الجميع يقف في ترقب، الكل متوجس، جميعهم يتمنون أن توافق على عرض الحاج عبيد كي ينتهوا من كتلة الشر التي زُرعت بينهم دون إرادة منهم. لم يلتفت أحد لذلك الصبي المختبئ في أحد الأركان بقلب خافق، ينظر لأمه وكأنها ستختفي من أمامه فجأة، ينظر لها بدموع حبيسة يتمنى أن تختاره هو، فإذا ما اختارت المال ستقطع آخر ذرة أمل داخله، في أن يكون له أماً رحيمة مثل باقي رفاقه.
أما تلك الأفعى، فكانت بداخلها حربٌ: أتأخذ المال بل وتطالب بالمزيد ثم تضعه على ما جمعته من عملها المشين وتهرب بعيدًا لتتمتع بكل هذا؟ أم تبقى هنا كما أمرتها توحيدة كي تنفذ لها باقي مخططها؟ نظرات أحمد وعباس التهديدية جعلتها ترتعب، قررت أن تتلاعب بالجميع حتى لا تخرج خاسرة من بينهم. فاطمة: اديني فرصة أفكر وأبلغك قراري الأخير.
تنفس الجميع بهِمّ، ولكن هناك أمل في التخلص منها ما دامت ستفكر في الأمر، إذاً بالتأكيد هي طامعة في المزيد ولن يبخلوا عليها بأي شيء تطلبه مقابل التخلص منها. أما ولدها، أغمض عينه بقهر وانهمرت دموعه حزنًا على حاله، قَتَلَ آخر أمل كان بداخله، لم يتبقَ داخله إلا حقيقة واحدة، أمه ستبيعه مقابل المال.
خرج من مخبئه بعد أن مسح دموعه ووقف في المنتصف ينظر للجميع بعيون خالية من الحياة، ثم نظر لتلك الجاحدة التي تفاجأت به ونظرت له بغضب وهو يقول لعمه الحبيب والذي يعتبره كل ما له في تلك الحياة القاسية: بابا، أرجوك اديها اللي عايزاه بس متخليهاش تاخدني. أنت وعدتني إنك هتكون جنبي، وتربيني، قولتلي أقولك بابا، متتخلاش عني. بينما أخفض جواد رأسه ليلتقط ابن قلبه داخل أحضانه ليبثه الأمان، كانت تلك الخبيثة تصرخ قائلة بغل:
آه قول كده بقى قومت الواد عليا وكرهته فيا، خليته يقولك يا بابا، اوعى تصدقه يا محمود ده بيضحك عليك. وضع الطفل يده فوق أذنه حتى لا يسمع صوتها، أما جواد فضمه أكثر وقال بصوت كالرعد: اخرسي، كلمة تاني ومش هتباتي فيها، هتطلعي من غير ولا مليم وأنتِ عارفة إني أقدر أعملها، سواء قعدتي أو لا دي حاجة تخصك، بس ابني ملكيش أي علاقة بيه، سامعة. وفقط اتجه ناحية الدرج حاملًا الطفل معه ليصعد به إلى جناحه.
بكت النساء قهرًا عليه والجميع ينظر لها باحتقار، لم تهتم تركتهم دون حديث وداخلها يغلي كالمرجل، خسرت ولدها، الجميع يكرهها، لديها مال وستحصل على المزيد، لما لا تترك كل ذلك خلف ظهرها وتنطلق إلى الخارج لتعيش كما يحلو لها؟ هكذا كانت تفكر بعد أن أغلقت باب غرفتها عليها. نظرت للأمام وقالت: هنتقم منهم وأتمتع بفلوسي ويبقى مخسرتش حاجة.
داخل تلك الشقة البسيطة للغاية كانت تجلس سهير أم فاطمة تنظر إلى ولدها وهو يدخن بشراهة، وجهه متجهم للغاية ويبدو عليه الحزن. قررت أن تسأله للمرة الخامسة خلال اليوم عله يخرج ما يكنه داخله لها ويرتاح قليلًا، فهي في الأخير أم قلبها يأكلها على أولادها حتى لو كانوا جاحدين.
اتجهت إليه وجلست بجانبه فوق فراشه الصغير، وضعت يدها اليمنى فوق رأسه فنظر لها باستغراب، ابتسمت له بهدوء وأخذت تردد بعض السور القرآنية الصغيرة كي يهدأ قليلًا. لا يعلم لما لم يمنعها أو ينهرها كما يفعل معها دائمًا، بل أغمض عينه وترك روحه تغوص بين حروفها الهادئة ووجيب قلبه يزداد بداخله. أنهت ما كانت تفعله ثم ربتت على يده وقالت بحنو:
مالك يابني، قولي فيك إيه فضفض وأنا هسمعك، بلاش تكتم جواك لتتعب، أنت بقالك كام يوم عالحال ده حتى أختك اللي مكنتش بتبطل تكلمها مبقتش ترد عليها، حتى لما جات تزورنا قفلت تليفونك عشان متكلمهاش، ده غير شغلك اللي سايبه وقاعد في البيت مش عايز تقابل حد، قولي يا بني وريح قلبي. نظر لها بحزن وعيون تملأها الدموع لأول مرة وقال: قرفان من نفسي ياما، مش طايق نفسي ولا طايق حد. سهير: ليه بس إيه اللي حصل اتخانقت مع حد، أختك زعلتك.
شيكو بقهر: زعلان من حالي ياما، مش لاقي نفسي، مش طايق أبص في وشي في المراية، حاسس إني مخنوق روحي بتطلع مني، إيه اللي مشاني في السكة دي.
عارفة، من كام يوم كنت واقف على ناصية الشارع سهران لوش الفجر زي عادتي، فجأة العيال سابوني ومشوا على غير العادة، وقفت لوحدي شوية أشرب سيجارة، لقيت عم الشيخ معروف جاي عليا ومن غير ما ينطق كلمة سحبني من إيدي ودخلني الجامع، أنا معرفش مشيت معاه إزاي، محستش بنفسي غير وجسمي كله بيترعش أول ما خطيت برجلي جوه، وقفت اتصمرت مكاني، قولتله مينفعش، أنا مقدرش أدخل هنا. ابتسملي وقالي
(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب) قالها ثلاث مرات وأنا مش قادر أوقفه وحاسس قلبي بيرتجف، وقفت قدامه تايه، خدني من إيدي تاني ورحنا اتوضينا وأذن للفجر، من أول ما سحبني من إيدي وأنا بحاول أعترض أمنعه، بس كأني متكتف مش قادر أقوله لا.
لما وقفت أصلي خوفت لقيت جسمي كله بيتنفض، مش عارف أركز في الصلاة ولا قادر أعيط، كل اللي في دماغي وجوايا إزاي أنا بجح كده، واقف بين إيدين ربنا بعد كل البلاوي اللي عملتها. خوفت ياما، خوفت وكنت عايز أقطع الصلاة وأجري بعيد عن المكان، مكنتش عايز أوسخه، بس كملت الصلاة بالعافية وأول ما خلصت طلعت جري عشان محدش يكلمني. ابتسم باستهزاء وأكمل:
أصلهم كانوا مستغربين وجودي وسطهم، كأنهم بيقولولي إيه اللي جابك مكانك مش هنا، أنت مش زينا. كانت تبكي بهدوء وهي تسمعه بقلب فرح، يبدو أن ولدها سيمن الله عليه بالتوبة، حينما وجدته أنهى حديثه نظرت له بابتسامة حلوة وقالت: فعلاً أنت مش زيهم. نظر لها بكسرة فأكملت: أيوه يا حبيبي أنت ممكن تكون أحسن منهم بس مش حاسس. ضحك باستهزاء وقال:
أنا، أنا اللي عملت بلاوي سودة وغضبت ربنا في كل حاجة أحسن من الناس اللي بتصلي الفجر في الجامع، والنبي ياما متضحكي عليا أنا مش عيل صغير قدامك. سهير بجدية يعلمها ولدها جيدًا: قسماً بربي أنا ما بضحك عليك، أنت شايفهم بيصلوا صح، بس تعرف كل واحد جواه إيه، يمكن قلبه أسود وبيحقد عالناس، يمكن حسودي، يمكن أكل حق حد، أنا مبقولش إنهم وحشين، بس هما مشيوا في طريق ربنا وبيأدوا فرضه، أنت بقى ربنا سحبك ليه يا حبيبي.
نظر لها بعدم فهم فأكملت: أنت واقف مع العيال الفاسدة اللي مصاحبهم، فجأة سابوك ومشيوا وأنت بدل ما تطلع البيت فضلت واقف، الشيخ سحبك من إيدك وأول مرة يعملها من غير ما يخاف إنك تبهدله، مشيت معاه غصب عنك مش قادر تمنعه، كل ده يابني ترتيب ربنا. ربنا شايف إن جواك طيب وعايزك في طريقه، حب يشيل الغمامة من على عينيك وينور قلبك بنوره عشان أنت تستاهل تكون كويس.
اسمعني يابني، كل بني آدم مننا جواه الخير وجواه الشر بس أنت اللي بتختار مين يكسب مين، مرة واحد راح لحكيم وقاله أنا جوايا ذئبين بيتصارعوا مع بعض تفتكر مين اللي هيكسب، الحكيم قاله اللي بتاكله أكتر.
يقصد بالذئبين الخير والشر، واللي هياكله أكتر يعني هيقويه بأفعاله، هو اللي هينتصر، أنت مشيت في سكة غلط والله يسامح اللي كان السبب، بس قلبك من جوه نضيف خسارة إنه يتملي سواد، ارجع عن الطريق ده يابني وتوب، ربنا فاتح باب التوبة ديماً مبيقفلهوش، بس أنت روحله، قوله حقك عليا يا رب، ابكي واتحايل عليه يقويك على نفسك، ادعيله وقوله، أنا نفسي ضعيفة وشيطاني قوي، قويني عليهم وخد بإيدي يا رب، عمره ما هيردك أبداً. بكى بحرقة وقال:
بعد كل الذنوب دي تفتكري هيقبلني. ردت عليه بيقين: طبعاً ربنا قال استغفروني أغفر لكم، وعد ربنا لينا إنه يغفر وإلا مكنش يبقى اسمه الغفور، وعدنا إنه يرحمنا ولا مكنش يبقى اسمه الرحيم. مهما كانت ذنوبك التوبة هتغسلها، بكت وأكملت:
أنت عارف حكاية أمي، زنت، أمي كانت زانية وجابتني من الحرام، بس ربنا بعتلها اللي تتهدى على إيده ويعلمها ويفهمها، عاشت عمرها كله تصلي وتستغفر وتبكي لربنا يسامحها، ماتت وهي ساجدة، الحمد لله قلبي ارتاح لما شوفت حسن الخاتمة واتأكدت إن ربنا غفرلها. كلنا ذنوب يابني، بنغلط ونتوب ونغلط ونستغفر، هو ده البني آدم، بس الفرق في واحد الدنيا بتلهيه ومش بيفكر يقرب من ربنا، وفي واحد قلبه لسه حي وبرغم معصيته إلا إنه بيخاف من جواه.
وأنت ربنا بيحبك وعايزك، اوعى تقوله لا، روحله وقرب منه، هيسامحك وهيرحمك وهيقويك عالدنيا، أنا واثقة من كده. شيكو ببكاء: بس أنا ظلمت ناس كتير. سهير: اللي تقدر ترد مظلمته ردها واللي متقدرش اطلب من ربنا يردها عنك، بس أهم حاجة تبقى قوي ومتضعفش ولا تخلي الشيطان يأيسك من رحمة ربنا. نظرت له وأكملت بقهر:
وأهم من شياطين الجن، شياطين الإنس يابني اوعى تخليهم يأثروا عليك ويرجعوك للطريق بتاعهم، أنا عارفة إن خروجك منهم صعب ومش هيسيبوك في حالك، بس أنا واثقة فيك وعارفة إنك قدها، قوم يابني، قوم استحمي، اغسل نفسك من ذنوبك واتوضى وصلي ركعتين لله. ابكي وأنت ساجد خلي دموعك تنضف قلبك من جواه واطلب من ربنا يسامحك ويقويك، هياخد بإيدك لما يلاقيك صادق في توبتك ومش هيسيبك أبداً.
نظر لها من بين دموعه وهو يترجاها بعينه أن تؤكد حديثها الذي أثلج قلبه وفتح داخله طاقة نور ستضيء حياته الآتية، بأمر الله. هزت له رأسها بابتسامة جميلة بعد أن فهمت ما يدور داخله. عقله وقالت: "أيوة هيقبلك ويغفرلك... هو ده يقيني بربنا."
بعد أن صعد جناحه مع ولده الروح، لم يفتح بمفتاحه كما اعتاد، بل طرق الباب. يعلم أن صغيرته تنتظره دائمًا بثياب مهلكة ولن يقبل أن يراها أحد بها حتى لو كان طفلًا. وقفت خلف الباب تنظر من العين السحرية، وحينما وجدته يحمل الطفل سحبت إسدالها الموضوع جانبها وارتدته سريعًا ثم فتحت له وقالت: "حمد لله ع السلامة... إيه ده محمود كمان! نظرت لهم بقلق وقالت: "ماله هو تعبان؟
بعد أن تحرك للداخل جلس ومعه الصبي الذي كان صامتًا صمتًا مريبًا وقال: "حبيبة نامت؟ دهب: "يا دوب لسه مدخلاها تنام بس آآآ... قاطعتها الطفلة التي أتت من الداخل وهي تقول بتذمر: "أنا صحيتي يا ببتي... مراتيك بتنام بيبو بعافية." نظر لها بغيظ وقال: "مراتيك وبتنام! تعالي يا كارثة حياتي... مفيش نوم انهارده، هنسهر سوي." محمود بهدوء: "أنا عايز أنام يا بابا." رد عليه متصنعًا المزاح:
"لااااا مفيش نوم غير لما أغلبك دور شطرنج ولا أنت خايف أغلبك؟ محمود بوهن: "مش هقدر... مش عايز." جواد: "دهب... خدي حبيبة واعملي لنا كيك عشان نفسي فيها." فهمت أنه يريد أن يختلي بالصبي. أمسكت يد الطفلة وقالت بمزاح: "ماشي بس بالله أبقى كل شوية أطمن عليا عشان بيبو بتجنني في المطبخ." حبيبة بغيظ: "بيبو مش تجنكيكي يا دود، أنا أساعدك بس." بعد أن تأكد من مغادرتهم التف للطفل وقال بحكمة: "أنا مش هقولك متزعلش... حقك...
الموقف صعب عليك أو على أي حد مكانك... بس اللي أنا متأكد منه إنك مش هتخلي اللي حصل يأثر عليك... هنتخطاه سوي... أنت اخترت أكون أب ليك... وأنا اعتبرتك ابني من يوم ما اتولدت... حط في دماغك إن ابني مش ضعيف أبدًا... هيزعل آه بس مش هيخلي زعله يغيره... حاسس إنه موجوع بس مش هيخلي وجعه يكسره... يا ابني الحياة كلها مشاكل، الجدع اللي يقف ويواجه ومهما كان صعوبة اللي بيمر بيه ميخلهوش يغيره من جواه...
بالعكس كل مشكلة وكل وجع وكل كسرة هتمر بيها... خدها سلاح تحارب بيه الدنيا عشان أنت أقوى من كل ده... هتقع وتقوم وتكمل... في ناس بتعمل كده لوحدها... من غير ما تحتاج لحد لأنها مالأساس ملهاش حد... بس بتعمل من نفسها جيش كامل تحارب بيه غدر الدنيا... وفي ناس شبهك كده عندها اللي بيحبها ويخاف عليها وديما ماسك إيدها عشان متوقعش." سحب كفّي الصبي وضمه داخل كفه الكبير وقال بقوة: "وأنا ماسك إيدك وعمري ما هسيبها أبدااااا...
طول ما فيا نفس مش هسيبك تقع... وواثق فيك وعارف إنك هتفضل ماسك فيها عشان لو وقعت تشدني وتساعدني." نظر له الطفل باستغراب وقال: "أناااااا... أنا صغير إزاي هعمل كده؟ ابتسم بحب وقال: "أنت عمرك ما كنت صغير... سنك صغير آه... إنما عقلك كبير وشخصيتك قوة... وآه عادي تشدني... مش لما بتحس إني متضايق بتقعد تهزر معايا لحد ما تخليني أضحك؟ رأسه علامة الموافقة وقال: "أيوة عشان مش بحبك زعلان." جواد:
"يبقى أنت كده مسكت إيدي وشدتها عشان تخرجني من زعَلي... فهمت يا حبيبي أنا أقصد إيه... عايزك قوي... ارجع العب مع إخواتك... ركز في مذاكرتك." ضحك بخفة وأكمل بمزاح حتى يخفف وطأة الحديث: "وأهم حاجة تاخد بالك من البلوة السودة اللي جوه دي... دي لوحدها هتنسيك الدنيا والله يا ابني... كفاية لما تقف تحط إيديها في وسطها وتردح لك زي الولية المطلقة عشر مرات." ضحك محمود بصخب على هذا الحديث وقال:
"أيوة هي مشكلة بس طيبة أوووي يا بابا، متزعلهاش عشان بزعل." ضيّق عينه وأمسكه من ملابسه من الخلف وقال بغضب مازح: "ماااا... إيه يا نحنوح... مزعلش مين يااض دي تزعل بلد... وبعدين ليه حاسس إنك بتسبل كده بعينيك وأنت بتتكلم عنها؟ رد عليه ضاحكًا: "هو التسبيل بيتحس يا بابا؟ هزه جواد بقوة وقال: "آآآآآه يا حبيب أبوك... عشان أعمى قلبي بيحس ببلاويكم السودة... واد أنت أنا مش مرتاح لك... أنت بتسبل للبت بجد؟ محمود بقوة:
"بنت عمي وأنا أولى بيها يا بابا." جواد بجنون: "نهاااارد أبوك أسود وبتقولها في وشي... إيه البجاحة دي يااض! خرجت لهم في تلك الأثناء البلوة المتحركة... وقفت وقفتها المعتادة وقالت بغيظ: "تربيتك يا بابتي... سيبه بقى عشان هو صبحتي ومش بحب حد يزعله." وقف من مجلسه وهو مازال ممسكًا بملابس الطفل معلقًا إياه في الهواء وتحرك تجاهها بغضب حتى يمسكها هي الأخرى... صرخت الطفلة بخوف وهرولت تجاه طاولة الطعام وهي تقول:
"أنت هتعلقني معاه... لالالالا! محمود بصراخ: "آآآه يا واطية بتبِيعيني! مثل جواد أنه يبحث عنها وهو يقول بصراخ: "تعااااالي هنا يا بنت الكلب... أنت بتستعَميني! خرجت لهم دهب وهي تضحك بقوة... أمسكت حبيبة لتحميها وقالت بغيظ حقيقي: "هتستعَمَا لك لييييه... مش أنت بتشوف بودنك... يبقى خلاص اعرف مكانها بقى! نظرت له داخل عينيه بقوة جعلت شكه يتأكد... ابتسم وقال بمهادنة ومسكنة: "بس لما يكون في دوشة مش بعرف أركز يا ديبو...
هتساعديني أمسكها؟ كادت أن تشق ملابسها من ذلك البريء الخادع... لو لم تكن رأته بعينيها وتأكدت بطريقتها لكانت الآن تعتذر منه... بل تبكي ندمًا على حديثها الذي أحزنه وذكّره... بعماه. تمالكت حالها وقالت بمزاح: "لا مش ممكن عشان بيبو حبيبتي وبتلعب معايا طول اليوم." محمود بغيظ: "طب أنا هفضل متعلق كده؟ همس في أذن جواد قائلًا: "بابا نزلني بقى الهيبة هتروح قدام البت... وبنتك لسانها طويل وهتفضحني وسط العيال." أكمل بخبث:
"وبعدين ينفع الحريم يتحدوا مع بعض وإحنا الرجالة نمسك في بعض؟ التف تجاهه وقال بجدية زائفة: "تصدق صح... كده العيبة هتروح... تعالى نلاعبهم كوتشينة بدل الشطرنج عشان نكسبهم ونرجع هيبتنا." محمود: "صح يا كبير هو ده الكلاااام." بعد أن استقر داخل شقته المقابلة لخاصة جواد في القاهرة، فقد غادر القرية صباحًا وحيدًا دون زوجته وأولاده... فقد رفضت المغادرة معه علها تستطيع الضغط عليه ببعدها عنه ليرجع عما فعله...
حتى الآن لا تتخيل أن مصطفى الذي كان يعشق جواد وفارس استطاع الابتعاد عنهم. وهو لم يحبذ الضغط عليها... انصاع لرغبتها مؤقتًا حتى تستطيع تقبل الأمر وتنتقل معه للعيش في القاهرة... هذا ما كان في الظاهر أما السبب الحقيقي لتركها... سنعرفه لاحقًا. أمسك هاتفه وقام بالاتصال بها وحينما جاءه ردها قال بصدق: "وحشتيني يا حبيبتي." ردت عليه من بين بكائها: "لو وحشتك ما كنتش سبتني." مصطفى بقلق: "أنت بتعيطي؟ مالك يا حبيبتي طمنيني."
بكت أكثر وقالت: "مقهورة يا مصطفى حاسة إن البيت بيتهد طوبة طوبة... إحنا عشنا في السرايا دي طول عمرنا عيلة واحدة... حتى بابا وأخويا برغم حقدهم على عمي وعياله بس برضه كنا سوي... فجأة طلعوا أبشع مما أتخيل وأكيد نهايتهم يا الموت يا الحبس... فاطمة عمالة تخلص على عيال عمي واحد واحد... وأنت... شهقت بقوة وأكملت: "أنت اللي كان روحك فيهم فجأة تفصل شغلك وحياتك عنهم... واللي مقطّع قلبي محمود." مصطفى بحزن: "ماله؟
قصت له روان ما حدث منذ قليل وبعد أن انتهت قالت: "بنت الكلب مهانش عليها تراضي الواد بكلمتين ولا حتى تقوله حاجة تطيب خاطره... لا، وقفت تزعق في جواد... الواد قهران يا عيني." مصطفى بحكمة: "جواد هيعرف يداويه متقلقيش... وإحنا مسيرنا نرجع... محدش بيستغني عن أهله." ردت عليه بفرحة يشوبها التمني: "بجد يا مصطفى... يعني ممكن لما تقعد كده وتهدى ترجع عن اللي عملته... ترجع هنا تاني في وسطنا ومع إخواتك اللي بيحبوك...
أنا مش قادرة أتخيل إن كل واحد مننا هيعيش في مكان... لما كنت بتسافر بترجع في نفس اليوم أو بالكتير تاني يوم... ببقى هتجنن عليك اليوم ده... بس ببقى عارفة إنك راجع... إنما دلوقتي... لم تستطع إكمال حديثها وبكت بحرقة... جعلت قلبه يتمزق ألمًا عليها... للحظة كاد أن يلقي بكل شيء عرض الحائط ويعود لها... يضمها بين ذراعيه... يطمئنها... يثبت لها أنه معها... ولكن... لن يفعلها ويفسد ما خططوا له... سيعود... سيعوضها... سيحتويها...
سيكون لها عائلة كاملة بعد أن تفقد هؤلاء الجبناء... قريبًا... قريبًا جدًا. أنهوا العشاء الذي لم يخلُ من المزاح وجلسوا أربعتهم أرضًا يلعبون... لعبة الكوتشينة... انقسموا إلى فريقين... جواد ومحمود... دهب وحبيبة. ولكن ذلك الخبيث جعلهم يشدون شعرهم من الغيظ. صرخت دهب بجنون: "ده سادس ولد تقش بيه... جوااااااد أنت بتغش! حبيبة بغيظ: "بيتسرق يا ديبو، حرامي يعني! جواد: "أنا حرامي يا بنت الكلب...
وأنت يا أختي أنا جايبهم من عند أبويا... ذنبي إيه إن الولاد بتحبني... احمدي ربنا إنهم مش بنات." نظرت له بغيظ ثم قالت لمحمود: "محمود ملكش دعوة بيه وخلي ضميرك صاحي... مش هو بيغش؟ محمود بخبث: "لا طبعًا بابا أكتر واحد عنده ضمير... ده أنا نفسي أبقى زيه." صرخت به: "لااااااااا كفاية جواد واحد في العيلة! مر يومان على آخر الأحداث... لم تخرج فاطمة من جناحها نهائيًا ولم تلتقِ بأحد... حتى طعامها تطلبه من الخادمة وتأكل وحدها.
أما محمود فقد اهتم به جواد كثيرًا في تلك الفترة حتى إنه جعله يبيت معه ليشعره أنه فعلًا أبوه. اليوم... عقد قران دلال ومحروس وقد أصر عبيد أن يتم داخل السرايا. لم يحضر أشخاص كثيرة... الاثنان ليس لديهما عائلة كبيرة... بعض الأقارب لدلال... وأخت واحدة لمحروس... والأولاد و... عائلة التهامي. كان يرتدي ثيابه حتى يهبط لحضور الحفل الصغير... وجدها تقول ببراءة مزيفة: "مش عارفة ألبس أنهي فستان... الأزرق ولا الأسود؟
ترك ما بيده والتف لها قائلًا باستغراب: "وأنت هتلَبسي ليه؟ في حد طالع عندك؟ ردت عليه بطريقة عادية ولكن داخلها تصميم: "لا عشان أنزل الفرح." جواد بهدوء خطر: "معلش مش فاهم... فرح إيه اللي هتنزليه؟ دهب: "إيه يا جواد... كتب كتاب طنط دلال وعمو محروس... ما أنت بتلبس عشان تحضر أهو." حاول التحكم في غضبه وقال بهدوء خطر: "وأنت أخدت قرارك كده من نفسك... ملكيش راجل تاخدي إذنه؟ ارتعشت بداخلها رعبًا من نبرته المحذرة ولكنها مثّلت
الشجاعة وقالت: "قرار إيه اللي آخده لوحدي... أنا أصلًا أصلًا عارفة إنك هتنزلني معاك... ده فرح وكله هيحضر، إشمعنى أنا؟ جز على أسنانه غيظًا وقال بغضب مكبوت: "إشمعنى ااااأنتي... من إمتى الكلام ده يا هانم... إذا كنت مش بنزلك تقعدي مع أهلي هسمح لك تحضري فرح... إزااااي يعني؟ دهب بغضب وغصبًا عنها على صوتها: "وفيها اااإيه... أنا اتخنقت من الحَبسة... نفسي أشوف ناس وأتكلم معاهم... نفسي أعيش عيشة طبيعية...
فرقت إيه وجودي هنا عن بيت أهلي... ده أنا حتى هناك كنت بخرج الجنينة أو أقف في البلكونة... إنما هنا محبوسة بين أربع حيطان وكل حاجة ممنوعة." جُن جنونه... صغيرته ستتمرد عليه... وهذا ما لم يسمح به أبدااااااا... وضع يديه داخل جيبه وقال ببرود: "مفيش نزول يا دهب... ودي عيشتك... ارضي بيها وتقبليها عشان متتعبيش يا قطة." اعتاظت من بروده وصرخت به: "لااااااا مش هقبلها يا جواااااد...
أنا مش جارية عندك عشان تتحكم في النفس اللي بيخرج مني... أنا بني آدمة وليا كيان مش هعيش عمري كله ملغية من حياة الكل." هنا لم يتحمل... القطة أظهرت مخالبها عليه... العصفور يريد أن يخرج من قفصه... سأقتل تمردك قبل أن يبدأ... يعلم أنها تأخذ حضورها لذلك الحفل حجة كي تنفس عن غضبها منه بعد أن تأكدت أنه ليس بأعمى... تخاف المواجهة فاختارت الصمت على أن تؤدبه بطريقة أخرى... لااااا... لن يحدث... جواد التهامي لن يرضخ أبداااا...
لن يسمح بابتزازه ولا الضغط عليه حتى يعترف من تلقاء نفسه. في لحظة... كانت خصلاتها بين يديه يجذبها بقوة وهو يصرخ قائلًا: "اسمعيني كويس يااااا دهب... آآآآآوعي تفكري تعلّي صوتك عليا ولا تفرضي رأيك حتى... أناااااا واااااحد بشك في نفسي... مش هقدر أخلي مراتي تقعد وسط ناس ممكن حد يبص لها... زي ما حبستك جوه قلبي سنين لحد ما بقيتي ملكي... هحبسك بقية عمرك جوه بيتي... محدش هيلمحك... مش هفتح باب الشك ليكي يا دهب...
ولا هسمح لك تفتحيه ساااااامعة؟ بكت. بقهر وقالت: مش ذنبي إنك كده، أنا واثقة في نفسي وعارفة أخلاقي، أنت بقى مش عايزة تصدق ده، دي حاجة ترجعلك، بس أنا مش هقبلها، ومش هكون زوجة لواحد مش بيثق فيَّا، سامع. شعر بحريق يأكل صدره، أتريد تركه؟ لم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها معه، كي تتحرك للخارج تحت صراخها من ألم رأسها وخوفها منه. ألقاها فوق الفراش مثبتًا إياها بيد، والأخرى
مزق ثيابها بجنون وهو يقول: أنا بقى هأعرفك إنك زوجة الشكاك، وهأخليكِ تتأكدي إنك مش هتنفعي لغيره، ولا من غيره. أعقب قوله بالتهام رقبتها، وظل يقضمها بأسنانه بعد أن رفضت بقوة تقبيل ثغرها. صرخت برعب: لاااااا عشان خاطرِي، أنا آسفة والله آآآسفة، ما أقصدش اللي قلته، أبوس إيدك ما تعملش فيا كده. كان حرفيًا يأكلها بأسنانه، ويده تستبيح جسدها بعنف، لم يسمعها، ولا يرى أمامه غير غيابها عنه وهي بين يديه.
أصبحت عارية تمامًا أسفله، أحكم إغلاق ركبتيه عليها، تخلص من ملابسه بهمجيّة، وكلما حاولت الهروب أمسكها بغباء، حتى أصبح عاريًا هو الآخر. كتّف يدها ورفعها فوق رأسها، ضم ساقيها التي تحاول تحريكهما بركبتيه، مال عليها بملامح إجرامية وعيون حمراء ينطلق منها لهيب الغضب والغيرة، ثبت نظره داخل عينيها المرتعِبة وقال بهمس غاضب ملتهب مجنون: ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!