اليوم ستتحرر من قفصها الذي حُبست فيه طيلة سبع سنوات، لم يكن قفصًا من ذهب كما يقولون، بل كان مصنوعًا من حديد صدئ. حُبست بإرادتها ورغمًا عنها في ذات الوقت، عاشت داخله وهي تحاول كتم أنفاسها لأطول وقت حتى لا تستنشق رائحة صدئه العفن. اليوم سيدخل رئتيها هواء نقي، سترى نور الشمس الذي نسيت لونه وسط تلك الظلمات التي عاشت بها. ولكن تساءلت داخلها: هل أستطيع الطيران بعد أن قُطع جناحاي؟
لا يهم حتى لو عشت معاقة لا أستطيع حتى التحرك، يكفي أنني حررت نفسي من ذلك الجحيم. كانت تلك كلمات جيهان التي دارت بداخل عقلها وهي في انتظار حضور أحمد ليتمم إجراءات الطلاق كما أجبره جواد، جواد الذي فعل معها ما لم يفعله أهلها. جواد الذي كان لها نعم الأخ والسند طوال الشهر المنصرم، فقد رفض رفضًا قاطعًا أن يرضخ لمطالب عمه عباس وأحمد أن يعيدها كي تحضر حفل زفاف زوجها.
رغم صعوبة الموقف إلا أنها كانت تشعر بسلام نفسي لم تشعر به من قبل، لمجرد ابتعادها فقط عن محيط ذلك النذل. صغيرتها أيضًا أعجبها المكان وارتاحت فيه رغم عدم خروجها منه إلا مرتين فقط، إلا أنها كانت تشعر حقًا أنها حرة لأول مرة، لم تتخيل أن مجرد ابتعادها عن تلك القرية التي عانت داخلها ويلات العذاب سيشعرها بكل تلك السعادة. فلاش باك
_كانت تنظر من الأعلى وهي متخفية خلف أحد الأعمدة إلى حبيبها بفخر وشعور غامر بالسعادة وهو يقف بكل هيبة وشموخ والكثير من التجبر أمام أحمد وأبيه حينما حضروا لاسترجاع جيهان والفتيات بعد أسبوعين من الزفاف، كانت تجاورها جيهان التي يأكلها الرعب منذ مجيئهم. جلس الرجال الثلاثة معًا في صالة الاستقبال وبدأ عباس الحديث قائلًا بمهادنة: أخبارك إيه يا ابن أخويا والعيال عاملين إيه؟
وحشونا والله قلت أجي أطل عليهم ما دام استحلّيتوا القعدة عندها. قبل أن يرد عليه كان أحمد يقول برعونة: لاااااا جايين ناخد مراتى وبناتي اللي بقالهم أكتر من عشرين يوم ولا شفتهم ولا أعرف عنهم حاجة، أنت قلت هتقعد يومين لحد ما الفرح يعدي وأهو بقالكم ثلاث أسابيع، إيه بقى؟ جواد ببرود جعلهم يصدمون: بس هي مش هترجع تاني يا ابن عمي. نظروا له بذهول، حاول أحمد التحكم في أعصابه وهو يقول: معناته إيه الكلام ده وبأي حق تحكم على مراتي؟
أنت مالك ومالنا؟ جواد: هي اعتبرتني أخوها ولجأت لي عشان أطلقها منك، وأنا عمري ما أرد حد محتاج لي أبدًا وأنت عارف. عباس بمحايلة: يا ابني هي ولا آخر واحدة ولا أول واحدة جوزها يتجوز عليها، وبعدين حقه يخلف ولد يشيل اسمه، بدل ما تعقلها بتقويها عليه. كان أحمد يعلم بمجيء سليمان إلى هنا عدة مرات من رجاله الذين يقفون لمراقبة المنزل، وقد جن جنونه هو لا يريدها ولكنه لن يتركها له مهما كان الثمن. أحمد بغضب:
لا لا لا أنا عارف اللي فيها، أنت مخطط لكل ده عشان خاطر صاحبك اللي كل يوم والتاني هنا، اخص على الرجولة. هل يصمت؟ لا والله، انتفض من مجلسه وتقدم تجاه الصوت وفي لحظة كان يمسكه من تلابيبه ويكيل له عدة لكمات موجعة، إلى أن نجح عباس في تخليص ولده من بين يديه والذي كان عاجزًا تمامًا عن الدفاع عن نفسه. عباس بصوت عالٍ: عيب عليكم أنتم الاثنين، اعملوا لي اعتبار، هتمسكوا في خناق بعض. جواد بصراخ:
قوووول لابنك يعرف هو بيقول إيه بعدين لومني، هو فاكرني # لا إيه، كلكم عارفني كويس، ومراته اللي عايز يخوض في شرفها دي ما تستاهلش ضوفرها حتى. سليمان جاء لي مرتين عشان أمضي ورق مهم محتاجه يطلع بيه على المينا الفجر، أنا مش محتاج أبرر اللي بيحصل في بيتي، بس عشان خاطرها هي أنا قلت... صمت للحظة وأكمل بخبث: وبعدين أنت إيش عرفك، أنت بتراقبنا ولا إيه؟ زاغ ببصره ونظر لأبيه كي ينقذه من تلك الورطة التي وضع حاله
فيها فقال عباس بتلجلج: آآآه ده واحد صاحبه هو اللي شاف سليمان وقاله، كلام عادي يعني ما يقصدش يوصل أخبار. جواد بلؤم: صاحبه... في المرتين كان معدي صدفة. أحمد: لا هو قال لي مرة بس وأنا اللي توقعت إنه بيجي على طول، ما علينا حقك عليا بس أنا راجل وبغير على أهل بيتي وأنت عارف إنه كان عايزها من زمان لما عرفت إنه جاء هنا اتجننت. جواد:
لا اطمن هي قاعدة في بيت راجل، أنت عارف إن أهل بيتي مش بيتشفوا على أي حد مهما كانت صلتي بيه، يعني لا شافها ولا شافته ولا يعرف بوجودها هنا من الأساس. عباس: طب يا ابني انده عليها تقعد مع جوزها يتفاهموا سوى يمكن ربنا يصلح الحال. وقف جواد وقال: تمام... بس اللي عايزاه هو اللي هيحصل أيًا كان قرارها. صعد للأعلى وجدهما متصنمتين مكانهما إذ كان من المفترض أن يختفيا بالداخل، قال لهما بغيظ: طب اهربوا...
اعملوا أي حاجة بدل الوقفة السودة دي ولا عشان أعمى اعتمدتوا أني مش هعرف بوقفتكم دي... ناسيين إني بسمع النفس اللي طالع منكم. دهب بتسرع: ما أنا كنت بتصنت ولما لقيتك طالع خفت وما عرفتش أهرب. نظرت لها جيجي بغيظ وقالت: ما شاء الله عليكي... ربنا يخليكي لينا يا دودو وتفضحنيا ديما كده. جواد: المهم أنتي سمعتي اللي حصل وهتنزلي معايا دلوقت. متخافيش، صممي على قرارك وأنا في ضهرك. جيجي بارتعاش: بس أنا خايفة يجبرني أرجع.
جواد: أنتي هبلة يا بت؟ مش لسه بقولك متخافيش؟ أنتي في بيت جواد التهامي وحمايته، افهمي كده. دهب بفرحة: أنتي مش شوفتي ضربه إزاي وأنا كنت هصقفله بس أنتي مسكتي أيدي، يبقى إزاي تخافي بقى؟ التف لها وقال بغيظ مازح: حبيبي ما شاء الله عليه.. تصقفيلي.. حقيقي ربنا يخليكي لي. التف لجيهان وقال: يلا عشان نخلص من القرف ده.
دلفا اثنتيهما، وجدت أحمد ينظر لها بغل وتهديد معتمدًا على عدم رؤية جواد له.. أخفضت عيناها أرضًا وكل خلية بداخلها ترتجف. عباس بطيبة زائفة: تعالي يا بنتي اقعدي مع جوزك ربنا يصلح حالكم، وأنا هطلع بره مع جواد. هنا وجدت عقلها يجبر لسانها على الصراخ وهي تقول: لااااااااا مش هقعد معاه لوحدي... مفيش حاجة ممكن تتقال بينا تخليني أرجع عن قراري. أحمد بتهديد مبطن فهمت معناه: ويا ترى أبوكي عارف بقرارك ده ولا هيتفاجئ؟
فهمت ما يعنيه ولكنها قررت أن تنتزع الخوف من داخلها وتخرج ما كتمته طوال سنوات، نظرت له بقوة لأول مرة وقالت: آآآه لو قصدك عشان وصولات الأمانة اللي أنت ممضيّاني عليها عشان أفضل تحت رحمتك ولا أقدر أسيب لك البيت ولا أقدر أطلق، وإن كل ما أروح أشتكيله يرجعني ليك تاني بسببهم... أحب أقولك اسجنه... نظر لها بصدمة هو وأبيه فأكملت بقهر: آآآيوة هو مش أنا بنته... أنا بقولك اسجنه... مش هيفرق معايا...
أنا أصلاً عمري ما حسيت إنه أب لي... عمره ما كان سند لي... باعني ليك... ما همّهوش أنا عايزة إيه... هان عليه عذابي وقهرتي... هان عليه الذل اللي شايفك معيشاني فيه... اختار يبيعني أنااااااا عشان هما يعيشوا كويسين بفلوسك. شهقت بقوة وأكملت: فكر في نفسه... فكر في أخواتي... بس أناااااا ما كنتش من ضمن حساباته... حتى لما كنت بروح أزورهم... كان بيشوف عيني اللي بقت مطفية بعد ما كانت شقاوة الدنيا فيها ومش ببطل ضحك ولا هزار...
شاف روحي اللي ضاعت مني... شاف نفسي اللي بقت مكسورة بعد ما كنت عايشة وأنا حاسة إن مفيش مني اتنين ولا في حد أحسن مني. أبويااااااا باااااعني... سامعين... باعني عشان يعيش مرتاح هو وباقي أخواتي... مش مهم على حساب إيه.. ولا مين... عارفين أنا ما دعيتش عليه... بس بكيت لربنا وقلت له... أنت اللي شاهد وعارف عملوا فيا إيه... وأنا اتعذبت قد إيه... أنا مش عايزة حقي في الدنيا من اللي ظلموني.
هصبر وهتحمل عشان في الآخرة أشوفك هترجع حقي إزاي. أنا عايزة حقي في الآخرة عشان يبقى أشد وأقوى. حتى أمي... ههههههههه... أمي كان كل اللي هامها إنها تتفشخر بجوازة بنتها لواحد زيك... ما تعرفش إنك أذبل وأحقر إنسان ممكن حد يقابله... كاد أن ينهرها إلا أنها ضحكت بقوة أذهلته ثم أكملت... زعلان أوووي... تؤ تؤ تؤ... أخص عليا... كشرت عن أنيابها وقالت بصوت ميت فارق الحياة منذ سنين: أنت راجل صح؟ ...
طب هو في راجل يعرض مراته على صحابه؟ عباس بغضب: إيه الكلام ده أنتي اتجننتي يا بت؟ جيهان بجنون: لاااا ما اتجننتش... بعد ما كنت بلبس واسع ومحترم ابنك بقى يجيب لي فساتين ضيقة ما تتلبسش غير في أوضة النوم... عشان بس أحضر معاه فرح ولا حفلة... وهو داخل بيا بدل ما يحاوط عليا ويحميني من العيون اللي بتنهش لحمي اللي عراه... بقى يبص للي بيأكلني بعينيه وهو مبتسم كأنه بيقول له... بص أنا معايا إيه. إنسان مريض...
كل يوم مع واحدة زبالة شبهه... ولو اتكلمت ولا حاولت أعترض كان يضربني... كان بيربط بوقي بمنديل عشان ما صرخّش وتسمعوني... كان بيضرب كل حتة في جسمي إلا وشي. عشان محدش يعرف إنه ضربني... ولما أرقد في السرير من الوجع يقول لكم إني بتدلع... ولا يا حرام عشان هو راجل سبع ومفيش منه خلاني مش قادرة أتحرك. حاجات كتير استحملتها بس للأسف مش هقدر أقولها عشان مش بجحة زيه... عارفين... أنا ما ليش عيلة... ما ليش حد... أنا لوحدي...
نظرت لجواد بكل قوة رغم دموعها المنهمرة وشعورها بالانكسار يحرق دواخلها ثم قالت: بس أنا اعتبرتك أنت أخويا... وسندي اللي ما ليش غيره... أنا اتسندت عليك يا أخوياااااا... ما توقعنيش. وفقط... هرولت إلى الأعلى حتى وصلت مكان وقوف دهب التي التقطتها بين ذراعيها... وجدتها ترتعش بعنف فقالت ببكاء حزنًا عليها: اهدي... أنتي بتترعشي كده ليه... أنا خايفة. جيهان بهمس مرهق: متخافيش... ساعديني أدخل الأوضة... مش قادرة أمشي.
وقف جواد بكل جبروت وهو يغلي بداخله بعد ما سمعه من تلك التي اتخذته سندًا وهو أبدًا لن يخذلها... قال كلمته التي لن يسمح بالاعتراض عليها مهما كان الثمن: هطلقها... التف مكان وقوف عمه وأكمل: لو مش عايز تعاديني يا عمي وتخسر شغلك معايا... خلي ابنك يطلقها من غير مشاكل. أحمد بجنون: عايز تفصل شغل العيلة عشان خاطر بنت الكلب دي؟ جواد بهدوء خطر: لو محتاج لسانك يتقطع... اغلط فيها تاني...
اتفضلوا بقى عشان عندي شغل وهستنى ردك عليا... يا عمي. تحركا للخارج بعد طردهم الصريح ولم يقو أحد منهما على التفوه بحرف. وصلا القرية واتجها إلى بيت أبو جيهان وحينما فتح لهم هجم أحمد عليه بغل وقال: عارف يا ابن الكلب أنت لو مرجعتش بنتك الـ#### النهاردة بكرة هتكون في الحبس. ارتعب الرجل وقال: في إيه بس يا ابني وأرجعها منين فهمني بالراحة.
عباس: أنت عارف إنها قاعدة في مصر من قبل الفرح عند الزفت جواد وكل ده مش راضي يرجعها، رحنا النهاردة عشان نجيبها هي والبنات قال لنا عايزة تطلق.. ووقفت بهدلتنا ما خلتناش قادرين ننطق وطبعًا متحامية في اللي قوي قلبها. أبيها بخوف: يعني أنتم ما قدرتوش عليه عايزين تصدروني أنا في وش المدفع... أنا مش قد جواد التهامي يا خلق. أحمد: اسمعني كويس عشان ما أطلعش ميتين أهلك...
أنت هتسافر الصبح مع السواق بتاعي هيوصلك لهناك تقول له أنت أولى ببتك واللي عايزاه هعمله بس عيب ما تقعدش في بيت أبوها... تعمل قرد المهم ما ترجعش من غيرها وإلا قسمًا بالله لأكون قاتلك مش حابسك بس... وأنت عارفني... ساااااامع. ففي اليوم التالي ذهب إليهم رغماً عنه وقلبه يرتجف رعبًا من مواجهة ذلك المتجبر ولكنه وضع بين المطرقة والسندان... ماذا يفعل؟
جلس معه محاولًا إقناعه بعودتها معه ممثلاً دور الأب الحنون والذي يخاف على ابنته من كلام الناس عليها وألقى بوعود كثيرة أنه سيقف بجوارها مهما كان الثمن. تركه يدلي بدلوه وحينما انتهى وقف من مجلسه واضعًا يده داخل جيبه ثم قال: خلصت... شايف الباب ده... أشار تجاه باب الخروج ثم أكمل: تطلع منه حالًا... ارجع للي بعتك وقول له جواد هيسيب لك فرصة أسبوع لو ما كنتش عنده أنت والمأذون تاني يوم اعتبر نفسك أنت وأبوك بره المصنع...
وأنت يا راجل يا مهزأ أنت يا اللي بايع لحمك... انسى إنك ليك بنت اسمها جيهان ما تفكرش حتى تقول اسمها بينك وبين نفسك... سااااامع. انتفض الرجل بفزع من صراخه وهرول إلى الخارج حتى ينجو بحياته من ذلك القاسي والذي يعلم علم اليقين أنه أشد خطرًا عليه من أحمد. باااااااااك. _دهب: مالك يا جيجي مسهمة كده ليه؟ مش المفروض تبقي فرحانة إنك هتخلصي منه... ولا ندمتي على قرارك ده؟ نظرت لها بعين عاد بريقها
بعدما غمرها الأمل وقالت: أنتي هبلة يا دودو؟ أندم إيه يا بنتي؟ أشحال ما كنتي شايفة كل حاجة... أنا بس كل الحكاية إني حاسة جوايا بهدوء غريب... خايفة أفرح... خايفة أصدق إن خلاص كلها أقل من ساعة وهتحرر من العبودية... النهاردة هتعتق من العبودية يا دودو... هخرج من سوق الجواري اللي اتبعت فيه برخص التراب فهماني؟ ابتسمت دهب بود وقالت: فاهماكي وحاسة بيكي والله...
إذا كان أنا بمجرد ما سيبت البلد وجيت هنا وأنا حسيت إني اتحررت من سجن عشت فيه عمري كله فما بالك أنتي... نظرت لها بخبث وأكملت: يلااا أهو تخلصي منه عشان حبيب القلب يرتاح باله بقى ويبطل ينطل لنا كل شوية ده جواد هيتجنن منه... ههههههه فاكرة لما لبس هدوم عامل توصيل وجابلنا بيتزا عشان الناس اللي تبع الزفت ده ما تشوفهوش... ههههههه وبناتك يا عيني لما استغربوا شكله ضحك عليهم وقال لهم دي لعبة جديدة هلعبها معاكم وصدقوه. ضربتها
بالوسادة وقالت بغيظ: اتلمي هااااا وبعدين خلاص خليتيه حبيب القلب... هو أنا قعدت معاه غير مرة يا جزمة؟ دهب: يا هبلة ما هو الواد بيتقرب من بناتك اللي بقوا يحبوه أكتر من أبوهم ليه؟ مش عشان يكسبك... أنتي عارفة إني احترمته جدًا... كان بيجي عشانهم وما طلبش من جواد إنه يشوفك ولا يكلمك... كل همه البنات يقربهم ليه ويخليهم يتقبلوه.
تنهدت جيهان بهم وقالت: عارفة والله يا دودو وهما كمان اتعلقوا بيه جدًا لدرجة إن ريتاج بتقول لي ياريته كان هو بابا... بناتي ما شافوش الحنية دي كلها ولا الاهتمام غير منه... بس أنا خايفة ومشوشة... مش عايزة أعيد تجربة الجواز دي تاني. دهب بغضب طفيف: لا بجد أصلاً أصلاً تبقي مجنونة لو رفضتيه... ده بيموت فيكي يا بنتي وعلى حسب اللي سمعته إنه كان بيحبك من زمان وما قدرش ينساكي ولا يتجوز غيرك...
اسمعي مني ربنا بيطبطب على قلبك بيه وبيراضيكي ويجبرك بعد كل اللي شوفتيه... ما ترفضيش النعمة بإيديكي. انتهت إجراءات الطلاق بحضور فارس وجواد والمحامي الخاص به والذي استغرب أحمد وجوده ولكنه لم يعلق إلا حينما وقع على وثيقة الطلاق وجده يخرج ورقة من حقيبته ويمدها له وحينما سأله ما بها قال جواد بحزم: ده تنازل منك عن حضانة البنات عشان ما تفكرش تقرفها ولا تاخدهم حجة تلوي ذراعها بيهم. انتفض
أحمد من مجلسه وقال بغل: أنت كماااان عايز تحرمني من بناتي... ده بعدك... مش ماضي على حاجة. نطق جواد اسم المحامي ففهم ما يريده فورًا... أخرج بعض الأوراق الأخرى من الحقيبة ومدها لعباس والذي ما إن قرأ محتواها انتفض هو الآخر وقال بجنون: ليييييه كده يا ابن أخويا ما هو طلقها زي ما طلبت مجهز عقود فض الشراكة ليه؟
فارس بغيظ: ما تخلص بقى يا عمي أنت وابنك هو كده كده اتجوز وأنت عارف ابنك واطي هياخد البنات كوبري عشان يجبرها ترجع له لأنه عارف إن ما لهاش حد يوقف له... اخلص بقى أنت وابنك خليها تشوف حالها بعيد عنكم... أظن إنك يا أحمد ما كنتش بتشوفهم غير صدفة يعني مش فارقين معاك من أساسه. ذهب الجميع... ظلت تنظر إلى الورقتين بذهول وعيناها تهطل منها أنهارًا... ورقة طلاقها... طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه... ورقة تنازله عن ابنتيها...
ماذا تفعل... تصرخ... ترقص؟ بماذا تعبر عن تلك الفرحة التي لا تتحملها؟ وقفت دهب جانبها ثم حاوطت كتفها بذراعها وربتت عليها وهي تقول: افرحي وبلاش دموع ربنا خلصك منه... وكمان جواد طلع عينه وأخد منه كل حقوقك أنتي والبنات يعني طلعتي كسبانة نفسك وبناتك وحقكم كمان. كادت أن تكمل إلا أن جوادها الهمجي سحبها من ذراعها ليبعدها عنها بغيظ وهو يقول: واسيها من بعيد يا قطة مش لازم تلزيق.
نظرت له بذهول وقالت: عايز تزعل براحتك بس هموت لو ما عرفتش... عرفت إزاي إني لازقة فيها؟ كعادته رده حاضر دائمًا قال ببساطة: سمعت صوت طبطبتك عليها عادي يعني. ستجن حقًا ستجن... قالت بغيظ: طب والله أنا حاسة إنك بتشوف وبتستعبط يا جواااااد. مثل الحزن ببراعة وقال: تمام يا دهب... بس كل ما تقتنعي إن جوزك أعمى هيكون أريح لينا احنا الاتنين ولا زهقتي؟ أعقب قوله بالتحرك للأعلى فورًا وعلى وجهه أخبث ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا.
أما تلك البريئة دمعت عيناها وقالت بحزن: والله ما أقصدش أنا كنت بهزر. جيهان بتعقل: اطلعي راضيه أنتي عارفة الموضوع ده حساس بالنسبة له، بعدين كلنا كنا مستغربين تصرفاته في الأول عشان ما حسيناش إنه مش بيشوف وكده... بس مع الوقت اتعودنا خلاص. صعدت إليه ودموعها منهمرة ندمًا على ما تفوهت به... وجدته يجلس فوق الأريكة وبيده سيجارة يدخنها ووجهه متجهم للغاية... اقتربت منه وقالت وهي تقف أمامه مثل الطفل المذنب: أنا آسفة...
أصلاً أصلاً ما أقصدش والله بجد. كاد يبتسم على هيئتها القابلة للالتهام ولكنه تحكم في حاله بصعوبة ولم يرد عليها كي يرى ردة فعلها. وقفت للحظات وحينما يئست منه شجعت حالها وتقدمت لتجلس فوق ساقيه. ملست على لحيته النامية وقالت بهمس مغوٍ لم تقصده: جوااااد. أبوووس أيدك بلاش جواد دي دلوقت... كده هنهار... هكذا قال داخله ولكنها لم ترحمه إذ حركت أناملها الرقيقة فوق وجهه وهي تقول: جوادي... حقك عليا... أنا كنت بهزر معاك...
يعني أنا لي مين غيرك أتكلم معاه براحتي. لن يصمد... والله حاول الصمود... ولكن تلك البراءة والدلال... والعشق الذي يصرخ داخل عيناها يجبره على الانهيار. مال عليها بهدوء ليلامس شفتيها بخاصته وهو يقول: صالحيني عشان زعلان. همست له دون أن تبتعد وعيناها تلمع بشقاوة اعتادت عليها في الفترة المنصرمة: قول لي أصالحك إزاي وأنا مستعدة أعمل اللي نفسك فيه بس ارضى عني.
كاد أن يرد عليها بوقاحة بعد أن وصل لمبتغاه إلا أن قرعًا فوق الباب أوقفه... زفر بحنق وقال: مين؟ رد عليه الصبي من الخارج بصوت حزين وقال: أنا محمود يا عمو... ممكن أكلمك؟ شعر أن ابن قلبه به خطب ما... قبلها بسطحية وقال: هشوفه وأجيلك يا حبيبي. وقف قبالة الطفل وقال بحنو: مالك يا حبيب عمك في حاجة حصلت؟ محمود بحزن: ماما كلمتني وزعقت لي عشان أرجع البلد. جز جواد على نواجزه غيظًا ثم قال: هي كلمتك... قالت لك إيه؟
محمود: قالت لي... أنت خلاص نسيت تار أبوك وأنت عيل أهبل... اللي قتل أبوك ضحك عليك... وقالت لي إنها جاية مصر تزور تيتا وأهلها وهتعدي عليا عشان تاخدني معاها... صمت للحظة وأكمل بانكسار: وأنا مش عايز أروح معاها يا عمو... ما تخليهاش تاخدني... أنا بقيت أخاف منها بعد ما شوفتها وهي بتحط حاجة لطنط دهب زي ما قلت لك... وقتها عرفت إنها كانت بتكدب عليا وهي اللي بتأذيكم مش العكس... بكى...
طفل اكتشف حقارة أمه فلم يتحكم في دموعه وبكى بقهر. ولكن حضن أبيه الروحي الذي رباه كان دومًا ملاذه الوحيد ليشعر بالأمان الذي حرم منه طوال سنواته الثماني... لم يجده لا في أب... ولا في أم. ضمه بقوة وقال: ابن جواد ما يخافش من حد أبداً... أنا معاك وعمري ما هسمح لحد يؤذيك حتى لو كانت أمك... فاهم... أبعده قليلًا وأكمل: مش أنت بتثق فيا؟ محمود بتأكيد: جدًا يا عمو.
جواد: وأنا بثق فيك وبعتبرك راجل بدليل إن بعد ما اتكلمنا وأنت حكيت لي على اللي شوفته أنا خليتك تحمي بنتي صح... وكمان ما قلتش لأي حد على السر ده... يبقى أنا بعتبرك راجل... ومفيش راجل بيخاف. اسمعني كويس يا ابن قلبي... في ناس بتتولد يتيمة وفي ناس أهلها بيبقوا وحشين... ده مش سبب أبدًا إنك تطلع وحش زيهم... أو تطلع صايع عشان يتيم... الإنسان اللي بيعمل نفسه يا حبيبي...
لو أنت من جواك عايز تبقى كويس لو عايش في وسط مجرمين مش هتبقى زيهم... ولا عايز تطلع وحش لو عايش في جامع هتبقى وحش بردو. أنت ربنا اختار باباك الله يرحمه... مامتك جواها مش حلو أو بتكره الناس... بس قصاد ده عندك أنا اللي اعتبرتك ابني وصاحبي من يوم ما اتولدت... جدك وستك اللي بيموتوا فيك واستحملوا اللي أمك بتعمله عشان خاطرك... يبقى أنت تبص لكل الناس اللي بتحبك وأنت بتحبهم وتطلع زيهم...
عارف إنه صعب شوية عشان مهما كان دي أمك... بس كل ما تكبر هتلاقي نفسك بتميل للصالح عشان أنت جواك كويس وأصلك طيب. شرد بعيدًا وأكمل وهو بداخله نية لتأهيله لما هو قادم: أنت هتكبر معايا وفي حضني... حضن أبوك اللي رباك وعايزك تبقى صاحبه وسنده لما يكبر... اللي عايزك تبقى أخو عيالي بأمر الله وتعلمهم اللي علمتهولك وتبقى راجلهم... توعدني إن مهما حصل هتفضل ابني اللي ربيته ووثقت فيه... وإنك مش هتخلي حاجة تأثر عليك مهما كانت.
ارتمى الطفل داخل صدر عمه وقال برجولة تعلمها منه: أوعدك... أوعدك يا عمو وهبقى راجل ومش هخلف وعدي أبدًا. ضمه جواد بقوة حانية وقال: بابا... قول لي بابا يا حبيبي... لو حاسسها من جواك قولها. ابتسم الطفل بفرحة عارمة وضمه أكثر وهو يقول: بابا... كان نفسي أقولها لك من زمان بس كنت مكسوف... أنت أحلى بابا في الدنيا... ربنا يخليك لي... يا بابا. مرت سيارة فخمة داخل إحدى الحارات الشعبية والتي اعتاد ساكنيها على رؤيتها كل فترة...
فمن لا يعرف فاطمة... ابنة تلك المرأة الطيبة والتي لا تشبهها نهائيًا... في ليلة وضحاها تفاجئوا بزواجها من فريد التهامي... ذلك الثري الذي انتشلها من بين أنياب الفقر... برغم رفض أمها إلا أنها أصرت على ذلك وتزوجته رغماً عنها. فتح لها السائق الباب كما اعتاد وهبطت بكل غرور من السيارة الفارهة وبداخلها تشعر بانتشاء حينما رأت نظرات الانبهار داخل عيون المارة... كما يحدث دائمًا في كل مرة تأتي لزيارة أمها...
برغم أن الأخيرة لا تريدها إلا أنها لها غرضًا من ذلك. وصلت إلى سطح البناية المتهالكة بأنفاس لاهثة وهي تشعر بالضجر من تلك الحقارة المحيطة بها... فقد اعتادت على حياة الرفاهية ونسيت أنها ولدت وعاشت هنا. فاطمة: إزيك يا أما؟ لسه بردو قاعدة جنب عشة الفراخ عشان تلمي البيض وتبيعيه؟ أنتي ليه مصممة تصغريني قصاد الناس هااااا... عايزاهم يقولوا إني جاحدة... عايشة في العز وسايبة أهلي مش لاقيين ياكلوا...
طب أنا ومش راضية تاخدي مني حاجة... طب شيكا ابنك ليه رافضة إنه يصرف عليكي ويريحك من القرف اللي أنتي فيه ده؟ نظرت لها الأم والتي تدعى سهير بقهر وقالت: أنا ما بدخلش جوفي لقمة حرام... وإذا كانت الحية اللي ربنا ينتقم منها سحبتك أنتي وأبوكي وأخوكي لسكتها... أنا عمري ما هكون معاكم أبدًا سامعة... ولو مستعرية مني تقدري ما تجيش هنا تاني واعتبري إن أمك ماتت زي أبوكي ما مات في السجن.
تأففت فاطمة بنزق وقالت: كل مرة نفس الأسطوانة آآآيه ما بتزهقيش... خالتي توحيدة اللي بتقولي عليها حية ومش طايقاها هي السبب في الجوازة السعد والهنا اللي اتجوزتها... وهي السبب بردو إن ابنك يفتح ورشة لحاله بدل مرمطته عند اللي يسوى واللي ما يسواش... إنما أبويا اللي مات في السجن هي ما لهاش صالح بيه هو اللي مشي في الشمال احنا مالنا. وقفت سهير وقالت بغضب: أنتي لسه فاكراني هبلة وهصدق...
أبوكي كان شغال صنايعي وبيأكلنا بالحلال... أول ما دخلت علينا دخلتها السودة سحبته للسكة اللي بيروح فيها ما بيرجعش... حتى لما اتمسك ما اعترفش عليها ليه معرفش... ومات فجأة إزاي بردو معرفش. منها لله ضيعت جوزي وعيالي... زي ما أبوها ضيع أمي زمان. فاطمة بتأفف: خلصنا بقى من أم الأسطوانة المشروخة دي... الواد شيكا فين عايزاه ضروري وتليفونه مقفول من الصبح. سهير: معرفش ومش عايزة أعرف... ربنا يصلح لكم حالكم ده اللي أقدر عليه...
أعقبت قولها بالاتجاه ناحية الغرفة البسيطة التي تسكن فيها... لحقتها تلك العقربة وهي كلها عزم على أن تجعلها ترضخ لها كما طلبت منها خالتها. جلست جانبها على إحدى الأرائك المتهالكة وقالت: يا أما... يا أما يا حبيبتي أنا صعبان عليا الشقى والذل اللي أنتي فيه... أنا ما بيجيليش نوم والله وأنا حاسة إنك نايمة على مرتبة تقطم الضهر وأنا متنعمة فوق ريش نعام...
بآكل أحلى أكل وأمي حبيبتي بتاكل طقة وتجوع باقي اليوم لو الفراخ ما باضتش... طب بذمتك ينفع؟ لو مكاني هترضيها؟ سهير بقوة: لو بالحلال كنت جيت وقعدت معاكي يا بنت بطني إنما أبلع اللقمة إزاي وأنا عارفة إنها من مال حرام... شردت بعيدًا ثم أكملت بحزن عميق: أمي زمان مشت في الحرام وذاقت مرارة واتبهدلت... وأنا مش هعيد الزمن تاني يا بنتي... الحرام آخرته وحشة. وأنا خايفة عليكي أنتي وأخوكي...
ربنا رزقك براجل زي الفل ومحترم، ليه ما تحافظيش عليه وتمشي تحت طوعه؟ ... وتسيبي سكة خالتك... أنتي مش محتاجة حاجة، وأهل جوزك مقتدرين وربنا كارمهم من وسع... أنا لحد دلوقتِ مش قادرة أصدق إن المرحوم ده ابنهم. انتفضت فاطمة من مجلسها وقالت بصراخ غاضب: "مش هرجع يا ماما! سامعة؟ مش هرجع... لحد ما يكون معايا اللي يعيشني ملكة بقية عمري من غير ما أحتاج لحد." "مش هبقى زيك... أرضى بواحد أكبر مني ياكلني يوم ويوم لا...
ولا زي أمك اللي أبوكي ضحك عليها وخد شرفها وفي الآخر رماها... لما لقت نفسها حامل باست رجله عشان يسترها وبرده مرضاش... طفشت وسابت البلد وهي حامل فيكي... اتلطمت وجاعت ونامت في الشارع لحد ما واحد ابن حلال عطف عليها... عرف حكايتها وعشان هو راجل كبير وما بيخلفش اتجوزها وكتبك باسمه لما أبوكي رفض يعترف بيكي... عشتوا عيشة الفقر والجوع أنتي وأمك، حتى لما كبرتي واتجوزتي برده اخترتي واحد من توبك...
كنتي عايزاني أفضّل مكملة في القرف ده؟ هاااا... ردي عليا." سهير بغضب أقوى: "طب ولو أبويا الحقيقي ما كانش ضميره صحي قبل ما يموت وقال لتوحيدة على اللي حصل زمان... لو ما كانش جابها لحد هنا عشان تقنعني أسامحه وإننا نبقى أخوات... لو ما كانتش ظهرت في حياتنا كنتي هتعملي إيه؟ كنتي هتبيعي لحمك للي يدفع؟ فاطمة بتصميم: "أهي ظهرت وطلعتنا من الفقر اللي إحنا فيه... وهي اللي أقنعت فريد بيا...
وهي برده صاحبة فكرة إني أهددهم بالولد عشان يجوزوني واحد من إخواته بعد ما مات... يعني هي السبب في كل اللي وصلت له واللي لو الدنيا اتهدت مش هرجع عنه... ساااامعة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!