الفصل 3 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثالث 3 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
110
كلمة
5,163
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

دخل "آدم" منزله لتستقبله والدته قائله بعتاب: -اتأخرت ليه يا "آدم"؟ زفر "آدم" بضيق وقال وهو يغلق الباب: -كنت مع واحد صحبي. سار متوجهاً إلى غرفته فأقبلت أمه خلفه قائله بغضب: -وصاحبك هو اللي بتسهر عنده لنص الليل وساعات بتبات كمان.. وسايب عنده هدومك وبدلك؟ التفت "آدم" صائحاً بغضب: -انتي عايزة مني إيه؟ قالت أمه والدموع في عينيها: -عايزك ترجع "آدم" بتاع زمان. صاح وهو يغلق الباب في وجهها: -خلاص مات.. "آدم" بتاع زمان مات.

تتساقطت العبرات على وجهها وتوجهت إلى غرفتها، وفرشت سجادة الصلاة ووقفت بين يدي الله تبكي حال ابنها وتدعو له بالهداية. توجه "آدم" إلى فراشه وهو يشعر بالغضب.. بالغضب من نفسه وعلى نفسه.. بالغضب من كل شيء.. ظل جالساً يفكر بشرود.. ثم قام وتوجه إلى حاسوبه.. اتسعت عيناه دهشة ولاحت ابتسامة على شفتيه عندما رأى البريد الإلكتروني الذي وصله.. فتحه بلهفة.. وقرأ ما جاء فيه:

"بسم الله.. تحية طيبة وبعد.. مؤهلاتك الدراسية ممتازة.. لكن ليست لديك إلا خبرة أكاديمية فقط وتفتقر إلى الخبرة العملية.. نعتذر عن قبول طلبك بالانضمام إلى شركتنا." أغلق "آدم" الحاسوب بعصبية وعلامات الغضب والضيق مرسومة على وجهه.. أخرج سيجاراً وأشعله وظل ينفث دخانه بعصبية شديدة.. طرقت أمه الباب ففتح لها وهو يخفي السيجارة خلف ظهره.. رأت أمه الدخان المتصاعد بجواره فنظرت إليه ببرود قائله:

-لو مش خايف على نفسك على الأقل خاف عليا. أطرق "آدم" برأسه ودخل يطفئ السيجارة.. دخلت أمه خلفه وهي تقول: -لحد إمتى يا "آدم".. لحد إمتى هتفضل مش راضي عن حياتك كده؟ قال "آدم" بحدة: -ماما لو سمحتي اقفلي على الموضوع ده. قالت أمه بحزن: -ليه يا ابني متستعوضش ربنا.. وتخلي اللي حصل ده يبقى دافع ليك إنك تكون أحسن.. مش إنك تبقى كده؟ نظر إليها "آدم" ببرود وهو يقول: -ومالي كده.. دكتور في الجامعة وزي الفل ومليون واحدة بتتمناني.

قالت أمه بحزن: -حياتك كلها على بعضها غلط يا "آدم".. أنا قلبي حاسس إنك بتعمل حاجات كتير غلط.. الغلط بيجر غلط يا ابني.. خليك مع ربنا ومتغضبوش. قال "آدم" بتهكم: -يا ماما انتي طيبة زيادة عن اللزوم.. مافيش حد مبيغلطش دلوقتي.. كل الناس بتغلط.. وكل الناس بتبص للي في إيد غيرها.. وكل واحد بقى مستني التاني يقع عشان ينهش فيه.. ولو مبقيتيش زيهم مش هتعرفي تعيشي وسطهم. ترقرق العبرات في عيني أمه وهي تقول:

-زي ما في الوحش في الحلو يا "آدم".. ليه تاخد الوحش مثال ليك وتمشي وراه.. ليه متبصش للحلو يا ابني وتعمل زيه؟ قال "آدم" بتهكم: -عايزاني أبقى طيب وأهبل عشان الناس تدوس عليا.. عايزاني أبقى طيب وأهبل عشان الكل يبقى فوق وأفضل أنا تحت رجليهم.. لا يا ماما.. أنا هبقى زيهم وأحسن منهم كلهم.. واللي ضاع مني هعوضه تاني.. وهنتقم من كل اللي ظلمني. قالت أمه بحزم وهي ترمقه بنظرات ذات معنى:

-كويس إنك عارف إن الظلم وحش وبيوجع.. وإن المظلوم مبيتمناش حاجة في الدنيا غير إنه ينتقم من اللي ظلمه. قالت ذلك ثم غادر الغرفة وتركته "آدم" حائراً مضطرباً حانقاً. في صبيحة أحد الأيام خرجت "آيات" من الفيلا بسيارتها الفارهة.. سارت بها في شوارع القاهرة.. توجهت إلى مكان كتب عليه "جمعية رسالة الخيرية".. توجهت إلى الداخل وتوجهت إلى مكتب إحدى الفتيات التي هبت واقفة وقالت بسعادة: -يا أهلا وسهلاً "آيات" شخصياً عندنا.

قبلتها "آيات" قائلة: -وحشاني.. أخبارك إيه؟ قالت الفتاة: -بخير الحمد لله.. اتأخرتي يعني مش عادتك. قالت "آيات" وهي تخرج سي دي من حقيبتها: -معلش بس انشغلت شوية اليومين اللي فاتوا. قالت الفتاة مبتسمة وهي تأخذ منها السي دي: -ولا يهمك يا قمر.. تسلم إيدك. قالت "آيات" وهي تهم بالمغادرة: -يلا أشوفك بعدين. قالت الفتاة باستنكار: -على طول كده.. تعالي اشربي حاجة الأول. قالت "آيات": -معلش عشان مستعجلة المرة دي.

ابتسمت الفتاة قائلة: -خلاص براحتك.. ربنا يجازيكي خير يا "آيات" ويجعله في ميزان حسناتك.

ابتسمت لها "آيات" ولوحت لها مودعة.. خرجت "آيات" من المبنى الذي تزوره كثيراً منذ أن التحقت بالجامعة.. حيث تعرفت فيها على إحدى الفتيات المتطوعات بتلك الجمعية.. شجعت الفتاة "آيات" على التطوع في قسم كتابة الكتب للمكفوفين.. فتشارك "آيات" في كتابة الكتب الثقافية والعلمية والدينية على الكمبيوتر ويتم تحويلها بعد ذلك إلى طريقة "برايل" لتمكين المكفوفين من قراءتها والاستفادة منها.. كانت "آيات" تشعر بسعادة بالغة وهي تقدم تلك المساعدة لأولئك الذين حُرموا نعمة البصر.. كانت تجد سعادتها في الشعور بأنها تقدم على عمل مفيد تُنفع به غيرها.. وتستغل وقت فراغها في هذا العمل المفيد.. ركبت "آيات" سيارتها وانطلقت في طريقها.

-فاكر يا "زياد" لما كنا بنلعب كورة مع بعض هنا تحت البيت؟ قال "آدم" هذه العبارة وهو واقف مع "زياد" في شرفة بيت هذا الأول.. نظر "زياد" إلى الأسفل يراقب الأطفال الذين يجرون خلف الكرة والابتسامة على شفتيه قائلاً: -أيوة طبعاً فاكر.. كانت أيام حلوة قوي. قال "آدم" وهي ينظر إلى الأفق: -كانت أيام بريئة قوي. التفت "زياد" لينظر إلى "آدم".. يراقب تعبيرات الوجوم على وجهه.. فقال: -مش عاجبني حالك يا "آدم". قال "آدم"

بتهكم دون أن ينظر إليه: -ولا أنا عاجبني حالي. قال "زياد" بحنق: -طيب ليه متغيرش حالك ده.. ليه سايب نفسك لليأس كده.. ليه متحاولش تقوم وتقف على رجليك من تاني؟ قال "آدم" بصرامة وهو يزم شفتيه بقوة: -لما أرجع حقي الأول. قال "زياد" بقلق: -وهترجعه إزاي يعني؟ قال "آدم" بقسوة وهو ينظر إلى "زياد": -عشان تحارب التعالب لازم تبقى تعلب زيه. ثم قال بقسوة شديدة: -وساعتها يا ويله اللي يقع في إيدي هاكله بسناني. قال "زياد"

وهو يزفر بضيق: -شكل كده مفيش فايدة من الكلام معاك.. اللي في دماغك في دماغك. قال "آدم" وهو يحاول تناسي الأمر: -انت راجع شرم إمتى؟ قال "زياد": -كمان أسبوع.

أومأ "آدم" برأسه وعاد ينظر إلى الأفق وزرقة عيناه تختلط بزرقة السماء.. أخذ يتذكر كم وقف في تلك الشرفة يتطلع إلى قرص الشمس الذهبي ويرسم بخياله أحلاماً كبيرة.. أكبر من واقعه.. هكذا هو دائماً.. يحب الشيء صعب المنال.. يعشق المستحيل.. متيم بالتحدي.. رغم بساطة عيشه والظروف التي تربى بها.. إلا أن أحلامه فاقت واقعه.. فصعد السلم خطوة بخطوة بعزيمة وصبر وإصرار.. حتى وصل.. وصل إلى قمة النجاح.. وصل إلى ما أراد.. وصل إلى ما كان

يراه مستحيلاً.. أمسك بيده ما كان يراه صعب المنال.. فشعر بالزهو.. والفخر.. والسعادة.. لكن أحلامه تحطمت على صخرة الجشع وتهاوت أشلاؤها في بئر الخيانة.. عندها بدأ يتعلم.. أن الحياة مثلما تعطى تأخذ.. ومثلما ترسم البسمة ترسم الدمعة.. لكنه لم يتقبل ذلك.. لم يتقبل الخسارة.. لم يتقبل المكتوب.. أراد أن يحارب القدر.. وأن يثور عليه.. وأن ينزع رداء الرضا.. ويرتدي حلة الانتقام.. لكنه لا يعلم أن الانتقام سيف ذو حدين.. حتى وإن

انتصرت به وقتلت خصمك.. فستنظر إلى يدك في النهاية لتجد النصل الآخر مزق يدك بحدته.. وسالت منه دماؤك.. لم يعلم.. لكنه سيعلم.. لكن السؤال الآن.. هل سيفيد وقتها الندم؟!

ها هو عريس آخر يطرق باب بيتها.. عريس آخر ورؤية أخرى ومقابلة ستزيد من عمق جرحها إن تُوجت كسالفاتها بالرفض.. ليس منها.. بل منه.. دائماً لا تأخذ فرصتها في الرفض.. فقبل أم تعلنها.. يعلنها العريس.. وتضم إلى باقة جراحها جرحاً آخر.. يطعن كرامتها.. ويجرح أنوثتها.. ويزلزل ثقتها بنفسها.. فتلجأ إلى دوائها الذي يريحها دائماً.. ويزيل ما بها من توتر.. الطعام.. الذي قاله عنه

نبينا صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه".. لكنها لم تهتم.. فكل ما يهم.. هو أن تأكل وتأكل.. لتفرغ ما بها من شحنات مكبوتة وصرخات مكتومة.. تلجأ إلى الطعام كما يلجأ المدمن إلى المخدر.. يعلم أنه يضره.. ويؤذيه.. لكنه لا يستطيع مقاومته.. فهو البئر الذي يلقي فيه آلامه وأحزانه.. رغم أنه يعلم جيداً.. أنه حل مؤقت.. ويجب عليه آجلاً أم عاجلاً أن يواجه واقعه.. الذي يهرب منه إلى مخدره. قالت "إيمان" لأمها بتوتر:

-ماما أنا خايفة. قالت أمها بحماس: -متخفيش يا بت.. إن شاء الله هتعجبيه وهيكون من نصيبك. ثم قالت: -ده بسم الله ما شاء الله عليه دكتور وعنده عيادة الله أكبر.. وأخوكي "علي" بيشكر فيه قوي. ثم ترقرق العبرات في عينيها وقالت بطيبة الأمهات: -نفسي قوي أفرح بيكي يا "إيمان" يا بنتي.. ده منى عيني من الدنيا دي أشوفك في بيتك انتي و "علي" أخوكي. طرق "علي" الباب ففتحت أمه فدخل ينظر إلى "إيمان" قائلاً: -يلا يا "إيمان".. العريس برة.

شعرت "إيمان" بتوتر بالغ وتضرجت وجنتاها بحمرة انتشرت في وجهها كله حتى صار كحبة الطماطم.. قال "علي" وهو يتفرس فيها: -إيمان انتي حاطة حاجة على وشك؟ قالت بسرعة: -لا والله يا "علي". ابتسم قائلاً: -طيب يلا.

خرجت "إيمان" وقدميها تصطكان ببعضهما البعض.. جلست على أقرب مقعد وهي لا تجرؤ على رفع وجهها.. كان العريس بمفرده.. جلست معه ومع والدها وأخوها "علي" قرابة النصف ساعة.. لم تتحدث خلالها أي كلمة وهو لم يوجه أي حديث لها.. استأذن وطلب الانصراف.. شعرت "إيمان" في داخلها بالحنق والحيرة.. لماذا لم يوجه إليها أي حديث.. لماذا رحل سريعاً.. بالتأكيد لم تعجبه.. ظلت تلك الأسئلة تدور برأسها.. سمعت والدها وهو يخبره بأن كلا الطرفين سينتظر رداً من الآخر بعد يومين.. دخلت غرفتها وأغلقت الباب وارتمت على فراشها تبكي قهراً.. كانت تشعر في قرارة نفسها بأنها لم تعجبه.. وسينضم اسمه إلى قائمة من رفضوها.

دخلت "سمر" المطبخ لتسخن الطعام لنفسها.. أحضرت طبقها وجلست أمام التلفاز.. عادت أمها من الخارج قائلة: -السلام عليكم. التفتت "سمر" وردت السلام.. فقالت أمها وهي تلقي بنفسها على المقعد متهالكة: -كان عندنا شغل كتير قوي النهاردة. قامت "سمر" وتركت طبقها على الطاولة وقالت بحنان: -هقوم أسخنلك الأكل. ابتسمت أمها بوهن قائلة: -تسلمي يا حبيبتي.

دخلت "سمر" المطبخ تسخن الطعام لوالدتها.. شردت وهي تتذكر لقطات من الماضي.. لقطات كانت تشعر فيها بالأمان وبالسعادة.. لقطات لرجل ذهب ولن يعود يوماً.. ليس لأنه رحل عن الدنيا وفارق الحياة.. بل لأنه ببساطة.. لا يريد العودة.. لا يريد تحمل المسؤولية.. لا يريد أن يكون زوجاً.. لا يريد أن يكون أباً.. وعلى الرغم من ذلك لا تستطيع أن تكرهه.. حاولت أن تكرهه وأن تنساه وأن تمحيه تماماً من ذاكرتها.. لكن ذكراه أبت إلا أن تظهر أمام عينيها دائماً.. لتذكرها بتخليه عنها وعن أمها.. لتذكرها بأنها فقدت درعها الحامي.. لتذكرها بأنها عاشت طوال عمرها محرومة من أب نسى معنى الأبوة.. خرجت من شرودها لتنظر إلى الطعام الذي يغلي.. أحضرت لأمها طبقها وناولتها إياه..

ابتسمت أمها بوهن قائلة: -رجعتي إمتى النهاردة من المستشفى؟ قالت "سمر" بلا مبالاة وهي تمد يدها لتأخذ طبقها الموضوع على الطاولة: -زي كل يوم. قالت أمها وهي تبدأ في تناول طعامها: -مفيش جديد؟ هزت "سمر" رأسها نفياً وقالت بهدوء: -لا.. مفيش جديد.

تعالت أصوات أبويها بالشجار كما هي عادتهما.. وكعادتها هربت إلى غرفتها وأغلقتها عليها وجلست على فراشها.. أحضرت "أسماء" هاتفها بسرعة وأدخلت سماعاته في أذنها واختارت إحدى أغنياتها المفضلة ورفعت صوتها إلى أعلى درجة واستلقت على فراشها تستمع إليها وهي مغمضة العينين.. شردت بخيالها وهي تحاول التذكر متى بدأت تلك الشجارات التي تتكرر ولا تنتهي أبداً.. لم تستطع أن تتذكر متى بدأت تلك الشجارات.. لكنها تتذكر أمراً واحداً.. وهو أنها

لم تر أبويها على وفاق إلا فيما ندر.. على الرغم من المستوى الاجتماعي الراقي لأبويها.. ومستوى المعيشة الذي تعيش فيه وتتمناه الكثيرات.. إلا أنها كانت تشعر بالغيرة.. بل والحسد.. من الفتيات اللاتي يعشن بين أبوين يعرف كل منهما كيف يحترم الآخر.. ربما لهذا توطدت صداقتها بـ "آيات" واستمرت لأعوام على عكس علاقاتها السابقة التي كانت تنتهي بسهولة بعدما تستشعر "أسماء" الشعور بالنقص الذي تشعر به في تلك النقطة.. أما "آيات" فوالدتها

متوفية.. ووالدها يعيش وحيداً معها.. فلم تشعر معها بمدى نقصها.. لأن "آيات" تعاني نقصاً هي الأخرى.. انتهت الأغنية لتعلم بأن الشجار ما زال قائماً ولم ينته.. أعادت تشغيلها مرة أخرى.. وهي تغمض عينيها في ألم.

جلست "ساندي" أمام والدها على المكتب قائلة بعصبية: -لازم تشوفلك حل معاه يا بابا.. أحرجني أدام الدفعة كلها وكمان قالي متحضريش محاضراتي طول السنة وخصم درجات الحضور. ثم قالت بضيق شديد: -في داهية درجات الحضور المهم عندي شكلي أدام الدفعة.. لازم يردلي اعتباري ويسمحلي أحضر محاضراته. ثم هتفت بغضب: -لازم يا بابا تتكلم معاه وتخليه يرجع عن قراره ده.. عايزاه من المحاضرة الجاية أدخل أدام الدفعة كلها وأقعد وأنا حاطة رجل على رجل.

قام والدها والتف حول المكتب وربت على وجنتها قائلاً: -متقلقيش يا "ساندي".. أنا هروحله بكرة الجامعة وأحل المشكلة دي. ابتسمت "ساندي" في فرح قائلة: -ميرسي يا بابا. ابتسم لها قائلاً: -شيلي الموضوع من دماغك خالص ومتشيليش هم.. وفكري بس في حفلة عيد ميلادك. قالت "ساندي" في مرح: -أوكي. خرجت "ساندي" من شركة والدها وهي تقول لنفسها في تحدي: -أما أشوف أنا ولا انت يا دكتور "آدم".

سمع "آدم" طرقات على باب مكتبه بالكلية فأذن بالدخول.. دخل "شكرى" والد "ساندي" وقدم نفسه إلى "آدم" الذي تظاهر بأنه لم يسمع اسمه من قبل.. فذكره قائلاً: -أنا والد "ساندي". قال "آدم" وهو يتظاهر بالحيرة: -"ساندي"؟ قال "شكرى": -أيوة.. البنت اللي حضرتك طردتها من المدرج في محاضرتك اللي فاتت. قال "آدم" بخبث: -أيوة أيوة افتكرت.. اتفضل. جلس "شكرى" أمام "آدم" الذي طلب له فنجاناً من القهوة.. تنحنح "شكرى" قائلاً وهو يضع ساقاً

فوق ساق: -بنتي "ساندي" مكنتش تقصد الكلمة اللي قالتها.. طبعاً حضرتك يا دكتور تقدر تمنعها من حضور محاضراتك زي ما انت عايز. قال "آدم" وهو يستند إلى ظهر المقعد ويضع ساقاً فوق ساق: -أيوة وده اللي عملته فعلاً. تنحنح "شكرى" مرة أخرى وقد بدا عليه ثقل المهمة الملقاة على عاتقه.. فلم يعتد أن يطلب من أحد أي شيء.. فهو معتاد فقط على إلقاء الأوامر.. قال بنبرة فيها شيء من التعالي:

-ياريت يا دكتور تسمحلها ترجع تاني تحضر محاضراتك.. لأن اللي حصل ده خلى شكلها وحش أدام زمايلها. تظاهر "آدم" بأنه يفكر في الطلب.. ثم قال بلهجة متعالية: -مفيش مشكلة.. بس تعتذرلي عن أسلوبها معايا.. وساعتها هوافق إنها ترجع تحضر محاضراتي. ابتسم "شكرى" وقال: -مفيش مشكلة.. وحضرتك معزوم على عيد ميلاد "ساندي" آخر الأسبوع.. ومنتظرين حضورك إن شاء الله. ابتسم "آدم" قائلاً: -ده شرف ليا يا فندم.

أخرج "شكرى" كارت من جيبه وأعطاه إلى "آدم" قائلاً: -ده الكارت بتاعي. أخذه منه "آدم" بترفع وألقى عليه نظرة سريعة ثم وضعه فوق المكتب بلا مبالاة.. قام "شكرى" قائلاً: -بعد إذنك يا دكتور. ابتسم "آدم" قائلاً: -اتفضل. خرج "شكرى" فأمسك "آدم" بالكارت مرة أخرى وأخذ يحركه في الهوا قائلاً وعيناه تشعان خبثاً: -أهو هو ده الكارت اللي أقدر ألعب بيه على حق.

وضعت "آيات" حاسوبها فوق قدميها وأخذت تنظر باسمة إلى صورة "آدم" التي أخذتها من حسابه على الفيس بوك.. وحفظتها عندها.. تذكرت مرة أخرى يوم أن ساعدها وهدأ من روعها.. كان رجلاً وسيماً.. لكن اهتمامها بكلمة رجــل يفوق اهتمامها بكلمة وسيمــاً.. لطالما كانت "آيات" تحلم بمواصفات معينة في فارس أحلامها.. تمنت أن يكون سنداً لها.. وأن يحتويها وتشعر معه بأنه رجلها وحاميها.. كانت شخصية الرجل المثالي التي تحلم بها متأثرة بشخصية

والدها.. دائماً كانت ترى والدها رجلاً مميزاً.. وعلى الرغم من تضايقها من بعض تحكماته إلا أنها تعي أنه يفعل ذلك من أجل صالحها.. وأنها تمثل أهم ما في حياته.. افتقدت "آيات" حنان وحضن أمها منذ الصغر.. فكان والدها كل شيء بالنسبة لها.. وحاول أن يكون كل ما افتقدته في حياتها.. كذلك تتمنى أن يكون فارسها.. ليس حبيبــاً فقط.. بل فارســاً.. يتمتع برجولة وشهامة الفرسان.. وكانت تشعر أن كل هذه الصفات.. موجودة في "آدم".. فكانت تمضي

الساعات في مطالعة صورته تحفر كل تفاصيلها في أعماق ذاكرتها.. تشرد بخيالها إلى مكان بعيد.. مساحة شاسعة من الخضرة التي تتراقص مع نسمات الرياح.. والسماء بلونها الأزرق.. لون عيناه.. وقرص الشمس الذهبي الذي يبتسم لها ويبث فيها السعادة والأمل.. والنسمات الرقيقة تداعب خصلات شعرها الأسود وتتغزل في ملامح وجهها.. وفستانها الأبيض الذي تتطاير طياته حولها.. ومن بعيد يأتي فارسها على حصان أصيل كمن يمتطيه.. يقبل عليها بعزم واصرار ليقف

أمامها يداعب صفحة وجهها بنظراته الشغوفة.. يمد يده إليها الابتسامة تعلو شفتيه.. تتلمس الطريق إلى كفه وعيناها لا تفارق عينيه.. تمتطي الجواد خلفه ليطير به وقد لفت ذراعيها حوله وهي تغمض عيناها لتنعم بدفء قربه.. كان يراودها هذا الحلم وهذه التخيلات كثيراً لكن كانت اللوحة ينقصها وجه الفــارس.. وها هي تنظر إلى هذا الوجه الآن.. ابتسمت وهي تنظر إلى صورة "آدم" وتقصها بعينيها لتضعها داخل حلمهــا.

كانت "ساندي" تعلم أن حضور "آدم" لعيد ميلادها رداً كبيراً لكرامتها التي أهدرها أمام زملائها.. ابتسمت بسعادة وهي تتوقع دهشة صديقاتها في عيد الميلاد عندما تقع عيونهن على "آدم".. خططت لهذا اليوم جيداً لتبدو فيه كملكة متوجة تسير بين رعاياها.

توجه "آدم" ببدلته الأنيقة وسيارته الفارهة إلى هذا البرج السكني لحضور عيد ميلاد "ساندي".. كان "آدم" يعي جيداً كل خطوة يخطوها.. ويكيل تصرفاته بمكيال المصالح.. ويعلم أن "ساندي" هي التي ستوصله إلى مبتغاه.. ستكون أداته التي تعينه على تحقيق مراده.. لكن عليه اللعب بحذر.. حتى لا يخسر اللعبة قبل أن تبدأ!

دخل المنزل بعدما فتحت الخادمة.. بيت أنيق عصري يتميز بالفخامة والرقي.. أخذ يجول بنظره بين الحضور.. حتى وقع نظره على "ساندي" بشعرها الذهبي الذي أخذ يتمايل فوق ظهرها العاري.. ووجهها الذي تعلوه الزينة.. وتاج صغير يزين رأسها.. وفستانها الأسود القصير.. نظر إلى عيون الرجال المعلقة بها.. نظر إليهم في سخرية.. ود لو صرخ بهم.. لماذا تحدقون فيها هكذا.. فما هي إلا فتاة كغيرها من بنات جنسها.. فتاة مصطنعة تتوارى خلف الأظافر

الصناعية والرموش الصناعية والعدسات الصناعية وحمرة الوجه الصناعية وصبغة الشعر الصناعية فما هي إلا امرأة اتخذت من كل ما صنعه البشر للزينة وسيلة لتبدو كملكة.. لكن هيهات.. فليست تلك ملكة من الملكات.. الملكة تخطف القلوب بنقائها والعيون بصفائها.. أما تلك فهي تشعرك بأنك واقف أمام مانيكان للعرض فقط.. وأحيانا يكون قابلاً للمس!!

التفتت "ساندي" لتقع عيناها على "آدم" الواقف ينظر إليها.. أخفى سريعاً نظراته المتهكمة وابتسامته الساخرة ووقف مكانه.. ينظر إليها بعمق.. بادلته نظراته.. وابتسمت.. وكمان توقع.. اقتربت! أقبلت تتهادى في خطواتها وحيته وهي تمد يدها قائلة: -أهلاً وسهلاً دكتور "آدم". استقبل كفها في كفه وقال بهدوء: -أهلا بيكي. ثم قال: -كل سنة وانتي طيبة. ابتسمت في سعادة وهي تقول: -وانت طيب يا دكتور.

أخرج "آدم" من جيبه علبة أنيقة وقدمها لها وأنظاره مركزة عليها يرقب تعابير وجهها.. اتسعت عيناها دهشة ثم رفعت حاجبها في عدم تصديق وابتسامتها تتسع شيئاً فشيئاً تناولت منه العلبة الأنيقة لتجد سلسلة ذهبية تحمل حرفاً ذهبياً.. أول حرف من اسمها.. نظرت إليه بسعادة قائلة: -كلك ذوق يا دكتور. رسم "آدم" ابتسامة ساحرة على شفتيه يعلم تأثيرها جيداً.. وقال بصوته الرخيم: -أتمنى إنها تكون عجبتك. ابتسمت قائلة وهي تنظر إليه بسعادة بالغة:

-أكيد عجبتني. ثم أشارت بيدها قائلاً: -اتفضل.

جلست بجواره وأشارت للنادل ليقدم له مشروباً.. حركت وجهها برقة لتزيل الخصلات الذهبية التي تجمعت أمام عينيها.. كانت تعي جيداً نظرات مثيلاتها المركزة عليها.. ومشاعر الغيرة التي تقطعهن.. رأت إحداهن تميل على أذن الأخرى هامسة.. فارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها.. فل طالما أحبت أن يتهامس الناس حولها.. ونظرات الغيرة تشع من عيونهم.. كان "آدم" مدرك ما تشعر به تماماً.. فهو خبير في نفوس "ساندي" ومثيلاتها.. يعلم أنهن لا يثريهن سوى المظهر الجذاب.. والاسم الرنان.. أعطاها ما تريد.. ليأخذ فيما بعد ما يريد.

أقبلت "أسماء" على "آيات" التي تجلس على إحدى الطاولات في الكافيتيريا شاردة ساهمة.. حركت "أسماء" كفها أمام وجه "آيات" قائلة: -إيه.. اللي واخد عقلك؟ ابتسمت "آيات" ابتسامة واهنة وهي تقول: -كنت مستنياكي. قالت "أسماء" ضاحكة: -ما هو واضح. ثم قالت: -شوفت "أحمد" وأنا جايه وسألني عليكِ. قالت "آيات" ببرود: -طيب. قالت "أسماء" بتردد: -وكلمني عنكِ. قالت لها "آيات" بدهشة: -يعني إيه كلمك عني؟ .. قالك إيه يعني؟ قالت "أسماء"

وهي تنظر إليها: -قالي إنه بيحبك يا "آيات". نظرت إليها "آيات" بدهشة.. للحظات ألجم لسانها وتجمدت ملامحها.. قبل أن تظهر فيما بعد شرارة في عينيها وهي تقول: -هو مش هيبطل بقى.. ميت مرة أقوله مفيش حاجة بيني وبينه.. وإنه صديق مش أكتر. قالت "أسماء" وهي تحرك كتفيها بلا مبالاة: -أنا قولت أقولك عشان تبقي عارفه. صمتت "آيات" قليلاً وقد بدا عليها الضيق.. ثم قالت: -وقولتيله إيه؟ قالت "أسماء": -قولته هقولك.. قالي مستني منك الرد.

قالت "آيات" بحدة: -قوليله يبطل شغل المراهقين ده وميتعبش نفسه على الفاضي. قالت "أسماء": -خلاص يا "آيات" متضايقيش نفسك. قالت "أسماء" فجأة وهي تتطلع إلى نقطة ما خلف "آيات": -"أحمد" جاي ناحيتنا. زفرت "آيات" بضيق.. قال "أحمد" مبتسماً: -صباح الخير يا بنات. قالت "آيات" ببرود: -صباح النور يا "أحمد".

لمس "أحمد" البرود في صوتها واستشعره نظر إلى "أسماء" فعلم أن هذا البرود ماهو إلا رد على مشاعره تجاهها.. أطرق برأسه قليلاً صامتاً ثم قال موجهاً حديثه إلى "آيات" كمحاولة جديدة منه للتقارب معها: -هتطلعي الرحلة؟ قالت باستغراب: -رحلة إيه؟ قال "أحمد": -رحلة للعين السخنة لمدة 3 أيام. قالت "آيات": -لا مش هينفع بابا مش بيسمحلي أطلع رحلة فيها بيات. قال "أحمد" بأسف: -يا خسارة. قالت "أسماء" بمرح: -أنا بقى معنديش مشكلة أبداً.

ثم التفتت إلى "أحمد" قائلة: -هي إمتى يا "أحمد"؟ قال "أحمد": -آخر الأسبوع. قالت "أسماء" بمرح: -كده فل قوي.. هطلع رحلة العين السخنة وبعدها أطلع رحلة شرم. قالت "آيات" بغيظ: -بتغيظيني يعني؟ قالت "أسماء" بمرح وهي تخرج لسانها: -أيوة بغظيك. قال "أحمد" وهو يقف ليغادر: -عامة فكري يا "آيات" واعرضي الموضوع على والدك.. وخليه يطمن في دكاترة طالعين معانا الرحلة. نظرت "آيات" إلى هاتفها تلعب به وتجاهلت ما قال.. قالت "أسماء" باهتمام:

-مين الدكاترة اللي طالعين الرحلة يا "أحمد"؟ قال "أحمد" وهو يغادر: -دكتور "آدم".. ودكتورة مش فاكر اسمها. تجمدت "آيات" في مكانها.. غادر "أحمد" فأخذت "أسماء" تنظر حولها.. غير مدركة إلى الصراع الذي يعتمل في صدر "آيات" وفجأة لمعت عيناها ونهضت قائلة بلهفة: -يلا يا "أسماء"! نظرت إليها "أسماء" بدهشة وهي تلحق بها قائلة: -يلا فين.. رايحة فين يا "آيات".. ردي عليا.

جذبتها "آيات" من ذراعها وتوجهت إلى المسؤول عن الرحلات بالكلية وطلبت منه تسجيل اسمها واسم "أسماء" في رحلة العين الساخنة.. نظرت "أسماء" إلى ما تفعله صديقتها بدهشة شديدة.. تم تسجيل الأسماء وغادرت الفتاتان وسارتا معاً إلى أن جذبتها "أسماء" من ذراعها لتوقفها قائلة: -انتي اتجننتي يا "آيات".. إزاي هتطلعي الرحلة باباكي مستحيل يوافق؟ صمتت "آيات" وهي تنظر إلى صديقتها وبدا وكأنها تشعر بتردد كبير.. فهتفت "أسماء":

-"آيات" ردي عليا. قالت "آيات" بشيء من الخجل: -بابا مش هيعرف إني هطلع الرحلة دي. قالت "أسماء" بدهشة: -إزاي يعني مش هيعرف؟ قالت "آيات" بعزم وإصرار: -هقوله إني بايته عندك عشان نذاكر للإمتحانات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...