الفصل 11 | من 47 فصل

رواية جواد ودهب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
80
كلمة
4,236
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

بعد أن سألها بتمنٍ يشوبه الرجاء: هل تخاف ابتعاده عنها؟ هل تريده جانبها؟ هل تتمناه كما ظل طيلة السنوات الماضية يحلم بها؟ هل اشتاقت لأيامه معها؟ نظرت له مطولًا وهي تبحث في ملامحه عن فارسها المغوار، الذي كان يدافع عنها ببسالة ويقف لأبويها بالمرصاد إذا ما فكر أحدهما أن يبكيها. هو الوحيد الذي ذاقت على يده معنى الحنان والأمان، أمانها الذي افتقدته بغيابه عنها.

تنهدت بعمق وقررت أن تزيح عن كاهلها كل ما عانته في بعده عنها. ستلقي همومها على كتفه، وهي كلها ثقة ويقين أنه سيحملها عنها، فهو جوادها.

دهب: عارف، أنا فاكرة كل حاجة حصلت زمان. مش اللي حصل منك لأ، اللي كنت بتعمله معايا. حنيتك عليا اللي عوضتني عن قسوة أمي وسلبية أبويا معاها. اهتمامك بيا وكل حاجة كنت بطلبها منك بتجبلي منها كتير. رجوعك من الكلية يوم إجازتك، كنت تجيلي أنا الأول تطمن عليا قبل ما تروح السرايا حتى عشان تسلم على أهلك أو تغير لبسك وترتاح من السفر. كنت أجمل حاجة في حياة طفلة مالهاش حد غيرك. كنت بتلعب معايا كأنك من سني. كنت معوضاني عن حياة كاملة كان نفسي أعيشها. أنا مزعلتش منك أبدًا يوم اللي حصل. كنت صغيرة بس كنت حاسة إنك موجوع وبتحارب روحك عشان متأذنيش. دمعتك اللي نزلت على كتفي لحد دلوقت حاسة بيها. كانت زي النار حرقت جلدي وعلمت فيه. كنت مخلي حياتي وردية يا جواد.

شهقت بقوة وأكملت: لما كانوا بيزعلوني وأنت مسافر أو ماما تضربني، كنت أعيط شوية صغننة بعدين أمسح دموعي بسرعة وأقول: "مش هعيط دلوقت، لما يرجع جواد هشتكيلوا وأعيط براحتي عشان هو الوحيد اللي هيمسح دموعي."

بكت بقوة وهي تقول: أكتر حاجة قهرتني إنها حرقت كل العرائس والألعاب اللي كنت جايبها لي. مسابتش أي حاجة منهم. حسيت إن قلبي هو اللي اتحرق وأنا شايفة النار بتاكل كل حاجة بحبها. كانت عايزاني أنساك، بس في نفس الوقت بتفكرني وبتهددني بالوحش اللي أنت عملته. طب هو معقول يكون حد كويس معايا ديما وبمجرد ما يعمل حاجة واحدة بس وحشة نبعد عنه ونكرهه؟

مبطلتش تضربني غير بعد ما قعدت من المدرسة، وكانت ديما تهددني لو قولت لبابا إنها ضربتني هتقوله على اللي أنت عملته زمان. أنا بنتها الوحيدة، ليه تعمل فيا كل ده؟ من يوم ما أنت خطبتني وهي بتبصلي بكره. حتى الحاجة اللي أنت اشتريتها لي، مخلتنيش أشوفها. فضلت هي وخالتي زينب يرصوها في الدولاب وطلعت لي الفستان ده بس. بس خالتي عجبها الشنط والجزم، هما اللي شوفتهم.

عارف، أنا متأكدة إن أول ما هنرجع البيت هتهددني لو مسبتكش هتقول لبابا على اللي حصل زمان.

شهقت بقهر وأكملت: عارف، أنا عارفة المكان ده بتاعك، فاكراه من وأنا صغيرة. لما روحت هناك من فترة أول مرة بعد ما كبرت، كنت محتجالك أوي يا جواد. جازفت وروحت هناك بالليل عشان بس أكون في مكان أنا واثقة إن مفيش حد بيدخله غيرك. كنت بشم ريحتك فيه. قعدت تحت الشجرة بتاعتنا وأنا حاسة إني مسنودة عليك أنت مش على جزع الشجرة. اطمنت وادّفيت، وحسيت بشوية أمان كنت هموت وأحس بيهم. قعدت أكتر من ساعتين أتنفس جامد وأشم كل نسمة هوا في المكان، يمكن فيهم نفس خرج منك أنت. لما شوفتني هناك عرفتك على طول. كان

نفسي أترمي في حضنك وأقولك: "أتأخرت على دهبك ليه؟ سيبت دهبك ليه يا جواد؟ " بس كنت خايفة. خوفت تعرفني وتزعل مني عشان خرجت بالليل. خوفت في لحظة غضب تقول لبابا، بس كانت حاجة جوايا بتقولي: "لاااااا جواد عمره ما يعمل حاجة تأذيكي."

لما ركبت معاك على الحصان، ولما مدت لي إيدك، ولما اتعلقت في رقبتك، كنت بسحب كل نفس بيخرج منك، أدخله جوايا، عشان أطمن إنك بجد جواد. حسيت إني طايرة من الفرح اللي محستش بيه من بعدك. بس زعلت عشان معرفتنيش، وزعقت لي عشان اتعلقت في رقبتك. بس برضه فرحت إنك جيت عندنا تاني يوم. خوفت شوية إنك هتفتن عليا، بس جوايا إحساس إنك جاي عشاني أنااااا، جاي ترجع دهبك اللي اتسرقت منك. مش عارفة ليه حسيت بكده، بس كنت مبسوطة، وبس.

صمت مهيب حل على المكان ولا يسمع فيه غير أصوات تنفسهم العالي. وصغيرتنا تنظر له في انتظار رده على كل حرف تفوهت به. بعد فترة، أخذ يمسح على وجنتيها الناعمة بحنان وهو يتمنى أن يراها بعينه، ولكن قلبه يراها ويحفظ ملامحها عن ظهر قلب. ولِمَ لا وهي ابنة قلبه المتيم بها، قلبه الذي ذاق مرارة الفقد، واحترق بنار شوقه لها. أخرج هاتفه من جيبه وضغط على زر ثم قال: بابا. أتاه الرد من أبيه فقال له بهدوء وصوت

حزين استشفه أبيه بسهولة: بابا لو سمحت حاول تأخر رجعتك للسرايا أنت وعمي محمد شوية. ابتعد أبيه عن محمد ومن معه ثم قال بقلق: في حاجة حصلت يا ابني؟ مالك صوتك زعلان. زفر جواد بهم وقال برجاء لأول مرة: أرجوك يا بابا، أنا مش قادر أتكلم دلوقت بس محتاج تعمل اللي طلبته منك، أرجوك. عبيد: حاضر يا ابني هعطله شوية ومش هرجع بيه غير لما ترن عليا. جواد بامتنان: شكرًا، سلام.

ترك الهاتف بجواره بعد أن أغلقه نهائيًا حتى لا يقاطعه أحد وهو يتحدث معها. أمسك كفها وقبله بعشق ثم قال: أنا بقالي سنين مستني اللحظة دي، اللحظة اللي هقعد معاكي وأحكيلك كل اللي حصل، وأفكرك بيا، أفكرك بجواد اللي رباكي على إيده، ومكنش يهمه حد في الدنيا غيرك. كل حاجة في دنيتي كانت بتيجي من بعدك يا ذهبي. أول ما حسيت إن مشدود لِك لومت نفسي،

بس قولت: "وليه لأ يا جواد، البنات بتكبر بسرعة كلها كام سنة وتبقى أحلى عروسة، وتبقى ليك، خليك جنبها وحافظ عليها لحد ما ييجي اليوم ده." اهتميت بيكي كأنك بنتي، كنت بحكيلك حاجات محدش يعرفها عني، كأنك صحبتي. بس بيني وبين نفسي كنت بقولك بحبك، وأنا بتخيلك بنوته زي القمر. أمك كانت كارهة وجودي في حياتك بس مهتمتش. يوم اللي حصل كنت لسه راجع من السفر، دخلت البلد وأنا ناوي أجيلك زي ما اتعودنا. بس لقيت أحمد ابن عمي مستنيني عند

مدخل العزبة وصمم ياخدني معاه حنة الواد سعيد، وجابها لي من ناحية إنه هيفرح إن جواد بيه حضر حنته، قالي نص ساعة وأمشي. فعلًا روحت معاه قولت هبارك لسعيد وأقعد عشر دقايق وأجيلك جري. جابلي قهوة أنا طلبتها منه، بس بعد ما شربتها حسيت بحاجة غريبة. محبيتش أقعد، أول ما طلعت من عنده وسيبت أحمد

لقيت أمك بتتصل بيا تقولي: "دهب قاعدة في الجنينة مستنياك وزعلانة عشان فاكراك مش جاي." استغربت أوي وقتها، إذ كان هي مش بطقني ولما بجيلك بيبقى هاين عليها تطردني. بس قولت أكيد أنتي زعلانة وصعبتي عليها. على ما وصلت عندك كان في حالة غريبة فيا وهلاوس بتروح وتيجي قدام عيني. أول ما شوفتك حسيت إنك كبيرة، مش العيلة الصغيرة اللي أعرفها. جريت عليكي وحضنتك جااامد. وقتها بس عرفت إن حد حطلي حاجة في القهوة لأني لما حضنتك مكنش حضن

بريء، كنت عايزك، عايز حبيبتي اللي شايفها قدامي شابة جميلة. بقيت أحضنك جامد وأنا بعافر عشان أبعد ومقربش. مكنتش هقدر أئذيكي، بس كنت تعبان من جوايا. وقت ما نزلت دمعتي على كتفك كنت بحارب نفسي، ولا قادر أنزلك وأمشي ولا هقدر أعمل فيكي اللي عقلي بيصورهولي. بمجرد ما بوستك في خدك وأنا ناوي إني أمشي، لقيت أمك جاية علينا

وهي قايدة نار وبتقولي: "أنت بتعمل إيه في البت؟ أنت طلعت بتاع عيال؟ " وكلام كتير، كله غلط وإهانة مش حابب أكرره. ضربتك بالقلم قدامي وأنا مشلول، ديابة بتنهش في لحمي، وعقلي تقريبًا غايب عن وعيه. لولا إني مدرب على أقسى درجات ضبط النفس أنا كنت هغتصبك يا دهب، بس حبي ليكي منعني حتى إني ألمسك.

سيبتها تشتم وتهدد ومشيت. مقدرتش أرجع السرايا، روحت مكاني وأنا بضرب دماغي في الشجرة عشان الوجع اللي فيها. رميت نفسي في الترعة عشان جسمي يهدي، وطلعت من الميه نمت مكاني محستش بنفسي غير وفارس بيصحيني وبيقولي: "أمك قالبة الدنيا عليك." ابتسم بهم وأكمل: رجعت السرايا وأنا مش شايف قدامي وجسمي سخن وحرارتي ارتفعت، كنت بترعش. بس أمي لأول مرة متهتمش بكل ده، أول ما شافتني ضربتني بالقلم وقالتلي: "عايز تغتصب دهب!

العيلة أم عشر سنين هانت عليك؟

الحمد لله إن أمها لحقتك قبل ما تضيع البت." قبل ما تكمل كنت وقعت مغمى عليا. نقلوني المستشفى وطلع عندي حمى بس مهمنيش تعبي وطلبت من الدكتور ياخد مني عينة دم ويعمل تحليل شامل. كان كل همي إني أثبت براءتي من التهمة دي، مع إني ملمستكيش. بس أمك بقى كبرت الموضوع على الآخر. نتيجة التحاليل طلعت تاني يوم والدكتور اكتشف إني كنت أخدت منشط جنسي قوي مع برشام هلوسة. أمي وقتها عرفت إني بريء وإنها ظلمتني لما صدقت كلام أمك وعملت معايا

كل ده من غير ما تسمع مني. طلعت من المستشفى على القاهرة ومنها سافرت السودان من غير ما أودع أهلي. أنا اللي طلبت من القائد بتاعي إني أسافر. قعدت هناك سنة، مشوفتش أهلي، مشوفتكيش، وآخر ذكرى خدتها معايا وأنا مسافر إن كان ممكن أضيعك. قررت إني أبعد على طول، بس مقدرتش، والله ما قدرت. بعد ما رجعت مفتحتش الموضوع مع أمي ولا فارس، واتعاملت عادي. بس غصب عني لقيتني بسأل على أخبارك. كنت باجي في نص الليل أستخبى في الزرع عشان بس أشوفك

من بعيد وأنتِ قاعدة في البلكونة. سنة ورا التانية وعشقك بيكبر جوايا وأنا شايفك بتكبري يوم بعد يوم. خوفت حد ياخدك. بقيت من غير ما أظهر في الصورة بطفش كل العرسان اللي كانوا بيتقدمولك من وأنتِ في تالتة إعدادي. وبعد اللي حصل لرضوى وأبوكي قعدك، الناس بدأت تنسى إنك موجودة بس برضه كان في شباب عايزين يتقدمولك، بعدتهم عن طريقك بشكل عمرك ما هتتخيليه. وأبوكي فكر إن محدش بقى يتقدملك بسبب اللي حصل لبنت عمك. كبرتِ سنة ورا سنة

وبقيتي تسمعي أغاني نجاة. أكتر حاجة بتحبيها ليها عيون القلب والطير المهاجر. كان قلبي بينزف دم لما ألمحك من بعيد وأنتِ

بتتنهدي لما تسمعيها بتقول: "وبعتنا مع الطير المهاجر سلام وعتاب، ليه غبت عنا يا نور عيونا وحكايتك إيه؟ ببقى عايز أصرخ وأقولك: "أنا جنبك مبعدتش." بس كنت بخاف عليكي مني. اتجوزت وخلفت عشان أنساكي مقدرتش، بقيتي بتجري في دمي يا ذهبي. امتلكتِ من قلبي وروحي. لما حصلت الحادثة واتعميت، حسيت بالقهر، معقول مش هشوفك تاني؟ يئست، وقولت كده خلاص، خلصت الحكاية اللي مبتدتش م الأساس. أقولك اتعذبت قد إيه؟ أقولك جواااد بكى كام مرة؟

أقولك فكرت في إيه عشان أوصلك؟ كنت بحب فيكي وأتخانق معاكي، وأصالحك، كل ده بيني وبين نفسي يا دهب. جواد بقى مجنون بيكي. مزق قميصه لتتناثر أزراره حولها وسط شهقاتها، وحينما خلعه عنه أمسك يدها ووضعها فوق خافقه وهو يمررها عليه ويقول

بجنون عاشق أضناه الفراق: فتحي عينك وشوفي وشم اسمك على قلبي يا دهب. برغم إني عارف الوشم حرام، بس ذنب عشقك مش عايز أتوب منه، ولا حابب أتوب. أنا حبيت عذاب عشقك يا دهب. مراتي ماتت، وأمي بتزن عليا أتجوز عشان تشوفلي ولد يشيل اسمي، وأنا برفض. خلاص عملتها مرة في لحظة يأس بس اكتشفت إني اتعذبت أكتر، ههههه، لأني حسيت إني بخونك مع مراتي يا دهب. قولت لنفسي هتتحمل عذاب بعدها عنك، ولا اشتياقك ليها، ولا إنك بتلمس غيرها، ولا ولا ولا،

كتيييير يا دهب. حلفت ما هكون لغيرك لو عشت بقيت عمري عازب ولوحدي. لحد ما أمي عملت تمثيلية خايبة إنها تعبانة وكده ولازم أتجوز هههههه. كنت ناوي أعترض وأسيب لها السرايا زي كل مرة شهر ولا اتنين. بس مش عارف ليه المرة دي حسيت قلبي بيدق جامد، وعقلي بيقولي أصبر وشوف العروسة مين.

كل حاجة جوايا اتجمدت وقت ما قالت اسمك بعد ما سألتها مين العروسة. لحظة الدنيا لفت بيا. بس السنين اللي فاتت علمتني القسوة والجحود. قلبي بقى مكانه حجر. فوقت بسرعة وعملت نفسي معترض وكده، وكأن جوايا اتنين، واحد بيعترض، وواحد طاير من الفرحة. هههه حتى لما قعدت مع نفسي بقيت بقنع نفسي بيكي وكأنك مش حبيبتي اللي شوفت ده كله عشانها وبسببها.

يوم كتب كتابنا مكنش المفروض ألمسك، بس كنت هموت لو ملمستكيش. كنت عايز قلبي يصدق إنه لقاكي يا ذهبي. ضعت وتوهت واتعذبت واتوجعت في بعدك، كنت عايز أصالح قلبي اللي مات من بعدك. كنت عايزه يحس بيكي وأنتِ بين إيديا، مراااتي، حلالي. الكل عارف إنك معايا. لما لمست شفايفك بس اطمنت إنك بجد، مش حلم مالي كنت ديما أحلمه بيكي ومعاكي. هههه اتصدمت لما اتهمتيني بالتحرش، بس قولت: "والله لو قولتي إني مغتصب مش متحرش بس مش هسيبك."

تاني يوم جيتلك ونطيت من البلكونة زي أي عيل مراهق، بس غصب عني. مش قادر أصدق إنك بقيتي ليا يا ذهبي. قلبي اللي كان ميت رجعت له الحياة تاني على إيدك. بقيت مش قادر أبعد عنك، مش متحمل اليومين اللي فاضلين على الفرح. كوب وجهها وأكمل بنبرة تقطر عشقًا: هموووت عليكي يا ذهبي. دهب، أين دهب الآن؟

عقلها الصغير لا يحتمل كل تلك الحقائق، وقلبها البريء لن يتحمل كل تلك المشاعر التي لم ولن تتخيلها في أقصى أحلامها. كره عماه في تلك اللحظة كثيرًا، كان يتمنى أن يرى ملامحها وهو يعترف لها بكل ما يجيش داخل صدره. نطقت بهمس من بين بكائها: كل ده عشاني؟ كل ده عيشته بسببي؟ أنت قولتلي بحبك يا ذهبي. قبلها، قبلها، قبلها، بنهم، بجوع، بوجع، باشتياق. بتأكيد، وأخيرًا الكثييير من العشق. ثم فصلها وقال: مش لاقي كلام يوصف اللي حاسس بيه.

أمسك كفها واضعًا إياه فوق خافقه الذي كاد أن يقفز خارج صدره وقال بهدوء ينافي حربه الداخلية: حطي إيدك على قلبي، شوفي بيدق إزاي. هاين عليه يخرج من مكانه ويدخل جواكي، يمكن وقتها تقدري تحسي باللي شايله ليكي طول السنين دي كلها. وضع كفه

فوق صدرها هو الآخر وأكمل: كنت بتخيل إني هبقى عايز أسمع منك كلمة بحبك يا جواد، بس صدقيني لو قولتلك إن نبض قلبك وصلي أحلى من ميت كلمة حب. نفسك اللي بتحاولي تكتميه أحلى من أي أغنية ممكن أسمعها وأهدي لك كلامها. مال عليها برفق ثم ألصق شفتيه بخاصتها دون تقبيل وهو

يقول بهمس مليء بالمشاعر: بعشقك يا ذهبي، بموووت في التراب اللي بتمشي عليه. لا شوفت ولا هشوف ولا عايز أشوف غيرك. عايز أسمع منك كلمة واحدة، كلمة واحدة بس هتداوي كل جروحي ووجعي في بعدك. سحب نفسها الخارج منها وأكمل بتمني: عايزاني يا دهب؟ لم تجب ولكن قلبها الذي تسارعت دقاته تحت يده أكثر أجاب عنها، ولكن هذا الجواد العاشق لم يكتفِ، يريد أن يسمعها من ثغرها قبل أن يلتهمه.

حينما طال صمتها قال برجاء: أنا مطلبتش منك تقولي بحبك، لأنها متطلبش، بس أسمع منك كلمة عايزك. قولي إنك عايزاني يا دهب وأنا ههد الدنيا عشان خاطرك، هكون ليكي أكتر ما كنت، وهعوضك عن أي حاجة وحشة شوفتيها وأنا بعيد عنك. ريحي قلبي، يا بنت قلبي. همست له وهي تلامس شفاه: بتمناك، يا جواد. آه، هكذا تأوه بفرح، بعشق، بوجع.

بدموع حبيسة تأبى الظهور، لن يقبلها، لن يلمسها اليوم. اليوم فقط حبيبته ستسكن أحضانه، يبثها الأمان الذي تحتاجه، يؤكد لها وجوده مجددًا في حياتها، يطمئنها ويدفيها بحنانه. وبعد ذلك يعلمها فنون عشق الجواد وينهال منها كل ما حرمه على حاله طيلة سبع سنوات عجاف. أبعد وجهه عنها ثم ضمها برقة قاسية، ملس على شعرها وهو يقول بأجمل ابتسامة ظهرت يومًا على محياه: شعرك طول يا ديبو.

ابتسمت وهزت رأسها له. ظلت تسحب رائحته مع تنفسها وكأنها مدمنة وها قد وجدت جرعتها. أما هو فقد انفصل عن العالم أجمع في تلك اللحظة الحالمة. صمتت الألسنة ولكن للقلوب رأي آخر.

بالأسفل كان الوضع مغاير تمامًا. فقد كانت تلك الجاحدة تزرع الأرض ذهابًا وإيابًا وهي تكاد تجن. لا هي استطاعت أن تأخذ ابنتها وترحل، ولا هي قادرة على الاتصال بزوجها الذي تأخر كثيرًا نظرًا لهاتفها المغلق ولم يتم شحنه حتى الآن، والكل يجلس بسكون بعد أن حاولوا معها كثيرًا ولم تستمع لأحد.

أما إيمان، فكانت تجلس وكأن أسفلها جمر من نار وهي تنظر لتلك الحقيرة وهي تتخيل أنها تفصل عنقها عن جسدها. تذكرت كيف حرمتها من ولدها الغالي لمدة عام لم تره فيه. كيف مدت يدها عليه لأول مرة في حياتها. لن تنسى نظرته لها قبل أن يفقد وعيه إلى الآن، ولن تنساها إلى الممات. شردت فيما حدث يومها وما جعلها تفعل ذلك. فلاش باااااااك

وقفت إيمان تتابع العاملات وهن يرتبن السرايا بعد خروج الرجال إلى عملهم بقلب منقبض بعدما اكتشفت صباحًا أن جواد لم يبيت في جناحه الليلة الماضية، وكل محاولاتها للوصول إليه باءت بالفشل بعدما حاولت الاتصال به وهاتفه مغلق. وجدت توحيدة تدخل عليها بوجهها المتجهم جعلها تنقبض أكثر. دون أن تلقي التحية كما اعتادت وقفت قبالتها وقالت: عايزاكي في كلمتين يا حاجة. إيمان: طب قولي صباح الخير الأول، مالك يا توحة؟

توحيدة: لو سمحتي مش عايزة أتكلم قدام حد. نظرت لها إيمان بذهول من أسلوبها الفظ وكأنها تنوي العراك. تقدمت تجاه غرفة المكتب وهي تقول بغضب مكتوم: تعالي يا أم دهب ندخل المكتب. بمجرد أن دلفا سويًا وأغلقت الباب خلفها وجدتها تقول بهجوم: لو جواااد مبعدش عن بنتي أنا هفضحوا ساااامعة. اشتعل رأس إيمان غضبًا وقالت بمدافعة: أنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي كده على ابني وفضيحة إيه اللي بتهددي بيها يا توحيدة؟

ردت بخبث غاضب وقد أتقنت دورها ببراعة وساعدها في تعزيز موقفها دموع التماسيح التي انهمرت كالشلال: ابنك كان هيغتصب دهب إمبارح بالليل يا حاااااجه. بهت وجه تلك المسكينة وقالت بتيه: أنتِ بتقولي إيه؟ استحالة.

توحيدة: أقسم لك بالله وحياااة بنتي اللي محلتيش غيرها إن ابنك كان هيضيعها، ده اللي حصل. كانت بتلعب في الجنينة ولما لقيتها اتأخرت طلعت أبص عليها لقيت ابنك قاطع فستانها ونازل فيها بوس، والبت مقطعة نفسها م العياط بس كان كاتم بوقها عشان محدش يسمعها. شهقت بقوة وجلست على أقرب مقعد وكأنها

لم تستطع الوقوف أكثر: جريت عليها عشان أخلصها منه، والحمد لله لحقته قبل ما، أنتِ فاهمة بقى. وبرغم إن أي واحدة مكاني كانت صوتت ولمت عليه الدنيا، بس أنا ربنا ألهمني الصبر وأول حاجة جات في بالي العشرة اللي بينا وأنتِ والحاج عبيد متستاهلوش الفضيحة دي. إيمان بصدمة: جواااد، مش ممكن ده، روحه فيها، استحالة. وقفت توحيدة وقالت قبل مغادرتها: هو ابنك بات في البيت انهارده يا حاجة مع إنه وصل إمبارح من قبل صلاة العشا؟

اعتبريها بنتك وخدي حقها، وأنا مش هجيب سيرة لمحمد وهقفل الموضوع نهائي بيني وبينك، بس بشرط جواد يقطع رجله من عندي ويبعد عن بنتي نهائي. فقط ألقت عليها نظرة أخيرة لترى تأثير ما فعلته عليها، ثم غادرت بهدوء ينافي الحريق الذي أشعلته توًا. توقف عقل إيمان عن العمل لعدم قدرتها على تخيل ما حدث. اشتعلت غضبًا وقد غفلت عن أن ولدها تربية يدها لا يفعلها أبدًا. سحبت الهاتف من جيبها وطلبت رقم فارس وحينما

رد عليها قالت بغضب جم: جوااااد فين؟ فارس: في إيه يا ماما؟ إيمان بأمر: تقب وتغطس وتجيبهولي من تحت الأرض سااااامع، أنا هستناكم في جناحه يلااااا.

أغلقت الهاتف في وجه ابنها وصعدت إلى الأعلى تنتظره على أحر من الجمر. أما فارس فشعر أن الأمر جلل فتحرك فورًا تجاه مكان أخيه الخاص فهو طالما مختفٍ إذا فهو هناك، وقد صدق حدسه. وجد أخيه ممددًا فوق الأرض يغط في نوم عميق ولكن بحالة مزرية. أفاقه سريعًا ودون أن يسأل عن تلك الحالة من كثرة رنين هاتفه برقم أمه. أما جواد فكان رأسه يدور مما جعله يتحرك معه دون ممانعة. بمجرد أن دخل جناحه هو وأخيه وجد أمه تصفعه على وجنته بقوة لأول

مرة وهي تصرخ به بجنون: كنت هتغتصب عيلة يا حقييييير؟ هي دي آخرة تربـ... قبل أن تكمل وجدت والدها يقع أرضًا فاقد الوعي. صرخت بجزع وحمله فارس فوق كتفه بخوف وأخذه إلى أقرب مشفى. وبعدما ظهر التحليل الذي صمم على إجرائه، لم يعاتب أمه ولم يدافع عن نفسه، بل ظل يومان محجوزًا داخل المشفى وبعدها سافر دون أن يودع أحدًا. ولكنه قص لأخيه ما حدث.

وما شفى غليلها قليلًا هو فارس ومصطفى فقد افتعلا شجارًا مع ذلك الحقير وقاموا بضربه ضربًا مبرحًا حتى كسر ساقه دون التطرق لما فعله بناءً على رغبة جواد قبيل سفره. ومن بعدها تفاجأت أن توحيدة تتعامل معها بطريقة طبيعية وكأن شيئًا لم يحدث. بااااااااك فاقت من شرودها على رنين هاتف هدى وما كان غير جواد يقول لها: هدى هاتيلي فستان من عندك لدهب. تحكمت في صدمتها بصعوبة حتى لا تثير

غضب توحيدة أكثر ثم قالت: حاضر يا جواد ثواني وهكون عندك. توحيدة بجنون: عمل إاااايه في البت؟ أنتوووو حابسني هنااااا وهو زمانه اغتصبها. توحيييييييده، هكذا صرخت بها إيمان بعدما فاض بها الكيل. تصنمت مكانها تنتظر الآتي فهي تعلم تلك السيدة جيدًا إذا ما غضبت تحرق الأخضر واليابس. أكملت إيمان بتحذير قوي وكلمات ذات مغزى لن يفهمها غيرهم: كفاااايه لحد كده، أنتِ واثقة ومتأكدة إن عمره ما هيعملها حاجة. لو مش عشان خاطرها، نظرت داخل

عيناها بقوة وأكملت بمغزى: عشان ابني ميقدرش يخون أبوها اللي مأمنه عليها وعايز يفرح بشرفها يوم صبحيتها. اعقلي بقى واقفلي الكلام لحد هنا. الرجالة زمانها على وصول ومش عايزة حد يحس بحاجة ساااامعة. جلست مكانها ببهوت بعد ما وصلتها الرسالة المبطنة التي قصدتها بين حديثها الغامض. طرقت هدى الباب بخجل وانتظرت أن يأذن لها بالدخول.

أما هو فقد كان يجلس مع صغيرته كما كانا منذ فترة إلى أن شعر بهدوئها فقام بفتح هاتفه مرة أخرى ليطلب من زوجة أخيه أن تأتي لها بثياب بدل التي مزقها في لحظة جنون. حينما سمع طرق الباب قال: ثواني يا هدى. قبل رأس تلك المستكينة بأحضانه ثم قال برفق وهو يحملها ليجلسها بجانبه: ثواني حبيبي وراجعلك. تحرك نحو الباب وقام بفتحه، وبمجرد أن رأته هدى بجزعه العلوي عاري نظرت له بعتاب أخت فقال لها بهدوء حزين: محصلش حاجة.

هي تعرف أنه لا يكذب أبدًا فابتسمت له وقالت: لو احتجت أي حاجة رن عليا. فقط تركته بعدما أعطته ما بيدها وهبطت للأسفل سريعًا. أما هو فعاد إلى صغيرته التي تجلس باستكانة ولأول مرة لا يهمها ما حدث ولا ما سيحدث فيما بعد، فقد وقف عقلها عند اعتراف جوادها بما حدث وبما يكنه لها من مشاعر. أصبح عقلها فارغًا إلا من كلماته التي داوت جروح سنين عاشت فيهم مهمشة مع الكثير من الألم والوحدة القاتلة.

جلس على عقبيه أمامها ثم ترك ما بيده ليمسك كفها ويقبله برقة ويقول: غيري هدومك يا ديبو عشان عايز أتكلم معاكي شوية. أكمل بمزاح وقح: أنا آه صحيح أعمى بس إن أتخيل شكلك كده كفيل إني آكلك، وأنا الصراحة هموووت وأعملها. صرخت به بخجل كعادتها: جوااااااد.

جواد، مجددًا، وبتلك الطريقة المغوية. جوادك ليس براهب صغيرتي. هكذا حدث حاله قبل أن يمد يده ليحتضنها ويهديها قبلة راغبة في كل إنش فيها. أما يده فقد عرفت طريقها إلى نهديها الظاهران بسخاء بعدما شق ثيابها. لم تعترض ولم تخاف، بل تركت مشاعرها تتحرك بحرية معه وكأنها ريشة في مهب ريح عشقه التي حولت قلبها لقارب بشراع يتحرك مع ريحه كيفما شاء، ولا يهم إلى أي شاطئ سترسي عليه طالما هو معها لن يهمها شيء ولن تشغل بالها بأي شخص في الكون. هو فقط من يستحق اهتمامها، بعدما أهداها اهتمامه طيلة عمرها حتى في غيابه.

قد اكتشفت الآن سر زيارات دلال المتكررة لها واستغلال ذهاب أمها لتحضر لها الضيافة حتى تسألها سريعًا عن حالها أو تعطيها أسطوانة عليها مجموعة أغاني لمطربتها المفضلة. كل هذا من تخطيطه هو.

عادت إلى أرض واقعها الذي أصبح وردي، كما تعتقد، على يده التي تتحسس أنوثتها برغبة جامحة وهو يوزع قبلاته المحمومة فوق جيدها ومقدمة صدرها. شعرت بالإثارة وتنفسها بدأ يعلو إلى أن وجدته يقف أمامها ويميل عليها ليرفعها من خصرها لافًا ساقيها حول خاصته ثم تحرك بها تجاه الحائط ليسندها عليه. تاه عقله وغفل عن الوقت الذي يمر بهم والجميع في انتظاره. قلبه يشتاقها، يحتاجها، يريدها حد الجنون. ولكن، جواد، تعقل قليلًا، ليس اليوم. اليوم خصيصًا لا يجب عليك لمسها بعد كل تلك الاعترافات، اجعلها تتذكر أحضانك الحانية فقط بعد اعترافك لها، ليس وقت الجنس أو الرغبة الآن، لا يجب أن تفعلها الآن. أفيق أيها الأحمق.

ابتعد فجأة بعد صراخ عقله بتلك التنبيهات الهامة. أسند جبهته على خاصتها وهو يتنفس بلهاث. تحدث بصعوبة وبصوت متحشرج: بحبك يا ذهبي، وعايزك أوووي. بس مش دلوقت ومش انهارده. عايز كل اللي تفتكريه في اليوم ده، كلمة بحبك اللي خرجت من قلبي، ورجوعك لحضني. حصن أمانك رجعلك يا دهب. لفت ذراعيها حول عنقه ودفنت رأسها في تجويفه ثم قالت: في كل الأحوال مش بفتكرلك غير الحلو، يا جواد. داخلها أضافت ياء الملكية فأصبح: جوادي.

ضمها بحب وتحرك بها تجاه المرحاض ثم أنزلها وقال: طب يلا حبيبي اغسلي وشك وغيري هدومك وأنا هلبس عشان ننزل. أمسكت ذراعه بخوف فقبل رأسها وقال بثقة: اطمني، طول ما أنتِ معايا محدش هيقدر يعملك حاجة. ثقي فيا يا ذهبي، أنا هاحميكي من الدنيا، حتى من أمك وأبوكي. شعرت بالطمأنينة تحتل كيانها فابتسمت له وقالت: أنا بثق فيك. أعقبت قولها بالتحرك تجاه وشاحها الملقى أرضًا ثم أخذت الثوب الجديد ودلفت المرحاض دون حديث.

أما هو فزفر بارتياح لم يشعر به منذ سنين ودلف إلى غرفة ثيابه ليرتدي قميص جديد بدلًا عن الذي مزقه وقام بمهاتفة والده ليخبره أنه قد حان الوقت لعودته مع وعد أن يقص له سبب كل هذا.

هبط بها فوق الدرج وهو يشد على خصرها الذي يحاوطه بمنتهى التملك وجميع العيون مسلطة عليه، وتلك المتجبرة تنظر له بكره وغل لا تقوى على إخراجهما بعد كلمات أمه التي فهمتها جيدًا. الآن يجب عليها التصرف بحكمة وتنحني لتلك الرياح العاتية حتى تمر. فإذا ما فكرت أن تضغط على جواد أكثر ستجبر أمه على فتح دفاتر الماضي والتي إذا فتحت ستدمر الجميع. حسنًا، اصمتي قليلًا وسياتي الوقت الذي تستطيعي محو هذا الجواد من على وجه الأرض. أما تلك الطفلة هي تعلم جيدًا ماذا ستفعل معها. صبرًا.

روان بمزاح لتلطيف الأجواء: متنا من الجوع يا عم جواد حتى الرجالة اتأخروا انهارده. قبل أن يجيبها وجد توحيدة تقول بجمود: فين تليفوني يا ست دهب؟ أكيد مكنتيش فاضية تشحنيه. دهب بخوف: الفون في شنطتي يا ماما أهيه جنبك أصلًا مخدتهاش معايا. جزت على أسنانها وقالت: أكيد أبوكي وخالتك قلقانين دلوقت. جواد: تعالي يا حبيبتي اقعدي على ما الأكل يجهز وعلميلي على الحاجات اللي عجبتك عشان أبعت أجيبها الصبح خلاص مفيش وقت.

نظر له الجميع بذهول، عن أي أشياء يتحدث بعد كل ما حدث، من حبيبة، يا الله. لم تستطع تمالك حالها فصرخت به بغل: ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...