الفصل 27 | من 47 فصل

رواية جواد ودهب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
64
كلمة
3,706
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

من منا لم يُخدع؟ من منا لم يُخان؟ من منا لم يذُق مرارة الفقد؟ من منا لم يتجرّع كأس الخذلان؟ من منا أعطى ثقته لمن لا يستحقها؟ من منا أجبرته الحياة على الانهزام رغم قوته؟ من منا لم يعافر ويكافح وفي الأخير لم يحصل على ما يريد؟ كلنا عشنا تلك المواقف، هزمنا وكُسرنا، بل تحطمنا فوق صخرة الحياة القاسية، ولكن:

ما زلنا نتنفس، إذا فلنعيد ترميم كسرنا، ونترك روحنا تتنفس حتى ننطلق مرة أخرى، فلا خذلان سيؤلمنا، ولا حياة ستكسرنا، ولا غياب أحدهم سيضعفنا. اصنعي نفسك بنفسك، اربتي على قلبك بيدك، تصدي لكل محاولات الجميع لإفشالك، كوني وحدك جيشًا كاملًا يواجه طغيان الظلم، تستطيعين، أثق وأؤمن بذلك، فقط اتركي قوتك تخرج للنور، قفي واقبلي التحدي، ستنتصرين، كلي يقين بانتصارك، فقط ثقي أنتِ في حالك كما أثق أنا بك.

أحبك، ولن أتخيل أبدًا أن تخذليني. اتجهت جيهان إلى المطبخ وما زال الهاتف فوق أذنها. وقفت في المنتصف ونظرت حولها لم تجد شيئًا فقالت: "أنا دخلت أهو ومفيش حاجة." سليمان: "قربي من الباب." تقدمت نحو الباب ونظرت من العين السحرية، شهقت بقوة وعيناها دمعت حينما رأته يرتدي زي عامل نظافة ويقف مبتسمًا لها وهو يقول: "وحشتيني يا سماره، عارف أن مش هينفع تفتحيلي، بس كفاية أني بشم الهوا اللي بتتنفسي منه." هبطت دموعها وقالت بصوت مختنق:

"أنت ليه بتعمل كده؟ هو أنا أستاهل كل ده؟ رد عليها بنبرة تقطر عشقًا وقال: "أنتِ تستاهلي أكتر من كده بكتير يا حبيبتي، بحاول أعوض اللي فاتني معاكي زمان، عايز أعيش دور الواد الحبيب اللي كان بيروح للبت بتاعته عند المدرسة، وعايز أعيش دور الشاب اللي كبر واعترف لحبيبته بعشقه ليها، وعايز أعيش دور اللي أخيرًا خطبها." تنهد باشتياق وأكمل:

"أخيرًا خطب حبيبته، واللي بيتمنى يقدر يعرفها قد إيه هو بيعشقها لحد ما تبقى مراته، وفي حضنه، وفي بيته. عرفتِ أنا بعمل ليه كده ولا حابة تسمعي كمان؟ جيهان: "أنا مش عارفة أقولك إيه، بجد كتير عليا كل ده والله." سليمان: "كل ده قليل عليكي، ومش عايزك تعملي حاجة ولا تردي عليا، أنا هصبر وهتحمل لحد ما قلبك يدق ليا، وقتها هتلاقي نفسك بتتكلمي من غير ترتيب، قلبك اللي هيخرج اللي جواه غصب عنك يا سماره." ابتسمت بحب وقالت:

"أوعدك مش هتصبر كتير، اللي زيك يستاهل كل الحلو اللي في الدنيا، كفاية وقفتك جنبي ومعاملتك لبناتي، وكل اللي بتعمله علشانه، ربنا يخليك لينا." صرخ بفرحة وهو يقفز بجنون ويقول: "يا بركة دعاكي ياما، البت بتدعيلي يخليني ليها، قلبي هيقف وربنا! ضحكت بصخب من قلبها لأول مرة وقالت: "بس يا مجنون هتفرج الجيران علينا." تقدم نحو الباب ووضع جبهته عليه وقال بعشق خالص: "أنا نفسي العالم كله يسمعني مش الجيران بس وأنا بقول...

بعشقك يا سماره." كاد أن يكمل وصلة عشقه ويخرج لها ما يشعر به إلا أنه وجد مكالمة أخرى على الانتظار وحينما نظر للهاتف قال برعب: "يا نهار أسود، أبو لهب، خليكي معايا ثواني." أبدل المكالمة وقال بتملق: "أبو الأجاويد واحشني يا رجال! جواد بغيظ: "يعني لو خلصت الهبل اللي بتعمله يا روميو يا ريت تشيل كيس الزبالة وتاخده وأنت نازل أهو تبقى عملت شغلك." عض على شفته السفلية بغيظ ثم قال: "عشان لابس هدوم الزبال يعني؟

أنا اتمرمط يا صاحبي، وياريت تقدر اللي بعمله وتسيبني أشوفها." جواد بصراخ: "تشوف مين يا روح أمك؟ اخلص يا زفت وانزل حالًا بدل ما أعلقك! زفر بغيظ وقال: "هنزل... حاضر... خلاص... إيه القرف ده؟ سلام." عاد إلى حبيبته التي كانت تضحك بصخب على حديثه وقال بابتسامة عاشقة: "مش هو بهدلني، بس كله يهون قصاد الضحكة الحلوة دي، بحبك... يا... قبل أن يكمل وجده يتصل به مرة أخرى فصرخ بغيظ: "اقفلي أنا غاير قبل ما يعلقني!

حمل كيسًا أسود مليئًا بالقمامة وهبط الدرج سريعًا وهو يسب ويلعن في هذا الجواد الظالم. أما هي فقد أسندت ظهرها على الباب وهي محتضنة الهاتف وعلى وجهها أجمل ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا. جلست تفكر بعدما ذهب إلى عمله صباحًا، ماذا تفعل معه؟ لن تواجهه، بل ستجعله يكشف عن حاله، ولكن ماذا أفعل وقتها؟ أغضب منه؟ أبتعد عنه؟ قلبي الخائن يرفض تلك الأفكار. نظرت للأمام وقالت بتعقل:

"اهدي يا دهب متظلميهوش أكيد لو كان شكك في محله وطلع بيشوف هيكون في سبب قوي خلاه يعمل." كده... بس كان المفروض يعرفني... أنتي بالنسبة له عيلة متعرفيش حاجة عن الدنيا، هيثق إزاي إنك مش هتقولي لحد؟ وقفت من مجلسها وقالت بتصميم: "اثبتي له إنك كبرتي... خليه يثق فيكي بالفعل... المواقف هي اللي بتبني الثقة يا ديبو." ابتسمت بخبث وأكملت: "بس مفيش مانع إني ألاعبه شوية... قال كل شوية يعيش الدور ويقول لي... أنا أعمى...

تقبلي الوضع... وأنا هبلة أعيط وأعتذر... طب والله يا جوادي لأطلع عليك كل ده." دلفت عليها حبيبة، تلك الكارثة الصغيرة، وقالت: "أنتي مجنونة يا دودو... بتتكلمي مع الشبح؟ ضحكت بصخب وقالت: "أبوكي جنني يا بيبو." حبيبة بغيظ: "كان مجنون برضه لما كنت بصحيه من النوم." نفضت يدها بملل وأكملت: "بس خلاصتي بقى أنتي صحيتيه مكاني عشان كده جنونك." كادت أن تختنق من كثرة الضحك وحاولت التحدث قائلة:

"بيبو أنتي الضماير والحروف ومخارج الألفاظ عندك ضايعة خالص يا روحي." ابتسمت لها الطفلة وقالت بلماظة: "ليه حاسة إنك بتشتميني... بس هسامح عشان كلمة روحي العسل دي." أعقبت قولها بغمزة شقية جعلت دهب تنظر لها بصدمة وتقول: "هقول إيه مانتي بنت جواد هتطلعي عالمة ذرة يعني... لازم تاخدي وقاحته." حبيبة بغيظ: "اشتميني بحاجة أفهمها عشان أرد عليكي ماشي."

حملتها بمزاح ومددتها فوق الأريكة، ظلت تدغدغ فيها والصغيرة تموت ضحكًا وتترجاها أن تتركها. تركتها بعد فترة وجلسا يهدئان قليلًا، لمعت في رأسها فكرة خبيثة وقررت أن تنفذها في الحال. دهب: "أنا هدخل أغير وأرجع لك يا بيبو." حبيبة: "بس مش اتأخرتي بقى عشان نلعب." أبدلت ثيابها إلى أخرى، عبارة عن شورت قصير وبادي كب لا يداري إلا نصف نهديها، حتى بطنها تظهر منه. بمجرد ما رأتها الطفلة جحظت عيناها وقالت: "أنتي رايحة البحر...

جواد هيحرقك." ضحكت دهب وقالت بخبث: "لا مش رايحة البحر أنا بس حرانة شوية وبعدين مفيش حد غيرنا... أنتي عارفة أنا نفسي آكل آيس كريم بس يا خسارة محدش يعرف يشتري النوع اللي بحبه غير جواد." حبيبة بفطنة: "خلاص اتصلي بيه ويجيب لنا سوى." دهب: "والله فكرة تعالي نكلمه فيديو سوى أنا وأنتي وتقولي له."

أمسكت هاتفها بعد أن أجلست الصغيرة فوق ساق واحدة كي يظهر جسدها بوضوح وهي تدعو الله أن ينزع تلك العدسات حتى يراها إذا كانت هي من تحجب عنه الرؤية. وقد استمع الله دعائها إذ كان يجلس وحده داخل مكتبه وقد خلع تلك العدسات ليريح عينه قليلًا كما يفعل دائمًا، وبينما كان منهمكًا في عمله وجد هاتفه يصدح بالنغمة المخصصة لحبيبته، ولكنه عقد حاجبيه بغرابة وهو يقول: "بتتصل فيديو؟

لم يفكر مرتين بعد أن انتابه القلق إذ أنها لأول مرة تفعلها. ويا ليته لم يرد... ويا ليت قلبه اللعين لم يخفق قلقًا عليها... بمجرد أن ظهرت أمامه بتلك الهيئة برقت عيناه دون شعور منه... عاد إلى رشده حينما رأى تلك الابتسامة الخبيثة ولمعة عيناها تشي ما تحاول فعله... ابتلع لعابه بصعوبة وحاول تمالك أعصابه وهي تراقب كل تفصيلة تصدر منه... وقد تأكد حدسها وما رأته بعينيها. قطعت هذا الصمت حبيبة حينما شاورت لأبيها بيدها وهي تقول:

"هاااي يا بابتي... وحشتني قلت أشوفك." كادت أن تقبل الصغيرة امتنانًا لها فقد قالت سبب هذا الاتصال من تلقاء نفسها وأنقذتها من استجوابه لها. جواد بصوت مهزوز وهو يحاول ألا ينظر لها: "وأنتي كمان وحشتيني يا حبيبة أبوكي... آآآ... ديبو فين؟ دهب بدلال وهي تتقدم أكثر من الهاتف: "أنا أهو يا... جوااااد." سب جواد... ولعن جواد... وسيحرق جواد حيًا... إذ أنه لا يستطيع نهرها على ما ترتديه... والذي اكتمل هلاكه بعد نطقها اسمه.

قال بعصبية غير مبررة: "أنتوا متصلين تدلعوا وأنا عندي شغل." ردت عليه بهدوء وصوت ناعم: "لا يا جوادي أصل حبيبة كان نفسها تشوفك." لعقت شفتيها بلسانها وأكملت: "وأنا هموووت وآكل آيس كريم... بالفانيلا... فاكر لما جبتها لي من كام يوم... أمممم طعمها كان يجنن." وهل ينساه؟ لا والله... كانت أجمل وأشهى مثلجات ذاقها يومًا... كاد أن يسرح في تلك الذكرى إلا أن ابنته لحقته قائلة: "هتجيب لي يا بابتي ولا لا؟ جواد بتيه: "هاااا...

آه هجيب لك." ضحكت دهب بصخب وقالت: "أنت اتعديت من بيبو وهتتكلم زيها يا جوادي." "ملعون أبو جوادك اللي جابوه يا شيخة... البت دي شكلها مش مظبوط... وحياة أمي يا دهب لو اللي في دماغي صح لاااا... خليها مفاجأة." هكذا حدث حاله وبعدها عاد إليه ثباته الانفعالي وقال ببرود: "يلا اقفلوا عشان عندي شغل وهجيب لكم كل اللي عايزينه." صمت للحظة وقال بخبث: "ويا ريت بلاش فيديو كول تاني عشان ممكن يكون حد معايا في المكتب...

وأنتي أكيد قاعدة من غير حجاب طبعًا." حبيبة بتسرع: "دي قاعدة أصلًا أصلًا من غير هدوم يا بابتي." جز على أسنانه بغيظ وها قد أعطته ابنته الحبيبة الفرصة فقال بغضب: "يعني إيه... أنتي عريانة؟ خافت الطفلة من صراخه وانكمشت داخل أحضان خبيثتنا البريئة التي ضمتها بيد وقالت بهدوء: "لا يا حبيبي طبعًا مش عريانة... أنا لابسة هوت شورت وكب... أحمر." نار... نار انقضت داخله حينما رآها تملس على جسدها وهي توصف ما ترتديه... أغلق الخط...

هكذا فقط... لن يتحمل أكثر. انتفض من مجلسه وتوجه سريعًا نحو المرحاض ليضع رأسه تحت الماء البارد لعله يطفئ ناره. اعتدل وقال وهو ينظر لنفسه من خلال المرآة: "في حاجة... البت بتأكد مني... طب عرفت إزاي... استحالة يكون حد قالها... لازم أتأكد... وساعتها مش هرحمك يا... دهبي." وقف رفيق وبيده الأصفاد أمام الضابط المسؤول عن التحقيق معه وهو يرتعش رعبًا حينما ضرب على سطح المكتب بكف يده وقال بصراخ:

"ما تخلص يا رووووح أمك بقى لنا تلت أيام بنحقق معاك... قول كنت خاطف العيال ليه ومين شغال معاك." رفيق: "أنا مخطفتش حد أنا لقيتهم تايهين... صعبوا عليّا يتبهدلوا في الشوارع... قلت يقعدوا عندي لحد ما يبان لهم صاحب... الضابط: "يا سلاااام... طب يا أبو قلب حنين مسلمتهمش ليه لأقرب قسم؟ رفيق: "خوفت ألبس تهمة يا باشا وأنا راجل فلاح على قدي ولسه نازل مصر من كام يوم أدور على شغل بعد ما الحال ضاق بي في بلدي." طرق

الباب ثم دلف عسكري وقال: "باشا في محامي اسمه إبراهيم عبد المنعم عايز يدخل." جز رفيق على أسنانه ليكتم غضبه بعدما علم هوية ذلك الرجل والذي يكون المحامي الخاص بالحاج عبيد والموكل برفع قضية الطلاق لزينب. ألقى السلام وقال: "أنا إبراهيم عبد المنعم المحامي الخاص بالسيدة زينب عدلي زوجة رفيق... كنت عايز أطلب من حضرتك صورة من المحضر عشان أرفقها مع مستندات قضية الطلاق اللي رافعاها عليه." نظر لرفيق وأكمل:

"ولو ممكن حضرتك تسمح لي أقعد معاه خمس دقايق يمكن يحلها معايّة ودي بدل المحاكم." وقف الضابط وقال: "مفيش مشكلة... أنا هسيبكم مع بعض وهرجع أكمل التحقيق." غادر المكتب وتركهم وحدهم فبدأ رفيق الحديث قائلًا بغل: "أنسي أنا مش هطلق وهسيبها متعلقة كده زي البيت الوقف." ضحك المحامي باستهزاء ثم قال: "أنت أهبل يا ابني... بص شوف نفسك فين... أنت بعملتك السودة دي سهلت علينا الموضوع... بصورة المحضر ده هتاخد حكم من أول جلسة...

بس أنا حابب أقول لك على عرض يا تقبله يا ترفضه وفي كلتا الحالتين مش هيفرق كتير." رفيق: "وإيه بقى العرض ده يا متر؟ إبراهيم: "تطلقها دلوقت مقابل إن الحاج عبيد يتكفل بأتعاب المحامي اللي أنا بنفسي هخليه يمسك قضيتك المهببة دي ويطلعك منها زي الشعرة من العجين... إيه رأيك؟ نظر له رفيق بشك وقال: "وأنا إيش ضمني متكونش بتضحك عليّا؟ إبراهيم بحنكة: "وهستفاد إيه لما أعمل كده...

أنا من الأساس قضيتي مضمونة وكل اللي عايزه أختصر الوقت وأخلص الحكاية بسرعة وبعدين أنت عارف الحاج عبيد كلمته سيف... يبقى تفكر في مصلحتك أنت كده كده هتطلقها يبقى استفاد منها."

شرد رفيق يفكر بعمق في ذلك العرض المغري بالنسبة له، فهو لا يملك المال ليحضر محامي يدافع عنه، وبالطبع توحيدة وأعوانها لن يقفوا بجانبه، وهو كل ما يكسبه من عمله معها ينفقه على صالات القمار المدمن له، حتى حينما لا يجد معه ما يكفي للمقامرة ينتهز أي امرأة أقامت معه علاقة ويبتزها كي يأخذ منها ما يريد. رفيق: "أنا موافق بس بشرط...

تتنازل عن كل حقوقها آآه أنا مش هدفع ولا نفقة ولا مؤخر ولا ليّا دعوة بعيالها متجيش في يوم تطلب مني جنيه واحد تمام." نظر له المحامي بغيظ وقال: "موافق... هي أصلًا مش عايزة منك حاجة... أعتقد إنها متعودة على تحمل المسؤولية وبتصرف على عيالها في وجودك يبقى مش هيفرق معاها عدمه ولا إيه." رفيق: "ماشي يا متر بس وحياة أبوك استنضف المحامي اللي هتجيبه لي عشان يخلصني من القرف ده." نظر له بخبث وأكمل:

"ويا ريت تقول للحاج يبعت لي معاك عشرين ألف كده أمشي بيها نفسي هنا وأنت جاي بكرة تتمم إجراءات الطلاق." المحامي: "مش فاهم عشرين ألف إيه وبكرة إيه أنا جايب المأذون معايّة بره." ضحك رفيق بغل وقال: "لا معطلكش يا متر... بكرة تجيب لي عشرين ألف جنيه وأنا أطلق... مرضتش أزود المبلغ عشان متقلش عليه دول بس لزوم السجاير والأكل." نظر له بغضب وقال: "أنت إنسان بشع بجد...

وفقط تركه وغادر وهو في قمة غيظه يعرف أنه حقير ولكن لهذه الدرجة... لم يتخيل. سمعت طرقًا على باب جناحها بعد أن تركتها حبيبة لتلهو مع الأطفال بالأسفل، ارتدت إسدالها وذهبت لتفتح... وقفت بوجل حينما رأت فاطمة ودعاء أمامها... قالت بتلجلج: "آآآ... أهلًا." نظرن لها بحقد وغيرة وقالت فاطمة بخبث: "أهلًا بيكي يا حبيبتي... دعاء مرات أحمد الجديدة عايزة تتعرف عليكي... أصلها مشفتكيش خالص."

اتجهت الاثنتان دون استئذان إلى الداخل وجلسنا على إحدى الأرائك ببرود. دعاء بحقد: "يا ما شاء الله الجناح بتاعك لوحده قصر... كل ده قاعدة فيه لوحدك! دهب: "أنا وجوزي وحبيبة." فاطمة: "هو برضه لسه مش عايزك تنزلي تحت... على فكرة أنتي زي أختي الصغيرة وأنا بوعيكي... مش كل حاجة تقولي حاضر وطيب كده هيركبك ويدلدل رجليه... وبعدين هو معقول مش بيثق فيكي للدرجة دي حابسك كده بين أربع حيطان؟ دعاء بغيرة مازحة:

"والله أحسن إنه حابسها أنتي عايزة رجالتنا تشوف الحلاوة والجمال ده كله قدامها أنتي عايزة تخربي علينا ولا إيه يا بطة؟ دهب بغضب: "عيب على فكرة ميصحش الكلام ده... أنا ست محترمة وجوزي مفيش زيه اتنين." دعاء بقلق فقد أخبرتها فاطمة أنها بلهاء لا تفقه شيئًا ولكن من الواضح أن القطة ظهر لها مخالب: "ههههه أنتي زعلتي ده أنا بهزر معاكي يا حبيبتي مقصودش والله." فاطمة: "جرى إيه يا دهب البت جاية لحد عندك تتعرف عليكي...

هي دي أصول الضيافة اللي اتربيتي عليها... بدل ما تقدمي لنا حاجة وترحبي بينا تبهدلي البت كده؟ نظرت لها دهب بذهول وقالت: "أناااا... والله ما حصل يا ماما الحاجة دي فا... قاطعتها فاطمة سريعًا وقالت: "دي دعاء بتهزر يا حاجة... إحنا نازلين." إيمان بخبث: "إيه اللي موقفكم هنا... أنتوا مش المفروض تكونوا قاعدين بره في الصالة اللي اللي جابكم عند أوضة النوم مع إنها بعيدة؟ دهب سريعًا:

"فاطمة قالت عايزة ترجع ودخلت بسرعة على أساس الحمام اللي بره بصيت عليها لقيتها مكملة لجوه... ولما سألتها داخلة أوضة نومي ليه بهدلوني هما الاتنين." أمسكتها إيمان من خصلاتها وقالت بغل: "كنتي عاااايزة تدخلي أوضة نومهم ليييببه... انطقي؟ فاطمة بصراخ: "كداااااابة والله ما حصل اسألي دعاااااء." خافت دعاء مما يحدث فقالت وهي تتجه للخارج: "أنا معرفش حاجة... أنا ماااالي... هربت سريعًا حتى تفلت من براثن تلك المرأة القوية.

تركتها إيمان بعنف وقالت: "غوووري من وشي ولما الرجالة تيجي أنا هقول لهم على اللي حصل وهما بقى يعرفوا بطريقتهم كنتي عايزة إيه من هنا." لم تتفوه بحرف بل هرولت سريعًا تختبئ داخل غرفتها كي تهاتف خالتها وتخبرها بما حدث وبعدما قصت عليها كل شيء اشتعلت النار داخلها ولكن في الأخير تمالكت حالها وأخبرتها بما يجب عليها فعله.

اتجه محروس داخل بنايته الصغيرة ليتابع ما يفعله العامل الذي أتى به كي يقوم بدهان الحوائط قبل أن يأتي بأثاث جديد، فقد اتفق مع دلال بعد أن تقدم لخطبتها ووافقت عليه وقد بقي على إتمام زواجهم بضعة أيام لا يطيق انتظارها. محروس: "شد حيلك يا حمو عشان الحيطة تلحق تنشف قبل العفش ما يوصل." حمو: "قربت أخلص يا عم محروس وعاملها لك وصاية كمان... والله أنا فرحان لك من قلبي أنت والست أم رؤوف طيبين وتستاهلوا بعض." محروس

بفرحة لم يحاول يداريها: "دي ست الستات والله يا حمو ربنا يقدرني وأعوضها عن الغلب اللي شافته في حياتها." دلفت عليهم العروس وكأنها عادت شابة صغيرة وقد أحضرت معها أكوابًا من الشاي ومعهم بعض المقرمشات بعد أن ألقت السلام قالت بود: "الله ينور يا أسطى." حمو باحترام: "الله يخليكي يا ست أم رؤوف عقبال ما أعمل شقة ولادك إن شاء الله." أخذ عنها ما تحمله وقال بحب: "تعبتي نفسك ليه بس كنتي رني عليّا وأجي أخدهم."

ابتسمت له بامتنان وقالت: "تعبك راحة يا سي محروس أنا قلت أجيب لكم تصبيرة على ما الغدا يجهز." محروس: "تسلم إيدك يا ست الستات... منة فين مش باينة." دلال: "مقعداها جنبي في المطبخ عشان تخلص الواجب اللي عليها قبل ما تتلهي في اللعب مع العيال." محروس: "والله البت ما بقت فالحة غير لما اهتميتي بيها بقت شاطرة خالص وبتجيب درجات حلوة." نظرت له بحب وقالت:

"وعيالي محسوش إنهم بقوا زي باقي زمايلهم وليهم ضهر يتسندوا عليه غير من بعد ما أنت اقتربت منهم وعاملتهم زي ولادك... ربنا يقدرنا ونربيهم ونكبرهم ويكونوا سند لبعض... قادر يا كريم." حضر الرجال ليلًا وقبل أن يذهب كلُّ إلى غرفته كي يبدل ملابسه وقفت إيمان في المنتصف وقالت بجدية: "محدش يطلع ثواني عايزاكم في موضوع مهم... عنبة بت يااااا." حضرت الخادمة سريعًا وقالت: "نعمين يا ست الحاجة." إيمان:

"اطلعي نادي فاطمة ودعاء بسرعة من فوق." هرولت الفتاة للأعلى، بينما وقف عبيد يسأل بوجل: "مالك يا حاجة، في إيه؟ أحمد: "أنا جاي هلكان ومش فاضي لوش الحريم ده يا مرات عمي." نظرت له باحتقار ولم تكلف نفسها عناء الرد عليه. حضرت الاثنتان ووقفتا أمامهما برعب. إيمان: "جواد ممكن تنزل دهب هي كمان؟ جواد: "لااااا." لم تعقّب على رفضه، بل قامت بقص كل ما حدث للجميع، وبعد أن انتهت قالت:

"يا ريت بقى تعرفوا منهم كانوا عايزين إيه من دهب وأوضتها." دعاء بخوف: "أنا ماليش دعوة، أنا كنت طالعة أتعرف عليها، فاطمة اللي كانت عايزة تدخل." فارس بغضب: "كنتي بتعملي إيه فوق؟ أنتِ محدش هيسلم من شرك." هنا، جاءتها الفرصة كي تنفذ كل حرف قالته لها تلك الحية الرقطاء. نظرت لفارس وقالت بدموع انهمرت فجأة: "أيوووه كنت عايزة أدخل أوضتها، عااارف ليه؟

عشان أشوف العز والهنا اللي حتة عيلة عايشة فيه. عاملها جناح بمساحة السرايا كلها." "غيرت، أيوة غيرت منها وقلت أشوف فيها إيه زيادة عني عشان جواد بيه بجلالة قدره بيسيب الدنيا ويجيلها، وأناااااا، أنا جوزي هاجرني بقاله أكتر من ثلاث شهور، ومن الأساس من أول ما اتجوزني ما بيلحقش يقعد معايا أسبوع ويغضب ويسيب أوضتي بالشهرين والثلاثة." نظرت لعبيد وأكملت بقهر: "يرضيك كده يا حاج يا اللي بتصلي الفرض حاضر وحاجج بيت ربنا؟

عقوبة هجر الزوجة إييييه يا حاج؟ هو أنا مش زي الحريم اللي هنا؟ كل واحدة جوزها مدلعها ومهنيها، وأنا عايشة منبوذة، مليش حد أشتكيله ولا ليه حد ياخد لي حقي." "ردوا علياااااااا، ده عدل ربنا؟ لم يستطع أحد الرد عليها، ولكن جواد التفت تجاهها وقال ببرود لم تتوقعه: "أيوة برده ما فهمتش دخولك أوضة نومي هيفيد بإيه في كل الهري اللي قلتيه ده، أنا عايز أفهم قبل ما أتصرف بطريقتي اللي أكيد مش هتعجب حد."

ارتبكت بداخلها ولم تستطع إيجاد كذبة تنقذها من هذا الذئب، ولكن جاءتها النجدة من عباس الذي قال بلؤم: "تلاقيها قالت تشوف مراتك بتلبس إيه عشان تعمل زيها." جواد بصراخ: "تصدق إنك راجل ناقص، ولو ما كنتش عمي كنت قطعت لسانك." صرخ عبيد بغضب: "بااااااس، إيه مش عاملين لي أي اعتبار؟ نظر لأخيه وقال: "اعقل كلامك قبل ما تقوله، أنت ما بقتش صغير على القرف ده."

"وأنت يا فارس، لازم تعدل بينهم يا ابني، لو هي غلطت فهمها واصبر عليها، إنما تهجرها ده ذنب كبير." فارس بعصبية وقد طفح به الكيل: "من الآخر أنا مش طايقها، أنا بحب مراتي ومش قادر ألمس غيرها. أنتم ظلمتوني بجوازي منها، وأنا حاولت أتحمل بس مش قادر." ابتسمت هدى بفرحة وهي تجلس بجانب روان ونظرت له بعشق خالص، وكل ما يشغلها كيف تكافئه على ما قاله أمام الجميع. جنت فاطمة من تلك الإهانة التي وجهها لها أمام الجميع، صرخت بغل:

"خلاااااص طلقني وادوني حقي أنا وابني وأنا هاخده وأمشي." جواد: "خدي حقك، وامشي. محدش هيمنعك إنما محمود التهامي مش هيخرج من بيت أهله. أعتقد إني قلت كده كتير بس واضح إنك غبية مش قادرة تفهمي ده." فاطمة بغل وغضب أعمى: "إنسى، مش هسيبلك ابني. مش كفاية إنك قلبته عليا من بعد ما رجع معاك من مصر، الله أعلم قلت له إيه خليته مش طايقني." عبيد بحسم:

"اسمعي يا بنتي، أنا من أول ما دخلت السرايا برغم اعتراضي عليكي إلا إني كنت بعاملك بما يرضي الله. رغم أفعالك بس كنت بكبر دماغي. غصبت على ابني يتجوزك عشان خاطر حفيدي وقلت يمكن تتغيري، بس واضح إن اللي في الطبع عمره ما يتغير. أنا مش هقدر أجبر ابني تاني عليكي وأنتِ ليكي حرية الاختيار. يا تعيشي على ذمته عشان تربي ابنك وما تستنيش منه أي حقوق وده أنا مش هقبله، يا إما يطلقك وتاخدي كل حقوقك وفوقيهم خمسة مليون جنيه مقابل التنازل عن حضانة محمود لعمه، وأنا بنفسي هجيبهولك تشوفيه كل أسبوع مش هحرمك منه. إيه رأيك؟

حل الصمت على الجميع بعد أن تفاجأوا بهذا القرار الذي لم يتوقعه أحد، والكل في ترقب هل ستوافق أن تجلس دون أن يرافقها رجل، أم ستختار حريتها والتمتع بالمال الذي ستأخذه من تلك العائلة وتبدأ من جديد. نظرت فاطمة للجميع وقلبها يغلي حقدًا بعدما رأت الشماتة ظاهرة عليهم والتمني أن تختار المغادرة، إلا أحمد وأبيه ينظران لها بتحذير ألا توافق على العرض الأخير. لم تهتم بكل هذا بل فكرت في مصلحتها الشخصية وفقط. نظرت لعبيد بقوة وقالت:

"...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...