الفصل 42 | من 45 فصل

رواية جنوني بك الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شيماء فيصل

المشاهدات
22
كلمة
5,135
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

لم تستمع لكلمات أحد ولم تتحرك من مكانها. تجلس بجوار الغرفة، عيناها متعلقة عليها بأمل، ودموعها تتساقط على وجنتيها بقهر. لماذا ذهبت وتركتْه؟ لماذا لم تظل بجواره؟ من المؤكد أنها السبب فيما أصابه. أسدها، حبيبها، الآن بالداخل بسبب عنادها معه.

كتمت آهة متألمة بداخلها، تريد الصراخ والبوح بها، ولكن يكفي ما به. بناتها، فليلى جالسة بجانب بعيد عن الجميع، تبكي بنحيب وصوت عالٍ، تردد بعض الكلمات التي تجعلها تزيد من آلامها. وريماس واقفة أيضاً، بجانب حالتها يرثى لها، لا تتقبل فكرة أن يصيب والدها مكروه. بجوارها، أسد الذي يحاول أن يهدأها، ولكنها تبتعد عنه كل البعد، رافضة أن يقترب منها. جلس أيهم بجوار ليلى، ممسكاً بيدها بحنان: "ممكن تهدّي بقى يا ليلى؟

أهدي يا روحي. صدقيني كمان شوية الدكتور هيطلع ويطمنّا." نظرت له تمسح دموعها بأمل: "بجد يا أيهم؟ بابي ممكن يصحى ويرجع زي الأول؟ مسح باقى دموعها بعشق: "بجد يا حبيبة أيهم. كفاية عياط وروحي جمب طنط سيلا وخليكي معاها." ابتسمت له بحب وعيناها تلمع بالعشق، ليقابلها بنظرة عشق، ثم ابتعدت عنه واقتربت من والدتها الباكية لتمسح دموعها بحنان، ثم تضمها وتقبل جبينها.

اقتربت ريماس منهم، تضمهم الاثنان داخل أحضانهم، تكتم شهقات بكاؤها. يكفي انهيار والدتها. تشعر بقلبها يكاد يتوقف عن نبضاته خوفاً من فقدان أعز ما لديها. اقترب أيهم من والده الذي لم يتحرك ولم ينطق بحرف، فقط يمسح تلك الدموع كلما خانته ونزلت. تنهد بحزن، لا يعرف كيف يواسيه ولا كيف يتحدث معه، ولكن هتف بصوت هادئ: "إن شاء الله عمي أسد هيخرج ويبقى كويس."

رفع نظره تجاه ابنه، يهز رأسه بصمت تام، ثم نظر تجاه فراس وشادي اللذين يقفان بصمت. لم يستغرب. بعد مرور ساعة، خرج الطبيب يتنهد. ليقفوا الجميع حوله متسائلين بقلق وخوف شديد. هتف الطبيب بهدوء: "الحمد لله. قدرنا نسيطر على الحالة. كمان ساعة هننقله وتقدروا تشوفوه." أغمضت سيلا عينيها براحة وتنهيدة متعبه، تشكر ربها أنه أصبح بخير الآن. مرت تلك الساعة كأنها ساعات طويلة.

فتح عيناه بتعب وخمول، ليراهم جميعاً حوله، ولكن ليلى كانت الأسرع في الاقتراب منه بشدة، لتهتف بدموع وصوت مختنق: "حمد الله على سلامتك يا بابي. كنت هموت لو كان جرالك حاجة." مسح دموعها بيدٍ مرتجفة، مبتسماً لها بحب: "كفاية عياط يا حبيبتي. انتي مش عارفة أبوكي ولا إيه يا ليلى."

قبلت يده بابتسامة مرهقة. لينظر تجاه ريماس الواقفة بجانب، بعيد عن أنظار الجميع، تسمع دموعها كلما خانتها وسقطت. اخفضت نظرها أرضاً بمجرد أن رأت والدها ينظر تجاهها، ليشاور لها بحنان: "تعالي يا ريماس." خرجت شهقة من شفتيها وهي تقترب منه، لتجلس جواره من الجانب الآخر. رفع يداه ومسح دموعها بحب: "إيه يا حبيبتي؟ هتفضلي تعيطي كدا ومش عايزة تطمنّي عليا؟ أرمت نفسها بين ذراعيه، ليكتم آلمه داخله وهو يحاوطها بيده. همست بصوت متقطع:

"أنا... آسفة يا بابي... إحنا من غيرك ولا حاجة." ابتسمت سيلا بحب وهي تمسح دموعها، ولكن اختفت ابتسامتها عندما أبعد نظره عنها، وكأنها شفافة أمامه لا يراها. شعرت بألم يعصف بها من هذا التجاهل. فقط كانت سترقص الآن بين أحضانه، متمسكة به ألا يتركها ويظل بجواره. نظر أسد تجاه إياد، الذي كانت عيناه مصوبة في اتجاه بعيد عنه. يعرف أنه يهرب منه، ولكنه هتف بصوت مهزوز وهو يهم بالرحيل: "حمد الله على سلامتك يا أسد."

حاول أسد أن يعتدل من نومته، منادياً عليه بغضب: "خد هنا يا إياد. رايح فين وسايب صاحبك؟ مرر يده بخصلاته بتوتر: "هخرج أجيب أي حاجة عشان تاكل. انت دلوقتي محتاج الأكل." "أنا مش محتاج غير صاحبي يا إياد." ظل واقفاً مكانه، لا يتحرك. ولم يتحرك إلا أثر دفعة قوية من فراس وشادي، اللذين ذهبوا به تجاه أسد. نظر له أسد بغضب وهو يضمه بقوة: "شغل العيال الصغيرة ده والقمص ده مش عايز أشوفه تاني، انت سامع؟

هز رأسه بابتسامة وهو يبادله عناقه بحب شديد. مرت نصف ساعة والجميع جواره يتحدثون معه. إلا سيلا، التي جلست على الأريكة تتابعه بأعين دامعة وقلب منفطر. حتى أتى الطبيب وأمرهم جميعاً بالخروج حفاظاً على سلامته. بالخارج... نظرت ليلى حولها باستغراب. أين ذهب؟ لم يدخل معهم للاطمئنان على والدها، والآن لا تراه بالخارج. إلى أين ذهب وتركها؟ نفخت بضيق وغضب من تصرفه، وهي تبتعد عن أنظار الجميع كي تتحدث معه. نظر أسد

الأيوبي لهم وهتف بهدوء: "بابا خد أمي وعمتي وريماس وروحوا. روحوا." ثم نظر تجاه فراس وإياد وهتف: "وانتوا كمان. أنا هقعد هنا مع خالي أشوفه محتاج. ابقوا تعالوا بكرة شوفوه." هزت سيلا رأسها بنفي قاطع: "لا مش همشي. أنا هفضل هنا. مش هسيب أسد عمري." اقترب أسد منها بحنان: "مش بقولك سيبيه يا عمتي. روحي ارتاحي وابقي تعالي مع بابا تاني." هزت رأسها بنفي. لتنظر ريماس له بضيق:

"إحنا مش محتاجين حد معانا. أنا ومامي هنفضل هنا. واللي بابي يعوزه إحنا معاه وهنعمله." ثم نظرت تجاه ريتال: "بس انتي روحي يا عمتو عشان أسر لوحده هنا." هزت رأسها بتفهم، لتذهب مع شادي وإياد وفراس، ولم يتبقَ سواهم. زفرت ريماس بضيق من تواجده معها بنفس المكان، لا تتحمل رؤيته ولا النظر له أبداً. بحديقة المستشفى... أجابته بضيق وحزن ظهر على ملامحها:

"وهما الخمس دقايق اللي كنت هتقعد فيهم وتطمن على بابي كانوا هيأخروك أوي كدا يا أيهم؟ زفر باختناق من حديثها، ليهتف بنبرة حاسمة: "ليلى، أنا مش قولتلك عندي شغل ومش فاضي. وبعدين ما أنا كنت جنبك ومعاكي واطمنت من الدكتور إن عمي أسد بقى كويس. ثم هو أصلاً مش بيطيق يشوفني، عايزاني أدخل أشوفه ليه؟ هزت رأسها بنفي: "مين قالك كدا؟ على فكرة بابي بيحبك. هو بس مش عاوزني أتجوّز دلوقتي." "أيهم، خلاص ياليلى. خليكي جنبه وبلاش تتجوزي."

"انت قصدك إيه بالكلام ده؟ "قصدي اللي فهمتيه يا ليلى. أنا كلمتك وقولتلك أعمل إيه وتاخدي موقف وتتكلمي معاه، وانتي ولا أي حاجة، ولا عملتي أي حاجة عشاني." همست بصوت منخفض وعينان تلمع بالدمع: "انت عاوز تسيبني يا أيهم؟ عاوزنا نبعد عن بعض؟ اللي انت قولته حاولت أعمله، بس مقدرتش أعمل كدا. أنا مقدرش أقف قدام بابي ولا أعمل اللي انت عاوزه." "يبقى تيجي معايا ونكتب الكتاب ونتجوز يا ليلى. لو كنتي بتحبيني بجد." هتفت بعصبية مفرطة:

"أنا قولتلك مستحيل أعمل كدا. مش كل مرة تقول لي كدا." هدأت قليلاً، ثم أكملت بقهر: "انت لو عايز تسيبني براحتك عشان أنا تعبت. انت محملني كل الذنب يا أيهم، وأنا عاوزة أبقى جنبك ومعاك، بس مش بإيدي." "ليلى أنا... نظر للهاتف بصدمة، ليراها أغلقت المكالمة بوجهه. تنهد بعذاب: "مجنونة دي ولا إيه؟ أسيبها؟ دا أنا مصدقت رجعتلي."

نظرت سيلا تجاه ابنتها التي مازالت غاضبة على أسد، تتحدث معه بضيق شديد وكأنها أصبحت لا تطيقه. هزت رأسها بنفي من عناد ابنتها. ألم يكفيها مرور هذا الوقت بينهم؟ ألم يكفيها ما فعلته وأخذت بحقها منه؟ ولكنها استغلت انشغالهم عنها ودلفت بهدوء داخل غرفة أسد. تركت هاتفه بمجرد أن دخلت، واقتربت لتتجمد ملامحه ببرود عندما سحبت الكرسي وجلست، ثم سحبت يده واحتضنتها بحب، تنظر له بدموع تهدد بالنزول: "أســــد."

لم يجيبها ولن يجيبها. ما زال غاضب منها بسبب تركها له وابتعادها عنه. تنهدت بحزن شديد وهي تنظر داخل عينيه: "انت كلمتهم كلهم وضحكت معاهم، وجاي عليا أنا يا أسد؟ حتى حرمني من صوتك ومن إنك تتكلم معايا. انت ليه قاسي عليا كدا؟ ليه بقيت كدا؟ أنا كنت هموت من خوفى عليك لما الدكتور قال إنك فوقت. كل اللي كنت بفكر فيه إني أدخلك تاخدني في حضنك وتطمني إنك معايا ومستحيل تسيبني أبداً." لوى شفتيه بسخرية وتحدث بنبرة لاذعة:

"وإنتي كنتي فين قبل كدا؟ مشيتي وسبتيني ولا سألتي عليا؟ حتى ريماس قويتيها عليا يا سيلا، وعايزاني أنسى اللي عملتيه بسهولة كدا؟ "يعني إيه؟ انقطع حديثها بهدوء: "أنا تعبان وعايز أرتاح. سيبني واطلعي يا سيلا. لو كنتي تهمني بجد ما كنتيش سبتيني ومشيتي." مسحت دموعها بيدٍ مرتجفة وهمست بصوت مختنق: "انت عارف كويس إنك تهمني وإنك أغلى حاجة عني. بلاش تبقى بالقسوة دي عليا. حرام عليك."

لتكمل بوجع: "انت كل اللي كنت زعلان معاهم كلمتهم، اشمعنى سيلا؟ ولا انت مش عاوز تشوفني وعايزني أمشي من حياتك؟ انت اللي زعقتلي، وحتى لما قولتلك أنا همشي، سبتيني أمشي بالليل ولوحدي يا أسد. وبعدها ولا سألت عليا ولا اطمنت أنا وصلت ولا حصلي إيه، وجاي تكملها بقسوة قلبك اللي بقت مش بتطلع غير لسيلا بس. ربنا ياخدني ويريح الكل مني طالما تعباكم أوي كدا."

نفخ بغضب وضيق من كلماتها، فقد عادت تلك الطفلة من جديد. فا دائماً عندما تحدث بينهم مشكلة، تبكي وتتحدث كالطفلة الصغيرة وتصرخ بأن يبتعد عنه ويموت. ويقابله هو بصراخ ينتهي وهي بين ذراعيه. أغمض عينيه وهتف بصوت حاول جعله هادئاً، ولكنه خرج قاسياً وحاداً: "أنا كام مرة أقولك ما تدعيش على نفسك يا سيلا. إنتي مش هتكبري بقى ومش هتبطلي حركات العيال دي. أنا زهقت من كلامك." لم تهتم لقوة نبرته، لتكمل ببكاء:

"ما أنا عارفة إنك زهقت مني ومش طايق تشوف وشي. بس أنا هريحك مني خالص. أنا اطمنت عليك، وانت الحمد لله بقيت كويس أهو. أنا همشي وأرجع عند شادي وأريحك مني خالص. ولو عايز تطلقني، طلقني. ما أنا مبقتش فارقة معاك ولا بقيت تحبني أصلاً." "أصلاً يا سيلا... " قالها وهو يحاول أن يعتدل من نومته، ليمسح دموعها بحب وحنان. نظرت له بعتاب. ليقابله بنظرة عشق، مقبل يدها المحتضنة ليداه بحب: "أنا بطلت أحبك يا سيلا. إنتي شايفة كدا؟

هزت رأسها بنفي. ليكمل هو: "أومال ليه بتقولي كدا؟ همست بصوت متحشرج: "عشان أنا زعلانة منك." زاد اقترابه منها ومن شفتيها، ليهمس بشغف: "وأنا ما أقدرش على زعلك يا نور عيوني." فتحت ريماس الباب وهي تصرخ بصوت عالٍ: "ماااامى..... بااااابى." ولكنها صمتت بخجل شديد والتفتت تجاه أسد، الذي كتم ضحكته بصعوبة. نظرت سيلا لهم بخجل طفيف، وجز أسد على أسنانه بغيظ من ابنته وهذا الواقف جوارها. ليغمز أسد الأيوبي له بعبث:

"حتى وانت تعبان يا خالي، ارحم نفسك شوية." زمجر أسد بحدة وغضب: "إنتوا إيه؟ ما فيش أي أدب خالص؟ مش في زفت تخبطوا عليه؟ ابتلعت ريماس ريقها بحرج، وهي ما زالت قريبة من هذا المستغل، الذي استغل اقترابها منه ولف يداه حول خصرها، ثم سحبها معه للخارج، ناظراً تجاه خاله بابتسامة: "نسيبك إحنا بقى يا خال على راحتك." بمجرد أن خرجوا، نظرت سيلا له بخجل: "شوفت آخر عمايلك. يقولوا علينا إيه دلوقتي؟ نظر لها بذهول: "يقولوا....

إنتي اتجننتي ولا إيه يا سيلا؟ إنتي مراتي يا بت." برقت بعينيها باتساع وذهول من كلمته: "بت؟ إنت بتقول يا بت؟ إنت من إمتى بتتكلم كدا ولا بالطريقة دي؟ تقول لي كدا؟ كتم هذا الحديث وأنهه بقبلة ملتاعة ومشتاقة لقربها منه، وأنها الآن بين أحضانه بعد عدة أيام، بعدت عنه وهجرته. بالخارج... نظرت ريماس له بضيق: "عاجبك كدا يعني؟ هز كتفيه ببراءة مزيفة، وما زالت يده محاوطة لخصرها، مقربها منه بشدة. تحركت يداه بحرية

على جسدها وهمس لها بحب: "وأنا عملتلك إيه؟ أبعدت يداه عنها، ولكنها في مرور ثانية كانت بين يداه يحملها بين ذراعيه. شهقت بصدمة من فعلته، لتصرخ به بشدة: "إنت بتعمل إيه؟ نزلني بقولك دا. إنت شكلك اتجننت. باين." جز على أسنانه بغيظ من تصرفاتها، الذي بات يمقتها: "أيوه فعلاً اتجننت إني سايبك على مزاجك، وإنتي ناسيه إنك لسه مراتى. هتيجي معايا دلوقتي غصب عنك وهنرجع بيت." ما زالت تنتفض بين يداه، تحاول النزول والابتعاد عنه، ولكنه

كان يتجه بها لخارج المشفى: "ابعد عني. والله لأصوت وألم عليك الناس وأقول إنك خطفتني." حذرها بأعين غاضبة: "طب جربي بس تعمليها كدا." كانت ليلى في طريقها للدخول وتمسح باقي دموعها المختلطة على وجنتيها بقهر. لترى أسد وهو يحمل ريماس، التي لا تكف عن انزعاجها وتصرخ به. اقتربت منهم بلهفة: "في إيه؟ إنتوا بتزعقوا كدا ليه وشايل ريماس كدا ليه يا أسد؟ هي كويسة؟ "ناوي أعقلها يا ليلى عشان أختك اتجننت خالص ومخها طق منها."

ضيقت عينيها بلهفة: "أنا مخي طق؟ تجه بها إلى سيارته، هاتفاً بصوت شبه عالٍ: "سلام يا ليلى. أما أشوف صرفة مع أختك المجنونة دي." أطلقت ليلى ضحكة خافتة وهي تتابعهم، لتنتفض بفزع عندما استمعت لصوته يهمس جوار أذنيها بشغف: "امتى يجي اليوم اللي آخدك فيه يا ليلتي ونروح لبيتنا. امتى يا ليلى؟ التفتت له بحزن، وكادت أن تبتعد وتتخطاه، ولكنه منعها من التحرك، ينظر داخل عينيها بحنان:

"عارف إنك زعلانة، بس أنا مستحملتش إنك تبقي زعلانة وجيت وسيبت كل حاجة ورايا عشان أصالحك." رفرفت برمشاها عدة مرات، ثم هزت كتفها بحزن منه، وهتفت بعتاب: "بس أنا مش هتصالح يا أيهم. مش كل مرة تزعلني وعايز تصالحني بسهولة كدا." عقد يداه أمام صدره وهتف بتساؤل: "كل مرة؟ "معنى كدا إني على طول بزعق معاكي يا ليلى. وزهقك أوي."

ابتلعت ريقها بتوتر، لتبعد عينيها عن عيناه المثبتة عليها بنظرات أهلكت قلبها وجعلتها تريد الارتماء بين ذراعيه، تريد أن تشعر بالراحة والأمان التي لا تشعر بهما إلا بين أحضانه. ولكنها نفت تلك الأفكار من رأسها وهزت رأسها بنفي: "أنا مش قصدي كدا." اقترب منها ورفع وجهها له، ينظر له بعشق جارف، وعينان تلمع بالحب، ليهتف: "أومال قصدك إيه يا ليلى؟ توترت من اقترابه وتنفست باضطراب:

"خلاص ما فيش حاجة. أنا هطلع عشان أشوف بابي وأطمن عليه." مسك ذراعيها قبل أن تغادر من أمامه، ليجعلها تقف أمامه مجدداً: "خدي هنا. هو أنا مش بتكلم معاكي؟ تنهد وهو يهتف بنبرة هادئة: "أنا اللي هطلع يا ليلى. هطلع أشوف عمي أسد وأطمن عليه. أنا عارف إنك زعلتي لما أنا مشيت وما شوفتوش والكل كان دخل، بس أنا كنت مستني أما كله يمشي عشان أعرف أتكلم معاه." "وليه ما قولتيش كدا؟

قبل جبينها بحب شديد، لتغمض عينيها لولهه، ثم ابتعد عنها، ناظراً داخل عينيها بابتسامة، مداعب أنفها بإصبعه: "أنا بحبك يا ليلى. بحبك أوي." انتفض قلبها بعنف، وكأنها تستمع تلك الكلمة لأول مرة منه. كلما يهتف بها تشعر بسخونة جسدها وانتفاض قلبها بعنف داخل ضلوعها. ابتلعت ريقها وهمست بعشق: "وأنا بحبك يا أيهم. مش بس بحبك، أنا بموت فيك يا حبيبي."

"الصبر من عندك يارب. ربنا يهدي أبوكي ويحنن قلبه علينا، عشان أنا تعبت. أنا عاوز نتجمع أنا وانتي في بيت واحد يا ليلى." _"يعني إيه هتسافر يا فارس؟ إزاي يا ابني؟ المرة اللي فاتت كانت خمس شهور وكنت هموت وأنت بعيد عني. دلوقتي عاوز تسافر وما ترجعش تاني؟ ليه كدا يا حبيبي؟ " هتفت تولين كلماتها بصوت مختنق وعينان تلمع بالدمع.

تنهدت جوري بوجع، ثم نظرت تجاه فارس على أمل أن يغير رأيه ويستمع لحديث والدته، ولكنه خالف توقعاتها كما يفعلها دائماً. واحتضن أيادي تولين بحب: "مين قال كدا؟ أنا كل فترة هنزلك هنا وأقعد معاكي لحد ما تزهقي مني خالص. وهكلمك كل يوم بالساعات يا حبيبتي." هزت رأسها بنفي وبدأت دموعها بالسقوط، لتهتف: "لا خليك جنبي. افرض حصلي حاجة أو موت، أموت وأنت بعيد عني من غير ما أشوفك يا فارس. ليه بتعمل كدا؟

زفر باختناق من كلماتها التي أصابت قلبه. لا يريد سماع تلك الجملة. يكفي ضغط عليه، يكفي أنه سيكون وحيداً بغربته، ليس بجواره أحد. لما تحمله فوق طاقته. لمعت عيناه بألم: "بعد الشر عليكي يا أمي. بس عشان خاطري بلاش تضغطي عليا أكتر من كدا. كفاية اللي فيا يا أمي." قالها وهو يرمق جوري بنظرة معاتبة على تركها له وتخليها عنه. نظرت تولين تجاه جوري وهتفت: "إنتي هتاخدي روفان وتسافري معاه يا جوري؟

اخفضت نظرها لأسفل ودموعها تساقطت على خديها بعذاب. تفاجأت تولين من بكاؤها وهمست بحزن: "إنتي هتسبيه لوحده يا جوري؟ جلست جوري على تلك الأريكة، متنهدة بوجع، لتهتف بقهر: "أنا اتحايلت عليه ما يسافرش. قولتله لا. هو اللي مصمم. مع إننا مش محتاجين كل ده. ليه نسافر ونتغرب؟ كل ما أكلمه يقول حلمي وإنتي عارفاه، وأنا قولتله مش هسافر وهو مش شايف غير نفسه." تحكم بأعصابه بأعجوبة، مستهزئاً به وبأحلامه. أغمض عينيه كي يهدأ قليلاً،

ثم هتف بنبرة حادة: "أنا مش محتاج حد معايا يا أمي. خليها هنا وبنتي أنا هنزل كل شهرين وأشوفها." "بنتك؟ هتنزل بس عشان بنتك؟ وأنا أولع بجاز. مش كدا؟ إنت كدا وهتفضل طول عمرك أناني ومش بتفكر غير في نفسك. إنت عارف بعد ما كنت خلاص فكرت وكنت ناويه أروح معاك، بس خلاص يا فارس. روح إنت وعيش حياتك لوحدك بعيد عننا. وبنتي أنا هربيها." صرخ بصوت عالٍ ونبرة دبت الرعب بقلبها: "جووووورى. خدي بالك من كلامك واعرفي إنتي بتقولي إيه."

صرخت تولين بهم بغضب: "في إيه مالكم؟ ما فيش أي احترام للي قاعدة معاكم دي؟ إيه اللي جرالكم؟ بكت تولين بشهقات عالية:

"في إني تعبت منه ومن طباعه اللي عمرها ما هتتغير. على طول يعلى صوته عليا ويزعق ويشخط فيا. أنا بشوف عز بيعامل ليان إزاي، وأيهم بيخاف إزاي على ليلى وعلى زعلها وبيعمل المستحيل عشان يتجوزها. وأسد أخويا بعد كل اللي حصل بينهم، عمر حب ما قل لريماس وبيحاول يرجعها بأي طريقة ومستحمل دلعها عليه وكل حاجة بتعملها فيه عشان بيحبها. إنما أنا مش زيهم. أنا اللي يوم فرحي اللي المفروض يكون أحسن يوم في حياتي، كان أسود يوم في حياتي. كدب عليا وفهمني إني....

إني.... " لم تقدر على نطقها،

وأكملت بنبرة مهتزة: "خدني الفندق وكان عاوز يغتصبني عشان يذلني ويقهرني. ولولا إني اغمى عليا، كان زمانه عمل كدا. سامحته على اللي عمله، بس ما نسيتش ولا قادرة أنسى قسوة قلبك حتى قبل ما نتجوز. كان دايماً قاسي عليا ويزعق ويشدني من شعري لما أتكلم. كنت ضعيفة أوي قدامه عشان بحبه، بس خلاص أنا تعبت منه وجبت آخره. أنا لما بشوف أونكل فراس بيعاملك إزاي وبيخاف عليكي قد إيه، بستغرب أوي. إزاي فارس ابنه، ليه مش زيه ولا زي عز؟

ليه قلبه حجر كدا؟ هنا لما بزعل أنا، هو بيروح عند ماما وبروح ساعات لليان. لكن لما نزعل هناك، هيكون مين معايا؟ فارس متسرع أوي ومش بعيد يمد إيده عليا. ماهو عملها قبل كدا كتير. أنا مش عاوزة أسافر ولا عايزاه يسافر."

سقطت دموع تولين وتذكرت عذابها هي أيضاً مع فراس، وكم عانت معه حتى أصبح بهذا الهدوء والحنان. ففارس نسخة مصغرة من فراس، يشبه تماماً بكل شيء. ولكن عز مختلف عنهم، ليس به طبع القسوة أبداً. فارس متعجرف ومغرور مثل فراس سابقاً، والأهم من ذلك قسوة قلبه الذي ورثها من والده.

ابتعدت عن فارس، الذي نفخ بضيق من كلمات جوري، وظل هادئاً تماماً حتى لا يسوء الأمر بينهم أكثر. لم يعد يريدها أن تذهب معه، بعدما كان متمسكاً ويتمنى ذهابها معه، أصبح لا يريدها. سيبتعد هو عنها، سيحقق أحلامه ويعرفها جيداً كم تستهزئ به مرة أخرى. جلست تولين جوارها، ثم نظرت لفارس بالانصراف. لينفخ بضيق وهو يخرج، صافعاً الباب خلفه بحده. هزت تولين رأسها بنفي واحتضنت جوري بحب، لتهتف بابتسامة باهتة:

"شايفة فارس دا نسخة من أبوه يا جوري. صدقيني فراس زمان كان أكتر من فارس بكتير. نفس اللي حصل معاكي حصل معايا بالضبط."

لمعت عيناها بعذاب: "حتى فراس زمان حاول يعتدي عليا برضه، بس لما اغمى عليا، فاق من اللي كان فيه زي فارس كدا. فراس زمان كان مانعني من الخروج من البيت، كان عصبي أوي ومتملك بطريقة فظيعة. استحملت منه كتير أوي عشان كنت بحبه، عشان مش بقدر أعيش من غيره. لحد ما ربنا هداه ليا، اتغير خالص عن الأول. مابقاش يستحمل يشوفني زعلانة. فهم واتغير بمرور الوقت يا جوري. عايز اكي تصبري وتتحملي. أنا عارفة ابني وعارفة طباعه، بس والله طيب وما فيش أحن منه. خليكي جنبه وما تخربيش بيتك. أنا عارفة إنك بتحبيه ومش هتقدري تبعدي عنه، وهو بيحبك، بس قسوته دي وعصبيته بتخليه واحد تاني. خليكي معاه واستحمليه يا جوري."

ابتعدت عنها، تنظر لها بعدم تصديق. لا تصدق ما تسمعه. ففراس ليس بشبيه لابنه، هو حنون بشدة ويخاف عليها. لا تصدق أن ما حدث معها حدث مع تولين بالماضي. قطع حديثهم دخول فراس، الذي ألقى السلام على جوري واقترب من تولين بحب، مقبل جبينها بعشق: "وحشتيني يا تولى. عاملة إيه يا روحي؟ خدتي علاجك يا حبيبتي؟ هزت رأسها بابتسامة: "أيوه يا حبيبي. الحمد لله. المهم أسد بقى عامل إيه؟ تنهد وهو يجيبها بهدوء:

"الحمد لله كويس. أنا هدخل أغير عشان هنروح ليه أنا وإياد دلوقتي. إنتي خلي بالك من نفسك وبلاش تتتعبي نفسك عشان خاطري يا تولى." ابتعد عنهم، لتنظر تولين لها بنظرة وكأنها تخبرها أن تتحمل كل شيء، فالصبر مفتاح الفرج. هزت جوري رأسها بتفهم ونظرت لها بهدوء: "حاضر. أنا همشي دلوقتي إلا فارس يمشي ويسبني. هروح أشوف خالو وأطمن عليه، وروڤان معاكي أهي. خلي بالك منها يا ماما."

خرجت جوري وتركته تدعو لهم بأن يريح الله قلبها ويهدي صغيرها. وجدتْه يجلس بالسيارة، لتجلس جواره بهدوء. انطلق بالسيارة دون الحديث بحرف. ظلت تنظر له بحزن وتغمض عينيها بألم، من الواضح أن طريقها معه أصبح صعب عليها أكثر من السابق. _"حمد الله على سلامتك يا عمي. الحمد لله إنك بقيت بخير." هتف بها أيهم وهو يقف بالقرب من أسد، الذي سمح له بالجلوس، متنهداً بابتسامة: "الله يسلمك يا أيهم. اقعد يا ابني، إنت واقف كدا ليه؟

انشرح قلبه بابتسامة واسعة وسحب الكرسي جالساً أمامه، ليبتسم أسد على مظهره، ولكنه هتف بمداعبة: "الكلام ده من قلبك يا أيهم ولا جاي عشان ليلى مش عشانّي أنا؟ هز رأسه بنفي: "لا والله أبداً. أنا جيت عشان أطمن عليك. وقبل ما أمشي كنت اطمنت عليك من الدكتور." تنحنح وهو يكمل بحزن: "أنا ما دخلتش معاهم هنا عشان عارف إنك مش بتحبني ولا بتطيق تشوف وشي. بس جيت برضه تاني عشانك، أشوفك وأطمن عليك." عقد أسد حاجبيه باستغراب شديد:

"أنا بكرهك؟ إنت مين قالك الكلام ده؟ أنا عمري ما كرهتك يا أيهم. إنت زي ابني، وكمان ابن صاحبي وأخويا. أكرهك إزاي." تنهد وهو يجيبه بتفهم: "لو بتقول كدا عشان موضوع ليلى، فا إنت غلطان." نظر له بأعين تلمع بالأمل: "طب رافض ليه؟ أنا بحب ليلى. مستعد أعمل أي حاجة عشان حضرتك توافق. أنا ما أقدرش أعيش من غيرها. محدش فاهم ليلى بالنسبالي إيه." جز أسد على أسنانه بغيره، وأضاف بضيق:

"ما تفضلش تقول قدامي كدا إنك بتحبها، بدل ما أتقفل منك تاني." لوى شفتيه بسخرية، ولكنه رسم ابتسامة مصطنعة على وجهه حتى يتمكن من إقناعه. لينظر أسد له بتساؤل وقلق: "بجد بتحبها وهتصونها يا أيهم؟ ليلى أنا مقبلش حد يوجعها حتى لو بكلمة تجرحها." أجابه بتلهف ونفي سريع: "عمري والله. عمري ما أزعلها. ليلى هتبقى جوه عيوني يا عمي. هعيش أيامي عشان أسعدها. ليلى غالية أوي عندي."

ابتسم وهو يضع يده بأيدي أيهم، الذي استجاب له على الفور. لا يصدق أخيراً حصل على موافقته. أخيراً ستصبح تلك الصغيرة ملكاً له. ستصبح بين أحضانه. سيتمكن من ضمها في أي وقت وأي لحظة احتاج لها. تنفس باضطراب من دقات قلبه العالية. ليلى، تلك التي بات يحلم بأن يجمعهم منزل واحد. أخيراً يتحقق هذا الحلم صعب المنال. ستعيش صغيرته بين أحضانه. تنهد بضحكة ساخرة. كيف له أن يحزنها أو يجرحها بكلمة؟ كيف لليلته أن تحزن وبسببه؟

لا، سيفعل ويتحمل أي شيء يحدث بينهم حتى لا تحزن.

كانت أعين أسد تتابع لهفته، ابتسامته، حتى شروده باهتمام شديد. ما زال خائفاً عليها، ولكنه يعلم جيداً بحبها له. وافق الآن عندما تأكد من هذا الحب الواضح بعيناه. لن يحرم صغيرته من أبسط حقوقها. يكفي عذاب وحزن لليلى، تلك الصغيرة التي ظلت بجواره رغم تخلي الجميع عنه. لمعت عيناها بدموع حاول عدم إظهارها. لا يريدها أن تبتعد عنه. كيف يمر يومه دون رؤية ابتسامتها التي تشرق يومه وتضيئه؟ ولكنه يريد إسعادها وسعادتها بجوار هذا الأيهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...