وقفت "آيات" في شرفة غرفتها تراقب مجموعة من الأطفال يلعبون بالكرة. ابتسمت وهي ترى تلك البراءة التي يتعاملون بها مع الحياة، وتلك الابتسامة التي تعلو شفتي كل منهم، فلا أحمال تثقل كاهلهم ولا هموم تشغل عقلهم، فقط اللعب والمرح والضحك. تمنت أن تعود طفلة مثلهم تلهو وتلعب وتمرح ولا تعرف عن الحياة ما تعرفه الآن.
ليتها تعود إلى بيتها القديم في كنف والدها الحبيب تنعم بالراحة والأمان، ويخلو قلبها من الهموم والأحزان. لكن كيف السبيل للعودة؟ لو كانت العودة ممكنة لتمنينا جميعًا أن نبقى صغارًا، ولما تجاوز أحدنا مرحلة الطفولة قط. لماذا تلك القسوة؟ لما يؤذي الناس بعضهم البعض هكذا؟ لماذا شخص لا يعرفك يؤذيك ويخوض في عرضك؟ ماذا جنيت؟
تنهدت في حسرة وهي تفكر أن الأذى الذي تعرضت له من القريب كان أقوى وأشد مرارة من الأذى الذي تتعرض له الآن، لأن الضربة من القريب مؤلمة وموجعة أكثر. انتبهت لنفسها ولأفكارها قائلة: لماذا تتذكرينه؟ اتركي أيامه بكل ما فيها، لا يستحق حتى العتاب. قفز إلى عقلها ذلك السؤال الذي لم تجد إجابته بعد: لماذا اهتم بالبحث عنها، وبدفنها، وبإخراج شهادة وفاتها؟ لماذا تلك الحالة الغريبة التي بدا عليها بمجرد أن رآها؟
تتذكر جيدًا الدموع التي لمعت في عينيه وتساقطت على وجهه وهو يتمتم باسمها بشفتين مرتعشتين. تذكر تحسسه لوجهها وهو يأبى أن يتركها أو يفلتها من بين يديه. اقشعر جسدها، فحركت رأسها يمينًا ويسارًا وكأنها تنفض منه تلك الأفكار وتلك الأسئلة. فمهما كان السبب الذي دفعه لذلك، فلا شأن لها به. ***
أوقف "آدم" سيارته داخل قرية "الماسة". نظر حوله يتلفت يمينًا ويسارًا عله يراها، لكن محاولاته باءت بالفشل. سأل على مكتب "كريم" ثم توجه إليه. ظهر الضيق على وجه "كريم" وهو يتطلع إلى "آدم"، لكنه وقف ورحب به قائلًا: -أهلًا بك يا دكتور. ابتسم "آدم" بتوتر وقال: -أهلًا بك يا أستاذ كريم. أشار "كريم" إلى أحد المقاعد أمام المكتب قائلًا: -اتفضل. جلس "آدم" وبدا عليه الاضطراب قليلًا، ثم ما لبث أن ابتدأ حديثه قائلًا:
-أنا حبيت أعتذر مرة تانية عن اللي حصل بسببي لـ "آيات". قال "كريم" باقتضاب وهو يقضب جبينه: -خلاص حصل خير، أنا بدأت فعلًا في إجراءات القضية، وإن شاء الله يكون في جلسة قريب. قال "آدم" بحماس: -وأنا كمان رفعت قضية على الصحفي والجريدة، يعني كده هيبقوا قضيتين مش قضية واحدة. أومأ "كريم" برأسه. فنظر إليه "آدم" قائلًا فجأة: -أنا عارف إنها أكيد حكتلك كل حاجة عني، بس أنا اتغيرت كتير. عقد "كريم" حاجبيه وهو يقول
بحزم دون أن ينظر إليه: -ملوش لازمة الكلام ده يا دكتور، حياتك الخاصة تخصك لوحدك. تنهد "آدم" بأسى قائلًا: -طيب أنا مش هتكلم في حاجة فاتت دلوقتي، بس كل اللي يهمني إنك تعرف إني مستحيل أؤذي "آيات" بأي شكل من الأشكال، ومش هسمح لحد إنه يأذيها أبدًا. أطرق "كريم" برأسه صامتًا، فأكمل "آدم" قائلًا: -المهم دلوقتي واللي أنا جاي لك عشانه، هو شهادة الوفاة اللي أنا طلعتها لـ "آيات". رفع "كريم" رأسه ونظر إليه وقال شاردًا:
-أنا برضه كنت قلقان من الموضوع ده، الشهادة دي لازم تتلغي. أنا هكلم المحامي وأشوف إيه الإجراءات اللي المفروض نعملها، لأن "آيات" دلوقتي قانونًا متوفية. -أنا كلمت المحامي بتاعي اللي ماشي في إجراءات القضية، وقالي على الخطوات اللي لازم نعملها. لازم أكون موجود لأني أنا اللي طلعت شهادة الوفاة، وكمان "آيات". وحد يضمنها. قال "كريم": -طيب تمام، هشوف نقدر نسافر إمتى وأبلغ حضرتك يا دكتور.
قال "آدم" بحماس وهو يخرج إحدى الكروت الشخصية من جيبه ويقدمه إلى "كريم": -وأنا جاهز في أي وقت، كلمني بس على الموبايل وقولي المعاد المناسب ليكوا. تناول "كريم" الكارت منه ووضعه فوق المكتب قائلًا: -تمام. نهض "آدم" قائلًا: -بعد إذنك.
خرج "آدم" من مكتب "كريم". لم يشأ الخروج من القرية. مجرد معرفته بأن "آيات" في هذه القرية يجعله يشعر بأنه قريب منها. أخذ يدور في القرية يتأملها بأعين الإعجاب. راقت له التطورات التي أدخلها "كريم" على القرية. توجه إلى البحر. رفع حاجبيه بدهشة وهو يرى النساء جالسات دون أن يرتدين ملابس البحر، فمن المعروف أن شواطئ القرى السياحية الكبرى غير مسموح بالتواجد على الشط بدون ملابس البحر.
ظل يتمشى بمحاذاة البحر وهو يشعر بسكينة وراحة لم يشعر بهما في مكان آخر. عاد أدراجه وهو يدور بعينيه في القرية لا ييأس من البحث عنها. رآها، جالسة على أحد المقاعد تعقد ذراعيها أمام صدرها، شاردة، تنظر أمامها، عاقدة حاجبيها. اقترب منها. رغمًا عنه لاحت ابتسامة على شفتيه. كاد أن يقترب أكثر ويتحدث معها، إلا أنه تذكر ما حدث لها بسببه، وبما قيل عنهما في الصحف. نظر حوله ليجد الأمر لا يخلو من وجود بعض الأشخاص هنا وهناك. عاد ينظر إليها مرة أخرى بحسرة وهو يتمنى الاقتراب منها.
في تلك اللحظة التفتت، فتلقت نظراتهما. شعرت بالدهشة وهي تراه أمامها. ود لو اقترب منها وتحدث معها، لكنه خاف عليها من نظرات الناس وكلامهم. أطرق برأسه وتنهد بأسى، وأرغم نفسه على التوجه إلى حيث أوقف سيارته. تابعته "آيات" بعينيها في دهشة، ترى لماذا أتى؟ ولماذا وقف ينظر إليها؟ ولماذا ذهب؟ عادت لتلتفت أمامها وهي توبخ نفسها عن الاهتمام بأمره. حثت نفسها قائلة: لا شأن لك به، فليفعل ما يشاء وقتما يشاء. ***
في منتصف الاجتماع الذي عقده "كريم" مع "علي" و "آيات" و "إيمان" و "أسماء" قال "كريم": -والمشكلة دي هنتصرف فيها إزاي؟ قالت "آيات" بأسى: -مش عارفة، بس لازم نشوف حل. مش معقول كل شوية نلاقي هجوم في جرنال شكل. قال "كريم" وهو يزم شفتيه بضيق: -مفيش حل غير إننا نزود إعلاناتنا في الجرايد، ونعمل عروض دورية، ونحاول على قد ما نقدر مندّيش للصحافة مادة تتكلم فيها. قال "علي" بضيق:
-حتى لو مدينهمش مادة، برضه هيتكلموا. دول ناس معندهمش ضمير. بس سيبهم للي خلقهم. ميعرفوش إن النبي صلى الله عليه وسلم قال على قول الزور إنه من أكبر الكبائر. ربنا ينتقم منهم. قال "كريم" وهو يتفحص الأوراق أمامه: -خلاص كده يعتبر اتكلمنا في كل حاجة تقريبًا. تنحنح "علي" قائلًا بحرج: -على فكرة يا "كريم"، إن شاء الله والدي ووالدتي جايين بكرة العين السخنة. ابتسم "كريم" قائلًا: -ينوروا. قال "علي" مبتسمًا:
-الله يكرمك. أنا بس كنت عايز أستأذنك إنهم يعدوا في شقة في نفس العمارة اللي إحنا فيها، في شقة هتفضى النهاردة إن شاء الله. هتف "كريم" على الفور: -أنت بتقول إيه يا راجل، عيب عليك تستأذني إيه، دول على عيني ورأسي. ابتسم "علي" وقال وقد أحرجته ترحاب "كريم" بأهله: -ربنا يكرمك. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي "إيمان" وقد أسعدها ترحيب "كريم" بزيارة أهلها للقرية. أتى "كريم" اتصالًا، فنهض قائلًا: -بعد إذنكم.
خرج "كريم" من المكتب. جلس الجميع ينتظرون عودته. لا تعلم لماذا قالت ذلك الكلام في هذا الوقت، لكنها اندفعت فجأة قائلة: -على فكرة أنا مبحبش الرجالة اللي بتفضل تتكلم بالقرآن والحديث، لأنهم أول ناس هيحللوا لنفسهم إنهم يتجوزوا على مراتهم. ساد الصمت وكأن على رؤوسهم الطير. نظرت إليها "آيات" و "إيمان" بدهشة، فلم يجدا داعيًا لذكر ذلك وفي اجتماع عمل. لم يقطع هذا الصمت إلا "أسماء" وهي تقول:
-وكل حاجة بيعملوها بيحللوا لنفسهم بالحديث والقرآن، ومحدش يقدر يغلطهم. ساد الصمت مرة أخرى حتى تكاد تسمع صوت إبرة لو سقطت على الأرض. لكن هذه المرة قطع الصمت صوت "علي" الهادئ وهو ينظر إلى يديه اللتين تمسكان بأحد الأقلام فوق الطاولة وهو يقول: -الرجالة مش محتاجين يحللوا لنفسهم التعدد، لأنه حلال فعلًا. تسببت كلماته في شعورها بالغضب، فنظرت إليه بحدة. أكمل بهدوء:
-"فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ". رخصة من عند ربنا للراجل. توترت "أسماء" وأخذت تحرك قدميها بعصبية، فأكمل "علي" بنفس الهدوء: -بس ربنا شرط التعدد ده بشرط مهم: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً". يعني مش كل الرجالة ليها حق في التعدد، ولا كل الرجالة بتبقى عايزة التعدد. ساد الصمت للمرة الثالثة. شردت "أسماء" تفكر في كلماته، ثم ما لبثت أن نظرت إليه قائلة بتحدي:
-والراجل اللي يتجوز بنت صغيرة أد أولاده ويرمي مراته الأولى في الشارع وحتى يرفض إنه يطلقها عشان يذلها؟ قال "علي" على الفور: -ميبقاش راجل. ظلت معلقة عينيها به، فأكمل بحزم:
-الراجل اللي يستغل قوامته على المرأة عشان يذلها ميبقاش راجل. والنبي صلى الله عليه وسلم وصانا بالنساء خيرًا، وإننا نعاملهم برفق ولين زي ما بنعامل الإزاز اللي سهل إنه يتكسر. الراجل هو اللي يعامل المرأة زي ما الرسول وصانا. أما اللي يأذيها ويقهرها ويستغل قوامته عليها ميبقاش راجل أصلًا.
غرقت "أسماء" في شروها مرة أخرى إلى أن جاء "كريم"، وبعد دقائق انتهى الاجتماع. لم تستطع منع نفسها من متابعة "علي" أثناء خروجه برفقته "كريم". قالت لها "آيات" باستغراب: -مش فاهمة ليه اتكلمتي عن الموضوع ده قدام "علي"؟ قالت "أسماء" بضيق وهي تهم بالانصراف: -عادي، كبروا. *** دخلت "إيمان" إلى الشرفة لتقول لـ "أسماء" الواقفة فيها: -"سمسم"، ممكن تيجي تعمليلي ماسك من بتوعك؟
أومأت "أسماء" برأسها ودخلت إلى المطبخ وبدأت في إعداد ما طلبته "إيمان" منها. قالت "إيمان" بمرح: -هقف أتفرج عليكي عشان أبقى أعمله بنفسي، ما هو مش كل شوية هقرفك معايا. كانت "أسماء" تتحرك بشروق، وكأنها لا تشعر بما حولها، تتحرك بآلية لتمزج المكونات معًا. نظرت إلى "إيمان" بشيء من التردد وقالت: -واضح إنك بتحبي أخوكي قوي. قالت "إيمان" مبتسمة:
-"علي"، بصراحة هو أخ عسل، يعني طيب ومش بيغلس عليا، بس لما بيزعل بيبقى أستغفر الله، زعله وحش وعصبي جدًا. نظرت "أسماء" إلى الخليط الذي تمزجه للحظات، نظر، أعادت النظر إلى "إيمان" قائلة: -هو كان على طول كده في حالة وواخد جنب؟ ابتسمت "إيمان" قائلة:
-هو على طول هادي، بس زمان أيام ما كان في ثانوي كان شقي شوية وكان مطلّع روح ماما. بس الحمد لله أول ما دخل الجامعة ربنا هداه لما اتعرف على ناس كويسة في المسجد وبقى هادي ومبقتش ماما تشتكي منه خالص بعد ما كان مجننها بعمايله. قالت "أسماء" بسخرية: -مش متخيلة أخوكي حد يشتكي منه. ضحكت "إيمان" قائلة:
-لا والله ده كان فظيع، سهر لوجه الفجر ومافيش مذاكرة وشتائم وحاجة كده رهيبة. بس زي ما قولتلك لما اتعرف على ناس كويسة حبهم قوي وصاحبهم وبعد عن صحابه القدام خالص. في تلك اللحظة رن جرس الباب، فقالت "أسماء": -شوفي مين يا "إيمان". ارتدت "إيمان" إسدالها وتوجهت إلى الباب لتفتحه. خفق قلبها بقوة لمرأى "كريم" واقفًا أمام الباب. أطرق برأسه وقال: -"آيات" هنا؟ قالت بصوت خافت: -أيوه، ثواني.
دخلت غرفة "آيات" وأخبرتها بقدوم "كريم". توجهت "آيات" إليه قائلة: -خير يا "كريم"؟ قال لها بعد لحظات صمت: -لازم نسافر القاهرة عشان موضوع شهادة الوفاة اللي دكتور "آدم" طلعها لك. توترت "آيات" لذكر اسمه، فأكمل: -هو مستني منا إننا نحدد المعاد عشان نروح سوا. قالت "آيات" بضيق: -مينفعش نروح من غيره؟
-لا للأسف، لازم ييجي معانا لأنه هو اللي طلع الشهادة بنفسه، ولازم الموضوع ده نشوف له حل. إنتي كده قانونًا متوفية، وده مينفعش، كمان عشان القضية اللي إحنا رافعينها على الصحفي. صمت قليلًا ثم قال: -على فكرة هو كمان رفع قضية على الصحفي والجريدة. أومأت "آيات" برأسها وهي تتساءل بداخلها: أرفع تلك القضية من أجله أم من أجلها؟ أتاها الجواب من داخلها بسخرية: بالطبع من أجله، وماذا تعنين أنتِ له؟ أخرجها "كريم" من شروها قائلًا
بحنان: -مالك يا "آيات"؟ أطرق برأسها قائلة: -مفيش. ربت على كتفها قائلًا: -معلش، متزعليش. إن شاء الله ربنا هيرزقك باللي أحسن منه مليون مرة. لمعت العبرات في عينيها ثم رفعت رأسها وقالت بكبرياء: -أنا أصلًا نسيته، هو معدش حاجة بالنسبة لي. أطرق برأسها مرة أخرى لتخفي عينيها المبللتين بالدموع. عانقها "كريم" بحنان وقال:
-مش عايزك تزعلي نفسك عشان أي حاجة. نأتي متعرفيش الخير فين. ادعي ربنا دائمًا إنه يرزقك الخير ويرضيكي بيه، لأن ربنا أحيانًا بيرزقنا الخير ومبنبقاش شايفين إن ده خير ولا بنكون راضيين بيه. ثم أبعدها عنه قليلًا قائلًا: -ماشي؟ أومأت برأسها، فقال: -قولي دائمًا الحمد لله. تمتمت: الحمد لله. دخلت "آيات" المطبخ، فنظرت إليها "إيمان" قائلة: -في حاجة يا "آيات"؟ تنهدت "آيات" وهي تقول:
-كان بيطمن عليا وبيقولي إننا هنسافر عشان موضوع شهادة الوفاة ده نشوف له حل. قالت "إيمان" وابتسامة صغيرة على شفتيها: -أخوكي ده حنين قوي، وطيب قوي. تحسيه راجل كده ومسؤول عنك رغم إنه مش شقيقك. نظرت إليها "أسماء" بخبث ورفعت حاجبها قائلة: -ها، وإيه كمان؟ ارتبكت "إيمان" واحمرت وجنتاها بخجل قائلة: -مفيش. قالت "أسماء" وابتسامة خبيثة على شفتها: -طيب، خدي الماسك يا موزة.
أخذته "إيمان" من يدها وخرجت من المطبخ مسرعة وهي تشعر بالخجل. أطلقت "أسماء" ضحكة عالية وهي تقول بلهجة مسرحية: -القرع لما استوى قال للخيار يا لوبيا! ابتسمت "آيات" قائلة: -يا باااي عليكي غتتة، أحرجتيها يا بنتي. هتفت "أسماء" بمرح: -أحرجتها إيه بس، ده إحنا شكلنا هنشوف أيام فل في القرية دي. ***
أثناء جلوسه في غرفة المعيشة، تنامى إلى مسامعه صوت بكاء من خلف باب الغرفة. نهض "مدحت" واقترب من غرفة "أسماء" التي تقسم فيها "مديحة". كاد أن يطرق الباب لكنه تراجع. شق خطوات ثم التفت وعاد مرة أخرى. طرق الباب فاختفى صوت البكاء. لحظات وفتحت "مديحة" وعيناها يبدو عليهما آثار البكاء. تأملها قائلًا: -في حاجة؟ قالت بحدة: -لا، مفيش. -سمعتك بتعيطي. ابتسمت بسخرية وقالت: -ومن امتى ده بيهمك؟ زفر بضيق ونظر إليها بحدة، فأكملت:
-ولا يكون ضميرك صحي فجأة؟ قال بغضب وقد فشل في المحافظة على هدوئه: -أنا ضميري مستريح على الآخر، الدور والباقي على ضميرك انتي. صاحت قائلة: -عايز إيه يا "مدحت"؟ أنت بتخبط عليا عشان تتخانق معايا؟ قال وهو ينظر إليها باحتقار:
-مفيش مرة نتكلم فيها إلا ولازم تسمي بدني بكلامك وتخرجيني عن شعوري. مفيش مرة اتعاملتي معايا زي ما أي ست عاقلة بتتعامل مع جوزها. مفيش مرة حسستيني فيها بضعفك قدامي وبإنك الست وأنا الراجل. مفيش مرة حسيت فيها إنك بتحترميني وبتعملي اعتبار لكلامي. أخذ نفسًا عميقًا ثم قال: -انتي اللي هديتي كل حاجة بينا. انتي اللي دمرتي حياتنا. قالت ببرود وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها:
-وانت العاقل الراسي المخلص اللي اتظلمت معايا في الجوازة دي، مش كده؟ صاح بحدة: -إحنا الاتنين غلطانين. أنا وانت غلطانين. كفاية مكابرة بقى، بنتك ضاعت منا بسبب مشاكلنا. دمعت عيناها وأجهشت في البكاء وانتفض جسدها وهي تقول: -وحشتني أوي، مش عارفة عاملة إيه دلوقتي. يا ترى عايشة ولا ميتة؟ ولو عايشة عايشة إزاي وفين؟ قلبي واجعني عليها أوي. تشنجت بالبكاء، فتنفس "مدحت" بأسى وهو يقول متألمًا: -أعمل إيه؟ أدور عليها فين؟
قلبت عليها الدنيا. نظرت إليه ترجوه قائلًا: -عشان خاطري يا "مدحت"، لاقيها. نفسي ترجع بأه، نفسي أطمئن عليها. عمري ما هسامح نفسي على اللي حصل. أنا مكنتش متوقعة الأمور هتوصل للدرجة دي. أنا افتكرتها هتروح لصاحبتها. أجهشت مرة أخرى في البكاء وهي تصيح: -عايزة بنتي، عايزة "أسماء" يا "مدحت"، هاتها لي. اقتربت منها وربتت على كتفها قائلًا:
-إن شاء الله هنلاقيها. بكرة هنزل تاني أدور عليها في المستشفيات والأقسام ومحطات الأتوبيس. إن شاء الله هلاقيها. نظرت إليه وأومأت برأسها وهي تحاول التشبث بأي أمل في أنها سترى ابنتها مرة أخرى. *** استقبل كل من "علي" و "إيمان" والديهما بالترحيب والأعناق والعبرات. هتفت أمهما وهي تعانق "إيمان" بشدة: -يا حبيبتي يا بنتي، وحشتني أوي. تساقطت العبرات فوق وجنتيها، فقال لها زوجها: -إيه يا أم "إيمان"؟
ما العيال كويسين أهو، لزمته إيه البكاء دلوقتي. ربت "علي" على كتفها قائلًا وهو يقبل جبينها: -خلاص يا ماما بأه. قالت بصوت باكي وهي تنظر إليهما: -وحشتوني، أعمل إيه؟ ابتسمت "إيمان" وهي تعانقها مرة أخرى قائلة: -وإنتي كمان وحشتيني أوي يا ماما. وجد فجأة "كريم" مقبلًا عليهما، فابتعدت عن أمها في حرج ووقفت مطرقة برأسها وقد شعرت بالاضطراب. نظر إليهما قائلًا ببشاشة: -حمد الله على السلامة. اقترب منه "علي" وقدمه إلى والديه قائلًا
بسعادة: -ده الأستاذ "كريم"، مدير القرية. سلم والده عليه وقال: -أهلًا بك يا ابني. مدت والدة "إيمان" يدها وهي تقول: -إزيك يا ابني؟ نظر "كريم" إلى يدها في حرج، فسلم عليها "علي" بدلاً منه. قال "كريم" مبتسمًا: -الحمد لله بخير. منورين العين السخنة. قالت أم "إيمان" مبتسمة: -ده نورك يا ابني.
حمل "علي" حقيبتهما وصعد بها إلى شقة والديه والتي كانت في الطابق الذي يعلو طابقهم. دخل الجميع إلى الشقة بعدما استأذن منهم "كريم" للانصراف. قالت والدة "إيمان" لـ "علي": -الجدع ده باين عليه ابن حلال. قال "علي" بحماس: -قوي يا ماما، بجد راجل محترم جدًا. سألته أمه بفضول ولهفة: -هو متجوز؟ -لا يا ماما، مش متجوز. ابتسمت والدته قائلة بلهجة ذات مغزى وقد لمعت عيناها: -ربنا يرزقه ببنت الحلال.
ثم حانت منها التفاتة إلى "إيمان" التي تظاهرت بأنها لم ترها. ***
وقفت "أسماء" تراقب "علي" الذي كان يعطي تعليماته لبعض العاملين بالقرية. كانت تراقبه كمن يراقب شيئًا غريبًا يكتشفه لأول مرة، شيئًا يشدها ويجذبها. كلامه غريب عجيب، لكنه يخترق عقلها، ويطيب له قلبها. راقبت إحدى الفتيات وهي مقبلة نحوه، يبدو أنها تشتكيه من شيء ما. أطرق برأسه واستمع شكواها، ثم أجابها ببضع كلمات وانصرفت. التفت لينصرف، فحانت منه التفاتة إليها. رآها وهي واقفة هناك على بضع أمتار تحت الظل توجه أنظارها إليه. رأته ينظر إليها، فشعرت بالخجل والتفتت لتغادر المكان.
تلقت "إيمان" اتصالًا من والدتها تقول لها: -"إيمان"، عايزكي شوية، تعالي. -أنا في الشغل يا ماما. -لا، سيبى الشغل دلوقتي وتعالي. قالت "إيمان" بقلق: -خير يا ماما، في حاجة؟ -أيوه، بعمل محشي وبط وعايزاكي تساعديني. هتفت "إيمان" بغيظ: -محشي وبط إيه يا ماما، دلوقتي بقولك عندي شغل. -طيب، خلصي بس وتعالي، سلام.
بعد عدة ساعات، أنهت "إيمان" عملها وتوجهت إلى البناية التي تقسم فيها. وقفت أمام البناية المغلقة وهي تبحث عن مفتاحها في حقيبتها، فلم تجده. يبدو أنها نسيته في الحقيبة الأخرى عندما بدلتها هذا الصباح. كادت أن تعيد أدراجها عندما وجدت "كريم" مقبلًا في اتجاه البناية. اضطربت كعادتها عندما تراه ووقفت جانبًا. أخرج مفاتيحه وفتح البوابة، ثم رجع خطوتين للخلف وأشار لها بالدخول قائلًا: -اتفضلي.
ودون أن تنظر إليه، دخلت وصعدت الدرجات بسرعة وسمعته يغلق البوابة خلفها. صعدت إلى الدور العلوي حيث شقة والدتها. أمضت الساعات في إعداد الطعام وهي تهتف بحنق: -ماما، انتي عازمة جيش؟ إيه الأكل ده كله؟ قالت والدتها بحزم: -احشي وأنتي ساكتة.
أكملت "إيمان" عملها الدؤوب وبعدما انتهت من عملها ومن طاقتها. جاءت مهمة تسوية الطعام التي استغرقت وقتًا حتى شعرت "إيمان" أن قدميها وظهرا يصرخان ألمًا. رأت أمها تعد صينية كبيرة محملة بالطعام، فنظرت إليها "إيمان" باستغراب قائلة: -لمين ده؟ قالت أمها وهي تكمل مهمتها في إعداد الصينية: -شششششش. حملت أمها الصينية وتوجهت إلى الباب قائلة: -افتحي الباب.
فعلت "إيمان" وهي ما تزال تشعر بالدهشة. هبطت والدتها الدرجات. لم تغلق "إيمان" الباب بل ظلت مكانها تسمع صوت أقدام أمها على الأرض ثم صوت جرس. و... -إزيك يا أستاذ "كريم"؟ فتحت "إيمان" فاها في دهشة واتسعت عيناها وأطرقَت السمع. ابتسم "كريم" قائلًا: -الحمد لله، إزي حضرتك يارب تكون القرية عجبتكم؟ سمعت أمها تقول بحماس: -دي زي الفل. الله يباركلك يا رب. ده أنا سامعة عنك سمع خير. "علي" و "إيمان" ملهمش سيرة غير عنك.
ضربت "إيمان" كفها بوجهها وهي تتمتم بصوت خافت: -هاااااار أسود. سمعت أمها تكمل بنفس الحماس: -اتفضل يا أستاذ "كريم"، دي حاجة بسيطة كده مش أد المقام. تناول "كريم" منها الصينية بحرج وهو يقول مبتسمًا: -تسلم إيدك، بس مكنش في داعي تتعبى نفسك، وبعدين ده كتير أوي. قالت أمها بمرح: -كتير إيه؟ ده انتوا يا عيني شابين قاعدين لوحدكم في الشقة، لا في واحدة تطبخ ولا تعملكم حاجة. الله يرزقكم انتوا و "علي" ابني ببنتين طيبين زيكم كده.
ابتسم "كريم" قائلًا: -متشكر أوي، ومعلش تعبّك معانا. قالت أمها بحماس: -لا أبدًا، متقولش كده، ده انت معزتك من معزة "إيمان" و "علي". آه والله. وبعدين أنا معملتش الأكل ده، دي "إيمان" هي اللي أصرت تعمله بنفسها. ضربت "إيمان" وجنتها مرة أخرى وهي تتمتم: -بتعملي إيه يا وله. أكملت والدة "إيمان" قائلة بحماس:
-أصل "إيمان" بنتي من صغرها وهي إيدها معايا في شغل البيت. وما شاء الله عليها دلوقتي بتعمل الأكل أحسن مني كمان. آه والله. نفسها في الأكل حلو أوي. ما أنت هتدوق وتبقى تقول رأيك بأه. -تسلم إيدها. ضغطت "إيمان" على أسنانها بشدة وهي تتمتم بغيظ: -حسبي الله ونعم الوكيل. قالت أمها قبل أن تغادر: -يلا بالهنا والشفا، ولو احتاجت حاجة أنا زي أمك بالظبط، متتكسفش. ابتسم قائلًا: -متشكر أوي، تسلمي.
صعدت أمها لتفاجأ بـ "إيمان" الواقفة على باب الشقة وتنظز إليها بغيظ. ما كادت أمها تدخل وتغلق الباب حتى هتفت "إيمان" بغضب: -إيه يا ماما، جو أفلام الأبيض والأسود ده؟ إيه اللي انتي عملتيه ده؟ قالت أمها ببرود: -عملت إيه يعني؟ النبي وصانا على سابع جار، وده مش جار بس، ده صاحب الفضل عليكي وعلى "علي". قالت "إيمان" بحدة: -ماما، انتي عارفة كويس أنا قصدي إيه. أنا فاهماكي كويس. أشاحت أمها بيدها وهي تنصرف قائلة:
-يختي اتنيلى على الله يجي بفائدة بس. تابعتها "إيمان" بعينيها وهي تشعر بالغضب والغيظ. ***
أغلقت "آيات" باب الشقة خلفها وهبطت الدرج وهي تشعر بالتوتر. ظلت تذكر الله في نفسها لعلها تهدئ من روعها. خرجت من البناية لتجد "كريم" منتظرها في سيارته، وخلفه "آدم" في سيارته. أشاحت بوجهها حتى لا تقع عيناها عليه، لكنه تابعها بعينيه وهي تلف حول السيارة لتركب بجوار "كريم". لاحت ابتسامة على شفتيه وهو ينظر إليها. ود لو تحدث معها، لكنه يعلم بأنه عليه أن ينتظر، فمهمته ليست سهلة على الإطلاق.
انطلقوا في طريقهم إلى القاهرة. قاموا بعدة خطوات وفي أكثر من مكان حتى يتم إلغاء شهادة الوفاة وإثبات أنها ما زالت على قيد الحياة. في منتصف النهار، كان بلغ منهما التعب والجوع مبلغه، فاقترح "آدم" الذهاب إلى أحد المطاعم لتناول طعامهم. جلس ثلاثتهم حول الطاولة. كان بين "آيات" و "آدم" مقعد فارغ، لكن في المقابل كان في مواجهتها تمامًا. حاول "آدم" قدر استطاعته ألا ينظر إليها حتى لا يثير حنق "كريم". وضعت عينيها في طبقها ولم ترفعهما قط حتى لا تصطدم بوجهه.
لكن رغمًا عنها تسرب صوته الذي طالما عشقت إلى أذنيها. ذكره صوتها بكل شيء، بكل تفاصيل علاقتهما. تذكرت أول مرة رأته فيها، عندما كان سائق السيارة الأجرة يتشاجر معها. تذكرت كيف رأته فارسها وهو واقف بجوارها يدافع عنها ويحميها من بطش الرجل بها. تذكرت كيف كانت تنتظر مواعيد محاضراته بفارغ الصبر، وكيف كانت تنظر إليه هائمة سابحة في أحلامها. وتذكرت كيف تحطم ذلك الحلم الجميل لتستيقظ على واقع مفزع. قفزت كل
الذكريات إلى عقلها فجأة: خداعه، كذبه، خيانته، قبلته في السيارة، "بوسي"، الفيديو، اعترافه بخطبته لابنة عمها، استغلاله إياها. لم تتحمل كل تلك الذكريات التي أخذت تظهر أمامها بإصرار رافضة أن تختفي من عقلها. سقطت منها الملعقة بعدما ارتجفت يدها بتوتر. التفت "آدم" و "كريم" إليها بعدما قطعا حديثهما. نظرت إلى "كريم" بتوتر قائلة بصوت مضطرب: -ثواني وراجعة.
نهضت وغادرت بسرعة وكأن وحشًا يطاردها. قطب "آدم" جبينه وهو يشعر أنه سبب ذلك الاضطراب الذي أصابها. ألهذه الدرجة لم تعد تطِق رؤيته؟ عادت. تأملها. بدت على عينيها البكاء. هو يعرفها جيدًا، يعرفها أكثر من نفسها. يستطيع رؤية ذلك الألم الذي تنطق به ملامح وجهها ونظرات عينيها. لم يتحمل أن تظل أمامه هكذا وهو لا يستطيع مجرد الحديث معها، وشرح نفسه أمامها، والتخفيف من حزنها وصدمتها وآلامها. نهض قائلًا: -هستناكوا في العربية.
تابعه "كريم" بنظراته ثم التفت إلى "آيات" قائلًا بحنان: -إنتي كويسة يا "آيات"؟ أومأت برأسها وهي تحاول رسم بسمة على شفتيها وهي تقول: -أيوه الحمد لله، بس يمكن السفر تعبني. جلس "آدم" في السيارة وهو يفكر في هذا الطريق الشائك الذي يجب عليه قطعه ليبلغ "آيات". لكن كيف السبيل لبلوغ مراده؟ كيف يستطيع كسب ثقتها من جديد؟ كيف يستطيع أن يثبت لها أنه عاد إنسانًا طاهر الذيل؟ كيف يثبت لها أنه تاب وأناب؟
ظلت الأسئلة تتقاذف داخل عقله وهو يحاول أن يجد إجابة لكل منها. حانت منه التفاتة ليجد "آيات" خارجة من المطعم بصحبة "كريم". التفت "كريم" إلى "آيات" قائلًا: -نسيت موبايلي على الترابيزة، خدي المفتاح واعدي في العربية. تناولت منه المفتاح وعاد "كريم" إلى المطعم. أسرع "آدم" بالخروج من السيارة وتوجه ناحيتها. بمجرد أن رأته مقبلًا نحوه أحثّت السير في اتجاه السيارة، لكنه وقف أمامها قائلًا: -"آيات". قالت بحزم ودون أن تنظر إليه:
-لو سمحت، متكلمنيش. حاولت الانصراف، فوقف أمامها وقال بلهفة: -أنا مش عارف أتكلم معاكي في القرية، خفت حد يشوفنا سوا ويتكلم عنك، خاصة بعد اللي اتنشر في الجرنال. ظهرت الدموع في عينيها وهي تتذكر تلك الصورة وما كتب تحتها. قال "آدم" وهو ينظر إليها بألم:
-أنا آسف يا "آيات". والله ما كنت أعرف إنك هتتأذي كده. أنا مكنتش قادر أتحكم في نفسي لما شفتك آدمي. والله غصب عني. معلش، متضايقيش مني. أنا رافع عليه قضية دلوقتي وإن شاء الله هجبلك حقك منه. تماسكت "آيات" نفسها، فآخر ما تريده الآن هو البكاء أمامه. قالت بحزم وهي ما تزال لا تريد النظر إلى وجهه: -لو سمحت، سيبني أعدي. قال بسرعة:
-طيب، أنا هتكلم وإنتي اسمعي. مش عايز أكتر من كده. أنا عارف إنتي حاسة بإيه ناحيتي دلوقتي وشايفاني إزاي، ومعاكي حق. معاكي حق تكرهيني ومتثقيش فيا تاني. معاكي حق تبقي مش طايقة تبصي في وشي. بس أنا اتغيرت. والله اتغيرت. أنا غلطت غلط بشع، عارف. بس ربنا بيسامح، مش كده؟ مش ربنا بيسامح؟ أنا على أمل إنه يسامحني ويغفر لي. تقطعت أنفاسه، قال بصوت مضطرب: -إنتي كنتي بتحبيني؟ يبقى مش صعب عليكي تسامحيني. لمعت عيناه بالعبَرات وهو يقول:
-والله ما كنت أؤذيكي. في الأول أيوه، بس بعد كده حبيتك بجد. أخذت "آيات" نفسًا عميقًا ورفعت عينيها تنظر إليه بحدة وقالت بقسوة: -أنا مستحيل أسـامحك، أبدًا. مهما حصل مش هسـامحك. عايزني أسـامحك على إيه ولا إيه؟ أسـامحك على إيه بالظبط؟ قال بجمود وفي عينيه نظرة ألم:
-تسـامحيني إني لعبت بيكي من الأول. تسـامحيني إني كنت عايز أنتقم من عمك فيكي وأرجع حقي عن طريقك. تسـامحيني إني استغليت مشاعرك ناحيتي عشان أرجع حقي. تسـامحيني إني خنتك قبل كتب الكتاب بيوم. تسـامحيني إني عرفت واحدة لمدة سنة وكنت عايش معاها عشان أستغلها وآخد فلوسها. تسـامحيني إني سمعتك كلام كتير عن مشاعري ناحيتك وكان كله كذب. تسـامحيني إني كنت إنسان حقير عاق بأمه. تسـامحيني إني مكنتش حتى بصلي ولا كنت عارف ربنا.
صمت قليلًا ليأخذ نفسه، ثم قال ونظرات عينيه هي مزيج من الحيرة والألم: -عايزك تسـامحيني على كل ده. رغمًا عنها تساقطت عبراتها، فمسحتها بسرعة بظهر يدها. كان ذكر كل ذلك أمامها بذلك الوضوح وبتلك الطريقة شاق جدًا عليها. رجع "آدم" خطوة للخلف ليسمح لها بالعبور. اتجهت مسرعة إلى السيارة وأغلقت الباب وهي تدفن وجهها بين كفيها وتفرغ ما بداخلها من ألم وقهر وعذاب. بالبكاء. عاد "آدم" إلى سيارته واجمًا. أخرج هاتفه واتصل بـ "فؤاد".
-دكتور "آدم"، أهلًا بك. -أهلًا بك يا أستاذ "فؤاد". أنا كنت عايز أقابلك ضروري. أنا حاليًا في القاهرة. -خير يا دكتور إن شاء الله. -لا خير إن شاء الله. عايز أتكلم معاك بخصوص قرية الماسة. ينفع نتقابل دلوقتي؟ -والله يا دكتور أنا حاليًا في غداء عمل في فندق... هينتهي كمان 10 دقايق بالكتير. -طيب ينفع آجي لحضرتك دلوقتي، ولا في مشاكل؟ -لا طبعًا موافق يا دكتور، مفيش مشاكل. منتظرك إن شاء الله.
أنهى "آدم" المكالمة وقد بدا عليه العزم والإصرار. عزم على بدء حياته مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل لائق، بشكل يجعله فخورًا بنفسه، بشكل يجعل ضميره مستريحًا، بشكل يجعل "آيات" تراه مرة أخرى، فارس أحلامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!