جماره صحيت الصبح وبصت على السقف واستغربت لما لقت نفسها بتبص لسقف غريب غير اللى متعوده تصحى كل يوم عليه. غمضت عنيها وفتحتهم تانى وبصت جمبها شافت خاله تماضر مبتسمه وبصالها وافتكرت أنها نامت هنا امبارح. تماضر: صباح الخير يا جمارة السرايا. جماره اتعدلت وقعدت على السرير وردت على تماضر وهى مبتسمه: صباح الهنا والسرور يا خاله. معلش يا خاله قلقت منامك ليلة امبارح، سامحيني. بس والله اني سمعت صوت وحسيت بهزة.
تماضر: ولا يهمك ياقلب خالتك. اني أصلا مانامش كتير. نومي قليل ومتقطع. تقدرى تقولي مانامش طول الليل غير ساعتين تلاته بكتيره. السن عاد ونشر العضم وتعب الجسم، كثر خير الناس. جماره: ربنا يديكى الصحة والعافية يا خاله ويطول فعمرك. تماضر: تسلمي يا زينة البنات. قومي يلا يا وش الخير اعمليلنا فطور وشوفي خم النوم اللي فوق ديه، صحيت ولا لساتها مقلوبة على بطنها ونايمة كيف التمساح. خلصت جملتها
وسمعت صوت غاليه بيجاوبها: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم. يعني الواحد يكون في حاله وتاجيله الشتيمة من تحت الأرض. وناس تانية تصحى تصطبّح على الكلام المزوق والدهلسة والمحلسة! حظوظ الدنيا دي والله. قومي يا جمارة السرايا عشان تجهزي الأكل وتفطري انتي وأمي، قصدي انتي وأمك. وأني طالعة أوضتي أتقلب على بطني كيف التمساح وأكمل نومي. أصلاً اني ما أعرفاشي إني نزلت ليه!
خلصت جملتها ومشيت ومهتمتش بكلام جماره اللي بتحاول تهديها وتمتص غضبها. جماره: خاله تماضر بتضحك معاكي يا غاليه. هو فيه وحدة تزعل من أمها برضه؟ طب تعالي أحكيلك أمي عيشه كانت تعمل إيه فيا! لكن غاليه برضه مردتش على كلامها وواصلت خروجها. صوت تماضر: سيبيها دي بقرة ما تفهمش. سيبك منها خالص خليها تولي. جماره: خاله هو إني ينفع أسألك سؤال؟ هو انتي ليه بتعاملي غاليه كده؟
يعني دايماً تكشميلها وتكسري خاطرها. إني لو ما عرفكش زين كنت قلت عليكِ بتكرهيها والله! تماضر: إني بعامل كده عشان أنكشها وأخليها تعود كيف أول. غاليه يا جماره ما كانتش تسيب كلمة لحد من غير ما ترد له بعشرة. لسانها كان طول الفرقاله وصوتها ما كانش بيتقطع من السرايا أبداً. لدرجة إني كنت دايماً أقولها "ما يتقطعش لسانك ده ونرتاحوا منه!
". بس ما كنتش عارفة إن دعوتي دي هاتتحقق وإن لسان بتي هيتقطع عن الكلام وإني بنفسي اللي هشحت الكلام من لسانها شحاتة. فكرك عاجبني حال بتي وحبستها في مخدعها ليل نهار كده؟ إني أصلاً خايفة عليها من قعدتها لحالها أحسن تتلبس ولا يجرالها حاجة. شُقي عليها في غرفتها كل هبابة يا جماره، ما تهمليهاش لحالها كتير، اعتبريها أخت ليكي. جماره بتردد: بس يا خاله...
غاليه بحسها ما بتحبنيش. ما عرفش ليه بشوف في عينيها كره ليا، ما عرفاشي سببه إيه! تماضر: وإحساسك في محله يابتي. غاليه صح بتكرهك. أو متغاظة وغيرانة منكِ لو جينا للحق. وهقولك إني ليه. غاليه بتحب غازي، ولد عمها. بتحبه من زمان قوي. من أول ما وعى على الدنيا وشب عودها وهي ما تشوفش غير غازي قصاد عينيها وقلبها وعقلها الاتنين اتشعبطوا فيه. جماره بتسمع كلام تماضر وفاتحة خشمها وعنيها على آخرهم وردت بذهول: بتولى إيه يا خاله!!
تماضر: عارفة إنه واعر عليكِ الكلام ده. وعارفة كماني إني ما كان لازم أقولهولك. ومانيش وحدة تتحمل تسمعه على جوزها. بس إني بقولك الكلام ده عشان تبقي عارفة سبب كره غاليه ليكي وليه بتتشجنبك طول الوقت. جماره: صعب إيه وجوز إيه يا خاله... إني كل اللي مستغربة، هي حبت فيه إيه غازي البو ده؟! تماضر بضحكة: وه... فيه وحدة تقول على جوزها بَو! الله يجازي شياطينك يا جماره. يعني انتي مرات البو على كده! ههههههه.
جماره: أيوه بو ونص كمان. طب ده ربنا بيحبه عشان ما خدوش. هي ما وعيانيش، هو بيعمل فيا إيه قصاد عينها؟ دا المفروض بعد اللي بتشوفه ده توضّرب نفسها ميت بلغة كل يوم على دماغها عشان حبته بيوم من الأيام. وبعد ما تخلص ضرب تحب يدها مقلوبة معدولة.
تماضر: العشق بيعمي العين وبيقلب العقل يا بنيتي. وغاليه عاشقة لغازي وعشقها عامي عقلها وقلبها وعينيها. عشان كده عايزة تقربي منها وتشتكي لها دايماً من عمايل غازي فيكي. عايزة تكرهيه فيها وتخليها تشوفه كيف ما الكل شايفه. عايزة تمسحي الصورة الحلوة بتاعه من قدام عينيها. عايزة تخاويها يا جماره. انتوا الاتنين كيف بعض، مفيش وحدة فيكم حداها أخت بنية. خليكم خوات وحبايب. وصدقيني غاليه قلبها أبيض من اللبن الحليب والله.
جماره: طب إني هعمل كده بس بشرط. تماضر ديقت عينيها باستغراب: شرط إيه؟ جماره: لو ما قدرتش أخليها تكرهه، وقعدت تحبه كيف ما هي. خلاص وقتها نجوزهم وأهي تشيل عني هبابي. إني كتلة وهي كتلة ههههههه.
تماضر: بسك خربطة. إلا والله أجيبلك عكازة عمك جاهين المتعلقة عالحيطة وراكي دي وأهرد جسمك بيها. قال غاليه تتجوز غازي قال. ده إني كنت ساعتها أقوم على حيلي برجليا العاجزة دي وألف وراها الدنيا كلها وأنتف شعر راسها شعراية شعراية. وأنتف شعرك انتي كمان معاها عشان رضيتي لغازي يجيب بتي درة عليكي. جماره مسكت شعرها بخوف كداب: له يا بوي... كله إلا شعري. ده إني بحافظ عليه كيف العيل الصغير.
تماضر: صح والله شعرك حلو قوي ماشاء الله. ربنا يحرسُه ويحفظهولك. أما قوللي بتدهنيه إيه زيوت عشان أجيب زيه لغاليه تحطه لشعرها العامل كيف ديل العنزة اللي مسكت فيه النار ديه.
جماره بضحك: يبووووي على كلامك يا خاله. والله لو غاليه سمعتك لتولع فينا إحنا الاتنين النار دلوقتي. عموماً أقولك إني بحط إيه على شعري. بصي يا ستي. إني من صغري وأمي بتعمل لي خلطة محدش غيرها يعرفها أبداً. عرفتها من مرة الخواجة إسحاق. بتجيب نوى البلح وتحمصه في الفرن وتصحنه وبعدها تنخله بغربال المانع. وتاخد الخشن بتاعه. وتقوم جايبة زيت خروع وزيت جوز هند وزيت جرجير وزيت غريب كده اسمه جوبا من العطار وتخلطهم على بعض. وتقوم
خالطة عليهم نوى البلح دي معلقتين كبار على نص كباية من كل زيت. وتدهني لي منهم وتدهني لحالها كماني. عايزة أقولك إن شعري قبل الخلطة دي كان أكحل من شعر غاليه. بس من يوم ما داومت لي أمي عليها وبحطش غيرها على شعري من سنين وشعري بقى كيف ما أنتِ شايفه. وشعر أمي اللي كان بيوقع لحد ما كانت قربت تقرع رد تاني وبقى أحلى من شعري كمان.
تماضر: والله لأجيب وأعمل لغاليه. وحتى إني لأدهن منه. أما هي بتعيش أحسن مني يعني! جماره: ابعتي عليهم وإني أعملهم لك. إني أعرف. تماضر: النهارده كل حاجة تكون عندك وتعمليهم. جماره: من عيوني. تماضر: تسلم عيونك. يلا تعالي ساعديني عشان نطلع نفطر. إلا إني جعت قوي. ما أتعشاشي وأقوم الصبح قلبي مهفوف كيف ما بايتة طول الليل أرضع.
جماره ضحكت بخفة وراحت أخدت الكرسي وساعدت تماضر تقعد عليه وزقتها وطلعت معاها وحطت طرحتها على كتفها عشان حكيم مش قاعد في السرايا. بعد ما خلصوا فطور، جماره فكرت في كلام خالتها تماضر وقررت إنها تاخد أول خطوة وتحاول تقرب من غاليه. جماره: خاله إني هطلع لغاليه أوضتها. وانتِ أمانة عليكي تسألي بشندي عن الصوت بتاع امبارح. إلا إني لسه حاسة بيه في وداني من وقتها. تماضر ابتسمت لجماره اللي بتسمع كلامها وتطيعها
في كل حاجة تقولها عليها: هسأله والله. بس عشان أطمنك. لإن إني عارفة إنه مفيش حاجة. وبمناسبة غاليه، إني هقولك من أولها. اتحمليها واتحملي كلامها اللي هينزل عليكي كيف الدبش. هي بتقول وتندم صدقيني. جماره هزتلها دماغها بتفهم وقامت طلعت السلم ووقفت مترددة قدام أوضة غاليه هبابة. وبعدها اتشجعت وخبطت على الباب ودخلت بعد ما غاليه أذنت لها. ***
تماضر بعتت زبيدة لبشندي جابته وسألته على اللي قالتهولها جماره. وهو ما استناش تكمل كلامها وجرى أمر الرجالة يطوقوا السرايا ويلفوا حواليها وهو معاهم. لفوا حدود السرايا كلها ملقوش غير أثر تراب في قفا السرايا جاي من حتة أرض متجرفة تربتها. الأرض دي كانت ملك غازي ورا المشتمل بتاعه طوالي. رجع بشندي وطمن تماضر إنه مفيش أي حاجة. وأكد لها إنه مفتاح عينه هو والرجالة زين وإنهم ما يخافوش من أي حاجة.
تماضر اطمنت أكتر وهتطمن جماره بعد ما تنزل من عند غاليه. أما جماره فأول ما دخلت أوضة غاليه اتنحنحت وغاليه بصت لها باستغراب وسألتها: فيه إيه يا جماره؟ أمي عايزة حاجة؟ جماره: له خاله ما عايزاش حاجة. إني اللي جايه لحالي أقعد معاكي هبابة. غاليه رفعت حاجبها بتعجب: أشعجب يعني!!! جماره: لقيتني لحالي وملقياش حد من سني أقعد وأتحدت معاه غيرك، قلت أجيكِ ناخدو وندّو مع بعض في الكلام ونأخدو بحس بعض.
غاليه: بت انتي اسمعيني زين. إني لا هاخد ولا هدي. ولو انتي صممتي تاخدي وتدي معايا هاخد منك وأديكي بقزازة الريحة دي في نفخك أفتحهولك. إني ما أطيقكش. قالتها ولفت للتسريحة وفتحت شعرها ومسكت المشط وابتدت تسرح شعرها الواصل لآخر رقبتها. وجماره افتكرت كلمة خالتها تماضر على شعر غاليه إنه عامل كيف ديل المعزة المحروق وضحكت بتلقائية ضحكة خفيفة. لكن ضحكتها كانت بمثابة إشارة لغاليه بالانفجار.
غاليه سابت المشط من إيدها وبصت لجماره في المراية وديقت عينيها. وجماره أول ما شافتها اختفت الابتسامة اللي كانت على وشها. حطت إيدها على بوقها بخوف. غاليه فتحت الدرج بتاع التسريحة ببطء وعينيها لسه على جماره في المراية وحستت بأيدها على حاجة وتوقفت إيدها لما الحاجة دي جت تحت منها. ورفعت إيدها ولفت على جماره وقامت ببطء وهي مخبية حاجة ورا ضهرها.
اتقدمت لغاية ما بقت قصاد جماره اللي كانت قاعدة على السرير وميلت عليها وطلعت إيدها من ورا ضهرها بمقص حطته قدام وش جماره. غاليه: بتضحكي على إيه ياحيلة أمك؟ بتضحكي على شعر غاليه اللي مش كيف شعرك!! بتقولي جاية تاخدي وتدي وانتِ جاية تتمقلي علي! شايفة حالك وفرحانة بجمالك قوي انتي ها؟ طب إيه قولك إني أنا اللي هضحك عليكي دلوقتي وانتي نازلة من أوضتي بحاجة ناقصة منكِ. بس آخد منك إيه؟ آخد منك إيه؟ أقطعلك ودن؟
ولا أفقعلك عين من عينيكِ الزرق الحلوين دول؟ ولا أشق خشمك لودنك من الناحيتين وأخلي ضروسك كلها تبان؟ ولا... وقبل ما تكمل جماره قاطعتها: مش قصدي... والله ما قصدي. ده إني افتكرت حاجة ضحكت عليها والله مش عليكي. غاليه: اششش... اسكتي خليني أعرف أفكر زين. جماره اتنترت وقامت وقفت: له خلاص متفكريش. إني نازلة ومهبوش ناحية غرفتك تاني أبداً.
واتحركت بسرعة من قدام غاليه قاصدة باب الأوضة. لكن غاليه مسكتها من شعرها اللي كان ملفوف جديلة واحدة وبدون مقدمات ضربت المقص فيه وقصته من نص الجديلة تحت صراخ جماره المستمر. لكن غاليه ما كانتش سامعة ولا شايفة. جماره ضمت شعرها وبصت بقهر لنص الجديلة اللي في إيد غاليه واللي كانت بصالها ومبتسمة بانتشاء. وسألتها بصوت باكي من بين دموعها: ليه عملتي كده يا غاليه؟ حرام عليكي... ليه تقصي شعري؟ عملت لك إيه إني؟
غاليه: بأدبك. لقيتك محتاجة أدب قلت أدبك. وكمان عشان فرحانة بشعرك الحلو ده وبتضحكي على شعر الناس. وكمان شايفة إنك فرحانة بعينيكِ الزرق الحلوين دول قوي انتي. وقربت المقص لوش جماره اللي جريت من قدامها بسرعة البرق وفتحت الباب ونزلت تتدحرج دحرجة على السلم لغاية ما استقرت في حضن تماضر اللي كانت قاعدة في بهو السرايا. تماضر: بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يابنتي؟ عملت فيكي إيه المهووسة دي؟
جماره متكلمتش لكنها مسكت جديلتها ومدتها قدام تماضر اللي شهقت أول ما شافتها وضربت على صدرها بصدمة: يا مرة... قصتلك شعرك. عملت كده ليه الواكلهم دي؟ جماره ببكا: بتقول بتربيني.
تماضر: والله ما حد ناقص ترباية غيرها البقرة دي. طب والله بس تنزل أم مخ مفسي دي. وحضنت جماره وباست دماغها. حقك عليا إني. امسحيها فيا إني يابنتي. خلاص نوى البلح كله هتاخديه انتي وإدهني شعرك وهيطول تاني بإذن واحد أحد. أما هي ورحمة الغوالى لأكون شاكياها لحكيم وهو اللي هياخدلك حقك منها بت المهبوشة. جماره: أوعي تقولي لي روحي لها تاني. دي كانت عايزة تفقع عيني لولا ما رمحت من قدامها رمح.
تماضر: يا حزني ياااابوي يا حزني. استحمديه إنك طلعتي حية من أوضتها وحقك على راسي يابنتي. والله ما أعرف إن حالها متكحرت ومتدهور للدرجة دي. أثناء ما بيتكلموا ونزلت غاليه تتمخطر على السلم وقالعة طرحتها وعاملة ضفيرتين كل ضفيرة في ناحية وكل ضفيرة نصها الفوقاني أسود ونصها التحتاني أحمر وفنص كل واحدة شريطة مربوطة فيونكة ونازلة تغني: والشعر الحريييير عالخدود يهففففهف ويرجع يطييييرررر.
جماره شافت شعرها موصول بشعر غاليه وزادت في البكا من بعد ما بصت لجديلتها القصيرة. أما تماضر فزعقت لغاليه بصوتها كله: إيه اللي عملتيه ده يا مجنونة انتي؟ بتقصي ليه شعر البنية الهي تقص رقبتك يا بعيدة. غاليه مردتش عليها وكملت نفس الأغنية وهي مكملة السلم نزول. تماضر: إلهي تجيلك هفة في نافوخك فوق ما أنتِ مهفوفة يا شيخة. وطول شعرك وبقى زين دلوقتي لما وصلتيه بشعر الغلبانة؟ بتضحكي على حالك يعني ولا على مين؟
برضه جماره هتفضل في عين غازي حلوة وأحلى منكِ حتى لو حلقتي لها صفر. وانتي ابقي توفي على وشي لو حد بص في سحنتك دي يا مهووسة. أصلاً مين هياخد له وحدة من غير عقل يحطها في نص بيته. غورى يلا من قبالي. اطلعي على سرايتك الصفرا فوق واترزعي فيها رزعة ترزعك يا بعيدة.
غاليه بصت للاثنين بطرف عينها وطلعت تاني أوضتها وهي بتلعب في ضفايرها الجديدة. وسابت وراها جماره اللي مراقباها بحسرة والدموع مغرقة وشها والندم هياكل قلبها على الساعة اللي فكرت تطلع فيها لغاليه أوضتها. عدت ساعات النهار الأولى وتماضر بعتت بشندي لعيشه أم جماره تيجي تقعد معاها وتهون عليها. وخصوصاً إن غازي ما قعدش عشان الاتنين ياخدوا راحتهم مع بعض.
عيشه جات طوالي وأول ما شافتها جماره اترمت في حضنها تبكي بعد ما رفعت لها جديلة شعرها ورتها لها من غير كلام. وعيشه شهقت وسألت مين اللي عمل كده. ولما تماضر حكتلها اللي حصل من بتها غاليه واتعذرت منها. وعيشه شافت الخجل في عيني تماضر من عملة بتها اتفهمت ومحبتش تزود على الولية عذاب الضمير. وطيبت
خاطر جماره وقالت لها: أصلاً شعرك وهو قصير أحلى. ولو كنتي حابة الطول هعملك الخلطة اللي بتطوله وأجيب لك قزازة بطولك وتدهني منها لحدت ما شعرك يرجع يطول تاني. تماضر بكسوف: إني اللي هجيب لها الزيوت ونوى البلح. هخلي غاليه تطلع نخل البلد نخلة نخلة ومتنزلش من على النخلة غير وهي واكلة بلحها كله ومحوشة الفصى في حجرها بت المحروقة دي.
عيشه ضحكت على كلام تماضر وجماره ابتسمت لما عيشه ضحكت ومدت إيدها مسحت عينيها. وعيشه بطريقتها عرفت تنسي جماره شعرها وتضحكها. وكملت فرحتها أكتر لما بتاعة التوت جابت لها التوت زي كل يوم. في آخر اليوم جماره خافت تطلع تنام في أوضة حكيم وطلبت من تماضر إنها تبيت معاها. وتماضر طمنتها بخصوص الصوت اللي سمعته وإنه بشندي اتأكد إنه مفيش حاجة وإنهم كانوا بيجرفوا أرض غازي ورا البيت وإنه أكيد موصيهم قبل ما يسافر يعملوا كده.
لكن جماره صممت إنها تنام مع تماضر. وإن خوفها المرادي مش من الصوت. خوفها المرادي من غاليه اللي اتأكدت من جنانها وخافت تستفرد بيها فوق وتفقع عينها ولا تدبحها ومتلاقيش حد ينجدها منها. وخصوصاً إن زبيدة بترجع بيتها في آخر اليوم وتماضر مشلولة ومبقاش غير هي وغاليه لحالهم. وأصلاً حتى أوضة خالتها تماضر قررت إنها تقفلها عليها عشان لو غاليه حبت تموتها هتدخل تموتها جار أمها وتماضر الغلبانة ما تقدرش تعملها حاجة ولا هتقدر تقوم تحجز عينيها.
نامت جماره جار تماضر للصبح وتاني يوم طلعوا يفطروا ونزلت لهم غاليه وهي لسه حاطة شعر جماره في ضفايرها وقعدت تفطر معاهم من غير ولا كلمة وعينيها على جماره اللي كل ما تبص عليها ترجع تبص لصحنها تاني. وكل شوية تمسك إيد خالتها تماضر من تحت الطربيزة خوف من نظرات غاليه. وتماضر تطمن فيها وتزغر لغاليه عشان تشيل عينها من على جماره. لكن بتزغر لمين؟ غاليه ما بتردش خالص.
خلص اليوم التاني وبالليل جماره احتاجت غيار عشان تتسبح وافتكرت إن خلجاتها فوق وطلعت تتسحب عشان تجيبهم وخايفة أحسن غاليه تحس بيها ولا تشوفها. ومشت من قدام أوضتها على طراطيف صوابعها وفتحت باب أوضة حكيم ودخلت بالراحة.
راحت على بؤجة الهدوم وأخدتها وهتطلع من الأوضة وحست بهزة خفيفة كيف اللي حست بيها قبل كده. سابت البؤجة ونزلت على الأرض وحطت ودنها وسمعت صوت الضرب مرة تانية مع الهزة. واستغربت إنه كيف محدش سامع الصوت ده ولا حس بيه من غاليه ولا خالتها تماضر! بس رجعت اتفكرت إنها ما سمعتش أي صوت وهي نايمة مع خالتها تماضر. ولا بتسمع أي صوت من أي حتة غير من الأوضة دي.
أثناء ما هي على وضعها نايمة على الأرض وحاطة ودنها وبتسمع وبتفكر مع نفسها، باب الأوضة اتفتح مرة واحدة. وجماره رفعت دماغها بسرعة وخوف وشافت رجلين غاليه. صرخت وقامت منتورة ونزلت جري كيف الصاروخ وحتى ما أخدتش خلجاتها ونزلت تتكحرت على السلم من الخوف. وغاليه صوت ضحكتها رج السرايا رج وهي شايفة منظرها.
دخلت جماره أوضة تماضر وقفتلت الباب وراها ورمحت نامت جار تماضر ولكلكت نفسها بالغطا مبينتش منها لا إيد ولا رجل ونامت من غير ما تتسبح. *** عدت الأيام يوم ورا التاني وجماره لسه خايفة من غاليه. مع إنها ما بتعملهاش حاجة غير إنها تبصلها وتبحلق. وجماره تشوف بصة غاليه وتنشف في خلجاتها. وطول الوقت ملازمة خالتها تماضر ومعتتحركش من جارها أبداً.
أما عند حكيم فالنهارده آخر يوم ليه في القاهرة. وبعد ما خلص شغله نزل السوق واشترى خلجات على ذوقه لغاليه وأمه وربطات للشعر وأطواق للشعر. واشترى لجماره زي غاليه بالظبط وزاد عليهم قزازة عطر بريحة الياسمين اللي علطول تحط منها جماره وحاطهالها مع باقي حاجتها. وهو اشترى لنفسه شوية حاجات من هناك ومنسيش بشندي وحتى زبيدة منسيهاش بحتة قماشة وشال قطيفة كيف بتاع أمه وزيهم جاب لعيشه أم جماره.
ماشي وراجع على مطرحه بالحاجة اللي اشتراها ووقف قصاد محل بيبيع عصافير للزينة. بص للعصافير وافتكر جماره ووقفتها قصاد قفص العصافير بتاع المهندس اللي شغال في الجمعية الزراعية بتاعة البلد وتفضل تتفرج عليهم وتضحك وهي شايفاهم يتنططوا قدامها ومتمشيش غير لما أمها تشدها من قصادهم وتاخد راحتها في الوقفة والفرجة عليهم في اليوم اللي أمها ما تكونش معاها فيه.
ابتسم ودخل المحل واشترى جوز عصافير شكل بتوع المهندس بالظبط وقرر إنهم يكونوا اعتذاره على المرتين اللي كسر خاطر جماره فيهم وزعق فيها وشاف الزعل في عينيها بسببه. رجع مطرحه ولم خلجاته وأخد حاجته وسافر بالليل عشان يوصل لبلده الصبح. ***
الصبح الكل قاعدين على السفرة يفطروا وغاليه قاعدة كالعادة من ساعة ما قصت شعر جماره. وكل يوم توصل بيه ضفيرتها وتنزل بيه عشان تغيظ جماره وترد لها ضحكتها على شعرها قهر وهي شايفة شعرها المقصوص على شعر غاليه. وحتى مش هاممها كل كلام أمها وشتيمتها ليها. أهم حاجة عندها تشوف الغيظ في عين جماره على شعرها. أثناء ما هما قاعدين سمعوا صوت آخر واحد جماره وتماضر حابين يسمعوه بيصبح بصوت عالي وهو داخل السرايا. صوت غازي.
الوحيدة اللي لفت له وعينيها بتلمع لهفة لشوفته هي غاليه اللي الابتسامة شقت حلقها من أول ما دخل لحدت ما قعد معاهم على السفرة. رفعت الطرحة اللي كانت على كتفها وغطت شعرها بس تعمدت تسيب نص الضفيرة الأحر ظاهر قدام غازي عشان تحرق قلبه على شعر مرته. غازي: إيه مال وشوشكم عاملة كده ليه على الصبح كنكم ميتلكم ميت! تماضر بسرعة: توف من خشمك الشر بره وبعيد. الملافظ سعد يا غازي. مالك يا ولدي داخل علينا بفالك العفش ليه!
غازي بضحكة: ببضحك معاكي يا مرت عمي. بس إيه ده؟ مفيش حمد لله على سلامة ولا اتوحشتك يا غازي ولا حاجة أبداً؟ تماضر: ألف حمد لله على سلامتك يا ولدي. يا رب تكون اتوفقت في شغلتك اللي سافرت لها على غفلة دي ولا كانت على البال ولا على الخاطر! غازي بضحكة: تقدر تقولي كده يا مرت عمي. اتوفقت قوي بس عشان تكمل وتتم على الآخر لازملها سفرية تانية وتبقى ضربة العمر وطاقة الجنة اتفتحت لي.
تماضر: ربنا يرزقك بالحلال ويغنيك بحلاله عن حرامه. غازي: متقلقيش. كله بالحلال وكله بالأصول. قالها وبص لبعيد وابتسم ابتسامة جانبية ومد إيده يملس على دقنه بتفكير. أما جماره فما نطقتش بكلمة واحدة مع غازي وفضلت طول الوقت بصاله بسكوت وجواها خنقة رجعت لها بمجرد رجوعه بعد ما كانت مرتاحة من كابوس اسمه غازي. غازي انتبه عليها وبصلها وضحك كأنه كان
ناسيها واتكلم بصوت عالي: جماااااره.. تصدقي ما خدتش بالي منكِ ههههههه. كيفك يا ملكومة؟ أكيد زينة من غيري صح؟ بس تصدقي ليكي وحشة يا مضروبة. قومي قومي بينا على المشتمل بتاعنا عاوزك في كلمتين. قام وقف وجماره قامت باستسلام ومشيت معاه. وغاليه حست بالغيرة بتاكل في قلبها وهو حتى ما بص لها ولا لاحظ شعر مرته. جماره المقصوص ولا عرفت تحرق قلبه عليه كيف ما كانت فاكرة إنه هيحصل. غازي حط إيده على كتف جماره حاوطها ومشي وهي معاه.
وميل عليها وهمس في ودنها: مع إني زعلان منكِ على مقابلتك الباردة لجوزك بعد عشر تيام غياب. وحدة غيرك كانت اتشعبطت في رقبتي شعبطة ولبدت في حضني لبد. بس هقول إيه البارد بارد. قربوا على المشتمل ووقف غازي مرة واحدة وابتسم وهو شايف حكيم داخل من بوابة السرايا وبشندي جاي وراه شايل حاجات كتير.
جماره أول ما شافتهم رفعت طرحتها من على رقبتها وغطت شعرها ولفته زين حوالين رقبتها. وحكيم شافها وغصب عنه حن لأيام ما كان يشوفها لافة الطرحة وملثمة وشها ما يبان غير عينيها. واتمنى لو تعمل كده وتحدد عينيها ويشبع شوف منهم وعينيه ما تتوهش في كل تفاصيل وشها. قرب منهم وغازي سلم عليه بالحضن وبحرارة وحكيم رد له السلام وحضنه وعينه حضنت جماره بشوق ولهفة متتوصفش وقلبه أعلن طبول الحرب من فرحة لقى الحبيب بعد الغياب.
غازي بعد حكيم عن حضنه لما لقاه مستسلم للحضن وعرف إنه أكيد باصص لجماره وبيشبع عينه منها من بعد الغياب. وحكيم انتبه لنفسه واتنحنح وعدل هدومه بارتباك. حكيم: طيب عن إذنكم هدخل للجماعة. غازي: خد راحتك يا ولد عمي. وأني كماني هاخد جماعتي على مطرحنا اللي مشتاق لها ومشتقالي قوي. منت أكيد خابر عاد شوق الحبيب لحبيبه بيكوي كيف هههههه.
وضحك ضحكة سمجة خلت حكيم يتحرك من قدام غازي فوراً اتجاه السرايا. أما جماره فمشت مع غازي اللي شدها من إيدها وهي سرحانة في البصة اللي باصلها حكيم وشافت فيها لهفة ما شافتهاش في عيون غازي جوزها لما عاد! لمعة عينه وهي بتتجول في ملامح وشها خلت قشعريرة سرت في جسمها متعرفش سببها إيه. بس اللي تعرفه زين إن بصة حكيم ليها بالشكل ده وراها حاجة هي مش قادرة تفهمها.
دخلت المشتمل مع غازي وأول ما دخلت شافت أثر تراب في الأرض وأثر رجلين كتير والمنظر خلى جماره شهقت وضربت على صدرها بصدمة: إيه ده يا غازي؟ إيه التراب ده ورجلين مين دي؟ المشتمل اتسرق واحنا مقاعدينش ولا إيه؟ غازي قرب منها بسرعة ومسك رقبتها في إيده ضغط عليها واتكلم بنبرة صوت واطية: شششششش. ما تسمعش حسسسسك. مفيش حاجة اتسرقت ولا حاجة. جماره بخوف وبصوت متقطع: أما إيه ده... وليه خانقني كده من غير سبب؟
بعد عني هو إني عملت لك إيه؟ غازي: ما عملتيش. وخانقك كده عشان حياتك في إيدي. أموتك أسبك أخنقك في أي وقت عايز أعمل فيكي حاجة هعملها. ولو عايزة تعرفي إيه ده هقولك. واخدها وفتح لها الأوضة اللي مش بيفتحها أبداً من يوم ما اتجوزوا ولا بيرضى يقول لها السبب. جماره شهقت أول ما غازي مدها من كتفها لجوه الأوضة وشافت سرداب بسلالم وحفرة في نص الأوضة وجارها غطا أسمنت مسلح على كد فتحة الحفرة مسنود على الحيطة. غازي
قرب منها وهمس في ودنها: عارفة دي إيه؟ دي قبررررر... قبرك يا جماره. جماره بعدت عنه بخوف وقدرت تتحرر من إيده وكانت هتجري على بره. لكنه رجع مسكها تاني وسيطر عليها سيطرة كاملة. غازي بضحكة مصطنعة لما شاف الخوف في عيني جماره وحس بالخطر إنها ممكن من خوفها تفضح سره اللي له سنين داسه: خفتي يا ك... يا هبلة ده أنا بضحك معاكي. تعالي أنا هفهمك على كل حاجة. وخدها تحت دراعه وراح بيها على أوضة نومهم وقعدها على السرير بإيديه الاتنين
وميل عليها يهمس بتحذير: بس اللي هقولهولك ده يا جماره سر يفضل بيناتنا ومفيش مخلوق يعرفه، وإلا الحفرة دي هتبقى قبرك بحق وحقيق وما فيش مخلوق يعرف لك طريق جرره. فهماني يا جماره؟ جماره هزت دماغها بالموافقة بخوف وعينيها على غازي وكل حركة منه وجفلت لما قعد وقرب منها مرة واحدة. غازي بضحكة: متخافيش. تعالي تعالي. عارفة الحفرة دي بتاعة إيه؟
الحفرة دي طاقة القدر يابت. الحفرة دي هي اللي هتخلينا أغنى ناس في البلد وفي البلاد كلها. السرايا ده تحتها آثااااار. عارفة يعني إيه آثار؟ يعني تماثيل دهب. تمثال بطولك كده. مصبوب دهب صب. بالك انتي لو الدهب ده طلع صح وتعبى جه بفايدة. لدندشك بالدهب من ساسك لراسِك. واخليكي ست ستات البلد كلها. فهمتيني؟ جماره حركت دماغها بفهم: طميرة يعني. غازي: عليكي نووور. طميررررة. جماره: بس إني أسمع إن الحكومة بتحبس النقابين على الطماير!
غازي: مظبوط. وعشان كده إني بعمل كده في السر ومحدش يعرف عشان ما اتحبسش. جماره: طب وسي حكيم يعرف؟ يعني لو طلعت الطميرة له فيها؟ غازي بحده: له ما يعرفش. وما ينفعش يعرف. وما ينفعش ياخد من الطميرة. الكنز ده بتاعي أنا لحالي وبس. حكيم كفاية عليه اللي حداه واللي في الأصل كله بتاعي أنا وحقي اللي أخده هو وأبوه ظلم وعدوان.
جماره حسّت إن دي فرصة تعرف فيها سر أرض غازي وكيف اتنقلت لحكيم وأبوه وإيه سر موت أبوه. قربت منه واستغلت سرحانه وسحابة الحزن اللي لاحت في عينيه وحطت إيدها على خده واتكلمت بهمس: احكي لي كيف حصل ده كله. قولي كيف حكيم وأبوه خدوا أرضك وكل أملاكك وهما كانوا أجراء حداكم. وإزاي في الأصل كل الأرض كانت ملك جدك وورثها أبوك لحاله وعمك صفى بيه الحال أجير حداكم؟!!! جاوبها غازي وهو لسه سرحان
وغايب عن الدنيا بخياله: عمي جاهين أبو حكيم طول عمره قلبه متعلق بالكتاتيب والعلم وقراية القرآن وحفظه. قضى عمره من كتاب لكتاب ومن درس شيخ لدرس شيخ تاني. عمره ما تعب في أرض ولا مد يده بفأس في لحاها. الأرض وخيرها كله كان من كد وتعب وعرق أبوي. هو اللي كان يباشر الأرض من أول ما يفتح عينه لحد ما يوقع من التعب في آخر النهار. حتى لما جه عمي يتجوز طلع عن طوع جدي واختار وحدة غريبة عن عيلتنا ومرضاش يتجوز بت عمه اللي جدي خطبهاله
وصغره بين الخلق. لولا أبوي ما حفظ مقام جدي قدام الخلق واتجوز بت عمه. اللي هي أمي الله يرحمها. وخلفني وعمي جاهين اتجوز تماضر مرت عمي وخلفت حكيم ومن بعده غاليه. وفضل برضه في دروب العلم والكتاتيب وياكل ويشرب وعايش هو وعيلته من كد أبوي وشقاه. كتير جدي كان يقول لأبوي روح الأرض مع أخوك وشوف أحوالها وأفلح فيها. كان يروح على عقل جدي ساعة وحدة مفيش غيرها ويرجع طوالي كيف ما يكون بيُطق مشاهر ويعاود. جدي ما كانش عاجبه وضع عمي
وكان دايماً يقوله حالك ده ما يسروش عدو ولا حبيب. إني عايزك شديد. عايزك تبقى كيف أخوك شاهين كده. بس عمي دايماً كنت أسمعه يرد عليه ويقوله إني لا زي شاهين ولا عايز أبقى زيه. إحنا غير بعضنا يا بوي متحاولش تغيرني. جدي لما ما لقاظ فايدة من عمي تركه ونفض إيده منه. تعب جدي بعدها ووصل للموت وهو على فراش الموت كتب كل أرضه لأبوي بيع وشرا وبصم عليها وشهد الناس على الكلام ده. بس قلة تدّي حق أخوك من إيراد الأرض أول بأول، تاخد
تلتين تلت تعبك وتلت نصيبك وتدي التلت لأخوك.
وأبوي قال: عُلم. ومات جدي بعدها بمده قصيرة وساب كل أملاكه لأبوي عشان كان متأكد إن اللي هيوبقى في إيد عمي هيقل مع الوقت ما يزيدش. لكن عمي ومرت عمي ما لادهمش الكلام ده وظاطوا بعد موت جدي وطالبوا بورثهم. لكن مقدروش ياخدوا حق ولا باطل قصاد الورق وشهادة الشهود اللي أقروا بصحة الورق في مجلس شيوخ والموضوع اتقفل على إن الأرض كلها من نايب أبوي. عمي الحق يتقال سكت بعدها طوالي. بس مرت عمي هي اللي ما سكتتش وفضلت
كل ما تشوف وش أبوي تقوله: الحرام ما بيدومش يا شاهين. لحدت ما تعبت أمي ورقدت في فراشها ومرت عمي استغلت الوضع وبقت عايشة في بيتنا ليل نهار بحجة إنها بتراعييني وتراعي أمي. إحنا كنا عايشين في السرايا دي. يعني هي بتاعة جدي الله يرحمه. عمي لما طلع عن طوعه واتجوز غصب عنيه خيره بين قعدة في السرايا وبين جوازه من الغريبة وهو اختار الغريبة وجدي قله خلاص حدك معايا هنا. صح طرده بره السرايا بس أبوي ما هانش عليه مرمطة عمي وخصوصاً
إنه ما كانش معاه حاجة وأبو مرته اللي كان الشيخ بتاعه في الكتاب قله إني هجوزك بتي من غير أي حاجة وهسكنك انت وهي معايا في بيتي كمان. ورزقي ورزقكم على الله. أبوي ما قدرش يتحمل إن عمي يجرسه وسط الناس ويقولوا عليه أخو الشيخ شاهين عايش في بيت ناس مرته. أداله بيت جدي القديم اللي كانوا كلهم قاعدين فيه قبل ما جدي ربنا يفتحها عليه ويشتري السرايا. وخلّاه نقل فيه. عاش عمي ومرته وولده على فلوس دروس القرآن اللي كان بيحفظها لأولاد
البلد. وعلى الرغم إن أبوي كان بيبعت له نصيبه من إيراد الأرض على يد ناس. إلا إن عمي كان يرفض ياخدهم وكان يرجع المرسال بيهم تاني.
أتاريه ما كانش عايز بيضة من الفرخة كان حاطط عينه عالفرخة كلها. كان مرقد لأبوي ولابده في الدرة. بس العيال كلها اتعلمت ومعادش كتابة يجيب فلوس كيف أول. لما ما لقاظ فايدة نزل يدور على شغل في الأرض حدا الناس. أبوي لما عرف راح له وعرض عليه فلوس وهو رفض زي عادته. قام قله حل تاني. قله ييجي يشتغل في الأرض حداه وأهو أرض أخوه أولى بتعبه وشقاه من أرض الغريب. وهيديه يومية زينة. وبعد تل وسحب عمي وافق ونزل يشتغل في الأرض مع أبوي.
وبعدها بشوية عمي جاب حكيم يشتغل معاه لما لقى أبوي بيديه يومية زينة وأكتر من أي أجير. وقال لك زيادة الخير خيرين وأهو اسمه شغال بالفلوس اللي هياخدوها مع إنها أكتر من حقهم بكتير. ومن ساعتها وبدأ اللعب عاد. مرت عمي من ساعة ما بقت تيجي تاخد بالها من أمي وأمي كل يوم حالتها بتتدهور. تكون كيف الوردة وكل يوم الوردة بتدبل عن اليوم اللي قبله. لحدت ما في يوم لقينا أمي ميتة في صبحية لما دخلت أصحى عليها. دفناها وخلص عزاها وبعدها
أبوي قامت قيامته لما ما لقاظ دهب أمي ولا سُيّغتها اللي كان مشتريهالها بشيء وشويات. عرف وقتها مرت عمي كانت قاعدة تحت رجلين أمي ليل نهار ليه. جاب أخوه ومرته وباقرهم بسرقة الدهب والتنين حلفوا أيمان الله ما يعرفوا عنه حاجة أبداً. ومش بس كده. دي مرت عمي سرقت فلوس كان أبوي شايلها في البيت من إيراد الأرض وبرضه حلفت إنها ما شافتها ولا تعرفها. يومها أبوي طردها من السرايا وطرد عمي من الأرض وحلف له إنه هياخد الدهب والفلوس من
حباب عينيه طالت ولا قصرت. طبعاً الكلام ده كان قدام راجلين من رجالة أبوي وذراعه اليمين وقدامي أنا ونبه علينا ما نجيبش سيرة لأي حد باللي حصل ده عشان هيبة أبوي وسط الشيوخ وكبارات البلد هتضيع لو عرفوا إن أخوه ومرت أخوه حرامية. ومن يومها وعمي جاهين وولده ومرته بعدوا عننا. بس أنا كنت متعلق بحكيم وما كانش عندي حد ألعب معاه غيره. كنت دايماً أروح له بيتهم. كنت دايماً أسمع مرت عمي بتحسبن في أبوي وتدعي عليه وتحشي راس عمي عليه
ليل نهار. بس عمي الحق يتقال ما كانش يسمع منها ولا يسمع لها ولا حتى يرد عليها. وكل ما تكلمه وتجيب سيرة أبوي كان يفتح كتاب القرآن بتاعه ويفضل يقرأ بصوت عالي لحد ما تسكت. الحق يتقال في المعاملة ما كانتش تفرق بيني وبين حكيم غير في الحضن والبوسة بس. بس وكل شرب غسيل كل حاجة زيي زيه. حكيم وقتها اشتغل لبّان يلم اللبن من أهل البلد في أقساط على حماره اشتراه من فلوس شغله اللي كانت باقية من شغله في أرضنا وبقى كل يوم يلم اللبن
ويروح يبيعه في البندر ويرجع. كان أبوي الشيخ خزيان من شغلانة ولد أخوه بس كل ما حد
كان يكلمه عليه كان يقله: الشغل مش عيب واليد البطالة نجسة. ويسكت الناس. بس هو من جواه عيفور غيظ ومستحي. لحدت ما في يوم أبوي فاض بيه وراح عشان يكلم عمي يخلّي حكيم يبطل شغلانته دي ويديه فلوس عشان يصرف منها. لكن اللي حصل يومها إن أبوي وقع من سطوح بيت عمي على دماغه. نزل ميت في التو واللحظة. طلع السطوح ليه؟ وقع كيف؟
محدش قدر يعرف ولا يفهم. بس أنا عارف ومتأكد إن عمي ومرت عمي هما اللي ورا موتت أبوي. وعشان ربك بالمرصاد مرت عمي وقعت في نفس اليوم من على السلم ظهرها اتكسر واتشلت من يومها كيف ما أنتِ واعية. بعدها عمي ما رضاش إني أعيش لحالي في السرايا وإني قطعت رجلي من بيتهم. ما قدرتش أشوف مطرح ما مات فيه أبوي وأدوس عليه وأنا داخل وأنا طالع. كنت بحس إني بدوس على روح أبوي. وجه عمي ومرته عاشوا معايا في السرايا بحجة إنهم يراعوني وياخدوا
بالهم مني. أنا من يومها الدنيا اسودت في وشي. لا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت. حتى حكيم عمي بعده عني وحطه في مجالس الذكر ومشّاه على طريقه في كتاتيب الشيوخ بعد ما عمي مسك الأرض وبقى يصرف من خيرها عاد. بس ربك عدله ببلاه بعيا في معدته خلاه عايش سنين على التمر والعيش الحاف. وفين وفين لما ياكله وكله كيف خلق ربنا لما يعاود حكيم من المجالس في البلاد البعيدة ويغصب على أبوه ياكل معاه بالغصب من أكل يكون جايبه معاه. أنا وقتها اتلموا
عليا شلة أولاد حرام علموني طريق السكر والغوازى. بقيت آخد كل يوم والتاني من عمي فلوس وهو كان يديني ميقولش له. بس بعد ما يقعد ساعة يديني خطب ومواعظ عن الحرام والحلال واللي يصلح واللي ما يصلحش. وقتها عمي خد المشيخة من بعد أبوي واللي كانت من حقي بس عشان لسه في عمر الصبا ما كانش ينفع إني أمسكها مطرح أبوي.
وقتها عمي قال لي: إني هحفظها لك لحد ما تشب عودك وتبقا أهل لها. وبقى هو شيخ البلد وولده حكيم بقى يقرأ العيال في الكتاتيب. وأنا فضلت ماشي في طريق الهلس لحدت ما كملت 18 سنة. وقتها كل ما كنت
أطلب من عمي فلوس يقول لي: مفيش. ما معيش. جماعَتي كانوا يسلفوني ويصرفوا عليا من حداهم لحدت ما تكمت عليا فلوس كتير قوي. ولما عرفوا واتأكدوا عاد إني ما عادش معايا فلوس ولا عمي عاد يديني فضلو يطالبوا فيا ويزنّقوا عليا بالحديث. ما كنتش عارف أعمل إيه ولا أسوي إيه
لحدت ما واحد فيهم قال لي: بيع قراطين من أرضك وسد دينك. هي الأرض ورثك من أبوك ومن حقك تتصرف فيها وقت ما تريد. أنا الفكرة خشت في نافوخي ولقيت صح مفيش حل قصادي غيرها. يومها قلت لعمي الحديث ده وهو اتجنن وبقى يفت ويقطع: كيف أبيع أرض من أرضي عشان أصرفها على الغوازى وشرب البوظة والعرق!
بس برغم كده إني صممت إني أبيع وجبت من كبارات البلد شهود وقعدت قصاد عمي معاهم عشان يخلوني أبيع أرض أبوي. وبالفعل استسلم عمي ووافق إني أبيع من أرضي ووقتها كان البيع بالعُرف. يعني عقد أخضر واتنين شهود ويتم البيع. وتم البيع لكن صدمتي كانت في إن عمي هو المشتري. جاب فلوس من وين وكيف ما عرفت. وما وقفش الحال عند اهنه وبس. له ده أنا استحليت للفلوس والصرف واللعب وبدأت أبيع في أرضي حتة ورا حتة وكل مرة يكون عمي فيها هو المشتري
صدمتي تكبر أكتر. واتأكدت وقتها إن عمي ومرت عمي هما اللي سرقوا دهب أمي وفلوس أبوي. وإنهم اشتروا أرضي بفلوسي. وما فوقتش لحالي غير وإني بايع آخر شبر من أرضي. حتى السرايا بعتهاله وبقيت عايش معاهم عالة. شفقة منهم على رأي اللي قال. ومن يومها وكل اللي كان تحت إيدي وملك يميني بقى لحكيم. وكل الناس بقت تنام تقوم ملهاش غير سيرة حكيم وأدب وأخلاق حكيم ومال حكيم وعلم حكيم. وغازي اسمه بقى يتلزق وراه أي حاجة عفشة في الدنيا. ولما عمي
تعب وآل أوان رد الحق لأصحابه ونقل المشيخة استعديت. وعليم الله بعدت عن كل حاجة عفشة كنت بعملها. بس عمي ضربني في مقتل لما قعدني وسط ديوان المشايخ أنا وحكيم وقال للناس إنه هيرد لي المشيخة والناس كلها قامت تعترض بصوت عالي وعملوا هرج عشان مش عايزين غازي للمشيخة وعايزين حكيم هو اللي يمسكها. قالوا إن غازي جاهل وطايش ومش أهل لها ومينفعش يكون شيخ. بس حكيم ينفع وهو أحق بها. أتاري عمي كان طول الوقت يعد ولده لها ويعلمه أصولها
وأنا قاعد غفلان على اللي هيتنطبخ من ورا ضهري. ومن يومها أرضي وفلوسي وجاهي ومشيختي والوصف الزين كله بقى من نايب حكيم. وأنا على حطت يدك قاعد وسطهم آكل وأشرب وعايش والسلام. من كام سنة بس وعيت لحالي وبقيت أنزل الأرض والشغل مع حكيم وهو يشكر الرجل يشغلني ٦ شهور ويكتب لي بيهم قيراط يشتريه لي. ويشيل حجته عنده كماني. عشان قال إيه خايف أحسن أرجع لطريق الهلس وأبيعهم وأصرف حقهم. لحدت ما بقوا الكام فدان اللي حيلتي دول بس الحق
يتقال سايبهم لي أفلح فيهم وأبيع محصولهم لحسابي ومليش صالح بيهم أبداً. لكن ورقهم عند حكيم ومعرف له موضع. شفتي عمي ومرت عمي وولد عمي عملوا في غازي إيه؟
بذمتك مش ناس كيف دول يستاهلوا الحرق؟ أو يستاهلوا يترموا في حفرة كيف اللي جوه دي ويتقفل عليهم لحد ما يموتوا من الجوع والعطش. وهنا جماره شهقت بخوف ورجع غازي لوعيه وشافها مبرقة عينيها وبتتهز في دماغها بالرفض وهمست بصوت واطي: له: لا. ممكن خاله تماضر وحكيم يكونوا عملوا كده أبداً. انت موهوم وغلطان. حكيم وأمه ناس زينة ما يطلعش منهم العيبة ولا يرضوا بالحرام.
وهنا غازي اتحول لوحش كاسر بعد سماعه لكلام جماره وكشر عن أنيابه وهجم عليها وخنقها من رقبتها بإيديه الاتنين: ما يطلعش منهم العيبة ولا يرضوا بالحرام. لكن غازي يرضى وتطلع منه العيبة صح! أنا غلطان إني فتحت قلبي واتحدت معاكي. انتي مين انتي عشان أحكي معاكي ولا أفضفض لك؟ انتي حيلة كلبة تحت رجلي. بياعة جبنة معفنة وتمامك كده وبس.
ونزل عليها ضرب في كل مكان بدون رحمة كأنه مغيب أو مش حاسس هو بيعمل إيه. أو يمكن جماره السبب في إنها حضرت كل كره السنين اللي جواه لعمّه ولعيلته وهو ما لقاش حد قدامه يطلعه عليه غيرها هي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!