الفصل 4 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الرابع 4 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
112
كلمة
4,954
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

انت اتجننتى يا "آيات"؟ ازاى هتطلعي الرحلة باباكي مستحيل يوافق؟ صمتت "آيات" وهي تنظر إلى صديقتها وبدا وكأنها تشعر بتردد كبير. فهتفت "أسماء": "آيات" ردي عليا. قالت "آيات" بشيء من الخجل: بابا مش هيعرف إني هطلع الرحلة دي. قالت "أسماء" بدهشة: إزاي يعني مش هيعرف؟ قالت "آيات" بعزم وإصرار: هقوله إني بايته عندك عشان نذاكر للإمتحانات. نظرت إليها "أسماء" بصمت. فقالت "آيات" تبرر لنفسها قبل أن تبرر لـ "أسماء": أعمل إيه يعني؟

مش قدامي حل غير كده. مفيش فرصة تانية ممكن يشوفني ويتعرف عليا. عنده 300 بنت في الدفعة، إيه اللي هيخليه ياخد باله مني أنا بالذات؟ قالت "أسماء" ساخرة: أمال راح فين؟ أنا مش هلفِت انتباهه، مش هضربه على إيده عشان يحبني. قالت "آيات" بحده: أنا مش هحاول أقرب منه ولا هلفِت انتباهه. أنا بس هكون موجودة معاه في مكان واحد. يحس بيا، يحس. محسش خلاص. أومأت "أسماء" برأسها وقالت بلامبالاة:

حتى لو حاولتِ تلفتي انتباهه، أنا شايفاها حاجة عادية، مفيهاش حاجة. قالت "آيات" بحماس وهي تخرج مع صديقتها من الكلية: يلا عشان عندنا حاجات كتير لازم نحضرها قبل معاد الرحلة. اشترت "آيات" ملابس جديدة من أجل الرحلة، لتظهر بأفضل مظهر أمام "آدم" لعله يلتفت إليها ويدق قلبه بحبها.

كانت متحمسة للغاية وسعيدة للغاية. لم يعكر صفو تلك السعادة سوى الإحساس بالذنب الذي تشعر به كل حين وآخر، بسبب اضطرارها الكذب على والدها. كادت أن تتراجع عن الفكرة ككل، لكنها تذكرت أن هذه هي فرصتها الوحيدة حتى يراها "آدم" بعيداً عن العلاقة الأكاديمية التي تجمعهما. أقنعت نفسها قائلة:

أنا مش هعمل حاجة غلط. أنا بس هكون موجودة في الرحلة. وزيها زي أي رحلة. مش هحاول أكلمه. ولو اضطريت أكلمه هتكلم عادي. لكن أنا مستحيل أقوله مشاعري نحيته. لازم تيجي منه هو. أنا مش هعمل حاجة غلط. مجرد رحلة. ظلت تردد تلك الكلمات إلى أن اقتنع بها ضميرها وراح في سبات عميق. ***

كانت "إيمان" في هذا اليوم تشعر بتوتر بالغ. فهذا هو اليوم الموعود. اليوم الذي سيتصل بهم العريس ليعرف ردهم ويعلمهم برده. استخارت الله كثيراً ودعته أن يبيض وجهها أمام عائلتها، وألا يضيف جرحاً آخر لحياتها التي امتلأت على آخرها بجروح وشروخ وكدمات. رن جرس الهاتف فانتفضت في وجل. دخلت غرفتها لتجلس على فراشها في توتر. ضمت كفيها إلى بعضهما البعض أمام وجهها وهي تردد: يارب مفيش حاجة وحشة تحصل. يارب.

دقائق مرت كالسنوات، قبل أن ينفتح الباب. بمجرد أن طالعت وجه والدتها الحزين وعلامات الأسى على وجهها، حتى علمت الرد. الرد الذي توقعته قبل أن يغادر بيتهم. الرد الذي تسمعه دائماً، والذي أصبح أمر مسلم به. رفضها. حاولت حبس عبراتها، فلا ينقصها الآن سوى شفقة والدتها. لكنها لم تستطع. انفجرت في بكاء مرير. أغلقت أمها الباب وجلست بجوارها وأخذتها بين ذراعيها قائلة: يا بنتي وحدي الله. بكرة ربنا هيبعتلك نصيبك لحد عندك. ثم قالت

لتحاول أن تخرجها من حزنها: وبعدين أصلاً مكنش عاجبني. كان أتم كده وبارد ودمه تقيلة. بت "إيمان" واقفة والعبرات تغرق وجهها وهي تصيح بغضب: كفاية بقى كفاية. مش عايزة أتهان أكتر من كده. كل مرة تجيبولي عريس ويرفضني. كل مرة أطلع قدامه كأني بعرض نفسي عليه ويا يشتريني يا ميشتريش. كفاية بقى ارحموني. أنا معدتش هقابل عرسان تاني. ريحوا نفسكم بقى. وقفت أمها في مواجهتها وهي تقول: إنتي اتجننتي في عقلك يا بت انتي. قالت "إيمان"

بصوت باكي: افهمي بقى وكلكوا افهموا. مفيش واحد هيبص لواحدة زيي. ضربت أمها على صدرها وهي تقول: ليه إن شاء الله؟ ناقصة إيد ولا ناقصة رجل؟ ده انتي زي الفل. هتفت "إيمان" وهي تهذي من الغضب: مش شايفة أنا عاملة إزاي؟ مين هيقبل يتجوز واحدة شوال زيي. ثم فتحت دولابها بعصبية وأخرجت ملابسها وألقتها أرضاً وهي تصيح: بصي شوفي مقاسي كام. عمري ما دخلت محل إلا وألاقي البنت تقولي معلش يا مدام مقاسك مش عندنا. مين هيرضى يتجوز واحدة زيي.

انهارت على الأرض باكية فوق الملابس التي ألقتها أرضاً. صاحت أمها وهي تغادر الغرفة: بت مجنونة صحيح. لما ييجي أبوكي يبقى يشوف له صرفة معاكي. ثم أغلقت الباب خلفها بقوة. *** جلست "ساندي" مع صديقاتها في النادي لتقول بتفاخر: طبعاً يا بنتي هو يقدر ميجيش. اسألي "ريم" هي اللي شفته. قالت "ريم" صديقتها: آه دخل الحفلة من هنا والبنات كلها كانوا هياكلوه بعنيهم. بس سابهم كلهم وقعد مع "ساندي". ابتسمت "ساندي" وقالت بدلال:

وكمان جبلي هدية عيد ميلادي. قالت إحدى الفتيات بخبث: طب إيه؟ ضحكت "ساندي" قائلة: إيه إيه يا بنت انتي. قالت الفتاة: يعني أنا شيفاه مهتم. حفلة عيد الميلاد، وهدية، وكمان رجع في كلامه وسمحلك تحضري المحاضرات. أكيد كل ده مش لله وللوطن. قالت "ساندي" بدلال: الله أعلم. قالت فتاة أخرى: هتطلعي الرحلة يا "ساندي"؟ قالت "ساندي": آه طبعاً طالعة. قالت الفتاة بخبث: من إمتى بتطلعي رحلات تبع الجامعة؟

من أول سنة وإنتي بتطلعي تبع النادي ومبترضيش تطلعي معانا. قالت "ساندي" بلؤم: المرة دي هطلع. قالت الفتاة ضاحكة: إيه هو اللي طلب منك ولا إيه؟ قالت "ساندي" كاذبة: أيوه قال لي ياريت تطلعيها يا "ساندي". ضحكت الفتاة قائلة: ده شكل دكتور "آدم" وقع ولا حدش سمى عليه. تعالت ضحكات الفتيات حول "ساندي" التي كانت في قمة سعادتها لأنها محور حديث الفتيات وسبب غيرتهن. ***

جلس "آدم" في غرفته أمام حاسوبه يتصفح بتململ. طرقت أمه الباب فأذن لها بالدخول. دخلت وقدمت له كوباً من الشاي، فقال بعبوس: شكراً يا ماما. ثم عاد لمطالعة حاسوبه وقد بدا شارداً حزيناً. فوجئ بأمه تجذب إحدى المقاعد وتجلس بجواره. نظر إليها ففهم أنها على وشك إلقاء محاضرة أخرى عليه، فزفر بضيق وعاد ينظر إلى حاسوبه مرة أخرى. فقالت أمه: مش هكلمك في الموضوع اللي كل شوية أكلمك فيه. أنا هكلمك في حاجة تانية خالص.

لم يبدِ "آدم" أي رد فعل. فقالت أمه بعتاب: سبت الصلاة ليه يا "آدم"؟ بدا وكأنه بوغت بالسؤال. ظل ملتزماً الصمت. فقالت أمه بأسى: ليه يا ابني كده؟

ده هي الحاجة اللي بتعصمك من الشيطان. ليه تسيب الصلاة وهي عماد الدين يا ابني. ودي أول حاجة هتتسأل عنها في قبرك. لو كنت بتصلي وربنا قبل صلاتك هينظر في عملك. أما لو مكنتش بتصلي أو ربنا مش قابل صلاتك عملك كله هيضيع يا ابني مهما كانت أعمالك دي كويسة. طالما مفيش صلاة يبقى كل أعمالك دي هتضيع على الأرض. أطرق "آدم" برأسه دون أن يجيب. فأكملت وقد اغرورقت عيناها بالعبرات: أنا خايفة عليك يا "آدم". خايفة عليك أوي. ثم قالت:

ده ربنا قال إن من صفات المنافقين "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى". فما بالك باللي مبيصليش خالص. ثم قالت بحنان:

تعرف يا "آدم" إن الصلاة هي الطاعة الوحيدة والفرض الوحيد من فرائض الإسلام اللي ربنا عرج بنبيه إلى فوق السماء السابعة وفرض عليه الصلاة من فوق سبع سماوات. فرضها خمسين صلاة كل يوم خمسين صلاة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ربنا إنه يخففهم لخمسة بس فربنا استجاب له. وبقت خمسة في العدد وخمسين في الأجر والثواب. أما باقي الفرائض والعبادات سيدنا جبريل كان بينزل للنبي ويوحي له بيها. شوفت بقى الصلاة مكانتها مهمة إزاي عند ربنا.

تنهد "آدم" وعقد ما بين حاجبيه وهو ما زال ينظر إلى الحاسوب أمامه. فنظرت إليه أمه وقالت باكية: يا "آدم" النبي قال "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". أنا خايفة عليك يا ابني. أجهشت في بكاء حار. التفت "آدم" ينظر إليها وقد اغرورقت عيناه بالعبرات. مد يده وهم بأن يضعها على أمه ليخفف حدة بكائها، لكنه قام فجأة بعصبية وحمل هاتفه وغادر البيت. جلست أمه في مكانها تكفكف دمعها وهي تدعو من أعماق قلبها: يارب اهديه ونور بصيرته.

*** جلست "إيمان" تشاهد التلفاز حاملة علبة حلاوة كبيرة تأكل منها بنهم شديد وعلامات الوجوم على وجهها. اقتربت منها أمها هاتفة بحده: وترجعي تقولي تخينة وأد الشوال؟ حد يعمل عملتك السودة دي. قالت "إيمان" بحدة: إيه أموت من الجوع يعني؟ قالت أمها بعصبية: ما قولناش تموتي من الجوع بس اهتمي بأكلك شوية. اعملي رجيم. مش طول ما إنتي قاعدة وإنتي عمالة تلغي كده. تركت "إيمان" علبة الحلاوة بعصبية وصاحت قائلة: مش طافحة.

دخلت غرفتها وأغلقت الباب بعصبية وجلست على فراشها وقد تركت العنان لعبراتها. ثم قالت بغضب وهي تلقي بالوسادة أرضاً: مش عايزة أعجب حد أصلاً. محدش له دعوة بيا. *** جلست "ساندي" تطالع الحساب الشخصي لـ "آدم" على الفيس بوك. اتسعت ابتسامتها في سعادة عندما قبل طلب إضافتها لقائمة أصدقائه. بدأت المحادثة قائلة: "ساندي": هاي دكتور. "آدم": هاي. "ساندي": إزيِك عامل إيه؟ "آدم": بخير. إزيِك انتي؟

"ساندي": تمام. عرفت إنك طالع مشرف على رحلة العين السخنة. "آدم": أيوة. "ساندي": مفاجأة حلوة. على فكرة أنا طالعة الرحلة. "آدم": كويس. طلعتيها قبل كده؟ "ساندي": يوووه كتير بس مش تبع الجامعة. بحس رحلات الجامعة مملة ومش بكون فيها على راحتي. "آدم": معايا مش هتكون مملة. "ساندي": هههههه أكيد طبعاً. متشوقة للرحلة أوي. وأعرف أماكن كتير حلوة ممكن نزودها للبروجرام، هبقى أقولك عليها يوم الرحلة.

"آدم": خلاص اتفقنا. باي دلوقتي نتكلم بعدين. "ساندي": باي دكتور. ابتسمت "ساندي" ثم هبت واقفة وفتحت دولاب ملابسها وأخذت تفكر كيف تستعد لتلك الرحلة. والأهم... كيف تجعل "آدم" لا يرى سواها في هذه الرحلة. *** كانت "آيات" واقفة أمام المكتبة تصور بعض الأوراق. فأقبلت "أسماء" من خلفها وقبلتها قائلة: سوري اتأخرت عليكي يا "يويو". هتفت "آيات" بحنق: اتأخرتي كده ليه؟ بقالي ساعة واقفة أصور في ورقي وورقك.

قالت "أسماء" وهي تتفحص الأوراق التي في يد "آيات": شوية بنات وقفت أتكلم معاهم. بنستعد للرحلة. ثم التفتت تنظر إلى "آيات" قائلة: على فكرة "ساندي" طالعة الرحلة. قالت "آيات" بلامبالاة: ما تطلع. قالت "أسماء" بتردد: بصي في حاجة كدة عرفتها. مش عارفة أقولهالك ولا لأ. التفتت إليها "آيات" قائلة: قولي طبعاً. حاجة إيه؟ ترددت "أسماء" قائلة: خايفة تضايقِ. قالت "آيات" بقلق: قولي يا "أسماء" قلقتيني. قالت "أسماء" بتهكم:

دكتور "آدم" حضر عيد ميلاد "ساندي" من كام يوم في بيتها وجاب لها هدية كمان. اتسعت عينا "آيات" من الدهشة وهي تمتم قائلة: إزاي يعني؟ ده طردها قدامنا من المحاضرة. مطت "أسماء" شفتيها قائلة: معرفش يختي. ده اللي سمعته. قالت "آيات" بعدم تصديق: أكيد إشاعة. قالت "أسماء" بتأكيد: لا يا بنتي مش إشاعة. أنا كنت واقفة مع "ريم" والبنات وعرفت كمان إنه طلب منها إنها تطلع الرحلة دي.

شعرت "آيات" بحزن شديد. واغرورقت عيناها بالعبرات وقالت وهي تحاول أن تستجمع رباطة جأشها: خلاص انسى. أنا مش عايزة أطلع الرحلة. هتفت "أسماء" بحدة: إنتي غبية يا "آيات"؟ هتسيبي لها الجمل بما حمل؟ التفتت "آيات" تنظر إلى "أسماء" بحيرة وضيق قائلة: أمال أعمل إيه يعني؟ خلاص هو طالما بيحبها خلاص ربنا يهنيه. هتفت "أسماء" بحدة أكثر:

يا بنتي هتجننيني. بطلي شغل العبط بتاعك ده. أنا لو منك هروح الرحلة وأدب صوابعي في عينها. أحاول ألفِت انتباهه وأخليه يسيبها ويجيلي على ملا وشه. قالت "آيات" بكبرياء: أنا مش هعمل كده. مش هلفِت انتباهه. هو لو محسش بيا من نفسه خلاص. أنا كنت طالعة الرحلة بس عشان بس أديله فرصة للكلام لو هو حابب يتكلم معايا. لكن طالما مهتم بـ "ساندي" فخلاص هو حر. قالت "أسماء" بغيظ: يا بنتي ومين قالك إنه مهتم بـ "ساندي" أصلاً؟

مش يمكن كذبت وقالت للبنات إنه طلب منها تطلع الرحلة؟ عايزة ترسم نفسها يعني. صمتت "آيات" وهي تشعر بالحيرة. فقالت "أسماء": لازم تطلعي الرحلة دي. عشان حتى تعرفي آخرة الموضوع ده إيه. وتحطي النقط على الحروف بينك وبين نفسك. اتفقنا؟ نظرت "آيات" إلى "أسماء" قليلاً. ثم قالت: خلاص اتفقنا. شردت "آيات" وهي تتساءل. تُرى أهناك شيء بينهما؟ أيحبه؟ تمنت أن تكون الإجابة: لا. *** وقف "آدم" يودع "زياد" قائلاً: هتوحشني يا "زياد".

عانقه "زياد" قائلاً: وإنت كمان يا "آدم". هستنى منك زيارة زي ما وعدتني. بجد هتقضي يومين حلوين في شرم. ابتسم "آدم" قائلاً: خلاص اتفقنا إن شاء الله. خد بالك من نفسك. ربت "زياد" على كتفه قائلاً: وإنت كمان يا "آدم" خد بالك من نفسك.

أوقف "آدم" سيارته أمام الكورنيش وأخذ يتمشى وهو ينظر إلى النيل ويتأمله. وقف وأسند ذراعيه على السور وهو يتأمل ظلام السماء. شعر بأنه ينظر داخل قلبه. فحال تلك السماء كحال قلبه. ظلام في ظلام. ثم نظر إلى القمر الذي لا يظهر منه سوى هلال صغير. تماماً كقلبه. يشعر بوجود ضوء صغير يحارب ليظهر ويتغلب على الظلام. لكن "آدم" لا يسمح لهذا الضوء بأن يكبر وينير ظلام قلبه. لا يسمح ولا يريد. يريد قلبه أسود كما هو. كيف سيحقق انتقامه إن اختفى هذا السواد؟

يريد أن يرجع حقه ممن نهبه. لا يريد أكثر من حقه المسلوب. فلماذا يلام على ذلك؟ لماذا يلام على رغبته في استرداد حقه؟ شعر بأنه يقترب شيئاً فشيئاً من هدفه. خطوة وراء خطوة وسيصل إلى مبتغاه. عليه فقط... الصبر. والانتظار. *** في صباح اليوم الموعود. يوم الرحلة. لم تستطع "آيات" النوم من فرط حماسها. كانت تتمم على حقيبتها للمرة التي لا تتذكر عددها. اتصلت بها "أسماء" قائلة: أيوه يا "آيات" نتقابل في مكان الباص. قالت "آيات" بحماس:

تمام يا "أسماء". يلا سلام. توجهت إلى سيارتها ووضعت حقيبتها. تذكرت محادثتها مع والدها منذ يومين حين قال والدها: طيب وليه "أسماء" متجيش تبات هنا وتذاكروا سوا؟ "مامتها مش راضية." يعني هي مامتها مش راضية؟ وإنتي ملكيش أهل؟ قالت "آيات" بسرعة: لا مش قصدي يا بابا. قصدي إن في بيت "أسماء" طنط موجودة. أما هنا فأنا وحضرتك عايشين لوحدنا. فعشان كده الأحسن أنا اللي أروح أبِيت معاها. فكر "عبد العزيز" قليلاً ثم قال:

مش عارف يا "آيات" مش حابب حكاية البيات دي. ألحت "آيات" قائلة: عشان خاطري يا بابا بجد محتاجين نذاكر سوا. خلاص الإمتحانات قربت وأنا بركز أكتر لما بذاكر مع "أسماء". عشان خاطري يا بابا وافق. دول هما ليلتين بس. عشان خاطري وافق يا بابا. وكمان لو تحب خليك معايا على الموبايل على طول نطمن على بعض. وافق "عبد العزيز" مرغماً وهو يقول: أعمل إيه يعني؟ خلاص يا بنتي. عانقته "آيات" في سعادة قائلة: ميرسي يا بابا.

قال "عبد العزيز" محذراً: ممنوع الخروج بعد 10 يا "آيات". وياريت متخرجيش أصلاً. إنتي رايحة تذاكري مش تتفسحي. قالت "آيات" بحماس: متقلقش يا بابا متقلقش.

انتبهت "آيات" إلى إشارة المرور التي أرغمتها على التوقف. توقفت وهي شاردة فيما تفعل. زفرت بضيق. فلم تتصور أن يصل بها الحال إلى الكذب على والدها بهذا الشكل والسفر إلى بلد أخرى والإقامة فيها دون علم والدها. لكنها أخذت تقنع نفسها بأنها لن ترتكب أي شيء خطأ. هي فقط تريد استغلال فرصة لن تتكرر. تريد أن تكون قربه. تريد أن تفهم مشاعرها وتعرف هل هناك أمل في أن يشعر بها يوماً. أم أنها تجري خلف سراب. أرهقها التفكير فزفرت بضيق وأدارت المسجل لتنساب نغمات إحدى الأغنيات إلى أذنيها.

وصلت "آيات" لمكان التجمع. رأت مجموعات صغيرة بدأت في التزايد رويداً رويداً. بحثت بعينيها عن "آدم" فلم تراه. أقبلت نحوها فتاتين فابتسمت ووقفت تتحدث معهما. سمعت "صوت" سارة قادمة فالتفتت لتقع نظراتها على "آدم". خفق قلب "آيات" بقوة. وارتسمت رغماً عنها ابتسامة على شفتيها. حاولت إخفاء تلك الإبتسامة لكنها لم تستطع. كانت تشعر بشعور لذيذ وبسعادة غامرة. اقترب "آدم" من الجمع وألقى عليهم التحية وسألهم قائلاً: جاهزين يا شباب؟

قال أحد الطلاب بحماس: طبعاً جاهزين يا دكتور. نظر "آدم" إلى الساعة وقال: طيب على العموم لسه خمس دقائق وعايزكم تقفوا لي صف ومتطلعوش الباص إلا لما أتمم عليكم. قالت إحدى الفتيات ضاحكة: إيه شغل ابتدائي ده يا دكتور؟ ابتسم "آدم" ابتسامته الجذابة التي خفق لها قلب "آيات" قائلاً: ده نظامي. لو عندكم اعتراض ممكن أعتذر عن إشراف الرحلة وأخلي دكتور "مسعد" يطلع بدالي. صاح الجميع في استنكار: لا أبوس إيدك يا دكتور.

"اعمل اللي انت عايزه يا دكتور بس بلاش دكتور مسعد." ابتسم "آدم" والتفت يبحث بعينيه عن "ساندي". لكنه لم يجدها بين الحضور. كانت "آيات" واقفة تتأمله. التحمت نظراتهما، فجفلت. وأخفضت بصرها في توتر. ألقى "آدم" عليها نظرة لامبالاة. وما هي إلا لحظات حتى حضرت "ساندي" و "أسماء" واكتمل العدد. نظرت "آيات" بحدة إلى "ساندي" الواقفة تتحدث بميوعة مع "آدم" وقالت لـ "أسماء" بحنق: شايفة واقفة تكلمه إزاي؟ قالت "أسماء": سيبك منها.

وقف الجميع صفاً وتقدم كل طالب ليخبر اسمه لـ "آدم" الذي وقف بجوار باب الأتوبيس من الأسفل. تابع "آدم" الكشف الذي بيده وهو يستمع إلى اسم كل طالب على حدة. اتى دور "آيات" فنظر إليها منتظراً أن تقول اسمها ليبحث عنه في الكشف. قالت بتوتر وهي تنظر إليه مبتسمة: "آيات عبد العزيز حسان اليماني". تصلب جسد "آدم" وهو يستمع إلى اسمها. رفع رأسه ونظر إليها بتمعن قائلاً: إنتي من عيلة "حسن اليماني"؟

شعرت "آيات" بالسعادة فلربما يعرف أحد أفراد عائلتها وتجد مدخلاً للحديث معه. قالت بحماس: أيوه. قال "آدم" بلهفة وعيناه الزرقاوان تكاد تخترقانها من فرط إمعانه فيها: "سراج حسن اليماني" يقرب لك إيه؟ ابتسمت "آيات" قائلة بحماس: ده يبقى عمي. تجمدت ملامح "آدم" وظلت نظراته مثبتة عليها كالليزر. شعرت "آيات" بالتوتر من نظراته التي لم تستطع تفسير معناها. قالت بارتباك: أطلع الباص؟

أومأ برأسه دون أن يرفع بصره عنها. صعدت وضربات قلبها تزداد اضطراباً. وقف "آدم" لحظات جامداً. ثم ما لبثت تعبيرات الغضب أن ظهرت على ملامحه واشعلت نظراته وهو يتمتم بصرامة: عمك!! جلست "آيات" بجوار "أسماء" وقالت لها بلهفة وسعادة بصوت منخفض خشية أن يسمعها من حولها: دكتور "آدم" اتكلم معايا. ضحكت "أسماء" قائلة: صلاة النبي أحسن. ده إحنا لسه بنقول يا هادي. ثم غمزت بعينها قائلة: يا "يويو" يا جامد. ثم قالت: احكي لي قال لك إيه؟

قالت "آيات" بحماس: سألني على عمي "سراج". قالت "أسماء" باستغراب: عمك؟ وهو يعرفه منين؟ قالت "آيات" بسعادة: معرفش. بس مش مهم. المهم إنه اتكلم معايا يا "أسماء".

التفتت "آيات" تنظر إلى "آدم" الواقف بجوار الأتوبيس. التفت فالتقت عيناهما. خفق قلبها. لكنها هذه المرة لم تشح بوجهها. وهو أيضاً لم يفعل. حاولت أن تفهم معنى نظراته وسببها. لكنها لم تستطع. ولم تحاول كثيراً أن تفهم. فكل ما كانت تشعر به الآن هو السعادة. السعادة لأنه أخيراً التفت إليها.

صعد الجميع وانطلق الأتوبيس بهم في طريقهم إلى العين السخنة. كان "آدم" يجلس في الأمام على بعد ثلاث مقاعد من مقعدي "آيات" و "أسماء". التفت لينظر في اتجاه "آيات" فانتبهت لتلك العينان الزرقاوان اللتان تتفرسان فيها. شعرت بارتجافة في أوصالها. ثم عاد لينظر أمامه مرة أخرى. ضحكت "أسماء" ضحكة خافتة ووكزت "آيات" في ذراعها قائلة: إيه يا "آيات" ده؟ لحقتي وقعتيه؟ قالت "آيات" بارتباك: والله ما عملت حاجة. قالت "أسماء" بلؤم:

أما لو عملتي. ثم انفجرت مرة أخرى ضاحكة. لم تشاركها "آيات" ضحكاتها ولا مزاحها. لأن عقلها كان في مكان آخر. كان مع والدها. والدها الذي كذبت عليه. وها هي في طريقها خارج القاهرة. لتمضي ليلتين في هذا البلد الغريب. ودون علم والدها. الذي كان وما زال كل ما تملك في هذه الحياة. شعرت بألم شديد في قلبها. وصوت يهتف بداخلها: أهذه ثقة والدكِ فيكِ يا "آيات"؟ أيستحق منكِ تلك الخيانة؟

وهو الذي لم يقصر في حقك يوماً وهو الذي وثق بكِ دوماً؟ وهو الذي كان الأب والأم والأخ والصديق وكل عائلتك؟ أيستحق منكِ تلك الطعنة؟ ماذا لو علم؟ كيف ستكون نظرته إليكِ؟ إلى ابنته التي تعب وعانى في تربيتها وتعليمها وأوصلها إلى ما هي عليه الآن؟ كيف ستكون خيبة أمله فيكِ يا "آيات"؟ كانت "آيات" تنظر من الشباك المجاور لها وهي شاردة واجمة وعلامات الحزن على وجهها. لم تنتبه إلى "ساندي" التي حضرت من الخلف في اتجاه "آدم"

ونظرت إليه قائلة بدلال: تسمح لي يا دكتور عايزة أتكلم مع حضرتك في بروجرام الرحلة. ابتسم لها "آدم" ووقف لتجلس على المقعد المجاور له. كان عقل "آدم" في مكان آخر تماماً فلم يستمع إلى "ساندي" التي تلقي على مسامعه اقتراحاتها بشأن تطوير برنامج الرحلة والأماكن التي تعرفها في العين السخنة. كان عقل "آدم" منشغل بتلك الفتاة التي تجلس خلفه بثلاث مقاعد. قال لنفسه: ما هذه المصادفة يا "آدم"؟

واحدة من عائلة "اليماني" تحت رحمتك. وفي قبضة يدك. يبدو أن حظك بدأ في الابتسام لك أخيراً يا "آدم". فجأة وبدون سابق إنذار هبت "آيات" واقفة وهي تأخذ حقيبتها التي وضعتها في الرف العلوي. نظرت إليها "أسماء" بدهشة قائلة: بتعملي إيه يا "آيات"؟ قالت "آيات" بحزم وهي تضع الحقيبة على ظهرها: نازلة. قالت "أسماء" غير مصدقة: نازلة؟ يعني إيه نازلة؟ قالت "آيات" بحزم وهي تنظر إليها: مش عايزة أطلع الرحلة دي. غيرت رأيي.

فتحت "أسماء" فمها دهشة وقبل أن تتمكن من الرد عليها توجهت "آيات" إلى السائق وأمرته بالتوقف. توقف السائق لتنزل منه "آيات". أسرع "آدم" ينزل درجات الحافلة خلفها وجذبها من ذراعها قائلاً: إنتي رايحة فين؟ التفتت إليه "آيات" بدهشة ونظرت إلى يده الممسكة بذراعها وقالت: غيرت رأيي مش طالعة الرحلة. قال "آدم" بدهشة: هو لعب عيال؟ جذبت ذراعها من يده وقالت باضطراب: أنا آسفة. بس غيرت رأيي.

التفتت لتغادر مسرعة. رآها "آدم" وهي تبتعد. كانت تسير في طريق العودة إلى القاهرة على هذا الطريق الصحراوي الذي يخلو من السيارات في هذا الوقت من الصباح الباكر. شعر "آدم" بأن هذه هي فرصته. وأراد استغلالها إلى أقصى درجة ممكنة. توجه مسرعاً إلى الأتوبيس وأخذ حقيبته وقال للمشرفة التي معه: أنا مضطر أروح معاها عشان مش هتعرف ترجع لوحدها. وهبعت لكوا دكتور "مسعد". هتعرفي تتصرفي لوحدك يا دكتورة؟ ابتسمت قائلة:

أيوه يا دكتور متقلقش. المهم متسبش البنت لوحدها. نزل "آدم" من الأتوبيس وهو يحمل حقيبته على كتفه ويقول لنفسه بقسوة وغل وحقد دفين: متقلقيش مش هسيبها. أبداً. منى سلامة

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...