الفصل 27 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
19
كلمة
5,040
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

غازى عمال يجرى فالسرايا كيف المجذوب والرجاله كلها معاه. عتلف فالسرايا بره وجوه ومنتشرين يدورو فكل ركن وكل زاويه. تحت السراير وفالدولابات، عالسطوح وفالحمامات. مفاتوش موطرح متوكدوش منه مرة وتنين وتلاتة، وبعدها اتجمعو قدام غازى. "عوض ملقيناهوش ياشيخ، فص ملح وداب." غازى بغضب: "شاله تتفصص من بعضك يابعيد." قالها ولف حوالين نفسه وهو عيصرخ من قعف راسه: "غاااار وين؟ طلع منين الواكل ناسه ديه؟

دا مفيش خرم ابره يطلع منه والدنيا كلها مقفلة. فك حاله كيف وحدة وهرببب كيييييف؟ كيف وانتو عتقولو مغفلتوش عن حراسة السرايا كيييف؟

زيبق واد المحروق عيتسرسب من تحت البيبان ولا ميه عيرشح من الحيطان. يانصيبتك السودة ياغازى. غفلقِت تانى على راسك ياغازى والمرة داى الغفليقة مغفلقة. لا إنى موتته وارتحت منه وامنت شره، ولا إنى قدرت اعرف منه موطرح العقود وين قبل ما يغور. خلاص ياغازى هتقعد فالسرايا كيف الحريم مهتطلعشى تانى واصل. خيبة عليك وعلى رجالتك اللى جمعتها من بطون الجبال وقلت دول اللى هيحمو ضهرك ويكونو سدك المنيع. مندبة وندبت على راسك ياغااااازى."

خلص جملته وضرب راسه بإيديه التنين، لكنه بعدهم بسرعة لما افتكر انه ممكن راح المكان الوحيد اللي مفكرش فيه. "يكون راح لحكيم القبو، ولو ديه حوصول وبشندى وصل لحكيم توبقى غفففلقت صوح." خد الرجالة وراح على المشتمل، ومع إن بابه لساته مقفول بالقفل، لكنه لساه شاكك إن بشندى يكون دخل من أي موطرح أو يكون نزل عليه من سطوح السرايا. "وديه دور واحد فرق." فتح الباب وقدم الرجالة ببندقياتهم ودخلوا فتشوا المشتمل كله ملقوش حاجة.

أخد نفس وهو شايف القفل لساته على الأوضة، ولما فتحه شاف الحفرة متغطية وكل حاجة موطرحها. لكن زيادة تأكيد فتحها ونزل عوض يتأكد، ولما عوض اداه الأمان نزل وراه. كل الغيظ اللي في قلبه كوم، وغيظه من الضحكة اللي شافها شاقة خشم حكيم لما نزله كوم تاني. قرب منه ووقف قباله بعيون حمرة كيف عيون الغول، وزادها عليه حكيم لما قله: "كتالك فلت من يدك ياغازى، خلاص عد ايامك على صوابعك يا قزين." وتبعها بضحكة عالية.

غازى: "هجيبه تاني كيف ما جبته قبل أكده، والنوبادي طلوع روحه على يدي. واحب أقولك إنه حتى لو حوصول وبشندى وصلي وموتني، هموت مرتاح عشان انت كمان هتموت وراي. هتموت من الجوع، هتموت ميتة الكلاب." حكيم بضحكة: "ياااابوي على الخوف اللي واعية فعنيك ديه. متعرفش برد قلبي كيف وشفى غليلي منك، عشان خابر إن أكتر إحساس عياكل في الروح بعد القهر والظلم هو الخوووف. حبيبي بشندى ديه، والله حبيبي."

غازى بلع ريقه عشان كلام حكيم فعلاً كان في الصميم، وبالفعل الخوف اللي حاسس بيه غازى من بشندى مخلي عقله واقف وقلبه عيرجف كيف زعف النخيل. سابه وطلع هو وعوض، وحكيم ودعه بضحكة تشَفى صوتها فضل يرن في ودانه حتى بعد ما قفل الحفرة وطلع من المشتمل. اتلفت حواليه عشان يرد له هبابة من القهر اللي حسسه بيه، وملقاش قباله غير جمرة. كان هيروح عليها،

لكنه وقف وقال لنفسه: "له، جمرة مش كفاية. لازمن النوبادي تكون أشد وأقوى. عايزاه يفرفط من وجع روحه." صرف الرجالة وقال لعوض يدور على بشندى في كل موطرح، وهو تعبان النوبادي أكتر من النوبة اللي فاتت، ومهيبعدش كتير وتلاقيه لابد له في غيط من غيطان القصب ولا زرعة شامى. عوض خد الرجالة وطلعوا، وغازى قفل بوابة السرايا من جوه بعد ما وصى اللي واقفين عليها يخلو بالهم زين ويفتحوا عنيهم. وحتى هما يخافوا على حياتهم من بشندى.

دخل السرايا، وكانت غالية وجمارة قاعدين في أوضة جمارة فوق من ساعة ما كانت الرجالة عتدور على بشندى. اتلفت يمين وشمال ووقف شوية، وراح على أوضة تماضر وشالها رغم اعتراضها وحطها على الكرسي وطلع بيها من الأوضة بالكرسي وجرى بيها سريع ووقف في الصالة قبال الكاميرا. حكيم شاف أمه فيد غازى، وقف على حيله وصرخ وهو شايف غازى ابتدا يلففها بالكرسي بسرعة رهيبة وهي خايفة وماسكة في مقابض الكرسي وتهتز راسها بخوف.

وشهق بكل صوته وفضل يضرب بالحديد في السرير وينده على جمارة وغالية يخلصوا أمه من يد غازي. وانهار انهيار تام وهو شايف غازي يعقلب الكرسي ويوقعها في الأرض. وقف يضحك، وبعدها مسكها من دراعها وبقى يلف بيها السرايا كلها ويخبطها في كل حاجة قدامه. حكيم من كتر الغيظ والعصبية والصراخ اللي مبطلش، إلا وهو شايف غالية وجمارة نازلين من على السلم جري وخلصوا أمه من يد غازي.

حس بحاجة دافية على وشه ورفع إيده مسحها، لقاه دم بينزف من خشمه ومناخيره ونازل على هدومه نقط وهو ما حسش. قعد على حيله وفضل باصص لأمه وهي عتبكي في باط غالية كيف عيلة صغيرة، وعنيه دمعت عليها. وفضل يلعن العجز اللي هو فيه واللي ممخليهوش قادر يخلص حبايبه من يد غازي. **************** أما في وقت سابق.. خيري: "أيوه جاي، مين اللي عيخبط؟ بشندى بضعف: "افتح هموت يا خيري." خيري ديق حواجبه ورجع فردهم وبرق

عينيه وهو بيفتح الباب: "بشندى، انت حي مموتش؟ وقرب منه سنده على إيده لما شاف بشندى عينزل على الأرض بالراحة بيتعب، وقومه ودخله البيت وهو ماسكه من تحت باطه وقعده على أقرب دكة. جرى جاب ميه وزقي بشندى، وبعدها حط له مخدة ونومه ورفع رجليه على الدكة وقعد قباله يتأمل فيه ويضرب كف على كف. "عيمل فيك إيه الخسيس ديه؟ كيف بدل حالك أكده!

بس تعرف الحمد لله إنك لساك عايش داني. والله إني استعوضت ربنا فيك وقولت صاده وتواه ولا من شاف ولا من درى. ومن يومها وإني أدور عليك في المصارف والخرابات، وقلبي وقف لما لقوا واحد مكتول في الرياح وقولت ديه بشندى. بس لما رحت وشوفته ولقيته مش انت، وكيلك الله. زعلت عشان كنت مرتاح إني لقيت جتك وهدفنها وأعرف لك طريق قبر. وبعدها رجعت أدور عليك. ولما قوطت كل خرم أبرة في البلد ملقيتاكش، سكت وبطلت دوير وسبتك منك لربك عاد."

بشندى بضعف: "عايز عوض يا خيري، هات لي عوض بأي طريقة يا خيييييري." خيري: "شد حيلك بس هبابة، واقف على رجلك، ولو على عوض ساهلة أجيبهولك تحت رجلك، بس طيب فلاول واصلب طولك." بشندى وهو بيغمض عينيه ويستسلم للتعب وصوته اتحول لهمس: "عوض يا خيييييري.. عاوز عو..... وبعدها غمض عينيه وراح في دنيا تانية. وخيري قام غطاه وهو عيجز على سنانه بعد ما اتأمل حالته وحالة جسمه المنتهي من الجروح.

فاته في السقيفة ودخل للأوضة، دخل في سريره ودكم مرته اللي نايمة جاره. "هممم عايز إيه يا خيري؟ خيري: "فوقي يا ولية، عقولك بشندى نايم بره. لما تقوم الصبح تاخدي بالك وتلبسي حاجة حشمة. واوعك حد يعرف إن بشندى حدانا. ولو واحد من العيال سألك عليه قوليلهم قريبنا من بعيد، ونبهي عليهم ميجيبوش سيرته مع حد واصل. وتدبحيله دكر بط مغفلق أول ما تفتحي عينك بكرة وتطيبيه." "ماشي." خيري: "ماشي إيه؟ ردت عليه بنعاس: "هقول للعيال."

خيري: "هتقولي إيه؟ وهي بتهرش دماغها وبتتاوب: "هقولهم متقولوش لحد إن قريب أبوكم جاي واسمه بشندى.. وجايب معاه دكر بط مغفلق.. وسيبني أنام يا خيري عاااد." خيري غمض عينيه ونفخ بغلب: "إيه ديه اللي عتقوليه انتي؟ "هملني أناااام يا خيري." خيري: "طب نامي يختي نامي. نامت عليكِ حيطة. إني مش خابر انتي عاودتلي ليه من غير ما أروح أجيبك؟

مش كنتي قاعدة في بيت أبوكِ وفأمانة الله وعشيعلك مصاريفك أهناك. إيه اللي جاااابك بعد ما اتعودت عالقعدة لحالي ولقيتها زينة." "نااااام يا خيري، عايزة أنام بكرة ورايا خبيز." خيري حط راسه على المخدة بعد ما اداها نظرة أخيرة وحط إيده تحت دماغه وبص للسقف وهو بيفكر في الطريقة اللي هيقدر يجيب بيها عوض لبشندى. *** يومين عدوا وبشندى على حاله نايم سخن وبيخترف باسم عوض وغازي وحكيم.

وخيري طول الوقت جاره يعمله في كمادات ويقومه يحطه جوا طشت ويفضل يكب عليه ميه ويسبحه عشان الحرارة تنزل، وبشندى يفتح عينيه بعدها هبابة ويقول لخيري: "هات لي عوض" ويرجع يغمض عينيه تاني. أما غازي فعلى أعصابه قاعد وخايف من اللي هيعمله بشندى، وحاسس إن الضربة هتيجي له منه في أي وقت. ومنع الطلوع إلا من السرايا للمندرة تحت حراسة مشددة، ويعاود للسرايا تاني. وحتى حكيم ليه يومين منزلهوش ولا شافه، وكله خلص ولا لسه.

قام على حيله من على السفرة اللي مبقاش يقعد ياكل عليها حد معاه، وكل أكله بقى لوحده. وغازي عيخلي زبيدة تطلعلها الأكل فوق وتغصب عليها تاكل وهي تنقش لها لقمة نقش بنفس مسدودة، وبعدها تزيح الأكل بعيد عنها ودموعها تنزل وهي حاسة بالذنب عشان اللقمة نزلت بطنها وهي معرفاش أمها عايشة كيف وغازي عيمل فيها إيه، وعتاكل ولا له.

دخل على أوضة تماضر، وكانت غالية قاعدة جارها عالسرير وبتشربها طبق شربة، ونقل عينيه بينها وبين غالية، ورفع نَبْوته على غالية ووجه لها الكلام بغضب: "انتي محبلتيش ليه لحد دلوقتي يابجرة انتي؟ غالية حطت الطبق اللي في إيدها على الكوميدينو وضربت إيد على ضهر إيد وردت عليه بتهكم: "لو فيك خير كانت حبلت منك البجرة اللي قبلي." غازي برق عينيه واتقدم عليها مسكها من هدومها: "قصدك إيه يابت المركوب انتي؟

ردت عليه غالية وهي متشتتة بينه وهو بيشد فيها عليه وأمها اللي بتشد فيها منه: "قصدي انت فهمته زين يا غازي، انت معتخلفش. ربنا قطع خلوفتك عشان يقطع نسلك من الدنيا عشان اللي زيك حرام يزرِع ويفرِع." غازي سمع منها الكلام ده، وكأنها مست بيه الوتر الحساس بتاعه، عشان هو دلوقتي كل أمنيته عيل من صلبه يجي على الدنيا عشان يورثه كل الإمبراطورية اللي بيعملها دي وكل اللي ناوي يعمله بعدين.

غازي: "هروح البندر وأجيب لك علاج يا غالية، ووالله في سماه لو عدت السنة عليكي من غير ما تكوني مخلفالي عيل، لاكون كاحت ودافنك في جنينة السرايا." وسابها وطلع وبوشه على الدور الثاني، وفتح الباب على جمارة مرة واحدة جفلها: "اعملي حسابك انتي كمان عقدنا بعد يومين، جهزي لي حالك بعد بكرة آخر يوم في عدتك." جمارة انتفضت لما نطقها كأنه ملك الموت وجاي يبلغها بميعاد قبض روحها.

وقفت على حيلها بعد ما مشي وفضلت رايحة جاية في الأوضة وهي بتفرك اديها في بعض مرة وتخبط على كل حاجة تقابلها كأنها بتطرق بيبان الحلول عشان تتفتح لها على حل يخلصها من مصيبتها. غمضت عينيها وهي بتتخيل حالها مرة تانية بين إيدين غازي وملامح وشها كلها كشرت باعتراض، وفتحت عينيها على صورة حكيم وجمرة وشافت ضحكته ونبرة صوته رنت في قلبها قبل ودنها.

وفضلت تفتكر حديثه معاها وكلامه الحلو اللي كان بيقولهولها، وكيف مات متحسر على طلة في عينيها ومنع نفسه عن لمسة يدها حتى، وكل ده يت هنى بيه غازي بعده. ووقتها حلفت أنه لا هيحصل ولا يكون. وديه مهيتحققش إلا بحاجة من اتنين: يا إما تموت حالها، يا إما تموت غازي. وقلبها وعقلها وكل حاجة فيها أيدت الحل التاني. بس خوفها على أمها اللي في يد غازي ومتعرفلهاش طريق هو اللي خلاها تتردد.

لكنها في الآخر سلمت أمرها وأمر أمها بيد رب العالمين وقررت أنها تعمل كده وتريح الكل من شر غازي، حتى عشان روح حكيمها ترقد مرتاحة بعد ما تاخد له بـتـاره. فكرت وخططت وقررت إن الليلة هيكون التنفيذ، ومبقتش محتارة غير في طريقة التنفيذ بس، ودا سابتها لوقتها واللي تشوفه أنسب. طول الوقت حكيم متابعها على الشاشة ومديق عينيه وهو شايف حالتها واتأكد إنه بيخطط لحاجة، وخاف عليها من غازي لو عملت غلطة معاه.

وهمسلها بينه وبين نفسه: "ياترى بتفكري فايه يابت قلبي، أوعك تتغابي مع غازي وتوجعي قلبي عليكي، إني محاملش الله لا يسيئك." *** كل يابشندى انت من ساعة ما جيت مخبوط ممخبرش، وإني ما صدقتك تفتح عينيك دلوقتي. خد كل النسيرة ده خليك تشد حيلك وتقوم تقف على رجلك. بشندى: "هات لي عوض يا خيري." خيري: "يقطع عوض وسيرته اللي معتنزلش من خشمك ده واصل من ساعة ما جيت. قولتلك هجيبهولك هجيبهولك، بس انت فيك حيل ليه دلوقتي؟

خلينى جبتهولك دلوقتي هتقدر تعمل فيه إيه! بشندى: "شوف لي حل يا خيري يزيح العيا عني، إني لازمن ألحق حريم الغالي وأخلصهم من تحت يد غازي ده، زاقيهم المر وساعيلهم كورباج.. عيضرب مرت ولدي وأخته بالكورباج يا خيري. وحتى عيش... وانتبه كأنه كان ناسيها واتعدل زين في قعدته. "عيشة يا خيري.. عيشة نسيتها خالص." خيري: "عيشة مين!

بشندى: "عيشة أم جمارة. غازي خاطفها ليه مدة ومأويها محدش يعرف لها طريق. لو مهتجيبليش عوض دلوقتي يبقى دور لي على عيشة يا خيري." وضرب جبينه بيده. "كيف راحت عن بالي. كيف نسيتها، وهي خدت كتلة موت بسببي وحتى حبستها من تحت راسي كيف! خيري: "هون على روحك هبابة، انت كنت وين وكان فيك عقل تتفكر حد منين؟

وانت من ساعة ما جيت مكفي كنه جسمك كان متحمل فوق طاقته، وأول ما بعد عن العذاب رفع رايته وسلم للوجع. على العموم متحطش في بالك إني هنكش البلد على عيشة وأدور عليها في كل موطرح ممكن غازي يدسها فيه. خد كل يلا، وجعت قلبي معاك بكفاياك." ومدله حتتة لحمة حطهاله في خشمه بالعافية. بشندى وهو بيمضغ بصعوبة همس لنفسه: "معلش عوقت عليهم وعليك يا ولدي، سامحني غصب عني." *** غالية قاعدة

جار تماضر وعتقاوح قبالها: "له يمه مهطلعكش في الجنينة النهارده، عتتعبى وتقعدي تبكي ومعبقاش خابرة من إيه ولا عبقي خابرة أعملك إيه عشان تسكتي." تماضر برضو فضلت تزوم وتشاورلها على بره، وغالية استسلمت قدام إصرارها وطلعتها. وكالعادة خلتها وودتها قدام باب المشتمل ووقفتها. وتماضر غمضت عينيها وفضلت دموعها تنزل لحالها وقلبها شكشك كيف ما كان بيعمل على حكيم لما تكون قلقانة عليه وهو بعيد عنها.

دخل غازي من بوابة السرايا وشاف تماضر أكده، جرى عليها ووقف قبالها هي وغالية: "عتعملو إيه أهنه انتووو! غالية مردتش عليه، لكن تماضر فضلت تزوم وتشاور له بيدها على المشتمل وعنيها اتقلبت حومر كأنها بتقول له إني خابرة إن ولدي أهنه وخابرة اللي عامله في حاله. غازي قعد قبالها وجز على سنانه، وبحركة سريعة مسك فكها بإيده وضغط عليه. "جايه أهنه تبكي وتتشهوني على إيه هاه؟ مالك وإيه فيكي يا عجوزة الشوم والندامة؟ عتوقي لييييه؟

غالية في الوقت ده كانت ماسكة إيده اللي ماسك بيها أمها وعتشدها بكل قوتها، لكنها مقادرة تخلع وش أمها من يده. وصرخت فيه بكل صوتها عشان يسيبها، وهو بالفعل سابها بس عشان يمسك غالية من شعرها وينزلها تحت رجلين أمها ويحط وشها في التراب ويرفع رجله يحطها على دماغها وهو بيهمس بفحيح يشبه فحيح الأفاعي: "أوعك أرقبك فيوم مطلعة أمك من باب السرايا وجايه بيها للجنينة أهنه.. انتي فاهمه؟

والله يا غالية وقتها متلومي غير حالك من اللي هيجرى فيها." غالية سكتت متكلمتش، وفضلت تحاول تشيل رجله من عليها بدون جدوى. بس تماضر كانت بتزوم وتمسك في طرف توبه وتقربه على خشمه تحبه وتحب على يده عشان يرفع رجله من على دماغ بتها. وهو بعد مسافة رفع رجله وفاتهم ومشى ناحية السرايا بعد ما صرخ فيهم: "هاتي أمك وخشى بيها جوا واتنيلو اقعدو على حيلكم جاكم الهم معشان ناقصكم إني."

وكل ده كان بيحصول قدام عينين حكيم اللي بطل يصرخ على أمه عشان اتأكد إنها معتسمعش حسه، برغم إنها شايفاه بقلبها، بس ديه مش كفاية عشان يفك أسره. سكت وحط راسه بين إيديه وهو واعي غالية واخده أمها ورايحة بيها على السرايا، وأمه عينها على المشتمل معاوزاش تهمله كيف كل مرة. ونفخ بيأس بدأ يتسلل لقلبه، واستغفر ربه بعدها لما حس إنه بدأ يقنط من رحمة الله وجدد إيمانه ودعا بصوت عالي: "ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين."

بالليل وسط السكون اللي معيعكرهوش غير صوت الضفاضع، واقفة جمارة جنب الشباك مترقباه. وكيف ما ضريان يعمل طلع من السرايا وراح ناحية المشتمل، وهي بسرعة نزلت جرى وراه أول ما شافته. خدت نبوته اللي دايما بيسنده ورا باب السرايا وهو داخل وياخده وهو طالع، واتسحبت ودخلت المشتمل بعد ما بصت حواليها شمال ويمين.

اتدارت ورا باب الأوضة اللي كان فاتحها ولساته بيفتح القفل من على حلقات غطا الحفرة، وشال الغطا بتاع الحفرة وابتدا ينزل السلالم وحدة وحدة. جمارة اتسحبت وبقت فوق الحفرة، وخلاص اهتدت للطريقة اللي هتقدر تموت بيها غازي بدون مجهود. وهي إنها تقفل عليه غطا الحفرة. وسابت النبوة من يدها وراحت على الغطا ومسكته عشان تزيحه، لكنها وقفت لما سمعت صوت غازي بيتحدت مع حد.

استنت تسمع الحديث ووقفت مرة واحدة وحست إنها هتقع من طولها جوا الحفرة وهي سامعة نبرة صوت لا يمكن تنساها ولا ودنها ولا قلبها يقدروا يخطئوها أبداً. رجعت قعدت تاني وجسمها عيرجف وكل حاجة فيها عتتهز كيف ورقة شجر في مهب ريح. وقربت دماغها من الحفرة عشان تتأكد زين من اللي سمعته. ورجعت دقات قلبها ترقص مرة تانية على نغمة الصوت اللي اتعاد على مسامعها. صح الكلام مقدرتش تميزه، بس الصوت قلبها وروحها بصموا بالعشرة إنه صوته.

بينما هي قاعدة في موطرحها بين الحلم والحقيقة، حست بصوت خطوات غازي بتطلع السلم. لملمت شتات نفسها وقامت بسرعة وطلعت من الأوضة ومن المشتمل، ودارت في موطرح غازي ميقدرش يشوفها فيه. واستنت لما طلع وقفل باب المشتمل وراح للسرايا. وفضلت شوية وبعدها طلعت تتلفت حواليها وهي بتقرب على باب المشتمل. مسكت القفل وحاولت تشده، متمنية برجاء إنه يتفتح في يدها، لكن رجائها خاب.

بعدت وراحت وقفت تحت الشباك شوية تفكر، وبعدها راحت جابت نص البرميل ووقفت عليه عشان تشوف لها حل. لكن حديد الشباك منعها. نزلت بخيبة أمل ورجعت البرميل لموطرحه ورجعت تتسحب على السرايا.

وفضلت شوية في الصالة رايحة جاية لغاية ما حست إنها استنت المدة الكافية، وبعدها راحت قدام أوضة غازي واستجمعت كل شجاعتها ومسكت مقبض الباب ودارته بالراحة وفتحت الباب وهي مغمضة ومنتظرة حد من غازي أو غالية يقول لها فيه إيه أو جايه عايزة إيه في الوقت ده. لكن ده محوصولش. فتحت عينيها وشافت غازي نايم وغالية هي كمان نايمة. ودخلت تتسحب وبصت على المفاتيح على الكوميدينو جار غازي ملقتهوش. بصت يمين وشمال وبرضك ملقتش المفاتيح.

راحت بالراحة على جلابية غازي المتعلقة في الشماعة ومسكت جيبها من بره وابتسمت وهي ماسكة المفاتيح في يدها. مدت يدها من صدر الجلابية وطلعت المفاتيح بالراحة، وابتسامتها زادت وهي واعية هم قبال عينيها. لكن الابتسامة زالت بسرعة وهي واعية غالية بتتقلب ورمت يدها بدون قصد على غازي خلته يتحرك هو كمان. وجمارة ملقتش قدامها غير إنها تتخبى ورا الجلابية وتغمض وتتمنى من ربنا يقف معاها.

فضلت شوية ثابتة وماسكة الجلابية مدارية نفسها وابتدت تبعدها عن وشها وهي حاسة بالهدوء وانتظام أنفاس غالية وغازي. طلعت بالراحة من ورا الجلابية واتسحبت لبره وحست بالأمان وهي واقفة بره باب الأوضة وجرت حتى الباب مقفلتهوش من خوفة حد يصحى على قفلته واللي ممسكهاش وهي داخلة يعكشها بعد ما طلعت. خدت السرايا جرى في كام خطوة والجنينة كذلك، ووقفت قبال المشتمل تنهج. مسكت المفاتيح وابتدت تجرب واحد واحد لحد ما مفتاح فتح القفل.

شالته وفتحت الباب ودخلت. كل ده حكيم شايفه وواقف على حيله عيتمنى إن اللي شاكك فيه يكون حقيقة وتكون جمارة جياله. لكنه رجع فكر إنها ممكن تكون ناوية تطلع من باب المشتمل الوراني وتهرب من غازي، ودي لو حوصول برضك فرحته مش هتقل عن فرحة إنها تعرف موطرحه. أما جمارة فبعد ما دخلت المشتمل راحت على الأوضة ونفس الأمر فضلت تجرب في المفاتيح لحد ما القفل اتفتح.

دخلت الأوضة وحكيم جه يصرخ باسمها، صوته هرب من الفرحة وهو سامع الغطا بيتزاح وحدة وحدة. أما جمارة فابتدت تزيح الغطا بكل حيلها وقوتها ووشها بقى أحمر من شدة المجهود اللي بتعمله. ومع بداية بعد الغطا عن الحفرة المسافة الكافية إنها تقدر تشوف السلالم، ضحكت وهي حاسة كيف ما تكون اتفتحت قدامها طاقة للجنة لو اتأكدت إن اللي سمعته صح. ابتدت تنزل سلمة سلمة وقلبها حاسة إنه هيطلع من بين ضلوعها من كتر ما بتنطط خوف ولهفة وقلق وتمني.

وأخيراً وقفت موطرحها وهي شايفة رحمة ربنا بيها متجسدة في هيئته. اللي برغم إنها متغير والشعر كاسي ملامحه ونازل على وشه ودقنه طولان، إلا إنها عرفته طوالى من أول بصة ليه. ثواني كانت كفيلة إن التنين قلوبهم تطلع من موطرحها وتسبق جسمهم وتتحاضن. ومن بعدها طلعت صرخة من جمارة وهي بتجرى بكل سرعتها وتدخل في حضن حكيم اللي ضمها بإيديه المتكبله بالحديد كأنه ضم الجنة على صدره.

ورفع راسه للسما وغمض عينيه وهو مش مصدق حاله وخايف يفتح يكون في حلم. أما جمارة ففضلت ضاماه وتشهق وتشم فيه، وإيديها ضاماه كأنهم مش مصدقين إن حكيم بينهم وماسكينه. دقايق مسروقة من الزمن، كل واحد فيهم حابس أنفاسه من الفرحة وروحه مرتاحة ومأمنة كيف طير كان مهاجر وعاود لعشه. بعدت عنه جمارة وحضنت وشه بين اديها وهمست بملامح باكية: "حكيمي، إني صاحية مش أكده؟

ونزلت بإيديها على كتفه وعلى صدره وبسرعة مسحت دموع خلت عينيها غوشت وحجبت صورته من قبالهم. ورجعت تمشي إيدها على كل حتة فيها من تاني، وبعدها دخلت في حضنه وضمتها عليها وحست بهزة جسمه وهو ساند راسه على كتفها. ودي كانت إشارة ليها هي كمان بالبكا بعلو صوتها.

وبعدت عنيه مرة وحدت وخرت على الأرض ساجدة وهي بتشهق، وحكيم قعد جارها على ركبه وقومها وخدها في حضنه مرة تانية وهو بيهزها ويطبطب عليها كيف أب بيعهد بته الصغيرة عشان تبطل بكا. جمارة وهي في حضنه همست: "حكيم حدثني، سمعني حسك يانن عيني، أطرب روحي بكلامك كيف زمان." حكيم همسلها بصوت مخنوق: "ضاع مني كل الكلام بشوفتك قبالي يا جمرت القلب."

بعدت عنيه وانتبهت للحديد في أديه ومسكت السلاسل ومشيت بعينيها معاها لغاية ما وصلت للحيطة اللي متدقوقين فيها. ورجعت بصت لسلاسل رجليه وجسمها انتفض وبصت له بعيون حمرة من كتر الغضب: "غازي مش أكده." حكيم: "ومين غيره! جمارة: "خسيس طول عمره، بس عمري ما كان يجي في بالي إن خسّته توصله لكده واصل. هم يلا بينا من أهنه قبل ما يصحى ويعرف إني خدت المفاتيح وجاي." وبسرعة مسكت المفاتيح وابتدت تجربها على أول قفل، لكن وقفتها يد حكيم.

"جمارة اسمعيني.. إني لو طلعت دلوقتي مهعرفش أعمل ولا حاجة وغازي زارع بره السرايا كلاب، بشوف كل يوم ناس غير بتوع اليوم اللي قبله داخله وطالعة يعني معاه جيش جرار. حتى لو طلعت من الحبس ديه هفضل محبوس في السرايا كيف ماني." جمارة بلهفة: "له ههربك من السرايا كيف ما هربت بشندى وتعاوَد برجالك."

حكيم: "مهينفعشي عشان لو غازي شم خبر إني طلعت مهيقعدش في السرايا دقيقة وهيهرب لأي موطرح ويحاول قتلي مرة تانية وتالتة وعاشرة. إني عاوز أقاوته وأحبسه أهنه في السرايا وأتلايم عليه في يدي. اسمعيني زين يا جمارة. انتي أول حاجة هتاخدي المفاتيح ده وتروحي تطبعي كل واحد على صابونة غسيل لحدت ما يعلم مكانه بالمظبوط. وبعدها ترجعيهم موطرحهم لغازي. والصبح تدي الصابون لزبيدة وتقوليلها وديهم لحداد يعملك عليهم مفاتيح. وتقوليلها تروح

للشيخ زايد وتقول له الشيخ حكيم حي ومأسور في سرايته من غازي اد عمه وناخيك تفك أسره. وهو هيعمل اللازم. وتقوليلها تقوله بأمارة عقود الأرض اللي فاتها أمانة حداك. الحاجة داي محدش يعرفها غيري أنا وهو وبشندى بس. هو لما هيسمع كده هيتحرك طوالى. همي يا جمارة نفذي ورجعي كل حاجة كيف ما كانت واوعي يبان عليكي حاجة ولا تحسي حد. ولا حتى أمي. فاهمه؟

قالها وهي هزت دماغها اللي بين إيديه، وابتسم وهو ابتسم لها وقربها منه وخد شربة منها بالحلال تروي عطش السنين. وغمض عينيه كأنه شرب من مية زمزم لحدت ما ارتوى، وبعدها التنين ضموا بعض لآخر مرة قبل ما جمارة تهمله على عينها وتطلع، وكل واحد جواه شكر لربه لو فضل سنين يشكره بلسانه مهيوفيش نعمته ولا الفرحة اللي حاسس بيها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...