها وقفت لما سمعت الجملة بتاعت بشندي. "جمر قلبه وجماره". وقلبها نط من مطرحه.
وهمست لنفسها بفرحة: يعني موصيني يخلّي باله مني. خايف عليا حتى في بعدك يا نضر قلبي. وبعد ده كله وعايزني أبعد عنيك. والله لو هفضل عمري كله أتبص لك من بعيد لبعيد، وأشوفك كيف القمر بعيد وعالي ومينطالش، برضه مهسيبكش واصل.
بشندي مشى بعد ما اطمن على جمارة، وأخد معاه فروع شجر التوت المتكسر عشان يرميه بعيد عن جنينة السرايا. أما حكيم، فلسه الحروب شغالة جواه، والتفكير شيب قلبه وعقله، وبرضه مقدرش يوصل لقرار. يفرط في أرضه اللي هي عرضه، ولا يفرط في حبه وراحة قلبه. وفي الآخر استسلم للحيرة، وفاتها تطحن في روحه، وسلمها بإيد ربه، وهو عليه التفكير وساب لربنا التدبير.
وقت الغروب، طلع غازي من باب المشتمل الوراني على خبطة خفيفة. فتح الباب وشاف شكارة مسنودة على الحيطة وجنبها عوض. قرب من الشكارة وفتحها وابتسم وهو شايف اللي جواها. بص لعوض وهزله دماغه برضا: براوه عليك يا عوض. بس عترت بيها فين دي! عوض: مفيش أكتر منهم في الجبل. قولت لواحد حبيبي وراح صد رد، طلع الجبل واتكحرت في الحجارة واتمرمط في الرملة وجابهم وجيه. تعب قوي والله يا سي غازي. بس تعبك راحة، وتعب البدن ميغلاش عليك.
غازي حط إيده في جيبه وطلع فلوس، اداها لعوض: خد اديها دول. مش غازي اللي حد يتعبله ببلاش يا بو. يلا روح دلوقتي اعمل اللي وصيتك عليه. عوض خد منه الفلوس وعدهم بفرحة واتحرك من قباله وهو بيعد فيهم: ربنا ما يحرمنا منك ولا من فلوسك الحلوة دي يا سي غازي.
عوض راح على بشندي والرجالة، وبعت راجل بداله يحرس مطرحه. وغازي دخل جوه مع الرجالة اللي قطعوا شوط كبير في الشغل من امبارح، وتقريباً كلها يوم ولا اتنين، وكل حاجة تكون جاهزة كيف ما جهزها غازي وخطط لها.
بعد نص الليل، طلع غازي من المشتمل يتسحب على الجنينة وفإيده الشكارة، وبيتلفت حواليه بحرص، وراح على مطرح جمرة وعينه على السرايا وشبابيكها، واطمن إن محدش واعي له. وقف قصادها وبصلها وقرب إيده عليها، لكنها رجعت منه لورا بخوف. اتقرب عليها مرة تانية ونجح إنه يحط إيده على مقدمة وشها، وبعد لمسات حنونة منه، جمرة استسلمت واتطمنت ووقفت. هو لما شافها هديت، راح على شنطة سكر النبات المتعلقة، وأخد منها حفنة وقدمهالها، وهي أكلتها منه اعتقاداً منها إن دي محاولات للصلح منه، وهي اتجاوبت بقلب صافي.
بعد ما خلص السكر اللي في إيده، حط إيده في الشكارة وطلع منها نبتة غريبة ومدها لجمرة. في الأول رفضت أكلها بعد ما شمتها، لكن مع إصرار غازي عليها، وكل ما تبعد دماغها، يروح وراها بالنبته، اضطرت إنها تاكل منها. أكلت واحدة واستساغت طعمها، وغازي مدها التانية بفرحة، أكلتها، وبعدها التالتة. وارتاح غازي بعد ما وكل جمرة آخر نبته في الشكارة، وبعدها بص لها بصة أخيرة قبل ما يلم أثر النبات اللي وقع من خشمها في الأرض، ويحطه في الشكارة، ويعاود المشتمل يتلفت بخوف لغاية ما دخل وقفل الباب عليه. ونشوة رهيبة متجلية في عينيه وهو بيتخيل رد فعل حكيم على اللي عمله في جمرته، وقبل منه قهرة بشندي اللي هانه واتطاول عليه.
النهار طلع بعد ليل طويل عدى على جمارة وهي بتتقلب في فرشها كيف ما تكون نايمة على فراش من جمر، بعد كلام غالية ليها، ومعرفتها بعشق حكيم ليها اللي كاتمه في قلبه وساكت، ومتحمل يشوفها مع غازي قبال عينيه كل دقيقة. شفقت عليه من إحساس عاش بيه في قلبه كل المدة دي، وهي متحملتهوش من مجرد الفكرة لما قرر حكيم يتجوز، وحست إن حاجة ملكها هتضيع منها. مدت إيدها حطتها على قلبها اللي بيفرفط بين ضلوعها،
وسألت حالها: يا ترى هتتحمل تشوفه قبالك مع واحدة تانية كيف ما هو اتحمل؟ لكنها خابرة زين إن قلبها أضعف من إنه يتحملها. إذا كان من الفكرة بيتفط ويقطع بين ضلوعها، هيوبقى إيه حاله لو الفكرة اتحولت لحقيقة!
اتمنت لو يرجع بيها الزمن وترفض غازي، وتقف قبال عمها والدنيا كلها، لو كانت تعرف إنها في الآخر هتكون مع حكيم. استسلمت لأفكارها والحسرة اللي دخلتها غالية على قلبها وروحها، واتمنت إن غالية مكنتش قالت لها حاجة، وكانت سابتها على عماها كيف ما كانت.
اتقلبت في فرشها لآخر مرة قبل ما تقوم مع ساعات الصبح الأولى، تتوضى وتصلي وتطلب الصبر من ربنا على اللي هي فيه. طلعت على جمرة توكلها وتطمن عليها وعلى العصافير بتوعها. لكنها وقفت مرة واحدة وعينيها برقت، وهي شايفة جمرة قدامها واقفة، رجليها بترجف، وخيوط خضرا نازلة من خشمها. جريت عليها بصدمة وقربت منها تحضن فيها بخوف، وجسمها بقى بيرتعش أكتر من ارتعاشة جمرة. دقايق، عقلها وقف عن التفكير، وهي شايفة جمرة بتتطوح وهي واقفة،
وبالعافية قادرة تصلب طولها. مسافة بتفصلها من مطرحها لحد بوابة السرايا، خدتها في خطوات واسعة وهي بتسابق الريح. وصلت للبوابة وفتحتها بسرعة، وبشندي اللي كان قاعد على دكة هو واتنين معاه، قام بسرعة منتظر أول ما شافها وجرى عليها. ملحقش يسألها فيه إيه، عشان
هي سبقت واتحدت بلهفة وخوف: الحق جمرة يا عم بشندي.
بشندي يا دوبك سمع أول حرفين من الاسم، وطار من جنبها بكل سرعته، ووقف على بعد من جمرة وهو شايف حالها. ضرب على راسه بإيديه الاتنين وحس إن قلبه وقف لما عرف إيه اللي في جمرة. قرب منها، وكل خطوة يقربها، يضرب على دماغه بإيديه من غير ما خشمه ينطق. جمارة بعد ما شافت حالة بشندي على جمرة، قعدت على حيلها، مقدرتش تقف على رجليها تاني. بشندي قرب لجمرة ولف حواليها، ووطى على الأرض، مسك زهرة بيضا، رفعها قدام وشه، وغمض عينيه بألم، وصرخ
بعدها بصوت رج السرايا رج: عملتهاااا يا غازي يا كلب. موتك على إيدي النهارده يا واد المركوووب. مد إيده جوه هدومه، طلع طبنجة من السديري بتاعه، وجرى كيف الغول على المشتمل يفتحه. مقدرش، قام ضارب الباب بطلقتين، خلاه اتفتح في التو. دخل بسرعة، ولمح غازي بيجري من قدامه بخوف على باب المشتمل الوراني. جرى وراه، وغازي قدر يدخل الزرع بسرعة ويزوغ من بشندي. وبشندي فضل يضرب نار بشكل عشوائي مطرح ما دخل، متمني إن طلقة تيجي فيه وتبرد
نار قلبه القايدة. طلقة ورا طلقة، خلصت الطلقات اللي في الطبنجة، ووقف بشندي يتنفس بصوت عالي وينفث نار كيف التنين. رجع بعد ما سد باب المشتمل الوراني، وطلع منه على الجنينة من غير ما ينتبه للأوضة المقفولة، ولا حتى لشكاير الأسمنت المرصوصة على جنب في المشتمل.
طلع وراح على جمرة ووقف قدامها تاني، وكل اللي في دماغه حكيم واللي هيجراله لما يعرف اللي عمله غازي في جمرته. قدرت جمارة تقف وتروح له بصعوبة، وتسأله السؤال اللي تقريباً عارفة إجابته، بس عايزة تتأكد منها من لسان بشندي. "هو عملها إيه يا عم بشندي! بشندي بصوت مخنوق: سماها. وكلها عشبة سامة اسمها رجل الغراب، اللي بتنزل جوفه، متديهوش غير أيام على الدنيا، وبعدها يتكفى.
جمارة سمعت كلام بشندي وقلبها فرفط، والرجفة زادت عليها، ودموعها نزلت مع شهقة لازمت جوفها وهي بتنطق بصوت متقطع: يعني جمرة هتموت؟ يعني أمانة حكيم وروحه اللي فاتها بين إيديا ضيعتها له؟ يعني إني همله؟ وصرخت بأعلى صوتها وهي حاضنة دماغ جمرة: لاااااه يا عم بشندي، اعمل حاجة. احب على يدك. أمانة يا عم بشندي، ادّي البندر هات لها علاج، خليها تطيب قبل ما حكيم يعاود، عشان لما ييجي يلاقيها كيف ما فاتها.
بشندي بعصبية: قوووولتلك خدها الاسطبل، عملتها فيها قرد واتلحتتي فيها. قولتي عتسليني. يلا يا بتي اتسليتي زين! جمارة: اعمل فيا اللي تعمله، وقول عليا اللي تقوله، بس شوف علاج لجمرة الأول. بشندي قعد واتحدت بيأس وعينه على جمرة وحابس دمعة راجل غالية خلت عينيه بلون كاسات الدم: وإني لو خابر إن ليها علاج، كنتي شفتيني واقف قبالك هنا! اللي وكله غازي لجمرة موت ملوش طب ولا دوا. جمارة بيأس وخوف: يعني إيه كلامك ده؟ يعني هنملها تموت!
يعني هنقف نتفرج عليها وهي حالتها كده يا عم بشندي! رد عليا، ساكت ليه؟ قالتها ورجعت تحضن دماغ جمرة اللي مرة واحدة خلصت قوة تحملها، ووقعت على الأرض بضعف، ومدت رجليها الأربعة، وسندت دماغها على الأرض باستسلام لموت قادم لا محالة.
جمارة وعيت لجمرة عملت كده، وبقت تتنطط في مطرحها وتلدلد من الخوف، وبصت لبشندي اللي بص بعيد ورفع إيده على وشه، وعرفت إنه بيمسح دمعة مقدرش يكتمها. لفت حوالين نفسها لفتين، وفجأة بصت على باب السرايا، وانطلقت تجري على بره بكل سرعتها. بشندي قام وراح وراها جري عشان يلحقها، خاف تجرالها حاجة هي كمان، ويرجع حكيم لا يلاقي جمرته ولا جمارته، ويبقى موت بشندي على يد حكيم حاجة مفروغ منها. حصلها قبل البوابة ومسك دراعها
ولفها عليه وهو بيزعق: رايحة فين تهنطي كده! وهتطلعي قبال الرجالة وطرحتك واقعة من على راسك وشعرك باين كيف. اتنجمتي ياك! جمارة انتبهت لطرحتها ورفعتها بسرعة وهي بتحاول تخلص نفسها من قبضة بشندي، واتحدت بألم: سيبني يا عم بشندي، هروح لأمي أجيبها. هي بتعرف في الحاجات دي، يمكن ألاقيها عارفة حاجة تعالج جمرة وتلحقها. بشندي بيأس: متتعبيش حالك. خلاص يا بتي، أمر الله نفذ، وقولتلك اللي ياكل رجل الغراب مفيش منه رجا.
جمارة بصوت باكي: بس سيبني أحاول، الله يرضى عليك، يمكن ربنا يخلف الظن وتروق. سيبني يا عم بشندي، أحسن لو جمرة ماتت وربنا أموت حالي وراها. ماهتحمل أقف قبال حكيم وأقوله ضيعت أمانتك وفرطت في روحك. وزعقت بكل صوتها: الله يحرقك يا غازي، حرق! يحرقك حرق! بشندي سابها، بس بعد ما أخد نفس شديد وقالها: استنيني هنا، هجيب الكارته وجايلك. رجلك متخطيش بره البوابة غير لما أقف بالكارته قدام البوابة وأحجبك عن عيون الرجالة.
جمارة هزت دماغها بموافقة، وهو سابها وهي وقفت تقلب رجليها كأنها واقفة على جمر. دقايق معدودة عدوا على جمارة سنين، وسمعت بعدهم صوت عجلات الكارته. فتحت البوابة وطلعت واتشعبطت في الكارته، وطلبت من بشندي يسوق بسرعة، وهو من غير ما تقول طلع بالكارته يسابق الريح، وهو شايف جمارة وحالتها وحاسس إن قلبها هيوقف في أي لحظة، مع إنه عارف إن كل اللي هتعمله ملوش عازة. وطول الطريق بيفكر إذا كان هو وجمارة حالتهم كده على جمرة، حكيم هيعمل إيه ويجراله إيه!
وصلوا قبال دار عيشة، وجمارة نزلت بسرعة خبطت على الباب، وأول ما أمها عيشة فتحت الباب، جمارة هبشتها من خلجاتها، جرجرتها على الكارته، كان ناقص تشيلها. وعيشة تسأل بخوف: فيه إيه؟ وجمارة تقولها: همي يمه، هفهمك في الطريق. وحتى مخلتهاش تقفل باب الدار، وسابته مفتوح، وبشندي رجع بيهم على السرايا بنفس السرعة. جمارة قالت لأمها عيشة كل حاجة، وعيشة بصت لبشندي وسألته: وكلها إيه غراب البين يا بشندي؟ بشندي: رجل الغراب يا عيشة.
عيشة غمضت عينيها بيأس، وبعدها بصت لبنتها: خلاص يا بتي، هي كده في حكم الميتة. ساعات أو أيام هتقضيها قبل ما تسلم، واللي اتكتب عليها مفيش منه مهرب. جمارة هزت دماغها برفض، ورفعت راسها للسما وصرخت برفض: له يا رب، له! عشان خاطر حكيم الحامل كتابك وحاطك قبال عينيه طول عمره، مش عشان حد تاني. ياااااااااارب.
وصلوا السرايا، وجمارة أصرت على أمها تقولها على أي حاجة تديها لجمرة، حتى تخفف عنها الألم لو نهايتها موت. عيشة بصت لجمرة ومصمصت شفايفها بحسرة، وقالت لبنتها بنبرة يأس: في الأول، روحي هاتي قزازة زيت زيتون كبيرة. جريت جمارة على السرايا وجابت قزازة الزيت، وعيشة رفعت راس جمرة وفتحت خشمها بصعوبة، وسقتها قزازة الزيت كلها. جمارة: هيعمل إيه الزيت ده يا أمي!
عيشة: ده عشان يغلف اللي باقي في بطنها من الأكل، ويمنع معدتها تهضمه، وجسمها يمتصه وينزل بسرعة مع الزيت في صورة إسهال. جمارة هزتلها دماغها بفهم، وعيشة كملت كلام بعد ما خلصت قزازة الزيت كلها في خشم جمرة: ودلوقتي روحي هاتي جنزبيل وورق ريحان أخضر وورق نعناع أخضر وكمون صحيح وبذر حلبة، واغليهم مليح في حلة كبيرة، بس حطي من كل حاجة حفنة، مش غلايتين. جمارة هزت دماغها، ولسه هتتحرك،
أمها كملت: حطي دول على النار، وهاتي لي ليمون وتوم وعسل. ادقي التوم واخلطيه بالعسل، وفقعي عليه لمونة، وهاتيهم بسرعة عشان يخفف من لهب معدتها اللي زماناتها بتتقطع من السم اللي هضمته. جمارة هزت دماغها وجريت بسرعة عملت اللي قالتلها عليه أمها. بشندي اتوجه لعيشة بالكلام وهو باصص لجمرة: متقوليلها ملوش عازة اللي بتعمليه ده كله يا عيشة. عيشة: فوتيها تقاوح يا بشندي، عشان متحسش بندم إن كان في إيدها تعمل حاجة ومعملتهاش.
بشندي هز دماغه وقعد حط دماغه بين إيديه ووطى للأرض شوية بتفكير، وبص لجمرة اللي بتصارع ومش متحملة. قام راح على بره، وكلف الغفر كلهم يدوروا له على غازي في كل مطرح، ويجيبوه من تحت الأرض، ولازم يكون تحت إيده الليلة. وبالفعل، الكل انتشر كيف النحل يدوروا على غازي، لكنه في ملح وداب.
أما جمارة، فمفارقتش جمرة دقيقة واحدة، غير لما تروح تغلي لها أعشاب وترجع لها تاني. وبرغم كل حاجة بتعملها لها، إلا إن جمرة حالتها كيف ما هي، مع بتتحسن، ومفيش أكل دخل جوفها. وجمارة بتعوض لها ده بكيلو عسل نحل تشربهولها على مدار اليوم، لكن نفسها المخضوض وإسهالها المستمر ورعشة جسمها وعيونها اللي غمضت ورقبتها بدماغها اللي دايمًا مطروحة على الأرض، بيقولوا إن النهاية قربت. وطول الوقت جمارة تبكي وتلوم نفسها إنها هي السبب في اللي حصل لجمرة بسبب عندها وأنانية، واتمنت لو تقدر تاخد منها اللي فيها وتطيبها قبل ما حكيم يعاود.
عدى يوم كمان على نفس الحال، ولسه جمارة بتراعي في جمرة. ميأستش ولا تركت الأمل، حتى وهي شايفة حالتها اللي كيف ما هي. وكل خوفها وهمها من لحظة مواجهتها لحكيم، وعتسأل حالها في كل ثانية: يا ترى لما أقف قدامه، هقوله إيه؟
ولا هبصله بأنهي عين، وهي خانت أمانته ليها. لأول مرة تتمنى يطول سفره وميعاودش دلوقتي، وتأجل لوم وعتاب محتوم. لأول مرة نفسها الأرض تتشق وتبلعها قبل ما تقف قصاده، ويتطلعلها في عينيها طلعة اللي لما منعها عينيها، كانت هتموت قهر. لكن التمني عمره ما كان بيمنع محتوم.
حكيم خلص شغله بدري بدري، النوبة دي، وعاود بسرعة على غير عادته. وغازي لما عرف بطريقته إن حكيم في الطريق، نهى كل حاجة، وطلع الرجالة في الدرة واحد واحد من المشتمل، بعد ما عطاهم حق تعبهم وشيعهم على بلدهم ذهاب بلا عودة، عشان خلاص مبقاش محتاج لهم تاني. قفل الأوضة ورجع كل حاجة مطرحها، ووضب المشتمل، وطلع من الباب الوراني، لام شاف ولا من دري. وعوض مستمر يقول لبشندي إنه معاوَدش للمشتمل ولا هوب حواليه حتى. غازي طلع من المشتمل
وهمل البلد، واندل البندر يظبط حاله، ويشوف الخطوة الجاية هتبقى إيه. مكانش خايف من حكيم أبداً على اللي عمله في جمرة، عشان خابر زين إن حكيم مكتّفه عهد وقسم ووصية أبوه اللي طول عمره مقدرش ينقضهم. وده اللي مخلي غازي يلعب براحته وعلى مزاجه من غير خوف. بالعكس، كان متأكد إن اللي عمله في جمرة هيعود عليه بالنفع اللي يريح قلبه وباله. لكن خوفه، كل خوفه، من بشندي اللي عارف ومتأكد إنه مستني عليه فرصة، لو طالها مش هيتوانى في قتله.
وصل حكيم للبلد وقرب على السرايا، وبشندي وواحد من الرجالة وعيونه من بعيد، وجريوا عليه. الراجل خد منه الشنطة يوصلها له للبوابة، واتحرك من جنبهم. وحكيم وقف وديق حواجبه وهو شايف شكل بشندي وملامحه اللي خبرت حكيم إن فيه مصيبة مغلقة حصلت في غيابه، وقلبه وقع في رجليه. حكيم همس لبشندي: قول حصل إيه في غيابي بسرعة، وفي كلمة واحدة يا بشندي! بشندي جاوبه وعيونه لسة على الأرض: (جمرة)
حكيم سمع الاسم وجرى بكل سرعته على بوابة السرايا، دفعها بكل قوته ودخل رامح. جمارة كانت قاعدة قبال جمرة، وحاطة إيديها على خدودها، وباصالها ومنتهية من البكا والحزن، وقامت بسرعة لما طرفت بعينيها وشافت اللي جاي رامح ناحيتهم كيف الريح. وقفت، وهو أول ما وصل حداهم وقف، وجمارة وقفت قباله بخوف، ولساتها هتتحدت وتفتح خشمها. حكيم زاحها من قباله بالراحة عشان يفتح له المجال يشوف اللي متأكد إن قلبه مهيتحملهوش، لكن شوفته شر لا بد منه. بعد جمارة عن طريقه، وبص لجمرة، وكتم شهقة جواه، وغمض من المنظر اللي شافه واللي فاق تخيلاته، واللي عمره ما كان متوقع إنه ييجي عليه يوم ويشوف جمرة قلبه في الحالة دي.
جمارة: حقك عليا يا سي حكيم، والله ماشفته. وحياة النبي لو شفته، كنت أكلته بسناني قبل ما يعمله. حكيم قرب على جمرة بخطى بطيئة خالية من الحياة، وقعد جنبها، ورفع دماغها بصعوبة، حطها على رجله، وقرب لم ودنها وهمس: خلاص هتسيبي حبيبك وتفارقي يا رفيقة الدرب وخليلة الروح! هتاخدي الروح وتفوتيني جسم من غير روح يا جمرة القلب؟
همسه ليها كان مسموع بالدرجة الكافية اللي تخلي جمارة تنهار وتقعد على الأرض وهي حاطة إيدها على خشمها، وبتعيط على حال جمرة وحكيم اللي متحملتش تشوفه بالمنظر ده، ولا كانت تتمنى في يوم من الأيام تشوفه مكسور وهي تكون سبب كسرته. أما بشندي، فكان واقف بعيد وشايف حال حكيم، ويحبس دمعة في عين، تغافله التانية وتنزل، ويجري وراها بإيده يمسحها قبل ما حد يلمحها. واللي عصر القلوب كلها وقت ما حكيم مال على جمرة وباسها، وهو بيلمس على شعرها بحنية، وهي رمشت بعيونها اللي ليها أيام متفتحتش، وفتحتهم نص فتحة، وبصت له كأنها بتودع منه وتودعه لآخر مرة، وبعدها غمضت عينيها تاني. وهو صرخ بقهر من
بصتها عليه كأنها بتقول له: ليه هملتني وفوتتني للموت من بعدك. قام بضعف بعد ما ساند دماغها على الأرض بحنية، وبص لجسمها اللي بيرتعش شوية ويبطل شوية، وبص لفوق، وغمض عينيه وكتم صرخة لو طلعت تشق الحناجر. فتح عينيه وبص لبشندي اللي اتقدم منه لما حس إنه هيقول له حاجة. حكيم: غازي، مش كده! بشندي: ومين غيره حراق قلوب يا ولدي. حكيم: من مته وهي كده. بشندي: من تاني يوم سافرت فيه. حكيم بص لها وشفايفه ارتعت،
واتحدت بألم: وسبتها كل الوقت ده تتألم يا بشندي؟ بشندي: متحملتش أعملها يا ولدي. مقدرتش أزهق اللي خابر زين إنها الروح ليك. حكيم: بس ده أهون من إنك تكون واعي روحي بتتعذب قبال عينك ومتنهيش عذابها يا بشندي. قالها ومد له إيده. وبشندي حط إيده في قب الجلابية وطلع الطبنجة، مدها لحكيم اللي اتلافاها بإيد بترتعش، وعدلها وسلحها، ووجهها على جمرة. جمارة شافت اللي بيحصل وقامت هابة على حيلها، وقفت قبال حكيم وفردت دراعاتها بخوف،
واتحدت بصوت عالي: هتعمل إيه يا سي حكيم ده! جمرة! أوعاك يا سي حكيم! كيف قلبك طاوعك ترفع عليها سلاح! حرام عليك، انت مش شيخ وعارف الحرام والحلال؟
حكيم مقدرش يرد عليها، ولا لسانه قادر ينطق بكلمة، وعينه على جمرة، وإيده بترتعش، وروحه بتتحرق، وعامل كيف أب اختار يموت عياله عشان ينهي عذابه، وخابر زين إنه هيموت قبل منه. وإن رصاصة الرحمة اللي هتتحط في جسم جمرة هتدخل في قلبه قبل منها. لكنه عارف إن موته وموتها مرة واحدة أهون من إنه يشوفها بتتعذب قصاد عينه ويموت قبالها ألف مرة.
حكيم لسة مادد إيده بالطبنجة بإصرار، وعيونه انطعنت بالحمار، وملامحه وجسمه كله بيرتعش قبال رجفة إيده. وبشندي بسرعة مد إيده، مسك جمارة وبعدها من قدام حكيم، ووسع له المجال. وحكيم وجمرة بقوا قبال بعض. فضل مادد إيده عليها وصورتها في عينيه، وهي بتجوب بيه الشوارع كيف بساط الريح اللي بيعرف وجهة صاحبه من غير ما يقول له. وفرحتها بيه لما تشوفه جاي عليها من بعيد. خوفها عليه لما وقع جار النهر، وراحت جابت له بشندي وجات له طايرة بلهفة وخوف. وطول عمرها قلبها عليه كيف قلب أم. حركة دماغها ليه وهو قاعد يحكيلها عن كل حاجة وجعاه،
كأنها فاهمة وعتقول له: متخافش، إني معاك، مش هسيبك. كل الصور دي مقدرش حكيم يبعدها عنه. وصرخ في بشندي مرة واحدة، لما لا قلبه ولا عينيه ولا عقله ساعدوه على اللي عايز يعمله، وفوقهم صوت صراخ جمارة اللي انضمت لها غالية، والاتنين بيترجوه ميملهوش. حكيم: بشندددداااااي، خد وخلص قوام.
بشندي ساب جمارة وراح على حكيم، خد منه الطبنجة، مدها على جمرة. وجمارة نطت عليه مرة واحدة، ومسكت دراعه اللي فيه الطبنجة بإيديها الاتنين، ورفعته لفوق وهي باصة لحكيم بترجّي: خصيمك النبي متخليه يموتها. خصيمكم النبي انتو الاتنين تسيبوها تموت لحالها. حرام يا ناس، والله حرام. حكيم رد عليها
بصوت مخنوق من حبسة الدموع: مش حرام يا جمارة، دي اسمه قتل الرحمة، ودي أحله ربنا في حالات معينة، وحالة جمرة واحدة منهم. همليها ترتاح لو بتحبيها صح. اللي بيحب ميرضاش بعذاب حبيبه. خلي بشندي يشوف شغله.
قال جملته وهرب من قدامهم على جوه السرايا، عشان لو فضل ثانية واحدة هينهار، وتدوب كل قشرة القوة اللي مغلفاه، وكان حاسس إنه خلاص هيقع من طوله. وأول ما شاف أمه على باب السرايا قاعدة بالكرسي وشايفة كل اللي بيحصل، وبصاله بعيون باكية، وهو بيقرب منها، وبص لها بنظرة خلتها تتأكد إن ولا كل كلام الدنيا هيقدر يبرد نار قلبه على جمرته، ولا يخفف قهرته عليها. وصل حكيم حداها واتخطاها ودخل السرايا بسرعة، وهي فهمت إنه في اللحظة دي أضعف ما يكون، وعايز يختلي بنفسه ويطلع ضعفه بينه وبينها وبس.
أما جمارة، ففضلت في صراع هي وبشندي، وانضمت لهم غالية. والاتنين بيمنعوه إنه يضرب جمرة بالنار. وجمارة وصلت لحالة هستيرية، لدرجة إنها كانت بتترجاه مرة وتشتمه مرة، وفي كل مرة بعد الشتيمة أو الترجي، تنهيها إنها توطي على يد بشندي، عايزة تحب عليها. وهو يبعد إيده ويستغفر. شد وسحب وجهد. قدر بعدهم بشندي يحرر إيده اللي فيها الطبنجة من جمارة، ويزيحها بعيد عنه. وغالية لما شافت بشندي مصمم، عرفت إنه هيكتل جمرة، يعني هيكتلها. وعشان تنهي الصراع، مسكت جمارة، وبشندي مد إيده بالطبنجة على جمرة.
حكيم في الوقت ده طلع أوضته وقفل بابها، وفضل يلف فيها كيف المجذوب. موقفهوش عن اللف غير صوت الطلقة اللي حسها دخلت في قلبه، خلته غمض عينيه وقعد على الأرض، وسند ضهره على السرير، وحط دماغه بين إيديه، وهو حاسس حاله صفى لحاله، بعد ما الاتنين راحوا منه. قلبه وروحه. جمرته وجمارته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!