تجولت "آيات" في الفيلا تتأمل كل ركن فيها بأعين دامعة. جمعت ما يعز عليها فراقه، ووضعته في حقيبتها. تجمعت الحقائب في الأسفل. فتحت شرفة غرفة المعيشة ووقفت تنظر إلى القمر بأعين دامعة. هذه هي الليلة الأخيرة التي ترى فيها هذا القمر من بيتها الذي ولدت وعاشت وتربت فيه. من الغد سيكون هذا البيت ملكًا لغيرها، سيسكنه أناس آخرون. ستطأ أقدام غريبة تلك الأرض التي زحفت ومشيت عليها أولى خطواتها.
وتلك الشرفة التي سهرت فيها ليالٍ طويلة. ستشتاق لهواء هذا البيت، لجدرانه، لأثاثه، لأركانه. فرت منها دمعة حزينة. مسحتها بأصابعها، وسؤال ملح يتردد بداخلها: أين ستذهبين يا "آيات"؟ ليس لديكِ مأوى، وليس في حوزتك إلا بضعة آلاف من الجنيهات. ماذا ستفعلين؟ إلى من ستلجأين؟ لم يكن لكِ في هذه الدنيا إلا والدك، لكنه رحل. رغمًا عنه ورغمًا عنكِ. أتستطيعين مواجهة هذه الحياة بمفردك؟ قاطع دخول دادة "حليمة" شرود أفكارها.
ابتسمت لها "حليمة" بحنان قائلة: "أجيبلك تتعشي يا بنتي؟ هزت "آيات" رأسها نفيًا وقالت بأسى: "ومين له نفس للأكل يا دادة؟ نظرت إلى القمر مرة أخرى، وشردت في حالها من جديد وهي تقول: "المفروض أسيب الفيلا بكرة ومش عارفه أروح فين." ثم التفتت إلى "حليمة" قائلة وهي ترمقها بنظرات حزينة: "هيِعز عليا فراقك أوي يا دادة." ابتسمت "حليمة" بحنان.
"بجد هتوحشيني أوي. لو كنت عارفه أنا رايحه فين كنت خدت معايا، بس أنا حتى مش عارفه هعيش إزاي." عانقتها "حليمة" وأخذت تمسح على شعرها بحنان. أجهشت "آيات" في البكاء، علها تريح صدرها مما يقاسيه من أحزان. قالت "حليمة" بطيبة: "بس أنا باه مش هسيبك يا 'آيات'." نظرت إليها "آيات" قائلة وهي تمسح عبراتها: "مش هينفع يا دادة أخدك معايا. أنا أصلاً لسه معرفش هعيش فين." ابتسمت "حليمة" وهي تتأملها قائلة: "هتعيشي معايا."
نظرت إليها "آيات" بدهشة. أكملت "حليمة": "بيتي القديم لسه موجود مبعتوش. سبحان من خلاني ما أحتاجش أبيعه. وأهو الزمن لف ودار واحتجتله. وكمان أنا محوّشة قرشين من مرتبّي اللي كنت باخده من والدك الله يرحمه. هتيجي تعيشي معايا ورزقي ورزقك على الله." أغرورقت عينا "آيات" بالعبرات وهي تنظر إليها. لم تتمالك نفسها فأجهشت في البكاء مرة أخرى وهي تقول بتأثر شديد: "بجد يا دادة مش عارفه أقولك إيه." قالت "حليمة" بأعين دامعة:
"متقوّليش حاجة. أبوكي كان راجل طيب، زرع في حياته الخير، وإنتي بتحصديه دلوقتي. عمره ما عامل حد من اللي شغالين عنده بطريقة وحشة. كان بيعامل الناس بطيبة وعمره ما قصر مع حد ولا عمره أذى حد. ولما سألته في مرة عن سر معاملته الحنينة للخدم وللناس اللي شغالة عنده، قالي إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'إخوانكم خولكم -أي خدمكم
-، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم'. كان راجل طيب ويعرف ربنا والناس كانت بتحبه. ربنا يرحمه هو وأمك." ابتسمت "آيات" وهي تقول: "يارب. يارب ارحمهم." ربتت "حليمة" على كتفها وقالت مبتسمة: "متشغليش بالك. لينا رب وهو أرحم بينا من عباده." ثم قالت: "أما أروح أتمم على الحاجة اللي هناخده." نظرت "آيات" إلى السماء وقد لاحت ابتسامة
على شفتيها وهي تقول بتأثر: "الحمد لله. إنت كريم أوي يا رب." *** استيقظ "آدم" من نومه فوجد والدته في مطبخ الشاليه تعد الطعام. فنظرت له قائلاً: "صباح الخير يا ماما." نظرت إليه أمه قائلة: "صباح النور يا 'آدم'." قال "آدم" وهو يقترب منها: "ماما بتعملي إيه؟ روحى ارتاحى وأنا خلاص اتفقت مع واحدة هتيجي تنضف وتطبخ." قالت أمه بحزم: "لا مليش أنا في الحاجة دي. أنا مبحبش واحدة غريبة تنضف بيتي ولا تحط إيديها في أكلي." قال "آدم":
"يا ماما إنتي تعبانة، مينفعش اللي بتعمليه ده. الدكتور قال ترتاحي." قالت أمه بعناد: "أنا الحمد لله بقيت كويسة أوي وأقدر أقف على رجلي وأعمل شغلي." قال "آدم" مستسلمًا: "طيب براحتك." ثم قال يحذرها: "بس لو تعبتي ارتاحي على طول، اتفقنا؟ ابتسمت له قائلة: "ربنا يخليك ليا يا ابني ولا يحرمني منك." أخذها في حضنه قائلاً: "ولا يحرمني منك يا ماما." نظرت إليه والدته بعتاب قائلة: "إنت لسه مبتصليش؟ ارتبك "آدم" وشعر بالحرج.
فقالت بحزن: "ربنا يهديك يا 'آدم'." نظر إليها "آدم" قائلاً: "أيوه. ادعيلي. الدعوة دي. إنتي دعوتك مستجابة." قالت أمه: "بدعيلك يا حبيبي. بس مش كفاية دعائي لوحده. ربنا بيقول في سورة الرعد: 'إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ'. لازم تبدأ بتغيير نفسك بنفسك يا 'آدم'." تنهد "آدم" قائلاً: "إن شاء الله." توجه إلى باب المطبخ وقال: "هروح أغير عشان متأخرش على الشغل." قالت له أمه باهتمام:
"مش هتفطر؟ قال "آدم" بعبوس: "لا مليش نفس." ارتدى "آدم" ملابسه وخرج من الشاليه متوجهًا إلى مكتبه. كان العبوس بادٍ على ملامح وجهه. كان يشعر بالضيق والحنق. لا يدري السبب، لكنه غير مرتاح، غير سعيد. يشعر أن شيئًا بداخله مفقود. شيء لم يستطع أن يملأه بملذاته ونزواته وسهراته وأمواله وقريته السياحية. على الرغم من النجاح الذي حققه حتى الآن، إلا أنه لم يشعر بالفخر لهذا النجاح، بل يشعر بالفشل. زفر بضيق وهو يجلس إلى مكتبه.
تحدث إلى نفسه قائلاً: "لماذا هذا الشعور البغيض؟ لماذا لا تفرح يا 'آدم' بإنجازاتك ونجاحك؟ لماذا تشعر بأنك لم تنجز شيئًا ولم تربح شيئًا؟ لماذا هذه المرارة التي تشعر بها داخل حلقك؟ ما الذي ينقصك يا 'آدم'؟ عمّا تبحث لتكون سعيدًا؟ علم الإجابة، لكنه لم يجرؤ على الإفصاح بها لنفسه. شعوره بالذنب ألجمه وقيده وجعله كالعاجز. كالعطشان الذي يتمنى قطرة ماء وأمامه نهر من الماء العذب، لكنه بدلاً من أن يشرب منه توجه إلى البحر المالح.
لكنه كلما حاول أن يروي ظمأه ازداد عطشًا. لا عطشه ارتوى، ولا جسده ارتاح. *** في صباح اليوم التالي، خرجت "آيات" من الفيلا مع "حليمة" وهي تتأمل الفيلا وتودعها بعينيها الممتلئتين بالعبرات. أسرع الحارس بحمل الحقائب في السيارة الأجرة التي توقفت أمام باب الفيلا. نظر إلى "آيات" بأسى قائلاً: "آنسة 'آيات' مش محتاجة أي حاجة؟ نظرت إليه "آيات" قائلة: "شكرًا." قال الحارس وهو متأثرًا بما حل بها:
"إنتي زي أختي الصغيرة. أنا عندي أخت في سنك. أنا هنا مش هامشي. الساكن الجديد الحمد لله هيخليني في شغلي. لو احتجتي أي حاجة أنا موجود هنا." نظرت إليه "آيات" وقد اغرورقت عيناها بالعبرات وهي تقول: "متشكرة أوي." تابعها بعينيه الحزينتين وهي تركب السيارة بجوار "حليمة" لتنطلق بهما إلى سكنها الجديد. في أحد الأحياء الشعبية، توقفت السيارة. ساعد السائق في إنزال الحقائب وإيصالها إلى باب الشقة.
صعدت "آيات" البناية القديمة، الدرجات المتهالكة، وتأملت الجدران المزرية والتي تنبعث منها رائحة غريبة. أسرعت "حليمة" بفتح الباب. ثم توجهت إلى الشباك ففتحته لينير البيت بنور الصباح. تأملت "آيات" الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين صغيرتين، بكل منهما فراش، وبصالة صغيرة بها صالون متهالك، ومطبخ وحمام. كان البيت الصغير في حالة مزرية وقد غطى التراب الأثاث بالكامل. قالت "حليمة" بتفاؤل: "متقلقيش، هينضف ويبقى زي الفل."
ابتسمت "آيات" بوهن والتفتت لتدخل الحقائب إلى الداخل. فساعدتها "حليمة". ثم قالت بمرح: "تحبي تختاري أنهي أوضة؟ نظرت "آيات" إلى الغرفتين، فكلاهما في حالة رثة. قالت بخفوت: "أي واحدة مش هتفرق." توجهت "حليمة" إلى إحدى الغرف وقالت وهي تفتح شباكها: "تعالى هنا، دي شارحة عن التانية." بدأت "حليمة" بتنظيف غرفة "آيات" التي مدت يد المساعدة إلى "حليمة" رغم اعتراضها. كان العمل شاقًا، فأكوام التراب كانت تغطي كل شيء.
بعد أكثر من ساعة من العمل المتواصل في الغرفة، أصبحت صالحة للاستهلاك الآدمي. ألقت "آيات" بجسدها المرهق على الفراش. فلم تعتد العمل في البيت ولا تحمل مشاق التنظيف. استسلمت إلى النوم و"حليمة" تغلق باب غرفتها وهي تبتسم في إشفاق. *** جلس "آدم" على الشط يتأمل البحر أمامه. كان شاردًا، فلم ير تلك الفتاة التي ترتدي البكيني والتي اقتربت من مكان جلوسه. انتبه إليها عندما قالت: "حضرتك دكتور 'آدم' مدير القرية، مش كده؟
ابتسم "آدم" مجاملًا وقال: "أيوه أنا." جلست الفتاة دون دعوة على المقعد المجاور له وهي تقول بمرح: "بجد القرية تحفة. أول مرة أحس إن مصر فيها أماكن حلوة. طول عمري بقضي الإجازة بره، بس لما شوفت إعلانكم قولت أجرب، وبجد انبهرت." ابتسم "آدم" قائلاً: "الحمد لله إن قريتنا عجبتك." قالت الفتاة وهي تمد يدها إليه: "أنا 'بسنت'." أمسك يدها في راحته قائلاً: "تشرفنا يا آنسة 'بسنت'." ضحكت قائلة:
"لا مبحبش آنسة وأستاذ والجو ده. أنا 'بسنت' وأصحابي بيقولولي 'بوسي'." ذكره الاسم بـ "بوسي" تلك المرأة التي أمضى معها ما يقرب من العام. يعيش معها وفي بيتها ويصرف من مالها. تلك المرأة التي عاش معها عيشة تغضب رب السماوات والأرض. عقد حاجبيه بضيق وهو يتذكر أيامه ولياليه معها. شعر بنفور شديد من نفسه. تذكر آخر لقاء جمعه بها. تذكر إفسادها لزواجه من "آيات". "آيات"... تلك الفتاة التي يأبى عقله أن ينساها. لماذا يتذكرها دائمًا؟
لماذا لا يستطيع نسيانها؟ لماذا تقفز إلى عقله بين الحين والآخر؟ قال لنفسه: "أفق يا 'آدم'. 'آيات' ضاعت من بين يديك للأبد. لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب." قالت "بسنت" التي كانت تراقب تعبيرات وجهه: "إنت شكلك مش معايا خالص." نظر إليها "آدم" وكأنه نسي وجودها. ثم نهض قائلاً: "بعد إذنك، عندي شغل." ابتعدت وهي ترمقه بنظراتها المغتاظة. كانت الفتاة جميلة، ومتحررة، وترمقه بنظرات الإعجاب.
ويعلم أنه إذا أراد علاقة معها فسيلقى ترحيبًا منها. لكنه لم يفعل. سأل نفسه: لماذا؟ فأتاه الجواب من داخله: سئمت الحرام. *** استيقظت "آيات" على رائحة الطعام الشهي. شعرت بألم حاد في بطنها وهي تتذكر أنها لم تتناول شيئًا منذ الأمس. فتحت الباب لتجد البيت مقلوبًا رأسًا على عقب. تلمست الطريق إلى المطبخ لتجد "حليمة" واقفة تعد الطعام. لتفتت تنظر إليها مبتسمة وقالت: "صباح الخير يا ست البنات. ثواني والأكل يكون جاهز." قالت "آيات"
مبتسمة بضعف: "قصدك مساء الخير يا دادة." ثم قالت: "هي الساعة كام؟ قالت "حليمة" وهي تنظر إلى هاتفها: "المغرب هيأذن." صاحت "آيات" قائلة: "كده يا دادة تسيبيني نايمة؟ أنا مصلتش الضهر ولا العصر." أسرعت "آيات" وتوجهت إلى الحمام لتتوضأ. جمعت الظهر والعصر. وبمجرد أن انتهت، سمعت أذان المغرب يتردد من المسجد القريب. نادتها "حليمة" قائلة: "يلا يا بنتي الأكل جهز." قالت "آيات" وهي تقف: "هصلي المغرب الأول يا دادة." ابتسمت "حليمة"
وقالت: "طيب تعالي نصلي جماعة بدل ما كل واحدة تصلي لوحدها." ابتسمت "آيات" ووقفت بجوار "حليمة" التي أمّتها في الصلاة. تناولت "آيات" طعامها بنهم شديد على الرغم من بساطته وتواضعه. راقبتها "حليمة" بإشفاق والابتسامة على ثغرها. أسرعت "آيات" بالرد على الهاتف قائلة: "السلام عليكم. إزيك يا 'سمر'؟ قالت "سمر" بلهفة: "وعليكم السلام. اخص عليكي يا 'آيات'، بأه ده كله يحصل وأنا معرفش." قالت "آيات" بخفوت: "حصل إيه؟ هتفت "سمر" بضيق:
"يعني والدك يتوفى، ومشكلة الديون، وإنك تسيبي الفيلا. كل ده وأنا معرفش. هو يا بنتي مش إحنا صحاب ولا إيه؟ قالت "آيات": "أيوه طبعًا يا 'سمر'. بس معلش اعذريني. أنا والله حتى 'أسماء' مكنش بيبقى فيا دماغ أكلمها." قالت "سمر": "أنا لسه قايلة مع 'أسماء' وحكتلي على اللي حصلك. عملتي إيه في موضوع السكن؟ توجهت "آيات" إلى غرفتها وأغلقت الباب وهي تقول: "اللي ساعدني وفتح لي بيته آخر شخص توقعت إنه يقدر يساعدني." قالت "سمر" باستغراب:
"مين اللي ساعدك؟ قالت "آيات" مبتسمة بتأثر: "دادة 'حليمة'. فتحت لي بيتها وبتعاملني زي بنتها." ابتسمت "سمر" وقالت: "الحمد لله. ربنا كبير." أغرورقت عينا "آيات" بالعبرات وهي تقول: "أيوه فعلاً كبير، وما فيش أحن منه." قالت "سمر" مشجعة: "يبقى طلعي حاجة لله يا 'آيات'، حتى لو كانت صغيرة." ابتسمت "آيات" وهي تقول: "كويس إنك فكرتيني. أنا هعمل كده فعلاً." ثم قالت بحزن: "رغم إني مش هقدر أطلع مبلغ كبير." قالت "سمر" مبتسمة:
"ربنا بيقول 'فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ'. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 'سبق درهم مائة ألف درهم'. قالوا: وكيف؟ قال: 'كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق به'. يعني أجر راجل تصدق بدرهم أكبر من أجر راجل تصدق بمية ألف درهم. فسألوه إزاي يا رسول الله.
فقال: إن اللي تصدق بدرهم واحد ده راجل كان معاه درهمين تصدق بواحد واحتفظ بواحد، فمعنى كده إنه تصدق بنص ماله. أما التاني كان معاه فلوس كتير تصدق منها بـ مية ألف درهم. لكن المية ألف دول بيمثلوا جزء صغير من فلوسه الكتير. يعني اعملي الخير ومتستصغريش، بالعكس لما تتصدقي وأنتي محتاجة وفي أشد الحاجة، الثواب بيبقى أكتر بكتير من لو تصدقتي وأنتي مرتاحة ماديًا." ابتسمت "آيات" وهي تقول بحماس:
"بجد فرحتيني بالكلام ده يا 'سمر' وحمستيني إني أتصدق بجد. وربنا يتقبل مني يا رب." ابتسمت "سمر" وقالت: "إن شاء الله يتقبل منك يا 'آيات'." ثم قالت بجدية: "'آيات'، إحنا أخوات. لو احتجتي أي حاجة هتقوللي، مش كده؟ قالت "آيات": "طبعًا يا 'سمر'. ومتشكرة أوي على مكالمتك دي." قالت "سمر": "مفيش شكر بينا، إحنا أخوات زي ما قولتلك. وبجد لو احتجتيني في أي حاجة هتلاقيني جنبك." قالت "آيات" بتأثر:
"بجد متشكرة يا 'سمر'. الكلام ده لوحده بيطمني وبيحسسني إني مش لوحدي." قالت "سمر" تطمئنها: "إنتي مش لوحدك يا 'آيات'. كلنا هنكون جنبك." بعد قليل، تلقت مكالمة من "إيمان" التي قدمت إليها واجب العزاء وكلمات المواساة. سعدت "آيات" باهتمام صديقاتها بها وشعرت بأن كلماتهم تهون عليها مصابها. *** هتفت "إيمان" بحنق: "أنا تعبت. تعبت. بنشتغل زي التييييييييييت ومش هاين عليهم يدفعولنا مرتبات عدلة." قالت لها صديقتها الجالسة معها
في كافيتيريا المستشفى: "كل حاجة في البلد دي خربانة. فالحين بس يدوا فلوس قد كده للي بتمثل وللي بترقص وحتى للي بيلعب كورة. لكن اللي بيطفح الدم زينا في كلية زي كليتنا ويشتغل ويداوي الناس وتطلع عينه يدوه ملاليم." تفتت "إيمان" بحدة: "حسبنا الله ونعم الوكيل. حاجة تقرف بجد. حتى أخويا مش لاقي شغل عدل ولسه لحد دلوقتي متثبتش في وظيفته." قالت صديقتها:
"أخوكي ده محترم أوي. شوفته كذا مرة وهو جاي لك المستشفى مبييبصش لبنات أبداً ولما بنت بتعدي من قدامه بيبص في الأرض." قالت "إيمان": "فعلاً 'علي' محترم أوي ومش بيحب يعمل حاجة غلط وهو عارف إن حرام يبص للبنات." ثم قالت بأسى: "عارفة أنا نفسي في واحد زي 'علي' أخويا كده. ميبصش على بنات ولا يشوف حد غيري. لو قارني بالبنات أكيد أنا اللي هخسر." ثم تنهدت قائلة: "تعرفي؟
خايفة أوي ارتبط بواحد وبعد الجواز عينه تزوغ على واحدة تانية ويخوني معاها. بفكر كتير أوي في كده. حاسة إني لو اتجوزت مش هعرف أملى عين جوزي ومش هعرف أثق في نفسي وأجامل وألبس زي ما الستات بتلبس. حاسة إني مكسوفة من شكلي ومن جسمي أوي." سألتها صديقتها: "طيب إنتي ليه متعمليش رجيم يا 'إيمان'؟ قالت "إيمان" بحنق: "عملت كتير بس مش بعرف أستمر. كل ما أتحمس إني أعمل رجيم أرجع تاني آكل زي البغلة لحد ما أتخن أكتر من الأول."
ثم قالت بحزن: "نفسي أوي يبقى جسمي حلو عشان لما أتزوج متكسفش من نفسي. نفسي أحس زي البنات كده إني واثقة في نفسي وإني بنت زيهم. أنا ساعات بحس إني مش بنت. ساعات بحس إني ست كبيرة." ترقرق العبرات في عينيها وهي تقول: "عارفة لما بكون بشتري حاجة والراجل يقولي يا مدام.. بتخنق أوي وبحس إني عايزة أعيط. ولا لما بسمع حد بيتريق على تخني بحس إني عايزة ملك الموت ينزل ويقبض روحي." قالت صديقتها:
"معلش يا 'إيمان'. في ناس كده مؤذية. مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده'. وبعدين خلي عندك ثقة في نفسك واصلي على رجيم وإن شاء الله تخسي." تنهدت "إيمان" وقالت بيأس: "ربنا يسهل إن شاء الله." *** فتحت "آيات" الباب لتجد "أسماء" أمامها تقول بغيظ: "دوخت على ما لقيت البيت." ابتسمت "آيات" قائلة: "معلش." تعانقت الصديقتان بشدة لفترة طويلة. قالت "أسماء": "وحشتيني أوي. عاملة إيه؟ قالت "آيات"
بأعين دامعة: "الحمد لله." نظرت "أسماء" إلى المنزل المتواضع. ثم أقبلت "حليمة" فسلمت عليها قائلة: "إزيك يا دادة؟ ابتسمت "حليمة" وقالت: "الحمد لله يا بنتي. أما أروح أعمل لكوا شاي." جلست الفتاتان في الحجرة التي خصصتها "حليمة" لـ "آيات". فقالت "أسماء": "البيت مبهدل أوي." قال "آيات" بحزن: "اهو أحسن من الشارع." قالت "أسماء" بشرود: "وأحسن من اللي أمر من الشارع." قالت لها "آيات" باستغراب: "تقصدي إيه؟ ردت "أسماء" بوهن:
"مفيش. خلينا فيكي إنتي. ناوية على إيه؟ قالت "آيات" وهي تفكر في حالها: "أكيد هنزل أشتغل. مش معقول هسيب دادة 'حليمة' تصرف عليا، هي أصلاً على قد حالها." ثم قالت بمرارة: "تصوري عمي لحد دلوقتي مكلمنيش. ولا حتى عشان يعزيني في وفاة بابا. ولا قالي إنتي ناقصك حاجة ولا لأ." قالت "أسماء": "إنتي قولتي له إن عمو توفى؟ قالت "آيات":
"لا متصلتش بيه بس أكيد عرف. وأكيد على الأقل خالص عرف إن شركة بابا اتباعت لأن الإعلان نزل في الجرنال." قال "أسماء" بحنق: "أنا مش عارف إيه الأهالي اللي معندهمش إحساس دول. حاجة تقرف." قالت "آيات" وهي تحاول أن تتناسى مآسيها: "سيبك. أنا أصلاً مش عايزة منه حاجة." فتحت "أسماء" حقيبتها وأخرجت رزمة نقدية وأعطتها لـ "آيات" قائلة:
"ياريت كان معايا أكتر. بس إنتي عارفة إني خيبة ومكنتش بعرف أحوش. أنا بعت دهبي وده نص الفلوس والنص التاني شايلاهم لأني حاسة إني هحتاجهم قريب." نظرت "آيات" إلى المال وقالت بحزم: "لا طبعًا مش هاخد منك حاجة يا 'أسماء'." قالت "أسماء" بحدة: "ليه بقى إن شاء الله؟ مش إحنا صحاب يا 'آيات'؟ قالت "آيات" بصرامة وهي تشعر بالضيق لتعرضها لهذا الموقف: "صحاب حاجة واللي إنتي بتعمليه ده حاجة تانية. مستحيل أقبلهم منك."
قالت "أسماء" وقد تضايقت من رفض "آيات": "معنى كده إنك بتعملي فرق بيني وبينك يا 'آيات'." قالت "آيات" بسرعة: "لا والله أبدًا. بس أنا لسه معايا فلوس اتبقت من بيع العربية. وكمان أنا عارفة ظروفك المهببة إنتي كمان. شيليهم. أكيد هتحتاجيهم. وأنا لو احتجت حاجة هطلب منك." قالت "أسماء": "وعد. وعد لو احتجتي حاجة هتطلبي مني." نظرت إليها "آيات" بامتنان قائلة: "أيوه وعد." ابتسمت "أسماء" قائلة بتهكم مازحة "آيات":
"فين الشاي اللي دادة 'حليمة' قالت عليه؟ دي لو كانت بتسخنه في حرارة الشمس كان زمانه غلى من بدري." دخلت "حليمة" الغرفة تحمل صينية الشاي وهي تقول: "الشاي للعرايس الحلوين." *** عادت "أسماء" إلى بيت جدها. وما كادت تصل إلى منتصف الصالة حتى أحاطها "هاني" بذراعيه من الخلف وهو يقول: "وحشتيني يا قمر." انتفضت "أسماء" وحررت نفسها من بين ذراعيه ثم التفتت تنظر إليه بغضب. شعرت بالدهشة من جرأته وفي وضح النهار. لكن دهشتها اختفت بعدما
قال وهو ينظر إليها بجرأة: "محدش في البيت، كلهم خرجوا يعني البيت فاضي علينا أنا وإنت يا جميل." صاحت "أسماء" بغضب: "احترم نفسك بقى. مش هسكت لك المرة دي." ضحك قائلاً: "تصدقي اترعبت. هتعملي إيه يعني؟ قالت بغضب هادر: "هصرخ وأفضحك وألم عليك الناس." قال بتهكم: "لو صرختي إنتي اللي هتتفضحى مش أنا." انقض عليها فجأة وأحاطها بذراعيه. سمعت صوت الباب يفتح فصرخت قائلة: "ماما! ماما الحقيني! تركها "هاني" على الفور. دخلت أمها
وخالتها يصيحان في جزع: "إيه؟ في إيه؟ "بتصرخي ليه؟ قالت "أسماء" بغضب: "الزفت ده كل شوية يقرب مني ويعمل حاجات مش مظبوطة. أنا سكت كتير بقى بس تعبت وقرفت." صاحت خالتها قائلة: "إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟ أجهشت "أسماء" في البكاء قائلة: "ابنك يا خالتو كل شوية يتحرش بيا وبيجيلي أوضتي بالليل." اقتربت منها أمها وصفعتها قائلة: "اخرسي يا بنت الهبلة. إيه اللي بتقوليه ده." وضعت "أسماء" كفها على خدها المتألم وهي تقول باكية:
"والله العظيم يا ماما ما بكذب، ده اللي بيحصل فعلاً." صاحت خالتها: "لا يا حبيبتي أنا ابني متربي أحسن تربية. الدور والباقي عليكي إنتي. من أول ما رجلك خطت البيت ده وإنتي بترسمي عليه وبترمى بلاكي عليه." ثم التفتت إلى أختها قائلة: "لمي بنتك لألمها لك." جذبتها أمها من ذراعها قائلة بغضب: "عجبك الفضايح دي؟ جذبت "أسماء" ذراعها من يد أمها وهي تصيح بغضب: "أنا فاض بيا. إنتي مش أم. إنتي معندكيش إحساس." صفعتها
أمها مرة أخرى وهي تصيح: "بطلي قلة أدب بقى فضحتينانظر إليها "هاني" بشماتة وكأنه يقول لها.. لقد حذرتك بأن الفضيحة ستكون من نصيبك أنتِ .. لم تعبأ "أسماء" بنظراته ولا بكلام والدتها وخالتها وتوجهت إلى غرفتها حاملة كل شيء يخصها وخرجت أمام ناظري والدتها التي قالت: "رايحة فين؟ التفتت إليها "أسماء" بوجهها المبلل بالعبرات وهي تقول بعنف: "ملكيش دعوة بيا وانسى إنك خلفتيني أصلاً."
خرجت "أسماء" ولم يتبقى أمامها إلا مكان واحد للذهاب إليه... "آيات". *** انهارت "أسماء" باكية في حضن "آيات" وهي تقص عليها ما عانته في منزل خالتها. لم تتمالك "آيات" نفسها، ففاضت دموعها هي الأخرى وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل. ربنا ينتقم منه." قالت "أسماء" وهي تغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الذكريات السيئة: "كنت حاسة إني بموت في البيت ده ومحدش حاسس بيا. لا أم ولا ابن." نظرت إليها "آيات" قائلة بحدة:
"'أسماء' إنتي إزاي سكتي على الأرف ده؟ ده المفروض تقولي وتتكلمي ومتسكتيش." قالت "أسماء" بضعف: "ما أنا اتكلمت محدش صدقني. خوفت أتكلم تاني يطردوني أو يفضحوني." قالت "آيات" بعنف: "الطرد والفضيحة أرحم مليون ألف مرة من إنك تستسلمي للحقير ده. سكوتك ده هو اللي شجعه إنه يتمادى معاكي. ومش كل مرة كانت هتعدي سليمة، أكيد في مرة من المرات كان هيغتصبك." قالت "أسماء" وعيناها تشع ألمًا ممزوجًا بالحيرة: "خوفت يا 'آيات'. خوفت."
قالت "آيات" بحزم: "أنا لو كنت مكانك كنت صرخت وفضحته ومهمنييش أي حاجة ولو هتطرد أطرد بس أكون حافظت على نفسي وما خليتش حيوان زي ده يلمسني." قالت "أسماء" بوهن: "ياريتني كنت اتكلمت وقلت لك من زمان. كان زمانك نصحتيني وكان زماني بعدت عن القرف ده." انفجرت في البكاء مرة أخرى فعانقتها "آيات" قائلة بحنان: "خلاص انسى اللي حصل." قالت "أسماء" من بين عبراتها:
"مش ممكن أبدًا أقدر أنسى يا 'آيات'. أنا مش بس قرفانة منه، أنا كمان قرفانة من نفسي أوي." قالت "آيات" وهي تمسح على شعرها برفق: "بكرة تنسي." ثم نظرت إليها قائلة: "ومتقلقيش هتفضلي هنا معايا. هنكون مع بعض على الحلوة والمرة. وأنا من بكرة هبدأ أدور على شغل." قالت "أسماء" وهي تمسح عبراتها: "طيب ما تروحي لعمك." هزت "آيات" رأسها بقوة وهي تقول: "لأ. مش ممكن أبدًا أروح أشحت منه." قالت "أسماء" بسرعة:
"لأ مش هتشحتي منه. إنتي هتطلبي منه إنه يشغلك عنده أو عند أحد من صحابه. يعني هتطلبي منه يساعدك إنك تلاقي شغل مش أكتر من كده. ويا سلام بقى لو شاف لنا شغل لينا إحنا الاتنين. اهو نقدر نصرف على نفسنا." قالت "آيات" وعلامات الحزن على وجهها: "تعرفي إن محامي بابا الله يرحمه رفض يساعدني. رغم إن بابا كان بيعاملة كويس." قالت "أسماء" بحدة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيه. أصلاً الناس معدش في قلوبها رحمة. بحس إنهم بقوا كتل حجر ماشية على رجلين." ثم قالت وكأنها تتعلق بأي شيء للنجاة مما هما فيه: "حاولي تروحي له يا 'آيات' مهما كان عمك وحش بس معتقدش إنه يسيبك في ظروف زي دي. على الأقل خالص يساعدك إنك تلاقي شغل." قالت "آيات" وهي تشعر بالحيرة والتردد: "بس اللي أعرفه عن شغله إنه شغله مش مظبوط وعشان كده بابا بعد عنه." قالت "أسماء":
"طيب خليه على الأقل يشوف لك شغل في شركة حد من رجال الأعمال اللي يعرفهم. مش معقول كل اللي يعرفهم شغلهم مش مظبوط. وبعدين هو هيقولك في وظيفة كذا إنتي تشوفي إذا كانت مناسبة ولا لأ. بس نتحرك نعمل أي حاجة. الفلوس اللي معانا لو خلصت هنتبهدل يا 'آيات'. والشغل مش سهل إنك تلاقيه." تنهدت "آيات" قائلة وهي تفكر: "مش عارفة. محتارة أوي. هستخير ربنا النهاردة وأشوف ربنا كاتب لنا إيه." *** صاح "سراج" بحدة وهو يتحدث مع ابنه "عاصي"
عبر الهاتف: "إيه اللي إنت بتقوله ده يا 'عاصي'؟ صاح "عاصي" قائلاً: "يعني نسكت له بعد اللي عمله في قريتنا ده يا بابا؟ التييييييييييت اللي زي ده لازم ياخد على دماغه عشان يتعلم الأدب ويعرف مين هما أسياده." قال "سراج" بحزم: "هدي اللعب شوية يا 'عاصي'. لو عملت أي خطوة دلوقتي هيرد عليك بعشرة ومش هنخلص. استنى شوية لحد ما نلاقي فرصة مناسبة ونضربه في مقتله." تفتت "عاصي" بعنف:
"يا مين ينولني رقبته دلوقتي أخلص عليه وأمحيه من على وش الدنيا." قال "سراج" محذرًا: "'عاصي'، قولتلك هدي اللعب دلوقتي." قال "عاصي" بغل: "حاضر يا بابا." صمت "سراج" قليلاً ثم سأله قائلاً: "إنت هترجع إمتى من العين السخنة؟ قال "عاصي" بصرامة: "مش راجع. أنا خلاص هفضل هنا في العين السخنة ويا أنا يا التيييييييييييت ده." ظل "عاصي" يفكر في كيفية القضاء على "آدم" وإزالته من أمامه تمامًا.
لم يكن "عاصي" من تلكم الأشخاص التي تتميز بالورع أو الخوف أو الشفقة. بل كان قلبه أشبه بالصخر. وأثبت خلال سنين حياته أن له نصيب كبير من اسمه... "عاصــي"! *** دخل "آدم" الشاليه ليجد أمه جالسة على أحد المقاعد. قال: "إزيك يا ماما." نظرت إليه بعتاب ثم أشاحت بوجهها عنه. اقترب منها وسألها قائلاً باهتمام: "في حاجة يا ماما؟ صمتت قليلاً ثم قالت: "إزاي تقدر تعيش كده يا 'آدم'؟ جلس على المقعد المجاور لها وهو يقول بدهشة:
"إزاي يعني مش فاهم؟ قالت بحدة: "عيشتك حرام يا ابني. وفلوسك حرام." هتف "آدم" قائلاً: "أنا فلوسي مش حرام يا ماما." قالت بألم: "لأ حرام يا ابني. لما تيجي من ورا الخمرة تبقى حرام. لما تيجي من ورا لحم الخنازير تبقى حرام. لما تيجي من الرقص والمسخرة والستات العريانة وقلة الأدب تبقى حرام. أنا اتمشيت النهاردة في القرية واتصدمت من اللي شوفته." قال "آدم" بارتباك:
"الخمرة ولحم الخنازير في زباين بيطلبوها وأنا مبضربش حد على إيده عشان ياكل أو يشرب منها. وكمان في أكلات معينة مينفعش تتعمل من غير الخمرة والأكلات دي هي اللي بيتميز الأماكن الراقية والمطاعم والقرى الكبيرة. وبالنسبة للملهى الليلي هو أصلاً مش شغال دلوقتي بسبب الحريقة اللي حصلت. وبالنسبة للرقص وللستات العريانة أنا مش هضربهم على إيدهم وأقولهم مترقصوش وغطوا جسمك." نظرت إليه أمه بألم وقالت بحسرة:
"إنت شايف إن كل اللي قولته ده مقنع؟ طيب لو مقنع تقدر يوم القيامة تقوله قدام ربنا لما يسألك جبت فلوسك منين؟ تقدر تقوله لما تتسأل في قبرك منين جبت فلوسك وصرفتها في إيه؟ الرسول
صلى الله عليه وسلم قال: 'لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ'. هتقدر تقول الكلام ده وقتها يا 'آدم'؟ قال "آدم" بضيق: "أنا مبعملش حاجة غلط. لا بشرب خمرة ولا باكل حاجة حرام." قالت أمه بحزم:
"بس بتبيعهم للي بياكلهم وللي بيشربهم وده حرام وبتاخد سيئات زيهم بالظبط لأنك بتقدمها ليهم وبتسهلها عليهم. النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا'." نهض "آدم" قائلاً وهو يريد الهروب من هذا النقاش: "أنا داخل أرتاح شوية." دخل "آدم" غرفته وبدل ملابسه.
ألقى بنفسه فوق فراشه في تهالك. أخذ يفكر في كلام والدته وهو يشعر بضيق شديد في صدره وكأن الهواء سُحب من الغرفة بأكملها. شعر باختناق شديد وهو يفكر في كل شيء وأي شيء. قام يجلس في فراشه وهو يحاول أن يزيل هذا الإحساس الذي أصبح ملازمًا له في الفترة الأخيرة. قال لنفسه: "لماذا هذا الضيق يا 'آدم'؟ تعمل في مركز يتمناه آلاف الشباب في سنك؟ لك مرتب كبير يسد احتياجاتك ويفيض؟ ما مشكلتك؟ لماذا هذا الثقل الذي تشعر به فوق صدرك؟
لماذا لا تهنأ وتفرح وتسعد وتعيش حياتك كما يفعل غيرك؟ ما الذي ينقصك يا 'آدم'؟ ما الذي ينقصك؟ تسربت إلى مسامعه صوت آيات من القرآن الكريم أدارتها والدته في المسجل ورفعت الصوت عاليًا حتى اخترق الباب المغلق ونفذ إلى أذنيه. أعاد ظهره إلى الوراء وهو يرهف أذنيه بإنتباه شديد. كالظمان الذي يسمع صوت خرير الماء بالقرب منه.
-يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 )
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 )
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15)
عندما وصلت إلى مسامعه تلك الآية امتلأت عينا "آدم" بالعبرات حتى فاضت وتساقطت على وجهه الذي اشتاق لتلك الدموع الخاشعة الذليلة المستشعرة بذنبها وتقصيرها وبعدها. أغمض عينيه ليفرغ ما بداخلهما من عبرات تحرقهما. وانتفض جسده بعدة شهقات لم يستطع كبحها.
-أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!